هل الإعلام سلطة رابعة فعلًا؟

هل الإعلام سلطة رابعة فعلًا؟ ماذا لو قلت لك أنه السلطة الأولى في أهم مراكز القوى العالمية؟ دعك من التقسيمات الرسمية بين السلطات [قضائية، تشريعية، تنفيذية]، فهذه تحف أكاديمية وشكلية جدًا في الواقع. وجودها لا يطابق ولا يمثّل توزيع السلطة الواقعية والتي تغيّر وتسيطر على الرأي العام.
لو افترضنا معًا صحة هذه الفرضية، فيمكننا أن نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن ينقلب توزيع السلطة بهذه الصورة الجذرية؟ [النزاع المستمر بين البوق الإعلامي في دول أوربا، الممول من بروكسل EU، وبين القضاء البولوني أو المجري، مثال سريع وبسيط على ما أذكر].

الجواب باختزال بسيط: الديمقراطية. الجواب المفصّل سيكون كالتالي: ذاكرة الإعلام قصيرة الأمد، وهذه تتناسب طرديًا مع عمق المعرفة التي يتاجر بها في وسائل الميديا بشكل عام. ولن نبالغ إن وصفنا الإعلام بالسلطة الجاهلة، لا الرابعة. ولأن ذاكرتنا في استقبال المعلومات محدودة أيضًا، يكفي لأي جهة متمكّنة أن تشغل حواسنا السمعية والبصرية بتصوّرات وهمية عن الواقع.


وعندما أتكلّم عن الميديا، فأنا لا أقصد الإعلام فقط: حاول أن تبدأ، إن لم تباشر بعد، بفهم دورة حياة ”الحقيقة الديمقراطية“ داخل سلسلة الدولة ـ الأكاديميا ـ والإعلام.
عن هذه العلاقة يكتب ماثيو باتاليولي في ”عواقب المسواة“:

”الدولة، وخاصة الدولة الديمقراطية، بحاجة دائمة لمزيد ومزيد من الدعاية، وهكذا تصبح الدولة مستعدة جدا لتوظيف أعداد هائلة من الأكاديميين للتغلغل في المؤسسات التعليمية للأمة وتوفير تلك الدعاية. وليس هذا فحسب، فما أن يصبح الأكاديمي موظفا لدى الدولة، وبالتالي معتمدا عليها في دخله ومعيشته، سيصبح أشد عرضة لأن يكون منافحا صلبا عن الدولة. ولكن هؤلاء الناس هم بالفعل أميل بشدة لأن يكونوا يساريين سياسيا في العموم. وذلك لأن الأقل تشككا في الأسواق سيجنون رزقهم بالمساهمة فيها: عبر إدارة الأعمال، الاستثمار، و »التوفير« لآخرين. أما الآخرون، وهم الأشد تشككا في الأسواق، فتبدو لهم الأكاديميا خيارا أشد جاذبية للعمل. وذلك تهديدا ثلاثي الرؤوس، حيث تبحث المؤسسات الحكومية عن ناشري الدعاية الأعظم والأفضل للدولة من بين ثلة من الدعائيين الأشد راديكالية أصلا، ومن ثم تعمل على دفعهم لمزيد من الراديكالية عبر توفير كل ما يحتاجون إليه.“

حتى الآن، تبدو العلاقة وكأنها تسير في اتجاه واحد. لكن ما يحدث بعد ذلك ـ ومن هنا يستمد الإعلام وهم حيازة ”المعرفة العلمية“ ـ هو أنه يجسّد دور الرأي العام في نفس الوقت عن طريق أسلوبه المعروف في مخاطبة السياسيين وممارسة الضغوط الإعلامية عليهم وفق الانتماء الحزبي أو جهة التمويل طبعًا. وهذا سلاح انتخابي وثغرة فساد في النظام بحجم ثغرة الأوزون، إن صح التعبير، حبيبي..
فما يسوّق إلى الناخب الديمقراطي بشكل عام هو منتوج واضح نقي وذو خلفية أخلاقية محسومة مسبقًا: فالعلم يصرّح ويركّد كلام الإعلام بدون شك ـ وبشكل مفلتر من آراء العلماء المعارضين وذوي الآراء المعارضة طبعًا، والدولة تطبّق شريعة السماء في دين الإنسانية. يو نيد بگ بولز and بيگ لاك كي تعترض دون أن تصبح مسرحية إعلامية.

وهذا المنتوج يتغير كل يوم ويكفي لأن يشغل حواسك وذاكرتك بصورة مرسومة مسبقًا عن الواقع السياسي دون عناء البحث والتقصّي عن المعلومات بنفسك. وكي لا تنسى، أحب أن أذكرك بكسل البشر عندما يتعلّق الأمر بالتفكير..

ومشكلة هذه الثغرة أنها كبيرة بشكل لا يجعلها تحدد مصير الانتخابات فحسب، بل تحدد ملامح الرؤية الأخلاقية عن النخبة الحاكمة أيضًا، ولا يوجد سياسي ينوي اعتلاء عرش السلطة في بلاده دون تقبيل خاتم الإعلام: أقصد دعم حرية الصحافة والإعلام طبعًا، لا يروح بالك بعيد.

تأثير هذه المنتوجات السريعة والمختزلة جبّار ويمكن أن يدوم لعقود طويلة، لا بل لقرون من الزمن.

البارحة وأنا أتصفّح كتاب The German Way of War مر علي مثال عن العلاقة المتوترة بين الإعلام وبين الحزب النازي في المانيا في بداية الأربعينيات. علاقة متوترة؟ نعم، مع الإعلام الخارجي طبعًا، وفي بعض الأحيان مع ”شطحات“ في إعلام الداخل.
لو أردت اختزال الحرب العالمية الثانية من ناحية حربية، فمصطلح Blitzkrieg يفي بهذا الغرض. وهي معلومة شائعة حتى يومنا هذا. لكن من ناحية تاريخية، فإن هذا المصطلح منتوج إعلامي رفضه قادة الڤيرماخت Wehrmacht بشدّة ولأسباب عسكرية واضحة: فعلى عكس ما روج إليه الإعلام، لم تكن هذه الاستراتيجية جديدة إطلاقًا، وإنما جسّدت الاعتماد على طريقة الحرب الألمانية التقليدية منذ عصر الإمبراطورية الألمانية ووفق تقاليد بروسيا العسكرية. فالمجازفة بالبحث عن ثغرة بين أجنحة العدو ومحاولة حسم الحرب في معركة واحدة، هي استراتيجية بروسية قديمة طبّقها الألمان في حروبهم مع نابوليون وفي الحرب العالمية الأولى أيضًا. هي فقط نجحت بشكل حاسم وباهر في الحرب العالمية الثانية بعد أن تمكّن الألمان من توفير جميع الشروط العسكرية [غطاء جوّي + زحف مركّز لقوّات مدرعة أو آلية]. بل أنه لا توجد أدلة على أن العسكريين الألمان قد استخدموا هذا المصطلح في كتبهم وتقاريرهم العسكرية.

لكن الجهل الإعلامي بتفاصيل وتاريخ التقاليد العسكرية، أعطى للمصطلح شهرة أزعجت القادة الألمان أنفسهم، حتى ذكروا مرارًا أن سر النجاح العسكري لم يكن حصيلة الحنكة العسكرية النازية، بل هو نجاح نابع من تقاليد عسكرية قديمة ومن انضباط صارم. [على الأقل يملك النازيون هذا الكم من الاحترام للذات، يمنعهم من استغلال مديح الصحافة العالمية..].

وأنا هنا لا أكتشف طرق التسويق الإعلامي والإشاعات مجددًا. هذه أمور بديهية. أنا فقط أستدعي أمثلة حيّة من ذاكرة التاريخ، كدليل بسيط على عمق الكذبة التاريخي. إضافة إلى ذلك: معرفتك الجديدة بأصل المصطلح لن تغيّر من أي شيء أصلًا . فالإعلام لا يملك رمزية تمثّله، وبالتالي لا يحتاج لاعتذار وتصحيح رسمي ولا حتى هو مطالب بتحمّل أي مسؤولية أخلاقية.
لاحظ أن الإعلام يطالب دائمًا دون أن يوفر هو أي مقابل. ولعل أجرأ وقاحة سياسية معاصرة هي المطالبة بـ ”حرية الإعلام“. وهم لا يصدق به سوى المغفّل السياسي أو السياسي الذي يريد أن يحتال عليك أو يسوّق إليك بضاعته. وأنا أجد أن أي نقاش جدّي حول مستقبل السلطة في أي رقعة جغرافية، يحتاج إلى ضبط الدور الإعلامي من ناحية المنفعة العامة والمسؤولية الأخلاقية وتبعاتها.


الاختراقية ـ مانيفست سياسي للخروج من أزمة الديمقراطية والفوضى ٢/٤

‫تنظير سياسي: الاختراقية ـ مانيفست سياسي للخروج من أزمة الديمقراطية والفوضى


٢/٤ اختراق الأسطورة

قبل أيام قليلة كتبت مقالًا عن موضوع شغل اهتمامي في الآونة الأخيرة لدرجة جعلتني أعيد النظر جذريًا بعلاقتي ككاتب مع القارئ واختياري لأي وسط أو أسلوب [يراعي عامل الزمن] يعالج انحسار شباك الانتباه والاستيعاب عند المتلقّي المعاصر [أي هوموسابينس مرتبط بالإنترنت] في ظل التنافس الشديد للحظي بانتباه ووقت المتلقّي وهذا الصخب الفوضوي والتراكم المعلوماتي الذي لا تسعه قدراتنا الذهنية القديمة تطوّريًا لو قيّمنا هاردويراتنا [أدمغتنا] من جانبها التطوّري والوظيفي. 

أنا بشكل عام لا أكتب للعامة بل للمهتم فقط ـ عقلية أفترضها ذهنيًا، كما ولا أنطلق من افتراض أن أي حل سياسي يجب أن يأتي من الأسفل نحو الأعلى، بل على العكس، وأظن أن هذه بديهيات يتفق عليها أي مفكّر بعقلية فلسفية يمينية عودية. لكن التذكير هو من باب ترتيب العلاقة القصيرة الأمد بيني وبينك خلال الدقائق القادمة، مفترضًا أن القارئ في المتوسّط هو شخص مهتم ويستمد أغلب تركيزه في قراءة مثل هذه المقالات واستثمار وقته ”الثمين“ من رغبة باطنية حقيقية. دوافع هذه الرغبة تتناوب بين المتعة، الفضول، الرغبة بالتسلّح فكريًا وبين الحفاظ على تواصل مستمر مع الأجواء السياسية. 

عالم السياسة واسع جدًا، وله اتجاهات فلسفية مختلفة قد يسعها عقل المطّلع البسيط، لكن العمق الفلسفي السياسي لكل نظرية يوازي أحيانًا أعماق البحار، وحجم الفجوة يكبر مع كل كتاب تقرأه. من باب، هذا يعلّمك التواضع في تفكيرك، لكن من باب آخر، الحياة تستمر وبقساوة وفيها مشاكل وكوراث سياسية تصرخ في وجهك مطالبة بحلول سريعة، واقعية. كما يكشف لك سطحية وركاكة بعض البالونات الفكرية التي تشغل حيزًا تاريخيًا لا تستحقه فعلًا.
جانب من الخبرة التي قد يكسبها المفكّر المهتم وبعمق تفصيلي ممل بالتاريخ والفلسفة السياسية يسمح له بأن ينتقل من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنظير: المعالجة. لكن قبل المباشرة، على من يملك القدرة والرغبة بمعالجة الواقع تجاوز فخّين فكريين:

ـ الخروج من دائرة التنظير الواقعي إلى الطوباوي.
ـ عدم الانصياع لمعادلة توازن القوى وتوزيع السلطة. حيث أن الرجال الذين يشاركون في حركة اجتماعية جديدة وكبيرة يتخيلون دائمًا أن عملهم القادم هو معركة من المؤكد أن تنتصر فيها قضيتهم.


مثل الفرضية العلمية، النموذج السياسي المثالي هو منتج فكري يخرج به المنظّرون بعد ملاحظة ومناقشة ”الحقائق“ المعروفة، ويسعون إلى إنشاء نموذج يمكنهم من خلاله مقارنة المجتمع الحالي وتقييمه من أجل تقدير مقدار الخير والشر، النظام واللانظام الذي يحتويه. تأثير هذه النماذج الطوباوية كان دائمًا العامل الأكبر في توجيه عقول الرجال نحو ”الإصلاحات التي يمكن تحقيقها“ من خلال إصلاح النظام الحالي نفسه.
لو تتبعت الأحداث التاريخية، خصوصًا الإصلاحات السياسية في المجتمعات البشرية في القرنين الأخيرين: سيكون من الصعب جدًا فهم الدوافع خلفها دون مراعاة ديناميكية توزيع السلطة والثروات داخل المجتمع. المحفّزات للتغير والتنظير على المستوى الأكاديمي تستمد شرعيتها من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تهيمن على الشارع وتشغل اهتمام الوسط السياسي. التغيير في قواعد هذه النماذج الإصلاحية ممكن حتى في ظل استخدام العنف كوسط لحل النزاع، وهي قابلة للتعديل والإضافة بشكل عام أو حتى الاحتفاظ ببعض القديم. ولذلك قد تأتي وتطبّق في غضون عقود بسيطة من الزمن وقد تنتهي بشكل سريع نسبيًا. 

الآن، بجانب الفلسفات السياسية أو النماذج الإصلاحية التي تغيّر من معادلة القوى بين الحين والآخر، هنالك نماذج ”إصلاحية“ تتجاوز الواقع والطوباوية حيث لا يمكن سوى تشبيهها بالأسطورة.
وعلى عكس الفرضيات السياسية أو الأنظمة الطوباوية، الأسطورة لا تخضع للتقييم المنطقي ولا لميزان التخطئة بين الصواب الخطأ. فالحقائق لا يمكن أن تثبت أنها خاطئة، ببساطة لأنه لا يمكن دحض الأسطورة وهي مدرّعة بجدار عاطفي لا يخترقه المنطق. الماركسية، الديمقراطية والفكر الثوري هي من هذه الأساطير. طبعًا لا ينبغي لنا أن نحاول تحليل مثل هذه الأساطير والأيديولوجيات بالطريقة التي نحلل بها الشيء إلى عناصره، بل يجب أن نحاول فهمها كقوى تاريخية، كتكتّلات (مظاهرات؟) اجتماعية بشرية بعواطف ونسبة مؤثرة من مصادر السلطة؛ كما ويجب أن نحرص على عدم إجراء أي مقارنة بين التبعات الكارثية في نظرنا لهذه الأحداث وبين الصورة التي تخيّلها الناس عن نفسهم وعن طبيعة المجتمع قبل أن يحدث أي شيء. 

حقيقة ما يهمني هنا هو تأثير ”الفكرة“ وسيطرتها على ذهن الإنسان كحشرة طفيلية تتحكّم بكل جوارحه وكل تصوّراته عن الحاضر وعن المستقبل. ولا نستغرب عندما يكون الشباب الطموح والمثقل بالضغط الاجتماعي والآمال وما زال في بداية صناعة مستقبله هو الضحية الأسهل لأن يهيمن على عقله خيال الأسطورة. فهم الديناميكية خلف تأثير هذه الفكرة يساعد في الكشف عن منافذ أو لا انتظامية داخل النظام نفسه. اختراق هذه المنافذ هو الوسيلة لغاية أكبر: إسقاط النظام نفسه من الداخل وبوسائله.  

بعيدًا عن التصوّرات النظرية، دعنا نعود إلى الواقع: الناس الذين يعيشون في عالم الأساطير هذا هم في مأمن من كل تفنيد ونقد، ولذلك أنظّر ”لاختراق“ هذه الأنظمة بنفس الوسائل التي جاءت بها، من داخل الأسطورة نفسها. وقبل أن أقع في مغالطة تقليدية: شخصيًا لن أراهن على شيء ولا أضمن أن الفكرة ستصل لمن يملك مستلزمات التغيير الشرطية: السلطة والمال والنفوذ.
في تأمّلاته حول العنف (ربما أفضل ما كتب في تحليله لعلاقة العنف والفساد العكسية)، ذكر الفيلسوف الفرنسي الذي غازل الفاشية والماركسية معًا، جورج سورل، أنه لا يوجد فشل يثبت أي شيء ضد الاشتراكية. ببساطة، لأن الاشتراكية [والديمقراطية كذلك] أسطورة أصبحت مرادفًا تحضيريًا للثورة في ذهن الكثير من دعاة دين الإنسانوية ومن الأجيال الجديدة التي لم تذق طعم المر وتجارب الماضي الدموية التي قدّمتها الأنظمة الشيوعية والاشتراكية وما زالت حتى اليوم. أسطورتها تجعلها تستمر إلى اليوم، فحتى إذا تم إخضاعها لميزان التخطئة، فهذا يثبت فقط لهؤلاء أن المحاولة لم تكن كافية أو جادة أو كما بدأنا نسمع مجددًا في الآونة الأخيرة: الفشل في التطبيق لا في النظرية، والاشتراكية لم تجرّب بشكل ”حقيقي“ بعد؛ وعليه، يجب أن يشرع المناضلون في العمل مرة أخرى بمزيد من الشجاعة والمثابرة والثقة أكثر من ذي قبل.

