هل الإعلام سلطة رابعة فعلًا؟

هل الإعلام سلطة رابعة فعلًا؟ ماذا لو قلت لك أنه السلطة الأولى في أهم مراكز القوى العالمية؟ دعك من التقسيمات الرسمية بين السلطات [قضائية، تشريعية، تنفيذية]، فهذه تحف أكاديمية وشكلية جدًا في الواقع. وجودها لا يطابق ولا يمثّل توزيع السلطة الواقعية والتي تغيّر وتسيطر على الرأي العام.
لو افترضنا معًا صحة هذه الفرضية، فيمكننا أن نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن ينقلب توزيع السلطة بهذه الصورة الجذرية؟ [النزاع المستمر بين البوق الإعلامي في دول أوربا، الممول من بروكسل EU، وبين القضاء البولوني أو المجري، مثال سريع وبسيط على ما أذكر].

الجواب باختزال بسيط: الديمقراطية. الجواب المفصّل سيكون كالتالي: ذاكرة الإعلام قصيرة الأمد، وهذه تتناسب طرديًا مع عمق المعرفة التي يتاجر بها في وسائل الميديا بشكل عام. ولن نبالغ إن وصفنا الإعلام بالسلطة الجاهلة، لا الرابعة. ولأن ذاكرتنا في استقبال المعلومات محدودة أيضًا، يكفي لأي جهة متمكّنة أن تشغل حواسنا السمعية والبصرية بتصوّرات وهمية عن الواقع.


وعندما أتكلّم عن الميديا، فأنا لا أقصد الإعلام فقط: حاول أن تبدأ، إن لم تباشر بعد، بفهم دورة حياة ”الحقيقة الديمقراطية“ داخل سلسلة الدولة ـ الأكاديميا ـ والإعلام.
عن هذه العلاقة يكتب ماثيو باتاليولي في ”عواقب المسواة“:

”الدولة، وخاصة الدولة الديمقراطية، بحاجة دائمة لمزيد ومزيد من الدعاية، وهكذا تصبح الدولة مستعدة جدا لتوظيف أعداد هائلة من الأكاديميين للتغلغل في المؤسسات التعليمية للأمة وتوفير تلك الدعاية. وليس هذا فحسب، فما أن يصبح الأكاديمي موظفا لدى الدولة، وبالتالي معتمدا عليها في دخله ومعيشته، سيصبح أشد عرضة لأن يكون منافحا صلبا عن الدولة. ولكن هؤلاء الناس هم بالفعل أميل بشدة لأن يكونوا يساريين سياسيا في العموم. وذلك لأن الأقل تشككا في الأسواق سيجنون رزقهم بالمساهمة فيها: عبر إدارة الأعمال، الاستثمار، و »التوفير« لآخرين. أما الآخرون، وهم الأشد تشككا في الأسواق، فتبدو لهم الأكاديميا خيارا أشد جاذبية للعمل. وذلك تهديدا ثلاثي الرؤوس، حيث تبحث المؤسسات الحكومية عن ناشري الدعاية الأعظم والأفضل للدولة من بين ثلة من الدعائيين الأشد راديكالية أصلا، ومن ثم تعمل على دفعهم لمزيد من الراديكالية عبر توفير كل ما يحتاجون إليه.“

حتى الآن، تبدو العلاقة وكأنها تسير في اتجاه واحد. لكن ما يحدث بعد ذلك ـ ومن هنا يستمد الإعلام وهم حيازة ”المعرفة العلمية“ ـ هو أنه يجسّد دور الرأي العام في نفس الوقت عن طريق أسلوبه المعروف في مخاطبة السياسيين وممارسة الضغوط الإعلامية عليهم وفق الانتماء الحزبي أو جهة التمويل طبعًا. وهذا سلاح انتخابي وثغرة فساد في النظام بحجم ثغرة الأوزون، إن صح التعبير، حبيبي..
فما يسوّق إلى الناخب الديمقراطي بشكل عام هو منتوج واضح نقي وذو خلفية أخلاقية محسومة مسبقًا: فالعلم يصرّح ويركّد كلام الإعلام بدون شك ـ وبشكل مفلتر من آراء العلماء المعارضين وذوي الآراء المعارضة طبعًا، والدولة تطبّق شريعة السماء في دين الإنسانية. يو نيد بگ بولز and بيگ لاك كي تعترض دون أن تصبح مسرحية إعلامية.

وهذا المنتوج يتغير كل يوم ويكفي لأن يشغل حواسك وذاكرتك بصورة مرسومة مسبقًا عن الواقع السياسي دون عناء البحث والتقصّي عن المعلومات بنفسك. وكي لا تنسى، أحب أن أذكرك بكسل البشر عندما يتعلّق الأمر بالتفكير..

ومشكلة هذه الثغرة أنها كبيرة بشكل لا يجعلها تحدد مصير الانتخابات فحسب، بل تحدد ملامح الرؤية الأخلاقية عن النخبة الحاكمة أيضًا، ولا يوجد سياسي ينوي اعتلاء عرش السلطة في بلاده دون تقبيل خاتم الإعلام: أقصد دعم حرية الصحافة والإعلام طبعًا، لا يروح بالك بعيد.

تأثير هذه المنتوجات السريعة والمختزلة جبّار ويمكن أن يدوم لعقود طويلة، لا بل لقرون من الزمن.

البارحة وأنا أتصفّح كتاب The German Way of War مر علي مثال عن العلاقة المتوترة بين الإعلام وبين الحزب النازي في المانيا في بداية الأربعينيات. علاقة متوترة؟ نعم، مع الإعلام الخارجي طبعًا، وفي بعض الأحيان مع ”شطحات“ في إعلام الداخل.
لو أردت اختزال الحرب العالمية الثانية من ناحية حربية، فمصطلح Blitzkrieg يفي بهذا الغرض. وهي معلومة شائعة حتى يومنا هذا. لكن من ناحية تاريخية، فإن هذا المصطلح منتوج إعلامي رفضه قادة الڤيرماخت Wehrmacht بشدّة ولأسباب عسكرية واضحة: فعلى عكس ما روج إليه الإعلام، لم تكن هذه الاستراتيجية جديدة إطلاقًا، وإنما جسّدت الاعتماد على طريقة الحرب الألمانية التقليدية منذ عصر الإمبراطورية الألمانية ووفق تقاليد بروسيا العسكرية. فالمجازفة بالبحث عن ثغرة بين أجنحة العدو ومحاولة حسم الحرب في معركة واحدة، هي استراتيجية بروسية قديمة طبّقها الألمان في حروبهم مع نابوليون وفي الحرب العالمية الأولى أيضًا. هي فقط نجحت بشكل حاسم وباهر في الحرب العالمية الثانية بعد أن تمكّن الألمان من توفير جميع الشروط العسكرية [غطاء جوّي + زحف مركّز لقوّات مدرعة أو آلية]. بل أنه لا توجد أدلة على أن العسكريين الألمان قد استخدموا هذا المصطلح في كتبهم وتقاريرهم العسكرية.

لكن الجهل الإعلامي بتفاصيل وتاريخ التقاليد العسكرية، أعطى للمصطلح شهرة أزعجت القادة الألمان أنفسهم، حتى ذكروا مرارًا أن سر النجاح العسكري لم يكن حصيلة الحنكة العسكرية النازية، بل هو نجاح نابع من تقاليد عسكرية قديمة ومن انضباط صارم. [على الأقل يملك النازيون هذا الكم من الاحترام للذات، يمنعهم من استغلال مديح الصحافة العالمية..].

وأنا هنا لا أكتشف طرق التسويق الإعلامي والإشاعات مجددًا. هذه أمور بديهية. أنا فقط أستدعي أمثلة حيّة من ذاكرة التاريخ، كدليل بسيط على عمق الكذبة التاريخي. إضافة إلى ذلك: معرفتك الجديدة بأصل المصطلح لن تغيّر من أي شيء أصلًا . فالإعلام لا يملك رمزية تمثّله، وبالتالي لا يحتاج لاعتذار وتصحيح رسمي ولا حتى هو مطالب بتحمّل أي مسؤولية أخلاقية.
لاحظ أن الإعلام يطالب دائمًا دون أن يوفر هو أي مقابل. ولعل أجرأ وقاحة سياسية معاصرة هي المطالبة بـ ”حرية الإعلام“. وهم لا يصدق به سوى المغفّل السياسي أو السياسي الذي يريد أن يحتال عليك أو يسوّق إليك بضاعته. وأنا أجد أن أي نقاش جدّي حول مستقبل السلطة في أي رقعة جغرافية، يحتاج إلى ضبط الدور الإعلامي من ناحية المنفعة العامة والمسؤولية الأخلاقية وتبعاتها.


كيف أفسدت ’ما بعد الحداثة‘ مفهوم الحرب

سيف البصري

على مستوى النزاع بين الجموع، فالحرب هي الفيصل؛ وعلى مستوى الأيديولوجيات، تصبح السيطرة على تعريف الحرب وأخلاقياتها بمثابة الانتصار الحقيقي ـ وهنا تحتاج لسلطة رابعة؛ ويفضّل أن تكون عولمية وتؤمن بحقوق الـ … you know the drill.
هيمن على سلطة تعريف العدو وأخلاق الحرب، وستخضع أكثر من ”عدو“ في آن واحد. أي جرّد الحرب من أخلاقياتها الذكورية العنيفة، وستتحول فورًا إلى وسيلة غير مباشرة، تطيل المصيبة، لا تنهيها. وفي عالم ديمقراطي، تصبح الحرب الوسائطية هي طريقة ناجحة لكسب أصوات السذّج. خصوصًا في الشرق الأوسط.

أكتب هذا المقال ونحن في الشهر الخامس من العام الثاني بعد كورونا. وأفترض أن بعضكم قد لبّى نداء التعاضد الاجتماعي وبقي في بيته، في وقت يمرّ فيه الاقتصاد العالمي بركود يقتل حرفيًا. طبعًا هنا لا أقارن وفاة الملايين من الأطفال تحت سن الخامسة بسبب الجوع والفقر وانقطاع المساعدات ببشاعة كورونا وعدد وفياته فوق الـ 3 مليون من كبار السن..

لكن يا ترى، كيف سيبقى المواطن الصالح في بيته وهو معرّض لقصف مستمر بصواريخ أرض ـ أرض، على أرض ملعونة أصلًا؟

”stay the fuck home“ بسبب فشل القبّة الحديدية، أم أن خطر الفايروس أكبر على أعداد البشر هناك؟ تابع الأرقام وقارنها، من باب الإثارة..
وماذا عن الحرب وسط جائحة تصيب الجميع دون استثناء؟ من المذنب وكيف نصف العدو كي نبرر الحرب؟ ما هي اللغة المناسبة لكسب الحرب قبل أن تبدأ؟
فكما تعلم، تحتاج الحروب اليوم لنيل رضا الإعلام العالمي وكسب استحسان الرأي العام قبل كل شيء؛ فسبب الحرب نفسه لم يعد مهمًا أو كافيًا. يكفي أن نفترض المجهول ونجيد تسويقه بالعواطف، كما قال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق رامسفيلد، بضعة أشهر قبل حرب العراق ”There are known knowns … But there are also unknown unknowns“.

وكما تلاحظ، فإن تفاقم الوضع في الشرق الأوسط ـ يا لها من مفاجأة ـ جعلني أتتبعّ ردود الأفعال بدل الأفعال والأحداث نفسها، ولسبب بسيط: إنه الفضول!
الفضول بمراقبة حالة النشاز الإدراكي وردود الأفعال التي ستصدر من عقلية المتعولم وهو يحاول استيعاب الحرب وشرعيتها في ظل هذه الجائحة. ومن هنا تذكّرت أن لتعريف الحرب والأطراف المتنازعة دور مهم في صياغة الفكر في فترات السلام وقبل حدوث أي حرب بين طرفين. الحرب ما قبل الحرب.

كعودي [reactionary]، لا أستطيع المضي قدمًا دون الخروج بتشخيص تاريخي يشرّح تركيبة النظام الأوروبي القائم على حكم القانون الديمقراطي ( ius publicum europaeum democraticum) مبيّنًا آثار التشويه التي وصلت به إلى تركيبته المعاصرة. وتركيزي هنا على ”الأوربي“ نابع من كونه القانون المهيمن والروح العولمية المعاصرة والمؤثّرة على القوانين العالمية، تحت شعار الإنسانوية طبعًا. فحقوق الإنسان والديمقراطية هي قيم تصدّر وتناقش كحقوق مطلقة تنتظر التطبيق فقط وتحظى برعاية أوربية على المستويين، السياسي الدبلوماسي والمالي. وبما أن أوربا قد احتضنت الداء والدواء معًا، يصبح من المعقول والمنطقي أن نتتبّع أبرز الأحداث التاريخية في هذه القارة، صاحبة التأثير الأكبر على الشرق الأوسط.

لكن قبل أن أخوض في تفاصيل هذا التشريح السياسي. دعني أكرر بعض المفاهيم البديهية في اليمين كفلسفة سياسية. في ”الإعادة فائدة“، كما يقول صاحب شركة صناعة لقاحات طبية غير معروف..

قبل اصطياد الماموث

لو حاولنا البحث عن مشتركات في الطبائع والعادات مع أي مجموعة بشرية عاشت قبل 300.000 وحتى قبل 300 عام، سنجد الحرب على رأس القائمة. وربما أقدم بملايين السنين. وأنا أعلم أن مطّ الخط الزمني في رحلتنا هذه نحو ملايين السنين إلى الوراء هو أمر مرهق ومتعب. وإن كان كذلك فعلًا، فربما ستساعدك التحفة الموسيقية لشتراوس An der schönen blauen Donau, Walzer, Op. 314 في الخلفية على هضم بعض هذه السطور، خصوصًا وأننا سنمرّ لاحقًا بالعصور الوسطى.

لكن بما أننا في أجواء ديستوبية كهفية، دعنا نحاول فهم جذور الحرب اجتماعيًا/تطوّريا:
الطبيعة وميكانزم التطوّر يعملان وفق ديناميكية سببية؛ عوامل خلّاقة ومحفّزة مثل الجوع والخوف ستقود حتمًا إلى التغيير والتأقلم. فربما بدأ أسلافنا بالحفر بحثًا عن اليرقات والحشرات، ثم تقدّموا تدريجيًا إلى الاقتيات على الجيفة. ثم طوّروا لاحقًا مذاقًا للحوم وتعلّموا في مرحلة ما استخدام الأسلحة (أحجار، عظام، خشب). ولا أعتقد أنه من الصعب تخيّل أحد أسلافنا المشتركة وهو ينبش الأرض بعظمة ساعد أو ساق شجرة، ثم ينزل عليه الوحي ـ لا آسف، هذا حدث ملايين السنين لاحقًا. وربما قام هذا السلف بالدفاع عن جثث أسقطها مفترس أكبر؟ تدريجيًا، أدرك أن الأشياء التي كانت عديمة الفائدة سابقًا، كالعصي أو العظام، يمكن رميها أو استخدامها بتأثير مميت. ومنذ ذلك الحين ونحن ندافع بأفضل خطّة: الهجوم! ومن في اللحظة ولد الصيّاد في داخلنا..

وهذا انتقال مذهل، برأيي. فعلى الرغم من أن السلاح قد لا يكون الأداة الأولى التي استخدمها أوائل البشر قبل مئات آلاف السنين، إلا أنه يمثل أول نجاح كبير باستخدام الأدوات. فمن هنا تحوّل هذا القرد الصغير إلى كائن  خطر جدًا. وبمجرّد أن بدأ بالصيد، انتقل بسرعة كبيرة إلى لعبة أكبر وأخطر، وبالتالي إلى صيد فرائس تفوقه حجمًا بأضعاف. ولا نستغرب عندما يخبرنا بعض علماء الأنثروبولوجيا أنهم قد لاحظوا آثارا لضربات بأدوات حادة على العديد من الجماجم المكسورة لبقايا أسترالوبيثكوس، مما يشير إلى أنهم قد استخدموا العنف وبحماسة ضد بعضهم البعض.


قد تحلل العقلية النمطية المسالمة هذا السلوك من باب الهمجية الحيوانية (وكأننا لم نعد كذلك)؛ وهو تفسير غريب لو تمعّنت فيه لوهلة: فالعنف هنا فضيلة خلّاقة، لولاه لما أشبعنا بطوننا، ولما حافظنا على بعض اللحوم لأطفالنا ليتجاوزوا جوع اليوم، ولما حافظنا على أرواحنا أصلًا، أو تمكّنا من التعاضد على بناء الأسوار والجدران والتعاون داخل المجموعة. بل أن وجودك اليوم نفسه هو ثمار هذه ”الفضيلة“.

ثم أسأل، أين هي الهمجية في فن البقاء بأي ثمن وتحت أشرس الظروف؟ أنا يمكن أن أصدم البعض وأقول أن العنف هذا هو النظام بحد ذاته. أي استعادة التوازن في السلسلة الغذائية وضمان استمرار الجينات بشكل متناسق وسط ظروف متقلّبة، طقس بارد قارص، حيوانات مفترسة شرهة ومجاميع أخرى تتربّص بك لتنقض عليك وعلى عائلتك في أول لحظات ضعف. والعنف هنا يعني القوة، لا الهمجية. والغاية من الحرب في نهاية المطاف هي تأمين المساواة والتوازن بين الدول، الدفاع عن النفس، الأرض والعائلة. في نفس الوقت كان استنتاج أبرز العلماء آنذاك مطابقًا إلى حد ما مع الموقف الفلسفي من الحرب.

ومع أني لم أتوقّع كتابة مثل هذه النصيحة يومًا ما، لكنك لو بحثت في آراء الكثير من العلماء القدماء حول مواضيع اجتماعية وسياسية مهمة إلى يومنا هذا ـ في عصر ساد فيه الفضول على عقليتهم بعيدًا عن أضواء الشهرة وفساد التمويل ـ فستجد فيها موضوعية ورصانة أكثر من أغلب تلك المعاصرة اليوم، خصوصًا عندما يمس الموضوع بديهيات عولمية بخصوص الحرب والسلام والتعريف السائد منذ معاهدة ڤرساي. ففي الماضي، كان العلماء لا يزالون يتخذون قرارات بصيرة جيدة، وذلك لأنهم ترعرعوا في ثقافة سبقت فساد العِلم من خلال السلطة.

في كتابه ”أصل الانواع“، حاول داروين إعادة قراءة الحرب من زاوية تطوّرية/اجتماعية. ولو طرحت استنتاجه على عدة مفكرين وأكاديميين معاصرين دون ذكر أسمه، لاتهموه بالتطرّف والهرطقة. الحرب كمحرّك رئيسي للتطور الثقافي؟ ماذا عن حرية الاقتراع والمساواة في كل fuckin’ شيء؟! أتكفر بآلهتنا يا داروين؟

من حسن حظه أنه لا يعيش بيننا اليوم، وإلا لكان قد عانى من ”الكاتدرائية“ مثلما عانى مع الكنيسة من قبل.