حتى تستمر عبر الأجيال، رغم السجل السياسي والاقتصادي الكارثي عبر التاريخ الحديث، يجب أن تحمل هذه الأسطورة في داخلها على تصوّرات اجتماعية مضادة للنقد، مضادة للتاريخ، أشبه بالطفرات التأقلمية التي تجيد باستمرار تحفيز الوعي الجمعي داخل أمة أو شعب أو طبقة اجتماعية معيّنة وتكون قادرة على إثارة مشاعرهم وتوجيه طاقاتهم نحو صياغة هوية جمعية تقمع الهوية الفردية بشكل ضمني. استيعاب البعد الأسطوري لهذه الأفكار التي تحرّك [الثوريين النشطاء] ورفاقهم بقوة، لا يساعدنا في اختراق هذه الأنظمة فحسب، بل يذكّرنا بأن الحضارة التي لا تحافظ على نفسها ولا تمرر هذه المعرفة إلى الأجيال القادمة، سوف تصبح هي الأخرى ضحية لنفس الأسطورة في المستقبل.


لكن ما الّذي تشترطه الأسطورة، بجانب المناعة التاريخية، قبل أن تصل لهذه المرحلة؟
دعني أصفه بالاختلال الوظيفي. ولأن المصطلح مستوحى من المناخ الفكري في مهنتي، سأعتمد عليه في توضيح الفكرة: الخلايا السرطانية في العادة تحتاج إلى طفرات جينية تمكّنها من تجنّب الموت عند مواجهتها خلايا منظومة الجهاز المناعي، هذه الطفرات قد تحدث في مئات الجينات داخل الخلية حتى تمتلك هذه القدرة. هذه القدرة على الاستمرار وتجنّب الموت الخلوي تأتي دائمًا على حساب الأداء الوظيفي الطبيعي للخلية. الأنظمة الاشتراكية الشيوعية والديمقراطية تطوي في جوفها خللًا وظيفيًا تطفو آثاره إلى السطح بشكل لا يمكن تجاهله لو حللت ديناميكية الحراك الاجتماعي داخل أي نظام ديمقراطي. سأعود لهذه النقطة بعد قليل. 
الخلل الوظيفي هذا وفشل الأنظمة هذه في تطبيق التصوّرات وتحقيق آمال المنظّرين والثوّار قبل اندلاع الثورات يضفي على هذه الأنظمة طابعًا أسطوريًا بجانب مناعتها النقدية ضد التاريخ. لو سألت أشد المعجبين والمدافعين عن الديمقراطية كنظام حكم غير استبدادي عن رأيه في الوضع الديمقراطي الحالي في أبرز الدول التي تصنّف نفسها وفق هذا المعيار، ستجده يقر بأن الأنظمة هذه تحتاج إلى إصلاحات وأنها مهددة دائمًا وفي خطر مستمر. في عام ٢٠١٥ كنت أطالع كتاب ألن ولف ـ ”مستقبل الليبرالية“
وكيف أن الليبرالية بحاجة ماسة على استعادة التوازن السياسي والفكري خصوصًا بعد الكساد الاقتصادي في ٢٠٠٨. يقول ولف: 
”يجب تذكير المجتمعات الديمقراطية الليبرالية باستمرار بأخذ الليبرالية التي تحدد هويتها على محمل الجد؛ كما ويجب أن تفهم النداءات المطالبة بإلغاء القواعد الأخلاقية والقوانين الديمقراطية كفرصة للتذكير بأهمية هذه القواعد ولماذا جاءت في بادئ الأمر.  […]

وكما لا ينبغي لنا أن نتجاهل الليبرالية من النوع المزاجي الطموح والتقدّمي، المنفتح على الشعور بالاكتشاف والتطلّع إلى المستقبل بإثارة والتعامل مع العالم بروح كريمة.

لكنه شيء آخر ومرفوض عندما يتحول اليساريون إلى محافظين مزاجيين، غير مستعدين لرؤية طرق حياتهم تتغير، أو أفكارهم تُتحدى، أو رؤية مزاياهم الاجتماعية وهي تنكشف. فمن غير المرجح أن تحقق الليبرالية مكاسب كبيرة في السياسة إذا استمرت في معاناتها من هذه الخسائر“.


واقعيًا هذا ما يحدث حول العالم، وربما أبرز تبعاته هي فوز ترامب في ٢٠١٦، الضربة الموجعة التي لم يستوعبها اليسار إلى اليوم. 

لكن بعيدًا عن التبرير المعهود والمحاولات الباهتة التي قد تبدر عن أي نورمي يستمد معلوماته السياسية من عناوين البوستات على الفيسبوك وتويتر، الديمقراطية نظام يمكن إثبات خلله الوظيفي بشكل تقني بسيط.
إن لم تقرأ عن تحليل روبرت ميشيلز البارع لديناميكية تحوّل التجمّعات الديمقراطية الحزبية إلى هياكل أوليگارشية، فهنا فرصة للاطلاع على بعض المفاهيم الجوهرية في تحليله الذي جاء في بداية القرن الماضي:

 مع تزايد التنظيم، يتضاءل معيار الديمقراطية ويزداد معيار الأوليگارشية. هذا ”القانون“ يصف التحول من الهياكل الديمقراطية إلى الهياكل الأوليگارشية في المنظمات الاجتماعية عامة، من الجمعيات النقابية وحتى داخل الأحزاب السياسية. يمكن تقسيم القانون إلى ثلاث فرضيات:


ـ تميل البيروقراطية إلى توليد نخبة في السلطة.

ـ المجموعات الكبيرة من الناس تشكّل دائمًا تنظيمات بيروقراطية لأسباب تتعلق بالكفاءة.

ـ الأوليگارشية الناتجة تؤدي بدورها إلى فساد هذه النخبة الحاكمة.

يمكن شرح هذه الأطروحات بالتفصيل على النحو التالي:

الأحزاب المنظمة ديمقراطيًا والشعبية خصوصًا تميل مع زيادة عدد الأعضاء نحو تأسيس جهاز بيروقراطي داخلها ينظّم هذه الكثرة. وهو أمر قد يبدو لك بديهيًا لوهلة، لكن هذه هي ديناميكية محتومة ولا مفر منها، ووراء ذلك تبعات مهمة جدًا يجب أن نضعها في الحسبان.

الهيمنة الجماعية تعني أن لكل عضو في المجموعة صوت وتأثير متساووين في المقدار والسلطة، ويمكنه بالتالي المشاركة في صنع القرار الخاص بالمجموعة بنفس القدر. بمعنى آخر، في قاعة كبيرة تجمع ألف شخص، حتى تناقش قرارًا واحدًا وبمدة دقيقتين لكل عضو، يعني أن النقاش وحده سيستغرق قرابة اليوم والنصف بشكل مستمر! تقنيًا الديمقراطية لا تستطيع تجاوز هذه النقطة، ولذلك لا مفر من الانتقال إلى النيّابية في الحكم لضمان صنع القرار الديمقراطي.

وقبل كل شيء، يجب إيجاد أماكن كبيرة بما يكفي لتوفير مساحة لجميع الأعضاء، وإلا فإن المشاركة في الجمعيات العامة غير ممكنة لجزء كبير من الحزب. ربما يبقى خيار واحد فقط وهو التجمع في الهواء الطلق، *لول*. وحتى هذا الخيار، فهو محدود في قابليته للتطبيق بسبب تنوّع الطقس والمناخ السائد. بالإضافة إلى ذلك، الجماهير الكبيرة تكون في العادة أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية في صنع القرار من المجموعات الأصغر، كما وتكون أكثر عرضة للتذبذبات العاطفية. فيديو بثواني معدودة على تطبيق السمارتفون يمكن أن يغير مزاج شعب كامل في ليلة وضحاها.
ولكي نزيد الطين بلّة، الأحزاب التي يتعين عليها فرض نفسها بسبب التنافس الشديد على السلطة مع الأحزاب الأخرى، تحتاج إلى هيكل هرمي مناسب لتجميع قواها في ”النضال السياسي“. وفقًا لميشيلز، هذا يتوافق مع التسلسل الذي لا يختلف عن التسلسل الهرمي للجيش. مركزية السلطة وبالتالي جعل العمليات والقرارات فعاّلة وسريعة بقدر الإمكان.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التفويض، حيث يتم تعيين المهام لأشخاص أو مجموعات من الأشخاص من أجل حلها بشكل أكثر كفاءة. هذا يعني أن الديمقراطية الفورية تعمل بمساعدة النظام التمثيلي. وهذه هي اللاانتظامية [anomaly] داخل النظام نفسه: استغلال الديناميكية في توزيع السلطة. تادددااا! لو امتلكت زمام السلطة وأردت اختراق النظام الديمقراطي مستقبلًا، فها أنا هنا أقدّم لك المفتاح إلى جبل إيريبور؛ مواجهة سموگ سأتركها لك.


مع تزايد التعقيد الذي يتماشى مع حجم الحزب، يحتاج الممثلون المنتخبون بشكل متزايد إلى الكفاءات من أجل أن يكونوا قادرين على إنجاز المهام الموكّلة إليهم. ويتم اكتساب هذه الكفاءات، من بين أمور أخرى، في الأنظمة التعليمية والتجارب المهنية وربما الشخصية. هذه الكفاءات المكتسبة، والتي تميّز الممثلون مسبقًا عن الأعضاء الآخرين أو الجمهور، تجعلهم يكتسبون وبشكل متزايد فرصًا أكثر وحجمًا أكبر في التأثير على سياسة ومستقبل الحزب والآراء المناسبة فيه ضمن شباك أوڤرتون. إشكالية كبيرة من الناحية الديمقراطية لو تجاهلت إرادة الأغلبية. الآن تأمّل الواقع السياسي الديمقراطي حولك، يا ترى، هل هو أوليگارشي أيضًا؟

يتبع..

رتّب الأفكار في موسوعتك أولاً: ماذا نعني بالليبرالية أو السياسة المحافظة؟ الكلاسيكية أو الديمقراطية الحديثة؟ الليبرتارية أو النيوليبرالية؟

قبل أن استهل بالتوضيح و التمييز بين المصطلحات التي ذكرتها في العنوان أعلاه، حاول كقارئ عربي أن تتقبّل أن السياسة العربية بشكل عام تستورد وتخلط المزيج المحلّي الخاص بها منذ قرون من الزمن بدل أن تساهم في صياغة التاريخ السياسي الحديث. بالطبع، ظروف المناطق العربية استثنائية وهي ضحية لأيديولوجية قديمة ومهيمنة حتى اليوم، بغضّ النظر عن الاستعمار، الحروب والتدخّلات والتقسيمات التي أنهكتها على مدى القرون الماضية.
من باب، أنا أتهم القارئ العربي العام بعجزه عن التمييز بين المذاهب السياسية الرئيسية، ومن باب آخر أعذره، لأن واقعنا السياسي والاجتماعي لا يفسح المجال للإنسان بأن يجد الوقت اللازم والمزاج الصافي للدخول في هكذا تفاصيل قد تبدوا مملة للكثير وربما محبطة للبعض الآخر. 

سأحاول هنا وضع حجر الأساس لكي تفهم السياسة العالمية أكثر في حالة كونك لم تتعمّق في الموضوع بعد، لأنك شئت أم أبيت مقيّد بالظروف الاقتصادية والحروب والاتفاقيات العالمية. العولمة والتقنية غيّرتا قوانين اللعبة. من الذكاء أن تحاول فهم العالم حولك كي تتجنّب الوقوع في مشاكل كثيرة وتقليل نسبة الخطأ. سأكتفي بالتركيز على الأسس الجوهرية التي تميّز مذهباً سياسياً عن الآخر وتفاصيل الفلسفة السياسية التي تشكّل القاعدة التشريعية لتلك المذاهب. 
قبل أن نبدأ، دعنا نتناول تعريفي المذهبين المحافظ والليبرالي بشكل مقتضب: 

السياسة المحافظة Conservatism [من اللاتينية: conservare = “حفظ” أو “الحفاظ”] هي مذهب سياسي يشير إلى الفلسفات السياسية والاجتماعية التي تعزز الحفاظ على المؤسسات الاجتماعية التقليدية وبقاء الوضع الراهن مع القليل من التغيير الحذر، فهي تعتبر الاستقرار  شيء ثمين ويجب أن يتم التغيير بشكل تدريجي من أجل الحفاظ عليه. الفلسفة السياسية المحافظة يمكن وصفها بـشكل بسيط وغير مفصّل بأنها حالة ذهنية وفلسفة سياسية تنفر من التغيير السريع والابتكار، و تسعى جاهدة لتحقيق التوازن والنظام، وفي الوقت نفسه تتفادى التطرّف. بشكل عام تفضّل التسلسل الهرمي على المساواة والقيم الجماعية على الفردية. هي سياسة ظهرت كـ رد فعل ضد الأفكار الليبرالية التي بدأت تترسخ في أوروبا خلال الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. 

في المقابل، يواجهها كمذهب السياسة الـتقدّمية، التي تعرّف نفسها كـ فلسفة سياسية تمضي إلى التقدّم والتحرر من الماضي كجزء من تطوّر المجتمع وتصارع لصالح الإصلاحات التدريجية الاجتماعية، السياسية والاقتصادية عن طريق حكومة كبيرة تتدخّل في فرض تلك الإصلاحات. هذا المذهب يمكنك أن تضعه في خانة اليسار في الطيف السياسي. الطيف الأكثر تطرّفاً في المطالب هو ما يوصف بالـفكر الثوري اليساري، فالأخير يرفض المنهج التدريجي و يطالب بالثورة. على عكس المذهب المحافظ، تفضّل التقدّمية المساواة على التسلسل الهرمي والقيم الفردية على الجماعية. والصراع بين الفكرين يدور في جوهره حول عقلانية الإنسان أو الفرد نفسه. فالفكر المحافظ لايثق بعقلانية الفرد وعدم تحيّزه، بعكس الليبرالية التي تبالغ في تقدير البشر كفرد حر وعقلاني في اختيار مصيره. لكن كما ستقرأ لاحقاً، الواقع أكثر تعقيداً ويتشابك كثيراً ويتباين حسب الوقت والمكان. سأتناول المزيج الشائع في الدول الغربية القوية كي تفهم الصورة أكثر:

السياسة المحافظة الليبرالية Liberal Conservatism

[لا ينبغي الخلط بينها و بين السياسة المحافظة الليبرتارية]
 

السياسة المحافظة الليبرالية هي أيديولوجية سياسية تجمع بين السياسات المحافظة والمواقف الليبرالية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية، أي بكل بساطة سياسة محافظة متأثرة بشدة بالليبرالية [كما هو الحال في بعض دول أوربا الغربية].

تشمل السياسة المحافظة الليبرالية النظرة الليبرالية الكلاسيكية Classical Liberalism [من روادها آدم سميث، ديفد هيوم و فولتير] للحد الأدنى من التدخّل الحكومي في الاقتصاد؛ حيث يؤمن الليبراليون الكلاسيكيون أن تحرير السوق من التدخل الخارجي الحكومي سيقود في نهاية المطاف إلى نظام يخدم المجتمع بصورة مثالية. كذلك يجب أن يكون للأفراد حرّية المشاركة في السوق وإنتاج الثروة دون تدخّل الحكومة. في نفس الوقت، من الموهم أن نثق بالأفراد بشكل كامل على التصرف بمسؤولية في مجالات أخرى من الحياة، ولذلك فإن المحافظين الليبراليون يعتقدون أن وجود دولة قوية أمر ضروري لضمان القانون والنظام. إضافةً إلى ذلك ضرورية  ودور المؤسسات الاجتماعية لتعزيز الشعور بالواجب والمسؤولية تجاه المجتمع. من الاسم نفسه نستنبط أن السياسة المحافظة الليبرالية هي موقف سياسي يدعم الحريات المدنية إلى جانب بعض التقاليد الاجتماعية المحافظة. تستطيع أن تفهم هذا المذهب كـ أيديولوجية يمين الوسط. في أوروبا الغربية هو الشكل المهيمن للسياسة المحافظة المعاصرة.

بما أن لكل من “المحافظة” و “الليبرالية” معان مختلفة تباينت على مر الزمن وعبر البلدان، فقد استخدم مصطلح “المحافظة الليبرالية” بشكل متباين أيضاً. فالواقع السياسي والخليط الديني، العرقي، الموقع الجغرافي والتاريخ السياسي للبلد،كلها عوامل تحدد الاتجاه السياسي ومراكز ثقله. لذلك حاول أن تبتعد عن التفكير الأبيض والأسود في وصف هذه المذاهب واطلق العنان لمخيّلتك كي تتصوّر نظام إحداثيات تمثّل محاوره التوجّهات الأساسية [محافظ ـ تقدّمي ـ سلطوي ـ ديمقراطي/تحرري]. لاحظ أنني أتجنّب مصطلحي اليمين واليسار، لأنهما يتباينان جداً من مجتمع و ثقافة إلى أخرى. لكن بصورة عامة تفضّل الإحداثيات السياسية لليسار اللون الأخضر وتتداخل مع اللون البنفسجي. اليمين على العكس تجد إحداثياته تتكرّر في النطاق الأزرق و البنفسجي. كما من المهم أن تميّز بين اليمين كقطب سياسي وبين اليمين كفلسفة!