داروين لم يفهم الحرب كغريزة مغروسة في الفطرة وعلى وتيرة ثابتة، بل فهمها كسلاح طبيعي كان وسيبقى عرضة للتلاعب والتحسين. في رأيه، تساهم كل بدعة عسكرية إلى حد ما في تقوية العقل الجمعي. وإذا كان الاختراع مهمًا، فإن القبيلة ستزداد أعدادًا وتنتشر وتحل محل القبائل الأخرى وتهيمن على أهم المصادر.


وأنا لا أذكر هذه الأمثلة حتى أبدو وكأنني باحث يعمل في متحف للآثار. لكن مطّ الخط الزمني مع كل قراءة لفهم تطوّر التعقيد الاجتماعي، يجعلك قادرًا على استيعاب التالي، وهو أن العنف والصراع والحرب من أجل البقاء والثروات هي أصل كل شيء نسميه اليوم حضارة. وروح الفضيلة التي تتبلور عن هذا الفعل الجماعي هي ذلك الشعور بالمسؤولية على مستوى جمعي. الطريف بالنسبة لي، هو أن بعض العقول الأكاديمية تخرج باستنتاجات مشابهة، لكن ولسبب أجهله، تتوقّف عقولهم عند الإنسان المعاصر ويتعاملون معه وفق عقليته بمعزل عن تاريخه القديم وغرائزه وفطرة الطبيعة داخله.

لكن من أنا لأحكم؟ فعلى ما يبدو لا تنطبق قوانين الطبيعة على الإنسان في بعض الحالات، كما هو الحال عند تصنيف البشر بين ذكر وأنثى؛ حيث يرى بعضهم الفروقات كبدعة اجتماعية.
أو، كما أتخيّل العالم من داخل عقل سارة سلڤرمان، أن السلف المشترك كان متحوّلًا ts جمع بين صفات الجنسين وبالتالي كان سبب استمرار الجنس البشري؟ And why the fuck not؟ Love always wins…

تعريف الحرب = أخلاق الحرب

لو عدنا لأبعد نقطة في التاريخ المدوّن، سنجد أن الحرب هي الروح الخلّاقة للأحداث في المدن على ضفاف الأنهار، بين أودية الجبال أو على سواحل البحار. الجميع حارب، فيما بينهم وضد الآخرين. لكن من أجل ماذا؟

هذا السؤال مهم لأن الإجابة النمطية والشائعة عليه غير كافية. ولكي نفهم طبيعة المؤسسات التي تبلورت عن هذا التكتل والاختلاط بين البشر، علينا أن نفهم تصوّراتهم البدائية عن الوجود، عن الدين وعن اللغز الأكبر والأشد وقعًا على وعيهم: الموت.
يقول المؤرّخ العودي نوما فوستيل دي كولاچ: ”لكي نفهم مؤسسات القدماء، على المرء أن يمعن النظر في معتقداتهم الأولى“.

المشكلة في مثل هذه الانطلاقات التاريخية، وهذا خطأ أحاول أن أتجاوزه قدر الإمكان، هو أن التاريخ طويل جدًا ولا يمكن لأدمغتنا استيعابه بشكل كامل. وعليه لا بد من الانطلاق من نقطة ما، مدركين في نفس الوقت نسبة اللادقة في هذا التعريف الزمني. الفكرة هنا ـ وهذه نصيحة أكررها على كل من يسألني عن المراحل التاريخية التي تستحق القراءة دون غيرها ـ هي أن تبدأ برسم لوحتك الخاصة عن الخط الزمني للتاريخ؛ فبدونها تضيع وسط شساعته وعمق/تباين تفاصيله! وهذا المثال التالي ـ مستوحى من كتاب الرائع فولر توري (سبق وأن ترجمت منه بعض المقاطع) ـ سيساعدك على تتبع التعقيد الاجتماعي والفكري للإنسان بشكل مقتضب:

لو استقرينا زمنيًا على الفترة قبل 150.000 – 100.000 عام، يمكننا أن نفترض وفق المستحاثات المكتشفة في الكهوف، أن الأصداف التي كانت تستخدم، على ما يبدو، لصنع قلادات زخرفية يلبسها أسلافنا حول رقبتهم، تشير إلى أنهم امتلكوا القدرة المعرفية على التفكير بما قد يفكّر به محيطهم حولهم. وهذه علامة للتطوّر المعرفي.
فاكتساب ذاكرة تستوعب السيرة الذاتية بجانب المهارات المعرفية الأخرى، قاد ربما إلى الثورة الزراعية قبل 11.000 عام. هذا التكتّل الاجتماعي في مكان واحد سمح بدفن الموتى بجانب الأحياء؛ وبالتالي، لن نستغرب من أن فكرة عبادة الأسلاف وتقديسهم قد بدأت بعد هذه المرحلة. فمع زيادة عدد السكان، ظهرت التسلسلات الهرمية للأسلاف بشكل لا لبس فيه. وفي مرحلة ما، ربما بين 10.000 و 7.000 سنة مضت، عبر عدد قليل من الأسلاف المهمين للغاية خطاً غير مرئي وارتقوا قصصيًا لمرحلة أشبه بالآلهة.
قبل 6.500 عام، أي مع بداية التدوين وعندما أصبحت السجلات المكتوبة الأولى متاحة، ازداد عدد الآلهة عبر المجتمعات.

في البداية، تركّزت مسؤولياتهم على القضايا المقدّسة والمحورية في حياة الإنسان القديم: الحياة والموت، وبرأيي الأمر لم يتغيّر كثيرًا.
بطبيعة الحال وفي وقت لم تكن هنالك عائلة بقوة توازي مكانة عائلة تارگاريان (GoT)، أدرك القادة السياسيون فائدة الآلهة وزادوا من تكليفهم بواجبات علمانية أيضًا، مثل إقامة العدل وشن الحرب، وحماية المستضعفين (أو التضحية بهم، كل إله ومزاجه طبعًا)، وطرد الأعداء وحماية الحصيل الزراعي أو الدفاع عنه. ويبدو لي أن مزاج الآلهة في الشرق الأوسط قد تأثّر بدرجات الحرارة العالية في المنطقة. وإلا كيف نبرر غضب كبير الآلهة ورب السماوات والأرض عند السومريين ـ إنليل ـ من البشر ومعاقبتهم بالطوفان، لأن ضجيجهم أزعجه في نومه؟ مع أنني أجد الغرق أكثر رحمة من الغليان في جوهنّم إلى الأبد؛ لو خيّرت طبعًا..

وكما تلاحظ، فإن أخلاق القوم تنعكس على صورة أجدادهم أو آلهتهم؟ لكن ماذا عن أخلاق الحرب؟ أي عادات و سلوك الجماعات والأفراد أثناء الحرب.

أغلب الألواح والمصادر التاريخية في وادي الرافدين، النيل، النهر الأصفر أو نهر السند، تنقل لنا تفاصيلًا عن معارك حدثت عادة من أجل الدفاع عن أو توسيع مصادر الثروة الإنتاجية: المياه والأرض والحيوانات، خصوصًا وأن هذه المجتمعات كانت قائمة على الزراعة بالدرجة الأولى، وهذا ما يجعل الأرض وإمدادات المياه الكافية أمرًا حيويًا لرفاهية مدنهم. حيث قاتل أجدادنا القدماء ـ قبل الأديان التوحيدية ـ من أجل ما هو حيوي وضروري لهم قبل أي دوافع أخرى أقل أهمية مثل التفوّق العرقي أو الحصول على المزيد من الأرض فقط أو الدفاع عن الآلهة نفسها. وعلى ما يبدو ان آلهتهم القديمة كانت غير مهتمة بحرب الفتوحات، حتى جاءت أديان السلام والمحبة وقوس قزح.

ولا تنخدع بالخرائط التاريخية لمساحات الإمبراطوريات وحدودها الطويلة. فالغاية الرئيسية منها هي لتوضيح النفوذ فقط؛ كما ولا يمكن مقارنة الأخير بنفوذ الدولة المعاصرة. في مصر القديمة مثلًا، حكم منتوحوتب الثاني وخلفائه من مدينة طيبة كعاصمة للبلاد ـ أي 800 كم جنوب البحر الأبيض، حيث أقتصر نفوذه على بعض الكيلومترات على ضفاف النيل وبعض الواحات المحيطة.

وحتى عندما وسّع تحتمس الثالث (منتصف الألفية الثانية ق.م.)، أحد أعظم وأشهر فراعنة مصر القديمة، نفوذ الفراعنة نحو الشام وقرب الساحل، فهو كان يقتصر في تأمينه العسكري على طرق التجارة وتأمين وصول الخشب والحجر والبرونز من هناك. انتصاراته العسكرية ومكاسب من لحقه كانت تنتهي عادة ببناء صروح ومعابد تمجّد آمون، لكن في مدنهم، لا في مدن المستعمرات أو المناطق الجديدة. حتى الجدران والخنادق التي كانت تبنى للحماية من الهجمات من الشرق، كانت تبنى على أطراف الدلتا، لا في في صحراء سيناء.

في سومر، لم يكن هناك جيش دائم، رغم أنه ربما كان هناك بعض الجنود المحترفين. وعندما أعلن الملك والكاهن الأكبر ومجلس المدينة الحاجة إلى الحرب، فهم كانوا يدعون جميع المواطنين الذكور والأحرار إلى حمل السلاح.

ليس هذا فحسب، بل كان على كل مواطن إحضار أسلحته الخاصة معه. الأسلحة الشائعة تضمّنت الأقواس والرماح والفؤوس والصولجان والسكاكين وبعض أدوات الزراعة، بينما كانت الدروع الواقية نادرة. فقط الجنود المحترفين يرتدون خوذات من النحاس أو الحديد. ومع أن هذا لا يطابق ما تنقله الصور المنقوشة على الحجر أو المرسومة على الجدران.

تقريبًا لا توجد حرب مذكورة تفاصيلها ومدوّنة تاريخيًا خاضها بشر على سطح هذا الكوكب، بدون تعديلات ومبالغات وفق تصوّرات المنتصر. ومع أن هذا قد يبدو بديهيًا عند البعض، لكن العولمي المعاصر لا يجدها تنطبق على السرد القصصي لما بعد الحرب العالمية الثانية. فنحن نعيش قصة المنتصر ومازلنا داخلها، الكثير منا ينسى ذلك!

حتى أول إمبراطور في العالم، سرجون الأكدي، لم يكن بهذه السذاجة ليوسّع إمبراطوريته دون التفكير بثمن الحفاظ على استقرار مدنه. حيث اقتصر نفوذه على المدن ومحيطها، لا أكثر. ومدة حكمه وحكم حفيده لم تخلو من الانتفاضات والشغب والخيانة داخليًا ـ في النهاية نحن بشر، وهل هنالك لعبة أكثر إثارة من لعبة العرش؟

هنالك ترجمات لقصائد تاريخية عن سرجون ونرام سين، تنقل لنا صورة تؤكّد الغرض الحقيقي من التوسّع الإقليمي. يقال عن هذه السنوات من حكم سرجون على أنها كانت وقت وفرة الطعام والشراب والسلع الخارجية التي جاءت ألى مدينة أكد، ومن بينها “الأفيال الضخمة والقرود وحيوانات من بلاد بعيدة والخيول الكلاب”، وكلهم جابوا، بحسب القصيدة، على طول شوارع أكد. ومع أنه وصف نفسه بفاتح أرض عيلام ومارحاشي، إلا أن جيشه المنظّم بقوام 5.400 محارب لم يكن قادرًا على استيعاب إدارة كل المدن التي انتصر عليها وضمها لإمبراطوريته من أرض عيلام إلى أقصى غرب الفرات. هو عرف كيف يسيطر على المراكز التجارية المهمة؛ وعندما نصّب حاكمًا على مدينة ما لإدارة شؤونها، كان يعيّن شخصًا أكديًا فقط. نفوذه السياسي امتد عبر ثقافات وأديان متعددة، وعندما مجّد نفسه، أقرّ في نفس الوقت بقوة عدوه وبأسه.

حيث خاض ملوك الماضي الحروب وكأنهم يقابلون نظرائهم. حتى نهاية حقبة الساموراي بقيت بعض القيم والأخلاقيات الحربية تمنعهم من غدر العدو وطعنه من الخلف، وإلى فترة ليست بالبعيدة، كانت المواجهة وجهًا لوجه عند أغلب الجيوش هي نوع من استعراض للكرامة والبسالة، رغم قلة العدد أو تضائل فرص الفوز. ومع أن الحروب كانت وحشية وبعنف مباشر لا يقارن بطلقة جندي عن بعد كيلومترات، إلا أنها عرفت النزال الشريف في أشد لحظات الحماس والحقد.

يقول نيتشه: ”إن المساواة مع العدو هي الشرط الأول لنزال شريف، وحيثما يوجد مجال للاحتقار لا يمكن للمرء أن يخوض حربا.“.

كما تلاحظ، فإن التعالي الأخلاقي وفق هذا المفهوم الكلاسيكي يشترط أن ينصف كل طرف الآخر. وإن كان جيش ما يعتبر الحرب من أجل إلهه الأعظم والأكبر مشروعة وواجبة، فهو على الأقل يفاضل بين آلهة وأديان؛ بينما أجد أحقر أنواع المفاضلة هي عند من يحاول احتكار الإنسانية والتظاهر بالعدالة والتفوّق الأخلاقي.

يكتب الجنرال الصيني والفيلسوف صن تسو في ”فن الحرب“:

”إن فن الحرب محكوم بخمسة عوامل ثابتة، يجب أن يتم أخذها بالحسبان عند السعي لمعرفة حالات الفوز بالمعركة. هذه الشروط هي: (1) القانون الأخلاقي (المعنوي)؛ (2) السماء؛ (3) الأرض؛ (4) القائد؛ (5) الطريقة والانضباط. القانون الأخلاقي يجعل الناس في اتفاق كامل مع حاكمهم. لذا سيتبعونه بغض النظر عن أرواحهم، وبدون أية مهابة لأي خطر كان. […] هذه الرؤوس الخمسة يجب أن تكون مألوفة لأي قائد؛ فمن يعرفها سيكون المنتصر، ومن يعرفها لن تطاله الخسارة.“
وهنا تلاحظ أن المنتصر هو من يتقن اللعبة في نزاع عادل، وليس من يكسب الرأي العام أو يهيمن على سلطة تعريف العدو والطعن بهويته. بكلمات أخرى، لا حاجة لسلطة رابعة عندما ينتصر القوي باستحقاق ويحدث التنافس وفق إطار عادل. ويكمل صن تسو:

”من بين الملكين مشبع بالقانون الأخلاقي المعنوي؟ من من بين القائدين يتمتع بالأهلية والقابلية؟ مع من تكمن أفضلية وفوائد السماء والأرض؟ أي جانب لديه الانضباط مفروض بصرامة وقوة؟ أي جيش أقوى؟ أي جانب لديه رجال وضباط مدربون بشكل أكبر؟ أي جيش فيه ثبات أكبر من ناحية المكافئات والعقاب؟ بواسطة هذه الاعتبارات السبعة، يمكنني أن أتنبأ بالربح أو بالخسارة.“

جرّد مفاهيم الحرب من المثاليات، وستخلق حيّزًا يشغله تجّار المعلومات ودعاة المثالية الأخلاقية والإنسانية. فكل تحالف وكل قرار سياسي سيطاوع الرأي العالمي والإقليمي ويحاول كسب عواطف الجموع قبل أن يكسب أي شيء آخر.

ما بعد الحرب العالمية الثانية وإحياء حرب الجهاد الإلهي (الإنساني؟)

كيف أفسدت الحداثة أخلاق الحرب؟
لتشريح المرض وتحديد الفترة الزمنية، لا بد لنا من تحليل تبعات حرب الثلاثين عامًا في أوربا، نهايتها بصلح ڤستفاليا، ثم الحرب العالمية الأولى والثانية وانتصار الحلفاء.

لكن قبل كل شيء: عندما أستخدم فعل ”أفسدت“، فأنا أفضّل بطبيعة الحال جانبًا على آخر ـ أي أخلاق حرب على أخرى، فلسفة قوم على أخرى. ومن هنا أبتعد عن أي موضوعية في الطرح؛ وأنا لست ملزمًا بذلك. ببساطة لأنني لا أسرد التفاصيل، بل أناقش أبعادها الفلسفية السياسية. ولك الحرية بالبحث بنفسك وبناء تصوّرات جديدة.

يرتبط مفهوم العدو في الجيوسياسة إلى حد كبير بأخلاق المجتمع الحربية؛ ولكي يصبح السلام بين الأطراف خيارًا بديلًا عن الحرب، يجب أن يحمل العدو تعريفًا سياسيًا يسمح له بأن يجلس كخصم ونظير على الطاولة؛ حيث لا يمكن صنع السلام إلا مع العدو. وهذا الاعتراف الضمني بالآخر هو شرط مهم لإمكانية تحقيق السلام كمرحلة تلحق الحرب. ولك أن تتخيّل بقعة ملعونة على سطح هذا الكوكب حيث تعيق مشكلة انعدام الاعتراف بالآخر، ولادة أي فرصة للسلام.
المشكلة هنا ليست بالأطراف المتنازعة فقط، بل بانعدام البيئة، أو درجة حراراة العنف اللازمة للخروج بمعدن علماني مسالم؛ لا إنساني ـ لا إبراهيمي.

وقد يستغرب البعض من تصنيفي هذا، وهذا جيّد، لأنك بالتالي تعيد امتحان استنتاجاتك، ولا خسارة في ذلك، أليس كذلك؟
بانعدام البيئة اللازمة أقصد انحسار هذه البقعة زمنيًا وفكريًا بين أخلاق الحرب الجهادية المقدّسة على نهج الإبراهيميات وبين أخلاق الحرب الإنسانوية والدمقرطة؛ أي أننا نجحنا بالخروج بفكر رصين، لكننا أضعناه بسهولة وبسرعة نسبة إلى تاريخ البشر المدوّن. السؤال التالي هو: هل تحتاج المدن لتطهير على طراز نهب ماغديبورغ ولدماء 25 ألف روح قبل أن ترضخ آلهة الحروب لقربان السلام؟ 

أسهم لهيب الموت (أرض ـ أرض) غطّت سماء المدينة وأرضها قبل أن يدخلها جيش الكاثوليك من القرى و المدن المجاورة. ومع أن هذه الدماء لم تكفي رب الكنيستين، إلا أنها كانت كافية لإقناع ساكسونيا وبراندنبورگ بالتحالف مع مملكة السويد لغزو المانيا نفسها. وحيثما وجد مجاهد ما، وجدنا مصطلح الغنائم. فأبشع الأحداث، من نهب واغتصاب وقتل وسرقة، في تاريخ حرب الثلاثين عامًا لم تحدث على ساحة المعارك، بل على أيدي الجنود المنقذين، مجاهدي البروتستانت في قرى لوثرية، ومجاهدي فيرديناند الكاثوليك في مدنهم وعلى أرض الـ Imperium Romanum Sacrum.