أظنك ستفهم مدى صعوبة تحديد ما هو اليسار وما هو اليمين عندما نتكلّم بصورة عامة. لذلك يلجأ الكثير إلى تعريفات إضافية كـ “ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” ليصف مثلاً الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب والذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف]، الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي والهويات القومية، النسوية، سياسات الصواب السياسي، المساواة، التركيز على حقوق الأقلّيات وحماية البيئة. اليمين المحافظ لا يعني أنه لا يهتم بحقوق الأقليات أو يؤيد العنف أو حتى يرفض الانفتاح على العالم، بالعكس، لكن برامجهم السياسية تركّز على الجانب المعاكس من المعادلة أكثر وتفضّل المصالح القومية و أهل البلد على حساب العولمة مثلاً، أو يجدون في بعض الحروب والتدخّلات العسكرية ضرورة سياسية أو إنسانية وأهمية اجتماعية في التمحور حول تقاليد وثقافة البلد. التأدلج والتطرّف يمكن أن يظهران في كل مربّع و لون مختلف.

كمثال آخر على التباين الفلسفي في السياسة: تتناقض السياسة المحافظة الليبرالية مع المحافظة الأرستقراطية. فالأخيرة ترفض مبدأ المساواة كشيء يتناقض مع الطبيعة البشرية، وتحث بدلاً من ذلك على فكرة عدم المساواة الطبيعية والتي تؤكّد على التباين الجيني في الذكاء، القدرات والطموح بين البشر. ومع احتفاظ المحافظين في البلدان الديمقراطية بالمؤسسات الليبرالية النموذجية مثل سيادة القانون، حق التملّك الخاص، اقتصاد السوق الحر والحكومة التمثيلية الدستورية، أصبح العنصر الليبرالي في السياسة المحافظة الليبرالية توافقياً بين المحافظين. 

مع ذلك يفرض الواقع السياسي نفسه دائماً: ففي بعض البلدان، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، يُفهَم مصطلح “المحافظة الليبرالية” ببساطة على أنه “محافظ” في الثقافة الشعبية، مما دفع بعض المحافظين الذين اعتنقوا القيم الليبرالية الكلاسيكية القديمة ليطلقوا على أنفسهم إسم “الليبرتاريون”. بشكل مقتضب: يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد في المجتمع يملك نفسه تماماً وبالتالي فإن لديه الحرّية في التصرّف فيها وفي ممتلكاته وفي عقائده كما يشاء، شرط ألا يتعدى على حريات الآخرين و ممتلكاتهم. وعليه فهم يؤيّدون التحرّر وإزالة القيود المفروضة على الفرد من قبل الدولة والمجتمع، كالعادات والتقاليد، وتقليص حجمها قدر المستطاع.

مع ذلك، فإن التقليد الليبرالي ـ المحافظ في الولايات المتحدة غالباً ما يجمع بين الفردية الاقتصادية للليبراليين الكلاسيكيين مع توجّه محافظ “بيركي” يشدّد على عدم المساواة الطبيعية بين البشر وعدم عقلانية السلوك البشري كمعلّل للدافع البشري نحو النظام والاستقرار ورفض الحقوق الطبيعية كأساس للحكومة [ما أقصده بـ “بيركي” هو التأثّر بفلسفة إدموند بيرك، فيلسوف سياسي إيرلندي يعتبره الكثير من روّاد المذهب المحافظ الحديث و أهم نقّاد الثورة الفرنسية ١٧٨٩]. 

ومع ذلك، تجد التيار المحافظ الأمريكي هجيناً من مبادئ محافظة و ليبرالية كلاسيكية احتفظ ببعض المبادئ الأصلية وتجاهل أخرى. و بالتالي، لا يستخدم في الولايات المتحدة مصطلح “المحافظة الليبرالية”، في نفس الوقت تختلف توجّهات ونقاط ثقل الليبرالية الأمريكية الحديثة عن نظيرتها الأوروبية. والعكس تجده مثلاً في أمريكا اللاتينية، حيث يوصف المحافظ الليبرالي اقتصادياً تحت عنوان النيوليبرالية، سواء في الثقافة الشعبية أو الخطاب الأكاديمي. تتذّكر ما قلته عن التشابك في المصطلحات؟ الأمر يزداد تعقيداً عندما نعود لأوربا مجدداً. 

في اعتناقهم لمبادئ الليبرالية والسوق الحرّة، مازال بإمكانك التمييز بين هؤلاء المحافظين الأوروبيين عن المحافظين الذين اعتنقوا آراءً ومواقف أكثر تحفّظاً اجتماعياً وفلسفياً. البعض يلصق بهم مصطلح “الشعبوية” وهم طبعاً في خندق اليمين. كمثال للوتضيح، في أوروبا الوسطى والشمالية الغربية، خاصةً في الدول الجرمانية والبروتستانتية التقليدية، لا تزال هنالك فجوة بين المحافظين، حتى داخل التحالفات نفسها، كتحالف الديمقراطيين المسيحيين الحاكم في المانيا والذي تقوده ميركل [CDU/CSU]. على سبيل المثال، فكرة الزواج كمؤسسة اجتماعية تحتاج دعم الدولة وتقتصر على الرجل و المرأة وتشكّل موقفاً رئيسياً عند المحافظين المسيحيين الديمقراطيين، بينما يحتضن نفس التحالف الحزبي محافظين ليبراليين ساهموا في كسر قدسية الزواج و فتحه على المثليين مثلاً، لأنهم يؤمنون بالتحرر أكثر من الالتزام بالتقاليد.
 

على العكس من ذلك، في البلدان التي دخلت فيها الحركات الليبرالية المحافظة التيار السياسي الرئيسي مؤخراً، مثل إيطاليا وإسبانيا، يمكن فهم المصطلحين “الليبرالي” و”المحافظ” على أنهما مرادفان سياسيان، وكثيراً ما ينطوي ذلك على التشديد على اقتصاد السوق الحر  الاعتقاد بالمسؤولية الفردية جنباً إلى جنب مع الدفاع عن الحقوق المدنية، دعم الأقلّيات ودعم نظام الرعاية الاجتماعية المحدود. لذلك من المهم جداً أن تفهم الجغرافية السياسية لكل دولة وتتناولها بمعزل عن التعريفات العامة. 
 

مقارنةً بالسياسة التقليدية التي يمثّلها يمين الوسط مثلاً [كـ الديمقراطيين المسيحيين في المانيا، حزب المحافظين البريطاني، الحزب المحافظ في كندا، حزب العدالة والقانون البولندي، حزب الشعب الهندي، الحزب الاشتراكي المسيحي الديمقراطي في البرازيل ] فإن المحافظين الليبراليون [كـ حزب المحافظين النرويجي، الائتلاف الوطني الفنلندي، الحزب الليبرالي الديمقراطي في المانيا، المعتدلون الجدد في النرويج] يميلون لسياسات أقل تقليدية وأكثر تحرراً من الناحية الاقتصادية، يحبّذون ضرائب منخفضة وأدنى تدخل للدولة في الاقتصاد. في الخطاب الأوروبي الحديث تجدهم يرفضون، على الأقل إلى حد ما، المحافظة الاجتماعية والتشبّث بالتقاليد. 

أظنك قد لاحظت أنني لم أتطرّق إلى الدول العربية. ببساطة لأن الأوضاع السياسية غير مستقرة وتاريخ السياسة العربية مليئ بالمطبّات والثورات. إضافةً إلى ذلك، الديمقراطيات العربية غارقة إما بالفساد، بالتطرّف الديني أو الحرب الأهلية. حتى الدول المستقرة نسبياً تحكمها أنظمة لا تتحلّى بحرية سياسية كافية لتسمح للفرد بأن يتعمّق في هكذا سياسات، أو يعبّر عنها. مع ذلك، تميل الأنظمة السلطوية في المنطقة إلى الاستقرار وتبنّي سياسات طويلة المدى أكثر من تلك الديمقراطية، وهو ما يفتح باب الجدل السياسي عن كون تحديد المصير وتدخّل الفرد في السياسة يصب في النهاية فعلاً في الصالح العام. لذلك تجد الناقد العربي السياسي المهتم يضطر لاستيراد الفلسفات السياسية الغربية وتحويرها محلياً، بدل التنظير لسياسة محلية مناسبة للتاريخ، الجغرافية والواقع. كذلك لا ننسى الواقع العربي المرتبط بثقافة صحراوية دينية تفرض نفسها كنظام دين ودولة واقتصاد لا تتسامح مع المختلفين، مما يعيق نشوء مدارس سياسية تنظّر لمستقبل على أساس واقع متهالك. 

السياسة وإن كانت مملة، فهية شيّقة أحياناً في التنظير الفلسفي وتبدأ من سلوكياتك كفرد وفي إطار العائلة إلى نطاق أكبر. لذلك من المهم أن تتعمّق أكثر و تحاول إيجاد المزيج الفكري المناسب لك ولمستقبلك و أيضاً للأجيال القادمة. 


كبسولة الصفاء ـ جرعة واحدة سوف تمحو عقلك السياسي كله

كورتس يارڤن⎮ترجمة: سيف البصري

كبسولة الصفاء، الجزء 1/5: النظام رباعي الأشواط

درّست المدرسة الإيطالية للعلوم السياسية في مطلع القرن العشرين – والتي كان من أبرز شخصياتها جيتانو موسكا وفيلفريدو باريتو، وكذلك لخصها جيمس بيرنهام في أفضل كتاب له ”الميكياڤيليون“ بعبارة: المدافعون عن الحرية (1940) – أن جميع الدول محكومة من قبل النخب الذين يُخضِعون رعاياهم بالأوهام، لا بالعنف.

وصف موسكا هذه الأوهام بأنها ”وصفات سياسية“. الوصفة السياسية هي أي عنصر سردي يجعل مضيفها يفضّل الإجراءات التي تعمل على استقرار النظام بشكل موضوعي. فقد يخضع الفلاح في مصر القديمة لفرعونه لتجنب الإساءة إلى والد الفرعون نفسه، الشمس [رع].

الوصفة السياسية هي أشبه بابنة عم السحر المسرحي. فالأخير يمارس عن طريق تقديم حقائق واقعية في نمط يشير إلى قصة مزيفة ويحجب قصة حقيقية في نفس الوقت. بينما العمل السياسي هو ممارسة على مستوى يتجاوز حياتنا وحواسنا. فلا أحد يستطيع أن يدرك الواقع بلا تدخّل أطراف ثانية أو تأثير ظروف معيّنة. نحن ببساطة نعيش واقعًا داخل قصة نقرأها على أنها حقيقة: أي التاريخ المعاصر.

لتفهم أن الرأي العام هو تأثير، وليس سببًا. لو رويت عليهم نفس القصة، فسيمتلك معظم الناس نفس الرأي. أي أن القصة تدفع نحو الرأي، والرأي يدفع نحو الفعل. تفضّل، هنا قد وفّرت عليك كتابًا كاملًا لـ والتر ليپمان [هنا يقصد كتابه Public Opinion 1922، ليپمان هو كاتب وصحفي ومعلق سياسي أمريكي يعد من أوائل من قدموا مفهوم الحرب الباردة، وصاغوا مصطلح “الصورة النمطية” بالمعنى النفسي المعاصر]. وكما قال ڤولتير: من يجعلك تؤمن بالسخافات و الخرافات يستطيع أن يجبرك على ارتكاب الفظائع.

تنص الفرضية المكياڤيلية على أن جميع الأنظمة الحديثة هي أنظمة أورويلية متحكّمة في الفكر. لكن هل هذا صحيح؟ هل تُخضع حكومتنا رعاياها من خلال محاصرة أذهانهم في قبّة مزيّفة تحاكي الواقع، كما في فلم ذا ترومان شو؟

أوه أوه..

معظم الناس لا يؤمنون بذلك. بل أن معظم من يعتقد ذلك هم، أو هذا ما أشعر به، جهلة، غير ناضجين، مختلين عقليًا أو مجرّد على خطأ. ربما هذه هي الطريقة التي تشعر بها تجاههم أيضًا. فالأشخاص الجادين يعلمون أنه لا توجد مؤامرات حقيقية – فلا يوجد أي شخص مثالي.

إنها مجرد قصة تتوقعها في داخل أي قبة تحاكي حقيقة ما من طراز الدرجة الأولى. فلا أحد يسمو فوق سحر المسرح، ولا حتى السحرة أنفسهم. فالسحر يعمل من خلال العمل بجد والتمرّن بشكل كافي للتغلّب على حدس وغرائز أي شخص. فمن السهل تعليم الجمهور الرفض الغريزي لأنواع معينة من الأفكار. ويبقى الخبراء والجادين هم الأشخاص الوحيدين الذين يجب خداعهم. ولذلك سحر المسرح السياسي هو الهندسة النفسية للشعب. كيف؟ 

ببساطة، معظم المجالات الهندسية تفوق فهم وقدرات معظم الناس، فما بالك بتعقيد السياسة وتفاصيل سياسات الدولة؟ ربما يمكنك أنت فهم المخطّط.. وربما أي شخص يستطيع الخروج من داخل القبّة. ربما أنا نفسي الساحر في المسرح؟! كن حذرًا! 

 تناول كبسولة الصفاء

إليك إحدى الطرق للتحقق من أي فكرة لا تريد تصديقها: افترض أنها حقيقية، ثم قم ببناء حقيقة جديدة حول هذه البديهية. بمجرد أن تفشل، يمكنك أن تقول: لا أستطيع أن أرى كيف يمكن لهذه الفكرة أن تكون صحيحة.

مثلًا، لنفترض أنني لا أريد أن أصدق فرضية أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA تقف خلف أحداث تفجير برجي التجارة في نيويورك. في هذه الحالة أحاول بناء واقع يفترض أنها (CIA) نفّذته. في حالة فشل هذا الواقع في الصمود، أعود إلى الاعتقاد بأنها كانت مؤامرة يقف خلفها تنظيم القاعدة. 

لا أريد أن أصدق أن أو جاي سيمبسون مذنب؟ أفترض أنه بريء، ثم أبحث عن القتلة الحقيقيين. لكنني لا أستطيع حتى تخيلهم، ولذلك لا أعرف كم ستصمد فرضيتي هذه. لكنك تفهم الفكرة الآن..

هذا التحقق من سلامة أي فكرة حرفيًا آمن من الفشل. فلا يمكنه غسل دماغك بأي هراء عشوائي تقابله أثناء تصفّحك للمواقع في الإنترنت. إذا لم ترَ فتحة في القبّة، فستبقى في واقعك الحالي. وفشلك هو برهان مكافئ عكسي على أنك إما كنت على صواب أو أن خيالك كان ضعيفًا. وفي كلتا الحالتين، حان الوقت لشريحة لحم أخرى.

طبيعي أن أنبّهك على أن نجاحك – يبقى لك. فلا أحد يحتاج منك أن تصدّق أي شيء آخر. هذه الكبسولة محايدة، جحودة و بلا طعم. إنها مجرد علاج واسع الطيف والمفعول لوصفات سياسية رائجة. لا تطوي في جوفها أي معتقدات خاصة، صحيحة كانت أو خاطئة. الكبسولة تقول أنك داخل قبّة. ولا تفترض أي شيئ عن العالم الحقيقي خارج تلك القبّة، فقط أنك لا تعرف شيئًا عن هذا العالم في الخارج – فقط بعض الحقائق. حتى أنها لا تتحدى أي من هذه الحقائق. إنها مصنوعة من فلسفة خالصة ولا تحتوي على وقود نفاث أو عوارض فولاذية. جربها! أعدك بالمتعة!

الهدف من الحياد

التاريخ الحقيقي ليس مجرّد مجموعة من الحقائق. إنه قصة حقيقية مصنوعة من الحقائق. اليوم تجد قصص متعددة ومتلوّنة متاحة لنا من ضوء الحاضر، كالديمقراطية، الدستورية والفاشية. والغرض من هذه الكبسولة هو تقديم معيار لا تجتمع أي قصة من تلك القصص حوله. وتطبيق هذا المعيار  يعني عدم تصديق أي قصة على الإطلاق.

أن تكون محايدًا يعني القبول بأنك لا تفهم التاريخ الحالي. فالحياد هو نوع من الإلحاد السياسي. وانعدام القناعة السياسية يعني الامتناع، ليس فقط عن العمل السياسي، بل وبشكل مثالي حتى عن الرغبة السياسية – الثيموس Thymos (الرغبة الباطنة عند الإنسان؛ مصطلح صاغه أفلاطون) عند اليونانيين القدماء.