فعلى نهج الحرب المقدّسة، يصبح خيار السلام زندقة. وإن رضي البشر، هل سيرضى الإله هو أيضًا؟

حتى 1648، طغت فلسفة الحرب المقدّسة على الحروب التي رسمت قوانين الجيوسياسة الأوربية (res publica christiana). فبعد زوال الحضارة الرومانية، هيمنة الكنيسة بطرفيها البيزنطي والكاثوليكي، ولمئات السنين، على صياغة قوانين الحرب وتعريفاتها. فأعداء الله ملعونين للأبد، في زمن لم يكن فيه السلام بين طرفين سوى استثناء للحرب أو لشراء بعض الوقت.
ومصطلح ”حكم الريبوبليكا كريستيانا“ كان مهمًا في سياق الحملات الصليبية، واستخدم في الوثائق البابوية في القرن الخامس عشر من قبل البابا پيوس الثاني وغيره، والذي تبنّى موقفًا ”إنسانيًا“، واستند إليه في الدعوة إلى حملة صليبية بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح؛ محقق نبوءة محمّد بفتح القسطنطينية (لحظة يتبلل فيها لباس الأخ المسلم من الفرح). لكن هذه الفرحة لن تدوم عندما يقرأ عن خوزقة دراكولا ـ آه نعم، ڤلاد الثالث المخوزق ـ الذي خوزق جنود محمد الفاتح قرب نهر الدانوب. (يصلح كقصة فلم رعب إسلامي ـ مسيحي).


المهم، أن تحاول فهم عقلية الحرب عند الأطراف المتنازعة آنذاك: السلام هنا هدنة مؤقتة حتى يحين موعد القضاء على أعداء الله أو اللورد يسوع. وهذا بدوره يقتل أي بادرة وأي فرصة لسلام طويل الأمد.
لكن ما ميّز صلح ڤيستفالن (من الصدف المميزة في حياتي أنني قد ترعرعت في مدينة الصلح هذه Münster بعد أن ولدت في بغداد) هو أن الأطراف المتنازعة ـ فرنسا، السويد، بوهيميا، إسبانيا، هولندا والإمبراطورية الرومانية المقدّسة ـ كانت تبحث، رغم تباين القوى والمصالح، عن السلام بأي ثمن. إضافة إلى ذلك، تعامل كل طرف مع الآخر على كونه عدوًّا من باب ونظيرًا يجب احترامه من باب آخر. بحكم الظروف البشعة طبعًا؛ فالحرب الطويلة استنزفت كل فنون البشاعة عند الجنود والمدنيين واستهلكت كل موارد القرى والمدن، حتى لم يعد هنالك جنود برواتب ولا فلاحين بحصيل زراعي أو دجاجة تبيض. وكأن الجثث المعلّقة في أشجار كل قرية لم تكن كافية، أكمل الطاعون والجوع على بقية من هرب من الحبال.

هذا التعامل مع العدو كخصم، لا كمجرم أو إرهابي، سمح بولادة العلمانية في قلب الاحتقان الطائفي بين البروتستانت والكاثوليك. والجدير بالذكر أن حرب الثلاثين عامًا لم تكن دينية الدوافع فقط، وهذا ما يؤكّده تحالف الفرنسيين الكاثوليك مع مملكة السويد البروتستانتية. لكن هذا بحث آخر.
التعامل مع الآخر حصل وفق التوافق الدبلوماسي والتعامل باحترام شديد رغم ظروف الحرب. ولم يحاول أي طرف من زج مصطلحات رنّانة كـ”الإنسانية” أو التظاهر بالتعالي الأخلاقي أمام الآخر. ومن هنا كانت النقلة من مرحلة حكم اللاهوت المسيحي إلى مرحلة الدبلوماسية السياسية والحرب المشروعة، لا الشرعية. إنها اللحظة التي تم فيها عزل الإله عن مهمة تحديد ثقافة الحرب وترك المهمة هذه لأبرز العقول العسكرية والمفكّرة في ذلك الوقت.

قانون الشعوب هذا أعاد تهذيب بعض القوانين الحربية فيما يخصّ سلوك الجنود وعنفهم تجاه المدنيين والأسرى، احترام مفهوم الحياد السياسي، تأمين أرواح السفراء والرسل، تنظيم خطوات الاستسلام أو فك الحصار وأخيرًا الجلوس على طاولة الحوار ومناقشة معاهدات السلام. في نفس الوقت، لم يتدخّل إله طرف ما أو أي قوانين دولية أخلاقية بشكل مباشر. فهدف الحرب هذه لم يكن تغيير نظام دولة جارة أو دمقرطتها بأي ثمن، بل التنازع حول الأحقية بموارد أو أراض ما. ولكي تكون حربًا عادلة، لا يجب إعلان الحرب رسميًا فحسب، بل يجب أيضًا إعلانها من قبل السلطة صاحبة السيادة. فالسلطة هي ما يميز الحرب عن القتل: وقواعد الحرب هي التي تميّز الجندي من المجرم. حيث يعامل الجندي على أنه أسير حرب وليس مجرماً. والأخير يمارس واجبه تحت سلطة دولة ذات سيادة، وعليه ولا يمكن تحميلهم المسؤولية الفردية عن الأفعال المرتكبة بأوامر من قيادتهم العسكرية. ومن هنا بدأ مفهوم الدولة وسيادتها يزداد أهمية وتأثيرًا في التاريخ.
بينما تجد مفهوم ”شرطي العالم“، كما هو الحال في عصرنا، لم يكن مرغوبًا ولم يملك مبررات فلسفية/دينية. وهذا ما سمح بترسيخ مفهوم سيادة الدولة أمام الطرف الآخر وأمام الكنيسة نفسها! حيث لم تعد الكنيسة قادرة على تبرير الحرب شرعيًا أو الاكتفاء بحجّة الجهاد الديني. وهذا لوحده طفرة سياسية عظيمة.

وبذلك حرر مفهوم شرعية الحرب ومبرّراتها (jus ad bellum) الذي تبلور عن أحداث حرب الثلاثين عامًا وصلح ڤيستفالن، أخلاق الحرب من هيمنة إله التوحيد. في أوربا على الأقل..

ولأننا كبشر بارعون في تهديم وتضييع الإنجازات الحضارية أكثر من المحافظة عليها، شاءت الظروف أن تخلق هجينًا يهوديــبروتستانيًا بقالب اشتراكي وبقناع إنسانوي جديد. تحديدًا المادة 231 من معاهدة ڤرساي المشؤومة ـ أحدِ أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية. إنها اللحظة التي انتهك فيها مفهوم الـ jus ad bellum ، حيث أرغمت ألمانيا وحلفائها على تحمّل مسؤولية الحرب الكاملة تحت عنوان “انتهاك الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات”. وليس من الغريب أن يتمخّض عن هذه الأحداث تأسيس عصبة الأمم وولادة الشرطي العالمي الذي لا يعامل الدول كأطراف تتحارب وتدخل معاهدات سلام فيما بينها، بل يعامل من يبادر بالحرب، لأي سبب وبغضّ النظر عن شرعيته، كمجرم بحق السلام والإنسانية. ولن نبالغ لو سمّينا عصبة ”الأمم“ هذه بتحالف بريطانيا وفرنسا لجمع الأتاوى؛ بل لو تتبعت أسباب تجاهل معاهدة ڤرساي للشرق الأوسط ورغبة الدولتين بتقسيم غنائم الدولة العثمانية بينهما، ستفهم قصدي جيدًا. مع أن الولايات المتحدة كانت متربّصة للأحداث رغم البعد الجغرافي، آملة بفتح أسواق جديدة لبضائع السوق الأمريكي.

قد يكون من وراء استثناء مستعمرات الشرق الأوسط من التوزيع ضمن إطار معاهدة ڤرساي غاية ”إنسانية“ و”أخلاقية“ فعلًا، لكن الفرضية المعاكسة تبدو لي أكثر واقعية:
فانتقال حيازة مستعمرة من دولة إلى أخرى كانت ستعتبر كتعويضات مادية من قبل ألمانيا والدولة العثمانية، وعليه لن يتوجّب عليهما دفع مبالغ cash كبيرة ومكاسب مادية مهمة، خصوصًا وأنت خارج من حرب عالمية واقتصادك مفلس. الحل لهذه المعضلة بسيط وعبقري: كل ما تحتاجه هو مصطلح “سلام” و”مدينة” يتم فيها اللقاء لاحتضان ”معاهدة”. ومن هنا خرجوا بمعاهدة باريس للسلام ـ تاداااا.

لكن الأبرز من بين كل ذلك هو فكرة الانتداب والتي احتاجت لبعض البهارات السياسية: أبراكادابرا: وها قد ولد ”حق“ تقرير المصير. تحت الانتداب طبعًا.
ولكي يكون الأمر مشروعًا من ناحية القانون الدولي، شكّلت عصبة الأمم لجنة للإشراف على حسن إدارة الدولة المنتدبة. وعليه لم تعد هذه المناطق (بما في ذلك فلسطين وإسرائيل) قابلة للتبادل كتعويض، بل وصارت رهينة لقانون جديد يحكم مصير هذه المناطق ويحدد ”حريّتها في تقرير المصير“ وفق مزاج الانتداب والقانون العالمي.

انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لاحقًا، قضى على أي فرصة لاستعادة التوازن السياسي والحربي وسمح لشرطي العالم الإنسانوي بإحكام قبضته على كل تعريفات الحرب وأخلاقها. واحتكار المنتصر للسلطة تحت قناع الإنسانية تجلّى وبسريالية تاريخية في محاكمات نورمبرغ اللاحقة، متناسين أرواح الملايين من المدنيين الذين ماتوا بنيران وقنابل قوات التحالف.