العمل السياسي المنتج والمؤثّر هو ذلك النشاط السياسي الذي ينطوي على مجموعة تتصرف داخل ووفقًا لسرد القصة السياسية. بينما أنت مجرّد شخص واحد بلا قصص. لذلك لا يمكنك تغيير العالم!

ربما اعتدت على الاعتقاد بأن هذا كان جزءًا من دورك في هذه الحياة. كإنسان. وإن كانت هذه مهمتك فعلًا، فعلى ما يبدو كنت سيئًا في أداءها، ولذلك استقلت. والآن لا تحتاج حتى إلى محاولة “تغيير العالم”. 

في حالة الحياد المثالية، والتي لا يبلغها أحد إلى حد الكمال، ستكون أنت خاليًا من الطاقة والإجهاد السياسي. حينها لن تكون ذو فائدة أو ضرر لأي سبب أو جهة معيّنة. ولن تشعر بالسخط ولا الخوف السياسي. ولن تتسبب في مشكلة، ولن تتعثر. ولا حاجة لهذه الإجازة من السياسة أن تدوم طوال حياتك. لكن الأمر وارد. الحياد هو مجرد طلاق فكري من أي سرد يفسّر العالم حولك وتقتنع به الآن. ولا يزال بإمكان شخص ما في هذا العالم أن يحكي لك قصة تستوفي معاييرك الجديدة. ولا يزال بإمكانك تصديق ما يكفي منها لتقرر العيش داخلها. لكنك الآن قد تشعر بارتياح وأنت بمفردك ودون الحاجة للتصديق بأي قصة.

ومن البديهي والضروري في خضم هذا الحياد: أن لا تصوّت، أو تتظاهر، أو تحرّض، أو تفعل أي شيء من هذا القبيل. أن تكون محايدًا هو أن تكون عديم الفائدة قدر الإمكان واتجاه جميع أطراف الصراعات. وإن لم تصبو نحو وجهة ما في السياسة بعد، فقد حان وقت إنقاذك من الذي أنت فيه!

الدعامة الجوفاء

تبدو فرضية مكياڤيلي خاطئة. وهذا ما كنا نتوقعه بالطبع. حيث أن القارئ العادي يعرف نوعين من الأنظمة في القرن العشرين ويفسّرها على النحو التالي:

النوع ”الشرير“ (الشمولي، نظام ”أولئك“) والذي تنطبق عليه القراءة الميكياڤيلية، والنوع الجيد (الديمقراطي، ”نظامنا“) والذي لا تنطبق عليه.

 النوع الشرير قاتل النوع الخيّر؛ والأخير رد عليه وقاتله وانتصر عليه. ديمقراطيتنا إذن هي عكس الأورويلية: مجتمع منفتح، سوق حر للأفكار.. صحيح؟

ما لا يفهمه الكثير هو أن التاريخ يمكن أن يروى ويكتب مثل قصة الأطفال. هذه النسخة التي نعرفها اليوم عن القرن العشرين، تم معالجتها ونزع فتيلها ـ كما كانت الأعمال الأدبية والتاريخية تعالج وتنقّح من باب الرقابة كي تناسب ”قناعة“ العصر قبل أن يقرأها ولي العرش في البلاط الملكي الفرنسي ـ و هي حتمًا لا تعرف الشك. أطفالي يتهمونني بامتلاك “الكثير من الكتب القديمة عن هتلر”. وهذا الأمر حقيقي أكثر حتى مما يتصوّرون، وقد تركني هذا واثقًا تمامًا من أن ”نظام أولئك“ (الشرير) هو بالفعل كما لو كان يروي عنه أفضل راوي قصص من ”نظامنا“.

في الواقع، هنالك عدد قليل من العصور التي يعرفها ودرسها مؤرخو اليوم أكثر من الرايخ الثالث. ولأن التاريخ يحب الخاسر، فأرشيفاته عارية، وأسراره دون حراسة.

ولكن يا ترى ماذا يثبت هتلر عنا؟ 

يمكن أن يحظى ستالين بنفس القدر من الفضل في محاربة هتلر. وقد اقترحت بعض السلطات أنه فعل ذلك لإنقاذ اليهود. ولنكن صريحين، هذا لم يكن هدفنا من الحرب أيضًا؛ ولم ننجح فيه أصلًا. 

حتى عند التدبّر الموضوعي في الأحداث الماضية، ستصل لاستنتاج إن حجّة ”الدفاع عن النفس“ لا تبدو راسخة جدًا. (لو كانت هناك خطة محور عسكري لغزو العالم، وهي نظرية اعتقد بها معظم الأميركيين قبل 75 عامًا، وهنالك قلة من المؤرخين يعتقدون بها حتى اليوم، لانتقلت اليابان إلى سيبيريا في عام 1941 ولأمست أوراسيا ملكهم).

و … هم ينتظرون منا أن نقتنع فعلًا بأن هذه النسخة الضعيفة هي بمثابة النجم الذهبي الساطع في سيرتنا التاريخية؟

حتى هذا الاستخدام للضمير ”نا“ هو أوريلي الطابع. ليسوا الأفراد، بل المؤسسات الحيّة هي من روّجت لهذه النسخة أو القصة. وبهذه النتيجة المشتبه بها للغاية، يجب علينا تبجيل علاماتهم التجارية إلى الأبد؟ إنه لحسبان معتل..

هذا التلويح بالورقة النازية، وزنًا منطقيًا تافهًا في قصتنا المشتركة في الحاضر. فأي فهم لطبيعة عمل مؤسسات الطرف الخاسر والتي زالت بعد الحرب، لا يخبرنا شيئًا واحدًا عن طبيعة عمل مؤسسات الطرف الفائز بالحرب. الدعامة التي يقدّموها لحمل روايتهم جوفاء وباطلة. وجودها أشبه بالديكور: بدون غرض حقيقي. وهنا نشهد لمحة صغيرة من الصناعة المسرحية الأصيلة.

نظرية وتطبيق: حكم الاستبداد الموزّع

على ما يبدو، الحقيقة القديمة لا تزال فاتنة. ببساطة هناك نوعان من الأنظمة، لا يمكننا إزاحتهما عن المخيّلة السياسية. فعادة، عندما نفكّر في النازية التاريخية أو الستالينية أو الماوية، فإننا نفكر تلقائيًا في الفظائع التي ارتكبت في زمن الحرب. 

عندما ننظر إلى تشيكوسلوڤاكيا في ستينيات القرن الماضي، وألمانيا في الثلاثينيات، وحتى الصين اليوم، سنلاحظ عددًا أقل بكثير من الفظائع وويلات الحروب. ومع ذلك، ما زلنا نرى نفس بنية التحكّم الهرمي، حيث يقوم شخص واحد أو فريق صغير بتوجيه الدولة بالكامل ومن جانب واحد

هذا الهيكل غائب بشكل واضح في الديمقراطيات الغربية.

فمهما كان “نظامنا”، فهو لا يملك ضمن إطاره كيانًا سياسيًا مثل الحزب الشيوعي الصيني أو الرئيس شي جين بينگ. فنظامنا ليس له تسلسل هرمي، ولا مركز. بدون زعيم ولا مكتب سياسي ولا حتى كادر. ربما هي ليست ديمقراطية حقيقية. وحتمًا ليست ملكية أو ديكتاتورية.

يا ترى، هل يجسّد نظامنا استبدادًا موزّعًا بشكل يجعله خفيًّا عن الأنظار؟ هل أن وجود نظام أورويلي لامركزي شيء ممكن؟ إذا استطعنا أن نقول لا وننفي ذلك، سنكون قد انتهينا من مهمّتنا هنا. والفكرة تبدو  مستحيلة؛ لكن، هل يمكننا إظهار ذلك؟

شخصيًا لا أظن ذلك، وعليه دعونا نتصوّر ونصمم نظامًا أوريليًا لامركزيًا علّنا نصل لجواب ونفهم أكثر.

لنفترض أنه هنالك نوعان من الأنظمة الأورويلية – مثل المحرّكات الثنائية والرباعية الأشواط. والمحرّكان لا يتفوّقان على بعضهما دائمًا. فمنفاخ ورق (أداة بستانية) بمحرّك أربع أشواط هو إفراط في الطاقة؛ وسيارة بمحرّك ثنائي الأشواط، هو مستوى بدائي غير مناسب.

ربما يكون النظام رباعي الأشواط غير مركزي؛ والنظام ثنائي الأشواط مركزي الطابع. الأوّل زاحف، الثاني حيوان ثديي. واحد سمك، الآخر حوت. فهم الفارق بينهما مهم لاحقًا لأنهما سيعبّران هنا عن نظامين سياسيين مختلفين. 

كلاهما يحكم من خلال صياغة الرأي العام. الأنظمة ثنائية الأشواط تصمم قصصها. بينما الأنظمة الرباعية لا يحكمها ديكتاتور، لذلك لا تملك مصمّمًا؛ وبالتالي يجب لقصصها أن تتبلور.

عمومًا، يعتمد النظام ثنائي الأشواط على القمع الحازم؛ بينما يعتمد الرباعي على الوهم الناعم. لكن كلاهما، كما سنرى، يمكنهما استخدام، بل أن هذا ما يفعلاه واقعًا، أدوات الاستتباب وتثبيت النظام.

دولة القصة الواحدة

النظام ثنائي الأشواط هو نظام يمكن أن نصفه بنظام القصة الواحدة. فعلى الجميع تصديق رواية واحدة – تاريخ رسمي واحد من الحاضر.

وقد نجح هذا النظام عند أمنحتب [مصر القديمة] كما نجح بالنسبة للرئيس شي جين بينگ. النظام ثنائي الأشواط يكون مناسبًا بشكل خاص للأنظمة الملكية المركزية. كما أنه يناسب الكليشيه المعياري لمفهوم الشمولية الأورويلي.

دولة القصّة الواحدة تتسم بالكفاءة، لكنها غير مستقرة. مشكلتها المزمنة هي أن الناس يكرهون أن يملى عليهم كيف وبماذا يؤمنون. وغالبًا ما يثيرون الشغب حتى عندما تكون القصة حقيقية!

أي شخص زار الصين سيشهد كيفة تنفيذ الشمولية الكلاسيكية بكفاءة. فجمهورية الصين الشعبية لا تصنع جميع السلع الاستهلاكية فحسب، بل إنها الوجهة الأولى لسياحة زراعة الأعضاء. مع أنني أتفهّم أنك قد لا ترغب فعلًا باقتناء سيارات الدفع الرباعي الصينية ذات المحرّك“ثنائي الأشواط”، حتى وإن صممت بشكل جذّاب يبرز كدرّاجات السباق..

فبدون زيت في وقوده، يسخن المحرّك ثنائي الأشواط فورًا. وفي النهاية يشتعل بالنار. 

أي دون ممارسة نشطة في القمع الحازم، وبدون أعداء جادين في الداخل أو الخارج، تضعف دولة الحزب الواحد. وبعبارة أخرى، يعفن النظام من النجاح المفرط. وفي النهاية يتم الإطاحة به من قبل فتيات صغيرات يحملن الزهور.

قد يكون النظام المثالي هو نظام القصة الواحدة عندما تكون القصة حقيقية بنسبة 100٪. لكن هذا مستوى خطير من المثالية. كما ولن يلغي هذا المستوى البديهيات الخاصة فيما يتعلّق باستخدام كل وسائل تعزيز استقرار النظام، والعنف، الصوابية السياسية والقمع غير المباشر هي وسائل بجانب أخرى..

دولة القصّتين

النظام رباعي الأشواط هو دولة مبنية على قصتين. عندما يسمع الناس قصة واحدة، يبادرون في العادة إلى التساؤل: هل هذا السرد صحيح؟

فعندما يسمعون روايتين سياسيتين، فإنهم يميلون إلى طرح السؤال: أي واحدة من هاتين صحيحة؟

لكن أليست هذه خدعة أنيقة؟ ربما عالمنا كله مبني على هذه الخدعة.

فأي نقطة يتفق عليها كلا القطبين تصبح قصة مشتركة: وهذا ما نسمّيه بالإجماع الثنائي غير المثير للجدل.

فالقصة المشتركة تحمل بين تفاصيلها ميزة جذرية: فهي لا تملك أعداء طبيعيين وبالتالي تصح تلقائيًا في عقلية الفرد. كما أن حقن الأفكار فيها أمر غير بديهي وبالتالي تصبح فرصة للربح؛ وهذه المهنة تسمى “العلاقات العامة”.

لطبيعة الحال، لا يوجد أي سبب يدعو إلى افتراض أن أيًا من قطبي الصراع في دولة القصة المشتركة، أقرب إلى الواقع من القطب الفردي داخل دولة القصة المصيرية الواحدة.

فتقسيم السرد القصصي، وهنا تكمن المناورة، لم يجب على السؤال القديم: ”هل هذا السرد صحيح؟“، عوضًا عن ذلك تفادى الإجابة بمكر. لاحظ؟ إنها الصناعة المسرحية مجددًا!

هذه الحيلة أفضل حتى من افتراض أن نكون نحن ـ بما أننا قاتلنا هتلر وهتلر كان شريرًا ـ خيّرين وعلى الجانب الصحيح من التاريخ.

هذه المغالطات البسيطة للغاية، أو هذا الاستغلال النفسي، متأصّل لدينا وبعمق في أنظمة التسيير السياسية. مثل الخطأ البرمجي في الرموز، تبقى هذه المغالطات غير مرئية حتى تنظر إليها مباشرةً؛ حينها تبدو واضحة.

النوى المدنية والسياسية

السمة الجوهرية للدولة المبنية على قصتين هي أنها لا تعتمد بدرجة كبيرة على القمع الحازم. فكما هو الحال في النظام رباعي الأشواط، فإن تكلفة هذه السمة هي كومة من الأدوار وانخفاض في الأداء، كما هو الحال في مثالنا عن منفاخ الورق.

المشكلة الهندسية الأساسية لدولة مبنية على قصتين تتمثل في احتواءها للصراع السياسي النشط وغير الضار، والذي يشغل الأطراف المتصارعة عن أي قوة ديمقراطية حقيقية. حيث تحتوي الديمقراطية الحديثة المبنية على قصتين على نواتين: نواة مدنية ونواة سياسية. الحيلة هي: نظريًا، النواة السياسية أقوى من النواة المدنية. عمليًا، النواة المدنية أقوى من النواة السياسية.

والنظام المستقر هنا يجب أن يحافظ على هذا الانعكاس على مستوى السلطة. إذا ضاع الاستقرار، تأخذ النواة السياسية بزمام الأمور عمليًا. لوهلة، يعمل المحرّك بشكل ديمقراطية حقيقي – ثم يتحول إلى شيء آخر، أو مجرد تشتعل فيه النيران وينفجر. تأمّل فقط مصير ألمانيا عام 1933.

مع ذلك، فإن الانقلاب الظاهر هنا هو في النهاية مجرّد خدعة. فالنواة السياسية تقدَّم للعوام وكأنها الحاكم الحقيقي. والنواة المدنية تقدَّم إلى الناسكأداة للحكم. لكن التدفّق الباطن والحقيقي للسلطة هو عكس التدفّق الظاهر.

فالرأي العام لا يوجّه النواة المدنية [المجتمع المدني]؛ لأن الأخيرة هي التي تقود الرأي العام وتسيطر عليه.

دولة القصة المصيرية الواحدة تحتاج  إلى ممارسة القمع المستمر؛ بينما تحتاج الدولة المبنية على قصتين إلى صناعة مسرحية مستمرة، إلى نواة مدنية تقمع بشكل غير مباشر وتقدّم الوهم بأنها أداة الشعب، أداة للحكم. 

في اللغة المعاصرة، تشير التسمية ذات الطابع الإيجابي، “الديمقراطية”، إلى النواة المدنية: أي يجب علينا جميعًا أن ندافع عن “الديمقراطية” من “السياسة”، والأخيرة هنا هي شارة سلبية وفق المفهوم المعاصر. والواقع المرير هو أن الناس يصدّقون فعلًا بهذه اللغة المخادعة.

هذا الانعكاس هو العلاقة بين البرلمان والملكة التي وصفها الصحفي البريطاني والتر  باجهوت قبل 150 عامًا: الناخبون هم الملكة.

على الرغم من كونها إمبراطورة الهند، لم تكن الملكة ڤيكتوريا ضمن دائرة الحكومة الهندية؛ أو الحكومة البريطانية. كما أنها في نفس الوقت لم تفقد أهميتها، وحظيت باحترام الجميع.

وهذا يذكّرني بتسوية هانوڤر، والتي نصّبت ملكية “دستورية” لتحل محل ملكية حقيقية.

ڤيكتوريا يمكن من باب المقارنة أن تضعها بين إليزابيث الأولى، كـ ملكة ”حقيقية“ (وإن كانت تعتمد على أرض الواقع على مستشاريها المدبّرين خصوصًا الداهية وليام سيسيل ومن ينتمي لهذه العائلة) و بين إليزابيث الثانية، كـ ملكة رمزية.

ناخبو اليوم لا يعرفون كيفية إدارة الدولة، مثلما هو حال إليزابيث الثانية التي لا تجيد إدارة قصر وايتهول [حيث تقطن الحكومة]. 

بعبارة أخرى، قد يرغبون في الهبوط في المطار الصحيح. إلا أنهم لا يملكون أي فكرة عن كيفية التحليق بالطائرة. فالطبيعة الأم لازمت الضعف والخنوع معًا: فقد قضيت بأن يبدو الضعيف ظاهرًا وكأنه يحكم، فلا يمكنه أخذ السلطة أو حتى الاحتفاظ بها. الضعفاء لم ولن يحكموا أبدًا. فأينما تولى عاهل صغير الحكم، حكم مكانه شخص آخر.

النواة المدنية

النواة المدنية هي الإدارة المدنية الدائمة، أو ما تسميه الصحافة في الدول الأخرى “المجتمع المدني”.

“المجتمع المدني” يعني جميع المؤسسات الشرعية المصممة لخدمة أو توجيه الدولة أو الجمهور. وهذا يشمل الصحافة، والأوساط الأكاديمية، والعمل الخيري وهلمّ جرا. هذه الأعضاء الحاسمة تصل ذروتها من التأثير وتكون أكثر أمانًا وديمقراطيةً عندما تبقى خارج نطاق المساءلة السياسية.

وفي حين أن الإدارة المدنية تملك العديد من وسائل الحماية، إلا أنها تظل من الناحية النظرية تابعة لرئيس الدولة. ولو نظرنا إلى مؤسسة حاسمة لديمقراطيتنا مثل الصحافة، فحينها قد لا يبدو من الصواب أن نمتلك وزارة خاصة للمعلومات، باستثناء وقت الحرب. (أبان الحرب العالمية الثانية كان للولايات المتحدة مكتبًا للمعلومات الحربية OWI وفي الحرب العالمية الأولى ما سميت بـ لجنة شؤون الإعلام)

المجتمع المدني لا يمتلك نقطة فشل واحدة. وهذا لطيف، مع ذلك، يصعب عدم ملاحظة ثلاث حقائق مثيرة للقلق حوله:

أولاً: ليس له مركزًا تحكّميًا، لكن نظام سمعته يبدو كذلك أو ثابتًا على الأقل.  حيث أن مكانة الجامعات المرموقة والصحف المشهورة لا تبدو خاضعة للتغيير. وهذا يجعل المؤسسات بين حالتين: إما لا تشوبها شائبة أو تجدها غير قابلة للتفسير وغير مسؤولة، وبالتالي مؤدلجة.

ثانيًا: يبدو أن هناك قوة غامضة تقوم بتنسيق هذا النظام أيديولوجيًا، وأن كل هذه المؤسسات المرموقة، رغم كونها منفصلة تمامًا من الناحية التنظيمية، تتفق مع بعضها البعض بشكل سحري ومثير للانتباه. فعندما يغيرون رأيهم، يغيّروه معًا وفي نفس الاتجاه. هذه القوة ليست مركزية، ولكنها تعمل مثل المركز. أو قد تكون مجرد مستوى معتل تمامًا من ”الحكمة“ الجماعية. لكن هل هذا فعلًا صحيح؟

ثالثًا: من ميول هذه القوة الغامضة هو تعزيز الوصفات السياسية الفعّالة. فالمجتمع المدني يفضّل بطريقة ما الاهتمام بالأفكار التي تجعل المجتمع المدني نفسه أقوى. فهو ما يزال سوقًا للأفكار. كما أنه يميل إلى الانشغال بالأفكار السديدة. مع أنه لا يتم محاذاة هذه التفضيلات دائمًا.

إذا استطعنا شرح كل هذه الظواهر، فيمكننا فهم وشرح كيف يمكن للمجتمع المدني اللامركزي، والمحمي بشكل فعّال من الديمقراطية، أن يتحوّل بالفعل إلى استبداد وطغيان أورويلي موزع. لكننا سوف نؤجل هذه النهايات الفضفاضة حتى المقال النهائي.

صمام السلطة

كيف تحمي النواة المدنية نفسها من النواة السياسية التي تهيمن عليها اسميًا؟ 

هنالك دائمًا صلة دستورية تربط بينهما. وهذه الصلة تخضع لقواعد الجانبين. أي يجب أن تكون غير خاضعة للمساءلة وديمقراطية في نفس الوقت. إنه الكونگرس.

تشريح الصلة هذه هو المفتاح نحو فهم أعمق. إنه الصمام الذي يعكس التدفق الدستوري للسلطة. فالكونگرس يعمل “كأداة رادعة“ للديمقراطية الحقيقية، أي عدم إعطاء أي سلطة فعلية للناخبين.

من الناحية النظرية، الإدارة المدنية هي جزء من السلطة التنفيذية وتقاريرها تقدّم إلى الرئيس. في الممارسة العملية، كما أشار وودرو ويلسون [الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين (1856–1924)] في عام 1885 موضّحًا أن “الشكل الفعلي لحكومتنا الحالية هو مجرد مخطط لسيادة الكونگرس التشريعية“. الرؤساء الأقوياء في القرن العشرين – كـ ويلسون وروزفلت – وجدوا طرقًا لترهيب الكونگرس، ولكن فقط بعد تحالفهم مع نواة مدنية شابة وصاعدة.

قد يشغل البيت الأبيض عدة آلاف من المكاتب في العاصمة، وجميع الوكالات الحكومية التابعة له تعمل بشكل جيد دون أي موظّفين مشرفين ومعيّنين بشكل خاص، مع أنه لن تعترف أي وكالة بذلك.

في المكتب، يمكن أن يسبب هؤلاء الأشخاص مشاكل حقيقية – الأمر الذي يؤدي بدوره إلى حدوث مشاكل في العلاقات العامة لرئيسهم المتضعضع في موقفه السياسي. حتى المشرف المعيّن لا يمكن أن يجبر أي قسم في وكالة حكومية ما على فعل أي شيء لا تريد القيام به.

من الصعب أن تكون ”مسؤولًا“ عندما تكون مؤقتًا ولا تستطيع أن تطرد أو حتى تعيد تنظيم الموظفين الدائمين الذين ”يعملون عندك“. هذه التمثيلية هي ضمان رئيسي للدستور غير المكتوب، لأن الرئاسة تظل جهازًا ديمقراطيًا وظاهريًا. فعلى الأقل، يهتم معظم الناس العاديين بالانتخابات الرئاسية، وعلى الناس الاحتفاظ بهذا الوهم.

لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للكونگرس، الذي هو، ومنذ فترة طويلة، مؤقت من الناحية النظرية ودائم على مستوى التطبيق. مرة أخرى: الصلة بين النواة المدنية والنواة السياسية يجب أن تبقى ديمقراطية وغير قابلة للمساءلة. والكونگرس يطابق هذا الوصف تمامًا.

منذ عام 1983 ومعدّل شغر المناصب في مجلس النواب لم ينخفض ​​بنسبة تقل عن 80 ٪، ومجلس الشيوخ أيضًا لم ينخفض معدّله ​​بنسبة تقل عن 60 ٪ منذ عام 1980؛ الأرقام المعتادة هي 90+ و 80+ ؛ فالأقدمية والوظائف السياسية الأخرى تسد هذه الفجوة المؤسسية بسهولة.

ومع ذلك، ومن الناحية النظرية، يمكن للناخبين أن يغيّروا مجلس النواب وبنفس اليسر مجلس الشيوخ – وحتى الوظائف السياسية الجانبية. وبما أن الناخبين لا يقدمون على ذلك، فهذا يعني أنهم راضون من الناحية النظرية عن الوضع كما هو. ورغم ذلك، تجد أن معدل شعبية الكونگرس لا يتجاوز الـ 20 ٪. 

لكن لو استطاع الناخب إنجاز هذا التحويل، سيصبح حينها كل شيء ممكنًا، لكنه مستبعد.

الكونگرس عبارة عن نقطة تقاطع للسلطة، وليس مركزًا لها. فهو لا يمارس السلطة، بل يفوضّها. والمشرعون ليسوا في الواقع رجال دولة. فهم لا يناقشون الأفكار ورؤاهم ـ كما فعل كاتو الأكبر وشيشرون ـ حول مفهوم الخير. لإنهم لو قرأوا شيئًا ما فسيلقون خطابًا أمام الكاميرا كتبه على الأرجح أحد الموظّفين عندهم. مهمتهم الحقيقية هي جمع التبرعات وتوطيد العلاقات العامة فقط.

الموظفون هم من يقومون فعليًا بالعمل، لكنهم رغم ذلك لا يكتبون الفواتير الفعلية. فلدى الكونگرس مصدران للمساهمة التشريعية: النشطاء وجماعات الضغط (اللوبي). يأتي النشطاء من أجل الحصول على بعض رفات السلطة؛ بينما يلهث جماعات اللوبي خلف المال.

النشطاء هم ديموقراطيون. جماعات الضغط هم عاهرات المال.

يدير الكونگرس واشنطن من خلال تنسيق القوى الناشطة والقوى المالية مع الوكالات الحكومية نفسها، في أعقاب الدور الملهم الذي تلعبه الصحافة، الرأي الأكاديمي المؤيّد، وكرم العمل الخيري. هذا الدستور الحقيقي غير مدوّن في أي مكان.

والعاصمة لا تحتاج حتى إلى سلطة تنفيذية. فالإمبراطورية الداخلية (“السياسة الداخلية”) بالكاد ستفتقد البيت الأبيض لو اختفى من الوجود، فكل ما ستلاحظه هو أن مصدر ًا للفوضى قد اختفى. الإمبراطورية الخارجية هي الأخرى (“الأمن القومي”) يجب أن تتجاوب مركزيًا مع الجهات الخارجية الفاعلة والتي لا يمكن التنبؤ بها. أي إنها تحتاج إلى أوراكل: إلى مصدر للقرارات النهائية.

ويالها من خدعة سحرية! جهاز الردع الديمقراطي ليس قبيحًا، بل طبيعي وجميل. تبلور من الظروف ولم يخترعه أحد؛ مع أنهم اخترعوا شيئًا آخر بالفعل: لكن هذا الشيء قد فشل ومات، حتى أخذ هذا الشكل. صدفة الحلزون القديمة هي منزل السلطعون الجديد.

ببساطة، الديمقراطية لا تنجح، لذلك ومن المتوقّع أن يتم ردعها؛ وأولئك الذين لا يستطيعون التعامل مع الحقيقة لا يستحقونها. مع ذلك فكر في كل الأصوات الصاخبة، وهي تطالب الشعب الأمريكي بالانتباه إلى مشاكل ملحّة تتطلب اهتمامًا فوريًا، بينما تتناسى ذكر، ولو لمرة واحدة، أنهم يهتمون بالانتخابات الخاطئة.

النواة السياسية

صمام السلطة هذا يعمل بشكل رائع! ولكن مثله مثل أي صمام: قدراته محدودة. يمكنه أن يمنع التأثير المباشر للرأي العام على النواة المدنية، ولكن فقط عندما يكون الرأي العام نفسه خاضعًا لسيطرة معقولة. إذا انقلب كل السكان ضده، فسوف يتمزق. 

فكل نظام حكم يحتاج إلى توجيه الرأي العام. لكن من هو هذا الجمهور؟

كما كتب أورويل، كل المجتمعات لها ثلاث طبقات بشرية. الطبقة العليا والعوام والدهماء. الطبقة العليا هي من سكان المدن، مثقّفة وطموحة. العوام هي طبقة من الضواحي، متعلمة ومستقلة. والدهماء هم بروليتاريا ولومبنبروليتريا كارل ماركس: غير متعلمين وغير مستقلين وعالة على الآخرين.

السيطرة على الدهماء والعوام

كان الرومان محقين في خصوص سياسة ”فرّق تسد”. فالصراع الطبيعي يألّب العوام ضد الطبقة العليا والدهماء معًا. هذان الجانبان يحملان نظريات غير متوافقة حول مفهوم الحكومة. فعامة الناس يرون أنها جمعية خدمية، بينما يفهم الناس من الطبقة العليا الحكومة كظاهرة روحية، قوة للخير ومصدر لغاية. الدهماء أو الطبقة السفلى هم ما يصفهم علماء السياسة الهنود بـ “البنك الانتخابي؛ فهم دائمًا يتبعون الطبقة العليا. فنظرًا لأن النواة المدنية مكتظة بأفراد من الطبقة العليا، فإن هذا التحالف يصبح جبهة دفاعية أمام النواة السياسية. أو يمكن للتحالف المدني أن يقدم على خطوة أفضل ويختار الهجوم في هذه اللعبة السياسية.

عندما يخسر هذا التحالف، تصبح العمليات الفعلية للحكومة معرضة لتأثير السلطة السياسية. لكن طالما أن الضغوط والتأثيرات هذه تبقى منخفضة وعابرة، يمكن للصمام أن يتحمّلها. فنفس الكونگرس والإدارة المدنية طويل جدًا.

ولذلك تجد التحالف المدني مجبرًا على عزف أغنيته وفقًا للنسبة الديمغرافية. النسبة في العالم الأول، تكون فيها عامة الناس هي الأغلبية. بينما تتسم النسبة في العالم الثالث بأن عدد العوام فيها متفوق عليه بشكل آمن.

في حالة كونه الأقلية، يعتمد التحالف المدني وجوديًا على ترويض هؤلاء الناخبين ـ المستعدين حتى لانتخاب هتلر لو وجد ـ بحيل الجيداي الذهنية. في حالة الأغلبية، كل ما يهم وعلى التحالف فعله هو أن يظل متحدًا. أما الضواحي، لو أرادت التصويت لهتلر، فلن يمانعوا مطلقًا! في الواقع، قد يكون ذلك مسلّيًا.

لكن التحالف لا يزال بحاجة إلى وصفات سياسية لإبقاء الضواحي مؤمنة بالانتخابات. وكما يقول نيكولاي تشاوتشيسكوالديمقراطية ليست مجرد انتخابات. وهذا أمر مخيف خاصة إذا كان العوام مسلّحين ومنظّمين عسكريًا.

السيطرة على الطبقة العليا

يعد الحفاظ على طبقة عليا متحدة أكثر أهمية مما قد يبدو. فثورات فلاحين ناجحة هو أمر نادر. بينما ثورات ناجحة للنخبة هو أمر شائع. بالنسبة للعوام والطبقة السفلى، تكون السياسة ثقافية أو قبلية. بينما تُحكَم الطبقة العليا فعليًا من خلال الفلسفة.

إليكم عبقرية نظام القصتين: كل قصة هي فلسفة كاملة، والخيار بينهما ليس منطقيًا. القصتان تصبحان قطبين لإهليلج، يمكن أن يفكر الجميع بحرية داخله: فقاعة أوڤرتون[مصطلح يصف مجموعة الأفكار المقبولة في الخطاب العام].كل نقطة داخل هذا الإهليلج تكون مختلفة. فيمكن لأي عقل ذو أي مستوى من الموهبة والثقافة أن يبحث عن الحقيقة داخل هذه الفقاعة إلى الأبد دون التفكير في السؤال الأصلي: هل كل هذا صحيح؟

إن هذا السوق من الأفكار قد يبدو لوهلة غير مضرًّا، لكنه مهما بلغ من مستوى الإقناع يبقى محتويًا تمامًا من الخارج؛ ففي النهاية هو مجرد جهاز أمان يحمي النظام. ودولة القصة المصيرية الواحدة لا تملك مثل هذا الجهاز.

يعتقد معظم منتقدي الوضع الراهن أنه في الماضي كانت هناك حرية تعبير في أمريكا، لكنها وخصوصًا في السنوات القليلة الماضية تعرّضت لحملة صارمة، على حد تعبيرهم. 

إذا كان ذلك صحيحًا وكانت لدينا أرضية لحرية التعبير في ما مضى، فلا أظن أنه هنالك من وطأها من قبل. الجديد في الأمر ليس القيود ولكن الحاجة إلى فرضها. فجوهر فكرة الدولة المبنية على قصتين هو تقليل الحاجة إلى استخدام وسيلة القمع أو حتى تفاديها. ولكن…

دولة الثلاث قصص:

لا تدوم أي إمبراطورية إلى الأبد. فالاستقرار نفسه يزعزع الاستقرار. وكلما كانت النخبة أكثر استقرارًا، زادت حريتها في العبث، ولم تستطع أي نخبة في التاريخ من مقاومة هذا الإغراء بشكل دائم.

تبعات هذا العجز من جانب النخبة هي أن جميع الروايات داخل فقاعة أوڤرتون تصبح غير مقنعة. حينها تتوقّف الأوهام عن العمل، حتى تبزغ قصص جديدة من خارج الفقاعة.

هذه القصص الجديدة يمكن أن تدور حول أي شيء. فالمساحة خارج الفقاعة أكبر بكثير من المساحة الموجودة داخلها. وأخطر القصص الخارجية تكون (أ) صحيحة تمامًا، (ب) تهدف إلى طبقة عليا غير نزيهة و (ج) ترفع من قدر عوام الناس و/ أو تحط من قدر الطبقة السفلى. قد تكون مثل هذه الرواية هي الوصفة السياسية للنظام المقبل. وهذا في الواقع يجب أن يجعلك تفكّر في هتلر وطبيعة الظروف التي سبقته.