لكن على ما يبدو، فإن منطق orange man is bad (أو braun/brown man is bad؟) أسهل في التسويق وأشهر بدون منازع..

وبعيدًا عن حروب القرن الماضي: فإن أبشع حروب القرن الحادي والعشرين قد حصلت برعاية الشرطي الكبير وساهمت في إحياء أخلاق الحرب الجهادية مجددًا، حتى صارت واقعًا مخيفًا عشناه بظهور الخرافة الإسلامية في العراق والشام في 2014. من دون ذكر موجات الهجرة وأعداد النازحين والقتلى في الفوضى التي تركتها دمقرطة الدول من قوى السلام والإنسانية.
عارض الرأي العولمي أو اخرج عن إطار نافذة أوڤرتون الدبلوماسية وستتحوّل من دولة ذات سيادة إلى دولة إرهابية/عدوانية. وهذا يجرّدها من السيادة وحق خوض الحرب أو حق الدفاع عن نفسها.

في النهاية، هذه هي لعبة السياسية المعاصرة: and It is a fuckin’ show. لكن أجدادنا وفي فترة ليست بالبعيدة، أجادوا لعبها بشرف وباحترام متبادل..

كوڤيد هو تشرنوبل العِلم الحديث

كيرتس يارڤن (Moldbug) / ترجمة Saif Al Basri

نحن نعلم أن المختبرات الصينية في ووهان كانت تجري تجارب على ڤيروسات خفافيش مؤنسنة جينيًا. كما نعلم أن ووهان ليست موطن الخفافيش، ولا حتى الشتاء موسمها. ونعلم أن غالبية الصينيين ليسوا بأكلة للخفافيش. بل أن خفافيش كورونا غير صالحة حتى للأكل.

أيضًا نعلم أن الحكومة الصينية ترفض نشر سجلات أبحاث ڤيروس الخفافيش. ونحن نعرف “مسؤولًا إداريًا كبيرًا” – من داخل إدارة بايدن، أي مباشرة من صلب الدولة الراسخة يقول:

لقد كانت هذه مجرد نظرة خاطفة خلف ستار مجرّة ​​كاملة من النشاط المختبري، بما في ذلك المختبرات العسكرية في بجين ووهان وهي تتلاعب بڤيروسات كورونا وإنزيم ACE2 في الفئران وسط ظروف غير آمنة، وبشكل غير مفهوم في الغرب ودون سابقة تذكر.

إحدى المهارات المعرفية المهمة في العالم الحديث هي معرفة متى تثق بالسلطة. وعندما تفعل ذلك، يمكنك أن تراهن بثقة. وفي حين أن هذا لا يعوّض عن الأخطاء المخرّبة التي قامت بها مجاميع ”الاستخبارات“، إلا أنه يظهر أنه لا تزال هناك قيمة تستحق وقفة. 

فالدولة الراسخة لما أخبرتنا بهذا الأمر لو لم يكن صحيحًا. ببساطة لأنه لا يتناسب مع الأجندة البيروقراطية لأي شخص – وبصراحة أيضًا، لا أحد في واشنطن اليوم لديه الخصى اللازمة ليبتدع مثل هذه المعلومات. 

فقط علينا أن نفترض أنها صحيحة وننسى نظرية برگر الكنغر المجمّد من أستراليا ونظرية الأمراض الحيوانية المنشأ المزدوجة (انتقال الڤيروس من الخفافيش إلى آكل النمل الحرشفي ثم إلى الإنسان)، ونمضي قدمًا من هنا. لكننا لن نفعل ذلك. ونحن لسنا بحاجة لمعرفة أي شيء آخر. وربما لن نعرف أي شيء على الإطلاق.

وحتى يظهر شخص ما مع حيوان آكل النمل الحرشفي وبدليل قاطع أو خفاش ملطّخ أو آيس كريم ملوّث، فإن الفرضية القائلة بأن SARS-CoV-2 كان حادث مختبر صيني هي الفرضية الصفرية. وهذه المعرفة المفترضة تخزنها في المكان الذي تحفظ فيه كل الأمور التي تفرضها صحيحة في داخل عقلك، على الرغم من أنك لا تزال مستعدًا للنظر في أي دليل ضدها.

لكن ما يهم هو ليس فرضية المختبر، بل التبعات والآثار المترتّبة عليها. ولا يكاد يفكر أحد في خطورة هذه التبعات. لكن قبل أن نتناولها هنا، دعونا نفهم أسباب هذا الانهيار المعرفي. […]

مشكلة العلم الحديث

مشكلة العلم الحديث هي أن عملته تكمن في ملاءمة الأهمية وصلتها بالواقع. في نفس الوقت، لا يمكن تقييم هذه ”الأهمية“ وفق ضوابط علمية صارمة. ونظرًا لأنه لا بدّ من تقييمها بكل الأحوال، فإن الحكم بشأن الأهمية العلمية هذه يخضع في العادة لموازين عقائدية وأيديولوجية.

أي أن القرارات العلمية تبقى ”علمية“، بينما تستحيل القرارات الميتا ـعلمية (meta-scientific)، أي تلك حول موضوع العلم الذي يراد البحث فيه، إلى قرارات عقائدية وبيروقراطية تمامًا.

وكل مجال لديه قائمة بالمشاريع ذات الأولوية على صعيد البحث العلمي. وهذه القائمة تتضمن كل معضلة في الواقع وكل حيّز لمشكلة يمكن أن تمتّ بصلة للبحث في هذا المجال.

بطبيعة الحال، من المثالي أن تكون هذه القائمة، بالنسبة لكل باحث في مجاله، طويلة والمعضلات التي يراد معالجتها متنوّعة قدر الإمكان.

كما ومن الصعب توسيع هذه القائمة ـ لأنه ببساطة يعني التقليل من ميزانية شخص آخر؛ وتقليص القائمة يكاد يكون مستحيلاً. علاوة على ذلك، حتى لو تم تعقّلها بحكمة، فإن هذه القرارات الميتا ـعلمية نادرًا ما يمكن اختزالها لأي منطق آلي أو علمي؛ بل تميل إلى أن تكون بصيرة، معتمدة على ”حكمة واقعية“.
وهذا بدوره يشير إلى أن قوى حكيمة وغير علمية يجب أن تكون مسؤولة عن العلم – وهو استنتاج سيقاومه أو يرفضه جميع العلماء تقريبًا وبشدّة. […]

وعندما تحذف مشروعًا من هذه القائمة ”المهمة“، فإنك تمحي وظائف مجموعة كاملة من العلماء في لحظة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من لديه السلطة لفعل ذلك؟
ج: على الأغلب، لا أحد.

الأهم من صعوبة تغيير هذه القائمة (ذات الطابع غير الرسمي دائمًا – في حال كان لديك أي نشاط تجاري وتعرف ما هي المشاكل المهمة) هي أصالة الكيفية البصيرة في تدبّرها وتنسيقها.

والعلم هو أسلوب للتفكير؛ والقرار البصير هو قرار لا توجد له معادلة مفيدة – فقط الذكاء والمعرفة والحكمة. ومعظم القرارات العملية هي قرارات بصيرة حكيمة وليست علمية. علم الميتا (Meta-science) – أي القرار بشأن العِلم الذي يراد البحث فيه – هو حريف للمعرفة العلمية، لكن قراراته بصيرة ولا تختزل في منطق علمي. 

أحد المبادئ الأساسية لعلم القرن العشرين هو ما يسمّيه البريطانيون مبدأ هالدين (Haldane principle) – وهو أن التمويل العلمي يجب أن يوجهه العلماء أنفسهم. وبدت هذه فكرة جيدة في ذلك الوقت. ففي النهاية، كان القرن العشرين هو العصر الذهبي للحارس الذي يراقب نفسه. كما وأن أسوأ شيء يمكن أن يفعله العِلم هو إهدار المال – أليس كذلك؟

اتضح لاحقًا أن مبدأ هالدين كان يعتمد على ذكاء ومعرفة وحكمة العلماء أنفسهم. عندما كان على العلماء أن يكونوا مسؤولين أمام غير العلماء عن هذه القرارات التي يتخذوها، في وقت لم يكن لدى العِلم أي وسيلة لإفساد العامة.

ولكن عندما طُلِب من العلماء اتخاذ القرارات الميتا ـعلمية أيضًا، تبيّن أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الحكمة وبين العِلم. بل الأسوأ من ذلك: على عكس العلماء، لم يكن لدى غير العلماء والعامة تضارب في المصالح ضمن القرارات الميتا ـعلمية. وعليه، عندما تبلورت أي حكمة في إطار غير علمي أو ضمن قادة المجتمع، كان على تلك الحكمة أن تقاوم هذا التحيّز الداخلي عند العلماء.

في الماضي، كان العلماء لا يزالون يتخذون قرارات بصيرة جيدة، وذلك لأنهم ترعرعوا في ثقافة سبقت فساد العِلم من خلال السلطة.

لكن في النهاية وبعد فساد العِلم، أصبحت الحجج الخاصة بكل مشروع علمي عقيمة ومجرّدة – ولا يوجد مثال أفضل من الأبحاث التي أجريت حول اكتساب وظائف ڤايروس كورونا (قبل 2019) في الصين والمجتمع العلمي الغربي بشكل عام، والتي أخطأ البعض بتقييم أنها قد تكون مفيدة.

بمجرد ظهور SARS-1، والذي كان من الواضح أنه حادث طبيعي، أصبحت الأمراض حيوانية المصدر لڤيروس كورونا الخفافيش ”مهمة“ وبدأت بكسب الانتباه. خصوصًا وأن هذا الڤيروس قد تسبب بوفاة الكثير من الناس، بل كاد أن يتسبب في جائحة. ومن هنا جاء الفضول والخطر في نفس الوقت: لما لا نعرف المزيد عن هذه الظاهرة الخطيرة؟!

وعليه، هل هنالك طريقة للبحث في مشكلة تكيّف ڤيروسات الخفافيش مع البشر أفضل من ”محاكاة“ المشكلة وخلقها داخل المختبر؟
كما ويمكننا أن نفعل ذلك بأفضل شكل مختبري من خلال ………………. بالضبط، تكييف وتعديل ڤيروسات الخفافيش لتلائم جسم الإنسان. تادااا

فمن الصعب للغاية أن يقفز الڤيروس من الخفاش إلى الإنسان. أولاً، لأن الأنسان لا يختلط مع الخفافيش بشكل مباشر؛ ثانيًا، ارتباط الخفافيش بالبشر على مستوى الشجرة التطوّرية بعيد جدًا.
وكما أظهرSARS-1 يمكن للطبيعة عبور هذا الجسر رغم طوله. وإن حدث، فنادرًا وليس بسهولة! وكما تبين لاحقًا، فإن تبعاته مضرّة وكارثية.

SARS-1 هو مرض حيواني المنشأ (ولم ينشأ داخل مختبر)، وكان في طور التكيّف مع البشر، ولكن تم إيقافه والسيطرة عليه قبل أن يتفشى. نما الڤيروس ببطء شديد في خلايانا – ولذلك لم يكن معديًا حتى ظهرت أعراضه. بكلمات أخرى، لم يعبر كل الجسر بعد.

بينما في داخل المختبر، يصبح عبور الجسر سهلًا. وبالتالي يهيمن الفضول: ”لما لا؟“ حيث يمكننا أن نتعلم شيئًا عن الجسر أو الجسور أو شيء من هذا القبيل؛ كما فعلنا في الماضي!

تعريض البشر لڤيروسات الخفافيش هو فعل شنيع يذكّر بالوحدة 731 (وحدة أبحاث وتطوير حرب كيميائية وحرب بيولوجية سرية في جيش اليابان الإمبراطوري)، لكنها على ما يبدو ليست جريمة حرب إذ حقنّا فئرانًا مختبرية بإنزيم ACE2 البشري. (كما أن تمرير الڤيروسات من خلال القوارض هو أمر شائع أيضًا ـ والـ SARS-CoV-2 يحب القوارض وغيرها من فصيلة العرسيات، وقد قضى على مزارع حيوان المنك بأكملها.)

في النهاية، لا يوجد صانع قرار حكيم، سواء كان يعرف ما نعرفه الآن أو ما عرفناه قبل عشر سنوات، سيختار تمويل هذا البحث أو غيره من الأبحاث المشابهة. لكن لسوء الحظ، فإن ”الحكمة“ لا تلعب دورًا في عملية تمويل الأبحاث والعلوم بشكل عام؛ وهذا ما يجعل العلِم ضعيفًا في مقاومة أي تفاهة أو مشروع لا يمت للواقع بصلة هامة.

Covid-19 هو حادث بشري مثل كارثة تشيرنوبيل. لقد حدث لأن الـ SARS-1 (حادث طبيعي)، جعل من الممكن تمويل علومًا وأبحاثًا خطيرة وبعيدة عن الواقع في أهميتها. 

وكما هو الحال في العديد من الحوادث الهندسية الكبرى في التاريخ، فإن السؤال لم يعد يدور حول السبب، ولكن لماذا لم يحدث ذلك عاجلًا؟

يتبع..

مقدمات فكر العودة الجديدة Neoreaction

1.    اليمين محق، واليسار مخطئ.

وهذا من البديهيات عند العوديين. وقد انتشر هذا الوصف على يد إريك فون كينيلت-ليدين الذي يعد، إلى جانب توماس كارلايل ويوليوس إيفولا، جزءا من الأسفار المركزية للفكر العودي. ولو اختلف أحدهم مع هذا الوصف، فقد يكون شخصا لطيفا جدا، شخصا قد أرغب بتناول الشاي معه، لكنه لن يكون عوديا. ويشير مولدباغ لهذا الوصف في مدخله ”رحلتي من ميسز إلى كارلايل.“ وفي ”مقدمة هادئة إلى تحفظات غير مقيدة“ نجده يقول:

من جهة أخرى، من السهل جدا أن نبني نظاما قيميا نظيفا جدا يكون فيه النظام ببساطة خيرا، والفوضى ببساطة شرا. وقد اخترت هذا الطريق. وهو يترك فـجوة واسعة في مؤخر جمجمتي، ويسمح لي بأن أسمي نفسي عوديا. قد يكون هذا، في نظرك، هو الجانب المظلم. ولكن ذلك فقط لأن العلاج لم يكتمل بعد.

كما ترى، فالأمر بسيط. ويقول أيضا:

اليسار هو الفوضى والتخبط، وكلما ازدادت الفوضى لديك، ازداد حـجم السلطة الذي يمكن توزيعه. وكلما ازداد انتظام نظام ما، قل عدد من يصدرون الأوامر. وهذا التفاوت عينه هو السبب في أن الشركات والجيش، حيث يكون نظام السلطة التنفيذية الهرمية منتظما بطبعه، تنحاز إلى اليمين.

2.    الهرمية في الأساس فكرة جيدة.

في العموم، تعزز الهرمية الاستقرار، الانتظام، التوجه، التماسك، وما شابه. يعترض العوديون على الهرميات الصارمة في الأنظمة الكلاّنية totalitarian، التي تحيل البشر إلى تروس في آلة (اقرأ الفاشية من نظرة يمينية ليوليوس إيفولا للاطلاع على نقد عودي للفاشية، أو راجع الفصل الرابع من رجال بين الأطلال.) وإن كانت لديك مشكلة في تمييز الفكر العودي عن الفاشية فاقرأ ذلك الفصل، وإلا فلن تفهم الفرق. وبدلا من تأييد الهرميات الصارمة التي تسحق الحكم الفردي الحر، فالعوديون يدعمون ”الدولة العضوية“ كما يصفها إيفولا:

كل مجتمع يتكون من أفراد، وأفراد البشر هم عنصره الأساس. أي نوع من البشر؟ ليس الأفراد كما تتصورهم الفردانية، كذرات أو كتلة من الذرات، بل الأفراد كأشخاص، ككيانات متمايزة، يتمتع كل منهم بمرتبة مختلفة، بحرية مختلفة، بحق مختلف ضمن الهرمية الاجتماعية القائمة على قيم التكوين، البناء، الطاعة، والأمر. ومع أفراد كهؤلاء يكون من الممكن أن نؤسس الدولة الحقة، أي دولة عضوية، لا ديمقراطية ولا ليبرالية. والفكرة من دولة كهذه هي أولوية الشخص على أي كيان اجتماعي، سياسي، أو قضائي مجرد، لا الشخص بوصفه واقعا تم تحييده وتسويته، مجرد رقم في عالم الاقتراع الكمي الشامل.

إن الهدف من الدولة العضوية هو رعاية ”عملية من التفرد والتمايز المستمر“ للأشخاص، بدلا من ذوقية شاملة مساوية. فبعض الناس قادة بطبعهم وآخرون لا. والأمر لا يعني أن كل العوديين يتخيلون أنهم قادة طبيعيون، قدرهم أن يشغلوا مكانا في سلم القيادة ما أن تأتي الثورة. فالفكرة هي أن نخلق مجتمعا يوفر تمايزا وتفردا طيبا من الأعلى إلى الأسفل. وهناك أسباب، ضمن هذا المجتمع، تجعل أن تكون في الأسفل تجربة أفضل وأغنى مما هي اليوم، لكن ذلك موضوع مختلف تماماً.

3.    الأدوار الجنسية التقليدية في الأساس فكرة جيدة.

من المرهق أن نتحدث عن ذلك، حيث أن النسويات شديدات الضراوة تجاهه، ولكن العوديين الجدد أساسا يوافقون على الأدوار الجنسية التقليدية. في المجتمعات التقليدية، تكلفت النساء في الواقع بعض الأدوار والوظائف التي ربما تعد مـِهَنا بمعايير اليوم. فهن لم يكن جميعا زوجات ملازمات للبيوت، وحتى حين كنّ كذلك، فقد كنّ مجدّات. ولست متأكدا من سبب أن البقاء في المنزل، خياطة الملابس، الطبخ، البستنة، وتربية الأطفال يعد أقل تمكينا من نشاطات ذكورية كشق السواقي، اللحام، أو الجلوس عند طاولة مكتبية أمام حاسوب طوال النهار.

وبالعكس، فلو اختار رجل أن يجلس في البيت ويربي أطفاله، فسينظر العديد من الرجال له بانتقاص. ولا قدر من الدعاية التقدمية أو مخيمات إعادة التأهيل سيغير من ذلك، لأنه مبني في أدمغتنا عبر ملايين السنين من التطور. فالرجال يحترمون الرجال الذين يخرجون لفعل أمور رجولية. وبالمثل، فإن الضغط نحو انسياق مع أدوار جنسية هو أٌقوى في مدارس الإناث من المدارس المختلطة، مما يحطم خرافة أن الرجال هم من يفرض ويراقب الأدوار الجنسية، بنحو يضر بالنساء. يمكن للناس أن يخلقوا فقاعات وعوالم غرائبية تنقلب فيها هذه الأدوار رأسا على عقب، لكنها غير مستقرة تماما.