لا تقلق! ما زال كل شيء بعيدًا عن الضياع. والقمع الحازم لا يزال متاحًا كورقة سياسية. فهو وسيلة تلحق الضرر بوهم الفكر الحر. كما أنها تعمل بشكل جيد للغاية. فالأوهام قابلة للترقيع، بل حتى للتحطيم. معظم الألمان اليوم سعداء بـ حرية غير مشوبة بأفكار ”مضّرة“ badthink [مصطلح أوريلي يشير إلى أن حرية التعبير مقموعة].

بشكل أكثر دقة وجمالًا، فإن القصة “الثالثة” ليست خطيرة إذ لم تتمكن من النجاح. بل يمكن أن تكون مفيدة – كنوع من اللقاحات ضد الأفكار الخطيرة فعلًا. لكن ظهور قصة مثالية ثالثة هي فكرة سيئة وغير موفقة للغاية. فهي أيضًا تجعل القمع أسهل وأقرب للتطبيق.

كما أن وجودها خارج الفقاعة لا يعني استقلالها عن الفقاعة، فالقصة الثالثة يمكن أن تصاغ بشكل سيئ ومتعمّد.

على المدى الطويل، يتمثّل الخطر في نظام يسري على ثلاث قصص في دمج القصتين السائدتين في قصة واحدة؛ حينها يصبح الإهليلج دائرة؛ والمحرّك رباعي الأشواط يصبح ثنائي. ومع أن هذا النظام لم يصمم ليعمل بمحرّك ذو شوطين. ولكن كما نعلم، هنالك ”مرة أولى“ لكل شيء.

الآن وبعد أن بدأت تشعر بمفعول العلاج

لقد تركنا لغزًا أو اثنين إلى وقت لاحق. لكن إذا كنت تتساءل كيف يمكن لتشوهات أورويلية في الفكر واللغة والتاريخ أن توجد داخل ديمقراطية دستورية حديثة، فأظنك الآن قد عرفت الجواب.

لكن كبسولة الصفاء لم تكتمل بعد. لقد بنينا نظام أورويلي افتراضي في مخيلتنا يشبه إلى حد كبير نظامنا الحالي. وطبعًا ليس لدينا أي دليل على أن ما تصوّرناه يطابق الواقع.

فلا يمكن للمرء أن يشكك في قصة ما من خلال تحقير أصولها. تخيل فقط التشكيك بحقيقة الإسلام عن طريق السخرية من نبيه!

ما سمّاه سي أس لويس بـ ”Bulverism“ [مصطلح صاغه الكاتب والباحث الإيرلندي الشهير في إحدى رواياته قاصدًا به مغالطة فكرية تجعل الفرد يتعامل مع الأسئلة الثانوية حول فكرة ما بدلًا من السؤال الأساسي، وبالتالي يتجنب السؤال الجوهري أو التفاصيل التي تنتج عن قطار التفكير المنطقي] ـ  يفتقر للفاعلية من الناحية المنطقية والعملية. والتفسير المكياڤيلي هنا يفسّر فقط أصول السؤال.

ستتبع هذه المقالة أربع مقالات أخرى ضمن هذه السلسلة. المقالات الثلاثة التالية ستكون موجّهة للمؤمنين الحقيقيين بكل قصة من القصص الرئيسية الثلاثة: التقدمية، الدستورية، الفاشية. هذه المقالات ليست اتهامات؛ بل مداخلات. لا تتحدّث عن الفلسفات هذه، بل تخاطبها باللغة التي ينبغي أن يفهمها المؤمنون بها. كما أنها لن تفترض أن رواية ما هي الخير أو الشر.

ونظرًا لأن الروايات لا تشترك في إطار أخلاقي واحد (كما يمكن أن تفهم وفق قانون هيوم ought)، يمكن تحليلها بموضوعية من خلال تشخيص مباشر (هيوم ”is“).

كل مداخلة تسعى إلى استخلاص خاصيتين، الأولى: أن كل فلسفة من هذه الفلسفات الثلاث غير فعّالة من الناحية الموضوعية أو تأتي بنتائج عكسية بخلاف ما تدّعيه من امتلاك وصفة الحنكة السياسية، وأيضًا لأن نتائج السياسات التي تروج لها لا تميل إلى مطابقة أغراضها الصريحة.

الثانية: أن كل فلسفة فعّالة بشكل موضوعي كوصفة سياسية للنظام الحالي.

كبسولة الصفاء، الجزء 1/5: النظام رباعي الأشواط

جرعة واحدة سوف تمحو عقلك السياسي كله.

درّست المدرسة الإيطالية للعلوم السياسية في مطلع القرن العشرين – والتي كان من أبرز شخصياتها جيتانو موسكا وفيلفريدو باريتو، وكذلك لخصها جيمس بيرنهام في أفضل كتاب له ”الميكياڤيليون“ بعبارة: المدافعون عن الحرية (1940) – أن جميع الدول محكومة من قبل النخب الذين يُخضِعون رعاياهم بالأوهام، لا بالعنف.

وصف موسكا هذه الأوهام بأنها ”وصفات سياسية“. الوصفة السياسية هي أي عنصر سردي يجعل مضيفها يفضّل الإجراءات التي تعمل على استقرار النظام بشكل موضوعي. فقد يخضع الفلاح في مصر القديمة لفرعونه لتجنب الإساءة إلى والد الفرعون نفسه، الشمس [رع].

الوصفة السياسية هي أشبه بابنة عم السحر المسرحي. فالأخير يمارس عن طريق تقديم حقائق واقعية في نمط يشير إلى قصة مزيفة ويحجب قصة حقيقية في نفس الوقت. بينما العمل السياسي هو ممارسة على مستوى يتجاوز حياتنا وحواسنا. فلا أحد يستطيع أن يدرك الواقع بلا تدخّل أطراف ثانية أو تأثير ظروف معيّنة. نحن ببساطة نعيش واقعًا داخل قصة نقرأها على أنها حقيقة: أي التاريخ المعاصر.

لتفهم أن الرأي العام هو تأثير، وليس سببًا. لو رويت عليهم نفس القصة، فسيمتلك معظم الناس نفس الرأي. أي أن القصة تدفع نحو الرأي، والرأي يدفع نحو الفعل. تفضّل، هنا قد وفّرت عليك كتابًا كاملًا لـ والتر ليپمان [هنا يقصد كتابه Public Opinion 1922، ليپمان هو كاتب وصحفي ومعلق سياسي أمريكي يعد من أوائل من قدموا مفهوم الحرب الباردة، وصاغوا مصطلح “الصورة النمطية” بالمعنى النفسي المعاصر]. وكما قال ڤولتير: من يجعلك تؤمن بالسخافات و الخرافات يستطيع أن يجبرك على ارتكاب الفظائع.

تنص الفرضية المكياڤيلية على أن جميع الأنظمة الحديثة هي أنظمة أورويلية متحكّمة في الفكر. لكن هل هذا صحيح؟ هل تُخضع حكومتنا رعاياها من خلال محاصرة أذهانهم في قبّة مزيّفة تحاكي الواقع، كما في فلم ذا ترومان شو؟

أوه أوه..

معظم الناس لا يؤمنون بذلك. بل أن معظم من يعتقد ذلك هم، أو هذا ما أشعر به، جهلة، غير ناضجين، مختلين عقليًا أو مجرّد على خطأ. ربما هذه هي الطريقة التي تشعر بها تجاههم أيضًا. فالأشخاص الجادين يعلمون أنه لا توجد مؤامرات حقيقية – فلا يوجد أي شخص مثالي.

إنها مجرد قصة تتوقعها في داخل أي قبة تحاكي حقيقة ما من طراز الدرجة الأولى. فلا أحد يسمو فوق سحر المسرح، ولا حتى السحرة أنفسهم. فالسحر يعمل من خلال العمل بجد والتمرّن بشكل كافي للتغلّب على حدس وغرائز أي شخص. فمن السهل تعليم الجمهور الرفض الغريزي لأنواع معينة من الأفكار. ويبقى الخبراء والجادين هم الأشخاص الوحيدين الذين يجب خداعهم. ولذلك سحر المسرح السياسي هو الهندسة النفسية للشعب. كيف؟ 

ببساطة، معظم المجالات الهندسية تفوق فهم وقدرات معظم الناس، فما بالك بتعقيد السياسة وتفاصيل سياسات الدولة؟ ربما يمكنك أنت فهم المخطّط.. وربما أي شخص يستطيع الخروج من داخل القبّة. ربما أنا نفسي الساحر في المسرح؟! كن حذرًا! 

 تناول كبسولة الصفاء

إليك إحدى الطرق للتحقق من أي فكرة لا تريد تصديقها: افترض أنها حقيقية، ثم قم ببناء حقيقة جديدة حول هذه البديهية. بمجرد أن تفشل، يمكنك أن تقول: لا أستطيع أن أرى كيف يمكن لهذه الفكرة أن تكون صحيحة.

مثلًا، لنفترض أنني لا أريد أن أصدق فرضية أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA تقف خلف أحداث تفجير برجي التجارة في نيويورك. في هذه الحالة أحاول بناء واقع يفترض أنها (CIA) نفّذته. في حالة فشل هذا الواقع في الصمود، أعود إلى الاعتقاد بأنها كانت مؤامرة يقف خلفها تنظيم القاعدة. 

لا أريد أن أصدق أن أو جاي سيمبسون مذنب؟ أفترض أنه بريء، ثم أبحث عن القتلة الحقيقيين. لكنني لا أستطيع حتى تخيلهم، ولذلك لا أعرف كم ستصمد فرضيتي هذه. لكنك تفهم الفكرة الآن..

هذا التحقق من سلامة أي فكرة حرفيًا آمن من الفشل. فلا يمكنه غسل دماغك بأي هراء عشوائي تقابله أثناء تصفّحك للمواقع في الإنترنت. إذا لم ترَ فتحة في القبّة، فستبقى في واقعك الحالي. وفشلك هو برهان مكافئ عكسي على أنك إما كنت على صواب أو أن خيالك كان ضعيفًا. وفي كلتا الحالتين، حان الوقت لشريحة لحم أخرى.

طبيعي أن أنبّهك على أن نجاحك – يبقى لك. فلا أحد يحتاج منك أن تصدّق أي شيء آخر. هذه الكبسولة محايدة، جحودة و بلا طعم. إنها مجرد علاج واسع الطيف والمفعول لوصفات سياسية رائجة. لا تطوي في جوفها أي معتقدات خاصة، صحيحة كانت أو خاطئة. الكبسولة تقول أنك داخل قبّة. ولا تفترض أي شيئ عن العالم الحقيقي خارج تلك القبّة، فقط أنك لا تعرف شيئًا عن هذا العالم في الخارج – فقط بعض الحقائق. حتى أنها لا تتحدى أي من هذه الحقائق. إنها مصنوعة من فلسفة خالصة ولا تحتوي على وقود نفاث أو عوارض فولاذية. جربها! أعدك بالمتعة!

الهدف من الحياد

التاريخ الحقيقي ليس مجرّد مجموعة من الحقائق. إنه قصة حقيقية مصنوعة من الحقائق. اليوم تجد قصص متعددة ومتلوّنة متاحة لنا من ضوء الحاضر، كالديمقراطية، الدستورية والفاشية. والغرض من هذه الكبسولة هو تقديم معيار لا تجتمع أي قصة من تلك القصص حوله. وتطبيق هذا المعيار  يعني عدم تصديق أي قصة على الإطلاق.

أن تكون محايدًا يعني القبول بأنك لا تفهم التاريخ الحالي. فالحياد هو نوع من الإلحاد السياسي. وانعدام القناعة السياسية يعني الامتناع، ليس فقط عن العمل السياسي، بل وبشكل مثالي حتى عن الرغبة السياسية – الثيموس Thymos (الرغبة الباطنة عند الإنسان؛ مصطلح صاغه أفلاطون) عند اليونانيين القدماء.

العمل السياسي المنتج والمؤثّر هو ذلك النشاط السياسي الذي ينطوي على مجموعة تتصرف داخل ووفقًا لسرد القصة السياسية. بينما أنت مجرّد شخص واحد بلا قصص. لذلك لا يمكنك تغيير العالم!

ربما اعتدت على الاعتقاد بأن هذا كان جزءًا من دورك في هذه الحياة. كإنسان. وإن كانت هذه مهمتك فعلًا، فعلى ما يبدو كنت سيئًا في أداءها، ولذلك استقلت. والآن لا تحتاج حتى إلى محاولة “تغيير العالم”. 

في حالة الحياد المثالية، والتي لا يبلغها أحد إلى حد الكمال، ستكون أنت خاليًا من الطاقة والإجهاد السياسي. حينها لن تكون ذو فائدة أو ضرر لأي سبب أو جهة معيّنة. ولن تشعر بالسخط ولا الخوف السياسي. ولن تتسبب في مشكلة، ولن تتعثر. ولا حاجة لهذه الإجازة من السياسة أن تدوم طوال حياتك. لكن الأمر وارد. الحياد هو مجرد طلاق فكري من أي سرد يفسّر العالم حولك وتقتنع به الآن. ولا يزال بإمكان شخص ما في هذا العالم أن يحكي لك قصة تستوفي معاييرك الجديدة. ولا يزال بإمكانك تصديق ما يكفي منها لتقرر العيش داخلها. لكنك الآن قد تشعر بارتياح وأنت بمفردك ودون الحاجة للتصديق بأي قصة.

ومن البديهي والضروري في خضم هذا الحياد: أن لا تصوّت، أو تتظاهر، أو تحرّض، أو تفعل أي شيء من هذا القبيل. أن تكون محايدًا هو أن تكون عديم الفائدة قدر الإمكان واتجاه جميع أطراف الصراعات. وإن لم تصبو نحو وجهة ما في السياسة بعد، فقد حان وقت إنقاذك من الذي أنت فيه!

الدعامة الجوفاء

تبدو فرضية مكياڤيلي خاطئة. وهذا ما كنا نتوقعه بالطبع. حيث أن القارئ العادي يعرف نوعين من الأنظمة في القرن العشرين ويفسّرها على النحو التالي:

النوع ”الشرير“ (الشمولي، نظام ”أولئك“) والذي تنطبق عليه القراءة الميكياڤيلية، والنوع الجيد (الديمقراطي، ”نظامنا“) والذي لا تنطبق عليه.

 النوع الشرير قاتل النوع الخيّر؛ والأخير رد عليه وقاتله وانتصر عليه. ديمقراطيتنا إذن هي عكس الأورويلية: مجتمع منفتح، سوق حر للأفكار.. صحيح؟

ما لا يفهمه الكثير هو أن التاريخ يمكن أن يروى ويكتب مثل قصة الأطفال. هذه النسخة التي نعرفها اليوم عن القرن العشرين، تم معالجتها ونزع فتيلها ـ كما كانت الأعمال الأدبية والتاريخية تعالج وتنقّح من باب الرقابة كي تناسب ”قناعة“ العصر قبل أن يقرأها ولي العرش في البلاط الملكي الفرنسي ـ و هي حتمًا لا تعرف الشك. أطفالي يتهمونني بامتلاك “الكثير من الكتب القديمة عن هتلر”. وهذا الأمر حقيقي أكثر حتى مما يتصوّرون، وقد تركني هذا واثقًا تمامًا من أن ”نظام أولئك“ (الشرير) هو بالفعل كما لو كان يروي عنه أفضل راوي قصص من ”نظامنا“.

في الواقع، هنالك عدد قليل من العصور التي يعرفها ودرسها مؤرخو اليوم أكثر من الرايخ الثالث. ولأن التاريخ يحب الخاسر، فأرشيفاته عارية، وأسراره دون حراسة.

ولكن يا ترى ماذا يثبت هتلر عنا؟ 

يمكن أن يحظى ستالين بنفس القدر من الفضل في محاربة هتلر. وقد اقترحت بعض السلطات أنه فعل ذلك لإنقاذ اليهود. ولنكن صريحين، هذا لم يكن هدفنا من الحرب أيضًا؛ ولم ننجح فيه أصلًا. 

حتى عند التدبّر الموضوعي في الأحداث الماضية، ستصل لاستنتاج إن حجّة ”الدفاع عن النفس“ لا تبدو راسخة جدًا. (لو كانت هناك خطة محور عسكري لغزو العالم، وهي نظرية اعتقد بها معظم الأميركيين قبل 75 عامًا، وهنالك قلة من المؤرخين يعتقدون بها حتى اليوم، لانتقلت اليابان إلى سيبيريا في عام 1941 ولأمست أوراسيا ملكهم).

و … هم ينتظرون منا أن نقتنع فعلًا بأن هذه النسخة الضعيفة هي بمثابة النجم الذهبي الساطع في سيرتنا التاريخية؟

حتى هذا الاستخدام للضمير ”نا“ هو أوريلي الطابع. ليسوا الأفراد، بل المؤسسات الحيّة هي من روّجت لهذه النسخة أو القصة. وبهذه النتيجة المشتبه بها للغاية، يجب علينا تبجيل علاماتهم التجارية إلى الأبد؟ إنه لحسبان معتل..

هذا التلويح بالورقة النازية، وزنًا منطقيًا تافهًا في قصتنا المشتركة في الحاضر. فأي فهم لطبيعة عمل مؤسسات الطرف الخاسر والتي زالت بعد الحرب، لا يخبرنا شيئًا واحدًا عن طبيعة عمل مؤسسات الطرف الفائز بالحرب. الدعامة التي يقدّموها لحمل روايتهم جوفاء وباطلة. وجودها أشبه بالديكور: بدون غرض حقيقي. وهنا نشهد لمحة صغيرة من الصناعة المسرحية الأصيلة.

نظرية وتطبيق: حكم الاستبداد الموزّع

على ما يبدو، الحقيقة القديمة لا تزال فاتنة. ببساطة هناك نوعان من الأنظمة، لا يمكننا إزاحتهما عن المخيّلة السياسية. فعادة، عندما نفكّر في النازية التاريخية أو الستالينية أو الماوية، فإننا نفكر تلقائيًا في الفظائع التي ارتكبت في زمن الحرب. 

عندما ننظر إلى تشيكوسلوڤاكيا في ستينيات القرن الماضي، وألمانيا في الثلاثينيات، وحتى الصين اليوم، سنلاحظ عددًا أقل بكثير من الفظائع وويلات الحروب. ومع ذلك، ما زلنا نرى نفس بنية التحكّم الهرمي، حيث يقوم شخص واحد أو فريق صغير بتوجيه الدولة بالكامل ومن جانب واحد

هذا الهيكل غائب بشكل واضح في الديمقراطيات الغربية.

فمهما كان “نظامنا”، فهو لا يملك ضمن إطاره كيانًا سياسيًا مثل الحزب الشيوعي الصيني أو الرئيس شي جين بينگ. فنظامنا ليس له تسلسل هرمي، ولا مركز. بدون زعيم ولا مكتب سياسي ولا حتى كادر. ربما هي ليست ديمقراطية حقيقية. وحتمًا ليست ملكية أو ديكتاتورية.

يا ترى، هل يجسّد نظامنا استبدادًا موزّعًا بشكل يجعله خفيًّا عن الأنظار؟ هل أن وجود نظام أورويلي لامركزي شيء ممكن؟ إذا استطعنا أن نقول لا وننفي ذلك، سنكون قد انتهينا من مهمّتنا هنا. والفكرة تبدو  مستحيلة؛ لكن، هل يمكننا إظهار ذلك؟

شخصيًا لا أظن ذلك، وعليه دعونا نتصوّر ونصمم نظامًا أوريليًا لامركزيًا علّنا نصل لجواب ونفهم أكثر.

لنفترض أنه هنالك نوعان من الأنظمة الأورويلية – مثل المحرّكات الثنائية والرباعية الأشواط. والمحرّكان لا يتفوّقان على بعضهما دائمًا. فمنفاخ ورق (أداة بستانية) بمحرّك أربع أشواط هو إفراط في الطاقة؛ وسيارة بمحرّك ثنائي الأشواط، هو مستوى بدائي غير مناسب.

ربما يكون النظام رباعي الأشواط غير مركزي؛ والنظام ثنائي الأشواط مركزي الطابع. الأوّل زاحف، الثاني حيوان ثديي. واحد سمك، الآخر حوت. فهم الفارق بينهما مهم لاحقًا لأنهما سيعبّران هنا عن نظامين سياسيين مختلفين. 

كلاهما يحكم من خلال صياغة الرأي العام. الأنظمة ثنائية الأشواط تصمم قصصها. بينما الأنظمة الرباعية لا يحكمها ديكتاتور، لذلك لا تملك مصمّمًا؛ وبالتالي يجب لقصصها أن تتبلور.

عمومًا، يعتمد النظام ثنائي الأشواط على القمع الحازم؛ بينما يعتمد الرباعي على الوهم الناعم. لكن كلاهما، كما سنرى، يمكنهما استخدام، بل أن هذا ما يفعلاه واقعًا، أدوات الاستتباب وتثبيت النظام.

دولة القصة الواحدة

النظام ثنائي الأشواط هو نظام يمكن أن نصفه بنظام القصة الواحدة. فعلى الجميع تصديق رواية واحدة – تاريخ رسمي واحد من الحاضر.

وقد نجح هذا النظام عند أمنحتب [مصر القديمة] كما نجح بالنسبة للرئيس شي جين بينگ. النظام ثنائي الأشواط يكون مناسبًا بشكل خاص للأنظمة الملكية المركزية. كما أنه يناسب الكليشيه المعياري لمفهوم الشمولية الأورويلي.

دولة القصّة الواحدة تتسم بالكفاءة، لكنها غير مستقرة. مشكلتها المزمنة هي أن الناس يكرهون أن يملى عليهم كيف وبماذا يؤمنون. وغالبًا ما يثيرون الشغب حتى عندما تكون القصة حقيقية!

أي شخص زار الصين سيشهد كيفة تنفيذ الشمولية الكلاسيكية بكفاءة. فجمهورية الصين الشعبية لا تصنع جميع السلع الاستهلاكية فحسب، بل إنها الوجهة الأولى لسياحة زراعة الأعضاء. مع أنني أتفهّم أنك قد لا ترغب فعلًا باقتناء سيارات الدفع الرباعي الصينية ذات المحرّك“ثنائي الأشواط”، حتى وإن صممت بشكل جذّاب يبرز كدرّاجات السباق..

فبدون زيت في وقوده، يسخن المحرّك ثنائي الأشواط فورًا. وفي النهاية يشتعل بالنار. 

أي دون ممارسة نشطة في القمع الحازم، وبدون أعداء جادين في الداخل أو الخارج، تضعف دولة الحزب الواحد. وبعبارة أخرى، يعفن النظام من النجاح المفرط. وفي النهاية يتم الإطاحة به من قبل فتيات صغيرات يحملن الزهور.

قد يكون النظام المثالي هو نظام القصة الواحدة عندما تكون القصة حقيقية بنسبة 100٪. لكن هذا مستوى خطير من المثالية. كما ولن يلغي هذا المستوى البديهيات الخاصة فيما يتعلّق باستخدام كل وسائل تعزيز استقرار النظام، والعنف، الصوابية السياسية والقمع غير المباشر هي وسائل بجانب أخرى..

دولة القصّتين

النظام رباعي الأشواط هو دولة مبنية على قصتين. عندما يسمع الناس قصة واحدة، يبادرون في العادة إلى التساؤل: هل هذا السرد صحيح؟

فعندما يسمعون روايتين سياسيتين، فإنهم يميلون إلى طرح السؤال: أي واحدة من هاتين صحيحة؟

لكن أليست هذه خدعة أنيقة؟ ربما عالمنا كله مبني على هذه الخدعة.

فأي نقطة يتفق عليها كلا القطبين تصبح قصة مشتركة: وهذا ما نسمّيه بالإجماع الثنائي غير المثير للجدل.

فالقصة المشتركة تحمل بين تفاصيلها ميزة جذرية: فهي لا تملك أعداء طبيعيين وبالتالي تصح تلقائيًا في عقلية الفرد. كما أن حقن الأفكار فيها أمر غير بديهي وبالتالي تصبح فرصة للربح؛ وهذه المهنة تسمى “العلاقات العامة”.

لطبيعة الحال، لا يوجد أي سبب يدعو إلى افتراض أن أيًا من قطبي الصراع في دولة القصة المشتركة، أقرب إلى الواقع من القطب الفردي داخل دولة القصة المصيرية الواحدة.

فتقسيم السرد القصصي، وهنا تكمن المناورة، لم يجب على السؤال القديم: ”هل هذا السرد صحيح؟“، عوضًا عن ذلك تفادى الإجابة بمكر. لاحظ؟ إنها الصناعة المسرحية مجددًا!

هذه الحيلة أفضل حتى من افتراض أن نكون نحن ـ بما أننا قاتلنا هتلر وهتلر كان شريرًا ـ خيّرين وعلى الجانب الصحيح من التاريخ.

هذه المغالطات البسيطة للغاية، أو هذا الاستغلال النفسي، متأصّل لدينا وبعمق في أنظمة التسيير السياسية. مثل الخطأ البرمجي في الرموز، تبقى هذه المغالطات غير مرئية حتى تنظر إليها مباشرةً؛ حينها تبدو واضحة.

النوى المدنية والسياسية

السمة الجوهرية للدولة المبنية على قصتين هي أنها لا تعتمد بدرجة كبيرة على القمع الحازم. فكما هو الحال في النظام رباعي الأشواط، فإن تكلفة هذه السمة هي كومة من الأدوار وانخفاض في الأداء، كما هو الحال في مثالنا عن منفاخ الورق.

المشكلة الهندسية الأساسية لدولة مبنية على قصتين تتمثل في احتواءها للصراع السياسي النشط وغير الضار، والذي يشغل الأطراف المتصارعة عن أي قوة ديمقراطية حقيقية. حيث تحتوي الديمقراطية الحديثة المبنية على قصتين على نواتين: نواة مدنية ونواة سياسية. الحيلة هي: نظريًا، النواة السياسية أقوى من النواة المدنية. عمليًا، النواة المدنية أقوى من النواة السياسية.

والنظام المستقر هنا يجب أن يحافظ على هذا الانعكاس على مستوى السلطة. إذا ضاع الاستقرار، تأخذ النواة السياسية بزمام الأمور عمليًا. لوهلة، يعمل المحرّك بشكل ديمقراطية حقيقي – ثم يتحول إلى شيء آخر، أو مجرد تشتعل فيه النيران وينفجر. تأمّل فقط مصير ألمانيا عام 1933.

مع ذلك، فإن الانقلاب الظاهر هنا هو في النهاية مجرّد خدعة. فالنواة السياسية تقدَّم للعوام وكأنها الحاكم الحقيقي. والنواة المدنية تقدَّم إلى الناسكأداة للحكم. لكن التدفّق الباطن والحقيقي للسلطة هو عكس التدفّق الظاهر.

فالرأي العام لا يوجّه النواة المدنية [المجتمع المدني]؛ لأن الأخيرة هي التي تقود الرأي العام وتسيطر عليه.

دولة القصة المصيرية الواحدة تحتاج  إلى ممارسة القمع المستمر؛ بينما تحتاج الدولة المبنية على قصتين إلى صناعة مسرحية مستمرة، إلى نواة مدنية تقمع بشكل غير مباشر وتقدّم الوهم بأنها أداة الشعب، أداة للحكم. 

في اللغة المعاصرة، تشير التسمية ذات الطابع الإيجابي، “الديمقراطية”، إلى النواة المدنية: أي يجب علينا جميعًا أن ندافع عن “الديمقراطية” من “السياسة”، والأخيرة هنا هي شارة سلبية وفق المفهوم المعاصر. والواقع المرير هو أن الناس يصدّقون فعلًا بهذه اللغة المخادعة.

هذا الانعكاس هو العلاقة بين البرلمان والملكة التي وصفها الصحفي البريطاني والتر  باجهوت قبل 150 عامًا: الناخبون هم الملكة.

على الرغم من كونها إمبراطورة الهند، لم تكن الملكة ڤيكتوريا ضمن دائرة الحكومة الهندية؛ أو الحكومة البريطانية. كما أنها في نفس الوقت لم تفقد أهميتها، وحظيت باحترام الجميع.

وهذا يذكّرني بتسوية هانوڤر، والتي نصّبت ملكية “دستورية” لتحل محل ملكية حقيقية.

ڤيكتوريا يمكن من باب المقارنة أن تضعها بين إليزابيث الأولى، كـ ملكة ”حقيقية“ (وإن كانت تعتمد على أرض الواقع على مستشاريها المدبّرين خصوصًا الداهية وليام سيسيل ومن ينتمي لهذه العائلة) و بين إليزابيث الثانية، كـ ملكة رمزية.

ناخبو اليوم لا يعرفون كيفية إدارة الدولة، مثلما هو حال إليزابيث الثانية التي لا تجيد إدارة قصر وايتهول [حيث تقطن الحكومة]. 

بعبارة أخرى، قد يرغبون في الهبوط في المطار الصحيح. إلا أنهم لا يملكون أي فكرة عن كيفية التحليق بالطائرة. فالطبيعة الأم لازمت الضعف والخنوع معًا: فقد قضيت بأن يبدو الضعيف ظاهرًا وكأنه يحكم، فلا يمكنه أخذ السلطة أو حتى الاحتفاظ بها. الضعفاء لم ولن يحكموا أبدًا. فأينما تولى عاهل صغير الحكم، حكم مكانه شخص آخر.

النواة المدنية

النواة المدنية هي الإدارة المدنية الدائمة، أو ما تسميه الصحافة في الدول الأخرى “المجتمع المدني”.

“المجتمع المدني” يعني جميع المؤسسات الشرعية المصممة لخدمة أو توجيه الدولة أو الجمهور. وهذا يشمل الصحافة، والأوساط الأكاديمية، والعمل الخيري وهلمّ جرا. هذه الأعضاء الحاسمة تصل ذروتها من التأثير وتكون أكثر أمانًا وديمقراطيةً عندما تبقى خارج نطاق المساءلة السياسية.

وفي حين أن الإدارة المدنية تملك العديد من وسائل الحماية، إلا أنها تظل من الناحية النظرية تابعة لرئيس الدولة. ولو نظرنا إلى مؤسسة حاسمة لديمقراطيتنا مثل الصحافة، فحينها قد لا يبدو من الصواب أن نمتلك وزارة خاصة للمعلومات، باستثناء وقت الحرب. (أبان الحرب العالمية الثانية كان للولايات المتحدة مكتبًا للمعلومات الحربية OWI وفي الحرب العالمية الأولى ما سميت بـ لجنة شؤون الإعلام)

المجتمع المدني لا يمتلك نقطة فشل واحدة. وهذا لطيف، مع ذلك، يصعب عدم ملاحظة ثلاث حقائق مثيرة للقلق حوله:

أولاً: ليس له مركزًا تحكّميًا، لكن نظام سمعته يبدو كذلك أو ثابتًا على الأقل.  حيث أن مكانة الجامعات المرموقة والصحف المشهورة لا تبدو خاضعة للتغيير. وهذا يجعل المؤسسات بين حالتين: إما لا تشوبها شائبة أو تجدها غير قابلة للتفسير وغير مسؤولة، وبالتالي مؤدلجة.

ثانيًا: يبدو أن هناك قوة غامضة تقوم بتنسيق هذا النظام أيديولوجيًا، وأن كل هذه المؤسسات المرموقة، رغم كونها منفصلة تمامًا من الناحية التنظيمية، تتفق مع بعضها البعض بشكل سحري ومثير للانتباه. فعندما يغيرون رأيهم، يغيّروه معًا وفي نفس الاتجاه. هذه القوة ليست مركزية، ولكنها تعمل مثل المركز. أو قد تكون مجرد مستوى معتل تمامًا من ”الحكمة“ الجماعية. لكن هل هذا فعلًا صحيح؟

ثالثًا: من ميول هذه القوة الغامضة هو تعزيز الوصفات السياسية الفعّالة. فالمجتمع المدني يفضّل بطريقة ما الاهتمام بالأفكار التي تجعل المجتمع المدني نفسه أقوى. فهو ما يزال سوقًا للأفكار. كما أنه يميل إلى الانشغال بالأفكار السديدة. مع أنه لا يتم محاذاة هذه التفضيلات دائمًا.

إذا استطعنا شرح كل هذه الظواهر، فيمكننا فهم وشرح كيف يمكن للمجتمع المدني اللامركزي، والمحمي بشكل فعّال من الديمقراطية، أن يتحوّل بالفعل إلى استبداد وطغيان أورويلي موزع. لكننا سوف نؤجل هذه النهايات الفضفاضة حتى المقال النهائي.

صمام السلطة

كيف تحمي النواة المدنية نفسها من النواة السياسية التي تهيمن عليها اسميًا؟ 

هنالك دائمًا صلة دستورية تربط بينهما. وهذه الصلة تخضع لقواعد الجانبين. أي يجب أن تكون غير خاضعة للمساءلة وديمقراطية في نفس الوقت. إنه الكونگرس.

تشريح الصلة هذه هو المفتاح نحو فهم أعمق. إنه الصمام الذي يعكس التدفق الدستوري للسلطة. فالكونگرس يعمل “كأداة رادعة“ للديمقراطية الحقيقية، أي عدم إعطاء أي سلطة فعلية للناخبين.

من الناحية النظرية، الإدارة المدنية هي جزء من السلطة التنفيذية وتقاريرها تقدّم إلى الرئيس. في الممارسة العملية، كما أشار وودرو ويلسون [الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين (1856–1924)] في عام 1885 موضّحًا أن “الشكل الفعلي لحكومتنا الحالية هو مجرد مخطط لسيادة الكونگرس التشريعية“. الرؤساء الأقوياء في القرن العشرين – كـ ويلسون وروزفلت – وجدوا طرقًا لترهيب الكونگرس، ولكن فقط بعد تحالفهم مع نواة مدنية شابة وصاعدة.

قد يشغل البيت الأبيض عدة آلاف من المكاتب في العاصمة، وجميع الوكالات الحكومية التابعة له تعمل بشكل جيد دون أي موظّفين مشرفين ومعيّنين بشكل خاص، مع أنه لن تعترف أي وكالة بذلك.

في المكتب، يمكن أن يسبب هؤلاء الأشخاص مشاكل حقيقية – الأمر الذي يؤدي بدوره إلى حدوث مشاكل في العلاقات العامة لرئيسهم المتضعضع في موقفه السياسي. حتى المشرف المعيّن لا يمكن أن يجبر أي قسم في وكالة حكومية ما على فعل أي شيء لا تريد القيام به.

من الصعب أن تكون ”مسؤولًا“ عندما تكون مؤقتًا ولا تستطيع أن تطرد أو حتى تعيد تنظيم الموظفين الدائمين الذين ”يعملون عندك“. هذه التمثيلية هي ضمان رئيسي للدستور غير المكتوب، لأن الرئاسة تظل جهازًا ديمقراطيًا وظاهريًا. فعلى الأقل، يهتم معظم الناس العاديين بالانتخابات الرئاسية، وعلى الناس الاحتفاظ بهذا الوهم.

لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للكونگرس، الذي هو، ومنذ فترة طويلة، مؤقت من الناحية النظرية ودائم على مستوى التطبيق. مرة أخرى: الصلة بين النواة المدنية والنواة السياسية يجب أن تبقى ديمقراطية وغير قابلة للمساءلة. والكونگرس يطابق هذا الوصف تمامًا.

منذ عام 1983 ومعدّل شغر المناصب في مجلس النواب لم ينخفض ​​بنسبة تقل عن 80 ٪، ومجلس الشيوخ أيضًا لم ينخفض معدّله ​​بنسبة تقل عن 60 ٪ منذ عام 1980؛ الأرقام المعتادة هي 90+ و 80+ ؛ فالأقدمية والوظائف السياسية الأخرى تسد هذه الفجوة المؤسسية بسهولة.

ومع ذلك، ومن الناحية النظرية، يمكن للناخبين أن يغيّروا مجلس النواب وبنفس اليسر مجلس الشيوخ – وحتى الوظائف السياسية الجانبية. وبما أن الناخبين لا يقدمون على ذلك، فهذا يعني أنهم راضون من الناحية النظرية عن الوضع كما هو. ورغم ذلك، تجد أن معدل شعبية الكونگرس لا يتجاوز الـ 20 ٪. 

لكن لو استطاع الناخب إنجاز هذا التحويل، سيصبح حينها كل شيء ممكنًا، لكنه مستبعد.

الكونگرس عبارة عن نقطة تقاطع للسلطة، وليس مركزًا لها. فهو لا يمارس السلطة، بل يفوضّها. والمشرعون ليسوا في الواقع رجال دولة. فهم لا يناقشون الأفكار ورؤاهم ـ كما فعل كاتو الأكبر وشيشرون ـ حول مفهوم الخير. لإنهم لو قرأوا شيئًا ما فسيلقون خطابًا أمام الكاميرا كتبه على الأرجح أحد الموظّفين عندهم. مهمتهم الحقيقية هي جمع التبرعات وتوطيد العلاقات العامة فقط.

الموظفون هم من يقومون فعليًا بالعمل، لكنهم رغم ذلك لا يكتبون الفواتير الفعلية. فلدى الكونگرس مصدران للمساهمة التشريعية: النشطاء وجماعات الضغط (اللوبي). يأتي النشطاء من أجل الحصول على بعض رفات السلطة؛ بينما يلهث جماعات اللوبي خلف المال.

النشطاء هم ديموقراطيون. جماعات الضغط هم عاهرات المال.

يدير الكونگرس واشنطن من خلال تنسيق القوى الناشطة والقوى المالية مع الوكالات الحكومية نفسها، في أعقاب الدور الملهم الذي تلعبه الصحافة، الرأي الأكاديمي المؤيّد، وكرم العمل الخيري. هذا الدستور الحقيقي غير مدوّن في أي مكان.

والعاصمة لا تحتاج حتى إلى سلطة تنفيذية. فالإمبراطورية الداخلية (“السياسة الداخلية”) بالكاد ستفتقد البيت الأبيض لو اختفى من الوجود، فكل ما ستلاحظه هو أن مصدر ًا للفوضى قد اختفى. الإمبراطورية الخارجية هي الأخرى (“الأمن القومي”) يجب أن تتجاوب مركزيًا مع الجهات الخارجية الفاعلة والتي لا يمكن التنبؤ بها. أي إنها تحتاج إلى أوراكل: إلى مصدر للقرارات النهائية.

ويالها من خدعة سحرية! جهاز الردع الديمقراطي ليس قبيحًا، بل طبيعي وجميل. تبلور من الظروف ولم يخترعه أحد؛ مع أنهم اخترعوا شيئًا آخر بالفعل: لكن هذا الشيء قد فشل ومات، حتى أخذ هذا الشكل. صدفة الحلزون القديمة هي منزل السلطعون الجديد.

ببساطة، الديمقراطية لا تنجح، لذلك ومن المتوقّع أن يتم ردعها؛ وأولئك الذين لا يستطيعون التعامل مع الحقيقة لا يستحقونها. مع ذلك فكر في كل الأصوات الصاخبة، وهي تطالب الشعب الأمريكي بالانتباه إلى مشاكل ملحّة تتطلب اهتمامًا فوريًا، بينما تتناسى ذكر، ولو لمرة واحدة، أنهم يهتمون بالانتخابات الخاطئة.

النواة السياسية

صمام السلطة هذا يعمل بشكل رائع! ولكن مثله مثل أي صمام: قدراته محدودة. يمكنه أن يمنع التأثير المباشر للرأي العام على النواة المدنية، ولكن فقط عندما يكون الرأي العام نفسه خاضعًا لسيطرة معقولة. إذا انقلب كل السكان ضده، فسوف يتمزق. 

فكل نظام حكم يحتاج إلى توجيه الرأي العام. لكن من هو هذا الجمهور؟

كما كتب أورويل، كل المجتمعات لها ثلاث طبقات بشرية. الطبقة العليا والعوام والدهماء. الطبقة العليا هي من سكان المدن، مثقّفة وطموحة. العوام هي طبقة من الضواحي، متعلمة ومستقلة. والدهماء هم بروليتاريا ولومبنبروليتريا كارل ماركس: غير متعلمين وغير مستقلين وعالة على الآخرين.

السيطرة على الدهماء والعوام

كان الرومان محقين في خصوص سياسة ”فرّق تسد”. فالصراع الطبيعي يألّب العوام ضد الطبقة العليا والدهماء معًا. هذان الجانبان يحملان نظريات غير متوافقة حول مفهوم الحكومة. فعامة الناس يرون أنها جمعية خدمية، بينما يفهم الناس من الطبقة العليا الحكومة كظاهرة روحية، قوة للخير ومصدر لغاية. الدهماء أو الطبقة السفلى هم ما يصفهم علماء السياسة الهنود بـ “البنك الانتخابي؛ فهم دائمًا يتبعون الطبقة العليا. فنظرًا لأن النواة المدنية مكتظة بأفراد من الطبقة العليا، فإن هذا التحالف يصبح جبهة دفاعية أمام النواة السياسية. أو يمكن للتحالف المدني أن يقدم على خطوة أفضل ويختار الهجوم في هذه اللعبة السياسية.

عندما يخسر هذا التحالف، تصبح العمليات الفعلية للحكومة معرضة لتأثير السلطة السياسية. لكن طالما أن الضغوط والتأثيرات هذه تبقى منخفضة وعابرة، يمكن للصمام أن يتحمّلها. فنفس الكونگرس والإدارة المدنية طويل جدًا.

ولذلك تجد التحالف المدني مجبرًا على عزف أغنيته وفقًا للنسبة الديمغرافية. النسبة في العالم الأول، تكون فيها عامة الناس هي الأغلبية. بينما تتسم النسبة في العالم الثالث بأن عدد العوام فيها متفوق عليه بشكل آمن.

في حالة كونه الأقلية، يعتمد التحالف المدني وجوديًا على ترويض هؤلاء الناخبين ـ المستعدين حتى لانتخاب هتلر لو وجد ـ بحيل الجيداي الذهنية. في حالة الأغلبية، كل ما يهم وعلى التحالف فعله هو أن يظل متحدًا. أما الضواحي، لو أرادت التصويت لهتلر، فلن يمانعوا مطلقًا! في الواقع، قد يكون ذلك مسلّيًا.

لكن التحالف لا يزال بحاجة إلى وصفات سياسية لإبقاء الضواحي مؤمنة بالانتخابات. وكما يقول نيكولاي تشاوتشيسكوالديمقراطية ليست مجرد انتخابات. وهذا أمر مخيف خاصة إذا كان العوام مسلّحين ومنظّمين عسكريًا.

السيطرة على الطبقة العليا

يعد الحفاظ على طبقة عليا متحدة أكثر أهمية مما قد يبدو. فثورات فلاحين ناجحة هو أمر نادر. بينما ثورات ناجحة للنخبة هو أمر شائع. بالنسبة للعوام والطبقة السفلى، تكون السياسة ثقافية أو قبلية. بينما تُحكَم الطبقة العليا فعليًا من خلال الفلسفة.

إليكم عبقرية نظام القصتين: كل قصة هي فلسفة كاملة، والخيار بينهما ليس منطقيًا. القصتان تصبحان قطبين لإهليلج، يمكن أن يفكر الجميع بحرية داخله: فقاعة أوڤرتون[مصطلح يصف مجموعة الأفكار المقبولة في الخطاب العام].كل نقطة داخل هذا الإهليلج تكون مختلفة. فيمكن لأي عقل ذو أي مستوى من الموهبة والثقافة أن يبحث عن الحقيقة داخل هذه الفقاعة إلى الأبد دون التفكير في السؤال الأصلي: هل كل هذا صحيح؟

إن هذا السوق من الأفكار قد يبدو لوهلة غير مضرًّا، لكنه مهما بلغ من مستوى الإقناع يبقى محتويًا تمامًا من الخارج؛ ففي النهاية هو مجرد جهاز أمان يحمي النظام. ودولة القصة المصيرية الواحدة لا تملك مثل هذا الجهاز.

يعتقد معظم منتقدي الوضع الراهن أنه في الماضي كانت هناك حرية تعبير في أمريكا، لكنها وخصوصًا في السنوات القليلة الماضية تعرّضت لحملة صارمة، على حد تعبيرهم. 

إذا كان ذلك صحيحًا وكانت لدينا أرضية لحرية التعبير في ما مضى، فلا أظن أنه هنالك من وطأها من قبل. الجديد في الأمر ليس القيود ولكن الحاجة إلى فرضها. فجوهر فكرة الدولة المبنية على قصتين هو تقليل الحاجة إلى استخدام وسيلة القمع أو حتى تفاديها. ولكن…

دولة الثلاث قصص:

لا تدوم أي إمبراطورية إلى الأبد. فالاستقرار نفسه يزعزع الاستقرار. وكلما كانت النخبة أكثر استقرارًا، زادت حريتها في العبث، ولم تستطع أي نخبة في التاريخ من مقاومة هذا الإغراء بشكل دائم.

تبعات هذا العجز من جانب النخبة هي أن جميع الروايات داخل فقاعة أوڤرتون تصبح غير مقنعة. حينها تتوقّف الأوهام عن العمل، حتى تبزغ قصص جديدة من خارج الفقاعة.

هذه القصص الجديدة يمكن أن تدور حول أي شيء. فالمساحة خارج الفقاعة أكبر بكثير من المساحة الموجودة داخلها. وأخطر القصص الخارجية تكون (أ) صحيحة تمامًا، (ب) تهدف إلى طبقة عليا غير نزيهة و (ج) ترفع من قدر عوام الناس و/ أو تحط من قدر الطبقة السفلى. قد تكون مثل هذه الرواية هي الوصفة السياسية للنظام المقبل. وهذا في الواقع يجب أن يجعلك تفكّر في هتلر وطبيعة الظروف التي سبقته.

لا تقلق! ما زال كل شيء بعيدًا عن الضياع. والقمع الحازم لا يزال متاحًا كورقة سياسية. فهو وسيلة تلحق الضرر بوهم الفكر الحر. كما أنها تعمل بشكل جيد للغاية. فالأوهام قابلة للترقيع، بل حتى للتحطيم. معظم الألمان اليوم سعداء بـ حرية غير مشوبة بأفكار ”مضّرة“ badthink [مصطلح أوريلي يشير إلى أن حرية التعبير مقموعة].

بشكل أكثر دقة وجمالًا، فإن القصة “الثالثة” ليست خطيرة إذ لم تتمكن من النجاح. بل يمكن أن تكون مفيدة – كنوع من اللقاحات ضد الأفكار الخطيرة فعلًا. لكن ظهور قصة مثالية ثالثة هي فكرة سيئة وغير موفقة للغاية. فهي أيضًا تجعل القمع أسهل وأقرب للتطبيق.

كما أن وجودها خارج الفقاعة لا يعني استقلالها عن الفقاعة، فالقصة الثالثة يمكن أن تصاغ بشكل سيئ ومتعمّد.

على المدى الطويل، يتمثّل الخطر في نظام يسري على ثلاث قصص في دمج القصتين السائدتين في قصة واحدة؛ حينها يصبح الإهليلج دائرة؛ والمحرّك رباعي الأشواط يصبح ثنائي. ومع أن هذا النظام لم يصمم ليعمل بمحرّك ذو شوطين. ولكن كما نعلم، هنالك ”مرة أولى“ لكل شيء.

الآن وبعد أن بدأت تشعر بمفعول العلاج

لقد تركنا لغزًا أو اثنين إلى وقت لاحق. لكن إذا كنت تتساءل كيف يمكن لتشوهات أورويلية في الفكر واللغة والتاريخ أن توجد داخل ديمقراطية دستورية حديثة، فأظنك الآن قد عرفت الجواب.

لكن كبسولة الصفاء لم تكتمل بعد. لقد بنينا نظام أورويلي افتراضي في مخيلتنا يشبه إلى حد كبير نظامنا الحالي. وطبعًا ليس لدينا أي دليل على أن ما تصوّرناه يطابق الواقع.

فلا يمكن للمرء أن يشكك في قصة ما من خلال تحقير أصولها. تخيل فقط التشكيك بحقيقة الإسلام عن طريق السخرية من نبيه!

ما سمّاه سي أس لويس بـ ”Bulverism“ [مصطلح صاغه الكاتب والباحث الإيرلندي الشهير في إحدى رواياته قاصدًا به مغالطة فكرية تجعل الفرد يتعامل مع الأسئلة الثانوية حول فكرة ما بدلًا من السؤال الأساسي، وبالتالي يتجنب السؤال الجوهري أو التفاصيل التي تنتج عن قطار التفكير المنطقي] ـ  يفتقر للفاعلية من الناحية المنطقية والعملية. والتفسير المكياڤيلي هنا يفسّر فقط أصول السؤال.

ستتبع هذه المقالة أربع مقالات أخرى ضمن هذه السلسلة. المقالات الثلاثة التالية ستكون موجّهة للمؤمنين الحقيقيين بكل قصة من القصص الرئيسية الثلاثة: التقدمية، الدستورية، الفاشية. هذه المقالات ليست اتهامات؛ بل مداخلات. لا تتحدّث عن الفلسفات هذه، بل تخاطبها باللغة التي ينبغي أن يفهمها المؤمنون بها. كما أنها لن تفترض أن رواية ما هي الخير أو الشر.

ونظرًا لأن الروايات لا تشترك في إطار أخلاقي واحد (كما يمكن أن تفهم وفق قانون هيوم ought)، يمكن تحليلها بموضوعية من خلال تشخيص مباشر (هيوم ”is“).

كل مداخلة تسعى إلى استخلاص خاصيتين، الأولى: أن كل فلسفة من هذه الفلسفات الثلاث غير فعّالة من الناحية الموضوعية أو تأتي بنتائج عكسية بخلاف ما تدّعيه من امتلاك وصفة الحنكة السياسية، وأيضًا لأن نتائج السياسات التي تروج لها لا تميل إلى مطابقة أغراضها الصريحة.

الثانية: أن كل فلسفة فعّالة بشكل موضوعي كوصفة سياسية للنظام الحالي.

من الصعب تخيل أي شخص يقبل بهذين الافتراضين، ويبقى مؤمنًا حقيقيًا بإحدى الروايات. ومن خلال تعبئة كبسولة واحدة بلقاحات ضد جميع الوصفات السياسية الرئيسية الثلاثة، سنحظى حينها بفرصة لمحو العقل السياسي لأي شخص. المقال الأخير سيدور حول ما يجب فعله بلوحك الجديد والخاوي من الشوائب.”

يتبع..