النساء أقل سعادة اليوم مما كن عليه قبل أربعين عاما، رغم كل التطورات المدعاة التي أنجزتها النسوية خلال ذلك الوقت. لقد قالت لي إحدى النساء العوديات التي تحدثت معها أن النسوية حركة غير نزيهة من الأساس، لأنها حركة لنساء بلا أطفال، رغم أنها تقدم نفسها كحركة مفيدة لكل النساء. وتقول امرأة أخرى: ”أفضّل أن تدعم المعايير بقوةٍ عوائلَ متماسكة، وعلى كل من يرغب في غير ذلك أن يسبح عكس التيار.“ وفي ذلك تلخيص منصف للموقف العودي.

4.    الليبرتارية معاقة عقلياً.

العديد من العوديين الجدد هم بعد-ليبرتاريين، أي غير ليبرتاريين. وأحد طقوس العبور نحو العودة/العودة الجديدة هو رفض الليبرتارية. لم أكن ليبرتاريا أبدا، ولهذا فقد تطلب الأمر وقتا كي أستوعب كليا العلاقة بين الليبرتارية والعودة الجديدة، لكني أفهمها الآن. فالليبرتاريون يأخذون الحرية الفردية كمسلمة، ويرفضون التأمل في العلاقات السلبية لهذه الحرية مع التراكيب التقليدية كالمجتمع والعائلة. وذلك مرفوض عند العوديين.

لدى العودة الجديدة علاقة وثيقة بالتقليدية، التي تدعم الالتزامات الاجتماعية، الأعراف، ودرجة ما من الانسياق/ التجانس، وهكذا. ولديها أيضا خصال ليبرتارية، كالدعوة لحكومة أصغر وفصل الحكومة عن المساحات الخاصة تقليديا، لكنها ترفض الليبرتارية إجمالا.

ستكون الليبرتارية، لو أمكنها العمل إطلاقا، مناسبة فقط لنسبة من السكان، بين 15-20%، مستعدة لأن تأخذ طريق غالت going Galt وتقفل على نفسها في حصن مجازي ضد العالم. ولو أن مجتمعا ليبرتاريا سيترك الكثير في العراء، فلا يبدو أن الليبرتاريين يهتمون. وبالمقابل، فإن العوديين يرعون المجتمع، العائلة، والتماسك الاجتماعي. قبل عدة أشهر قلت: ”إن ”الاشتراكية“ التي تنادي بها التقليدية هي أن يساعد العوائل والأصدقاء بعضهم بعضا بإرادتهم الحرة.“ ويلخص ذلك الموقف العودي تجاه المعونة المتبادلة، المتوافقة نظريا مع الليبرتارية، لكنها غير متوافقة مع روح ومزاج الليبرتارية كما تعاش وتمارس فعلا. كما يميل العوديون للنظر إلى الليبرتاريين كمفرطين في المادية.

وكقطعة أخيرة من غذاء الفكر في هذه النقطة، قال أحدهم على تويتر: ”لو أخذت الليبرتارية ثم جعلت الوحدة الاجتماعية الأساسية هي العائلة بدلا من الفرد، فستكون على مقربة من ماهية العودية الجديدة.“ مثير للجدل، ولكن ملفت.

5.    الديمقراطية معيبة بلا أمل، وعلينا التخلص منها.

لقد كانت الديمقراطية كارثة. اقرأ الديمقراطية: الإله الذي فشل لتفصيل ذلك. ولو لم تقرأ شيئا من ذلك الكتاب على الأقل فستحس بالضياع. وفي أضعف الإيمان، فإن قراءة شيء منه ستعرض أمامك نقاشا أكاديميا جادا حول فشل الديمقراطية. إن رفضك أي شيء مضاد للديمقراطية بوصفه ”فاشيا“ سيصنفك ببساطة كشخص أبله، يفتقر لأي عمق فكري. فأمثال سكوت ألكسندر على الأقل قادرون على التوغل أعمق، وتوفير دفاع عن الديمقراطية يتجنب الاستشهاد بالبعبع الفاشي.

وفيما يلي بعض مفردات العودة الجديدة أو تصورها لبعض المصطلحات:

أرستقراطية Aristocracy

إيفولا: «الأرستقراطية فكرة غير محددة. وبمعنى حرفي، «فالأفضل» مصطلح نسبي. «الأفضل» بدلالة ماذا، وبالنظر إلى ماذا؟» ولكن أيضا: «لقد كان رجال معينون محورا للأتباع، الطاعة، والتبجيل، لإبدائهم درجة عالية من التحمل، المسؤولية، الوضوح، وعيشهم حياة خطرة، منفتحة، وبطولية لا يطيقها الآخرون؛ وقد كان من الحاسم هنا أن نكون قادرين على التعرف على حق خاص وكرامة خاصة بشكل حرّ. ولم يمثل الاعتماد على قادة كهؤلاء إخضاعا للأفراد بل إعلاءً لهم؛ ولكن هذا بلا معنى في نظر المدافعين عن «المبادئ الخالدة» والداعمين «للكرامة البشرية» بسبب عنادهم.»

جمهورية أرستقراطية Aristocratic republic

كان القصد الأصلي للآباء المؤسسين لأميركا هو جمهورية ذات «أرستقراطية طبيعية» بحكم الواقع، تحولت منذئذ إلى نظام ديموتي (ديمقراطي). الجمهورية الرومانية مثال على جمهورية أرستقراطية ناجحة تحولت في النهاية إلى ملكية. وبعض العوديين ينادون بعودة الولايات المتحدة إلى هذا الشكل من الحكومة. وقد سمى توماس جيفرسون الأرستقراطية الطبيعية «أثمن هبات الطبيعة».

الهيكل the Cathedral

هو الإجماع المنظم ذاتيا للتقدميين والإيديولوجيا التقدمية الذي تمثله الجامعات، الإعلام، والخدمة المدنية. وقد صاغ المصطلح المدون منشيوس مولدباغ. ليس للهيكل أي مدير مركزي، لكنه يمثل إجماعا يتصرف كمجموعة متناسقة تدين الإيديولوجيات الأخرى بوصفها شرا. لقد فصّل الكتّاب المواقف التقدمية بدءاً باقتراع النساء، منع الكحول، إلغاء العبودية، ضريبة الدخل الاتحادية، الانتخاب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، قوانين العمل، إلغاء الفصل العرقي، إشاعة المخدرات، تحطيم المعايير الجنسية التقليدية، مساقات الدراسات الإثنية في الجامعات، إنهاء الاستعمار، وزواج المثليين. إن سمةً فارقة في التقدمية هي أنك «تعتقد بأن سؤال الأخلاق قد حلّ جوهريا، وكل ما بقي هو العمل على التفاصيل». والعوديون يعتبرون الجمهوريين تقدميين، متأخرين 10-20 عاما عن الديمقراطيين في تبنيهم للمعايير التقدمية.

التكاملية Complementarity

إن رؤية أن «الرجال والنساء يكمّلون بعضهم كأجزاء مستقلة تشكل معا كلا مركبا»، تعرف أيضا بالتكاملية. وهي ترتبط بالرؤية التجريبية القائلة بأن لدى الرجال والنساء نفسيات مختلفة ولهذا فهم مناسبون لأدوار مختلفة ومتكاملة في المجتمع. يعد كل من الرجال والنساء مسؤولين عن المساهمة «بتأثير متحضر» في المجتمع ككل، ابتداءً بالوحدة العضوية للمجتمع، أي العائلة. وعند العوديين، ينظر لمعظم فصائل النسوية بوصفها تفاقم في الصراع بين الذكور والإناث، وترهن التماسك الاجتماعي طويل الأمد من أجل العوائد العابرة للتهتك، الإفراط الجنسي، والطفولية. وبنفس المعنى، فإن معاداة النساء، الخيانة، العنف الأسري، غياب المسؤولية الأبوية، والنحيب المستمر «لنشطاء حقوق الرجال» مرفوضة لأنها تحرض نفس الصراعات. يعترف العوديون بأن ضمان دوام المجتمع ومستقبله يعتمد على تنشئة الأطفال في بيئة مستقرة ومراعية فيها أب وأم، وأن الرغبات الأنانية للوالدين ثانوية بالنسبة لهذا الهدف. فمن دون الأطفال، ستقضي الثقافة على نفسها ببساطة. وتعظيم عدم الإنجاب هو شكل من الانتحار الثقافي.

التنوير الحالك Dark Enlightenment

تيار فكري جديد يتكون من مفردات عودية. والعامل الموحد للتنوير الحالك هو انتقاد الديمقراطية، الذي لخصه بيتر تيل بصرامة حين كتب «لم أعد أعتقد بأن الحرية والديمقراطية متوافقان». مصطلح «التنوير الحالك» من صياغة الفيلسوف البريطاني نيك لاند، الذي فصّل هذه الفكرة في سلسلة التنوير الحالك. وهذه السلسلة، إضافة إلى كتابات منشيوس مولدباغ، تمثل الأدبيات المحورية لهذه الحركة. التنوير الحالك هو مشروع عودي يرفض الحداثة، المسكونية Universalism، والديمقراطية لصالح قيم تقليدية، خصوصية، وأرستقراطية. ويستخدم المصطلح أحيانا بالتبادل مع «العودة الجديدة» أو «عودي جديد».

الديموتية Demotism

الحكم باسم الشعب. لقد انتشر هذا المصطلح حديثاً على يد منشيوس مولدباغ، وينظر للديمقراطية والشيوعية كشكلين من الديموتية. يعتبر العوديون الديموتية شكلا من حكم الجموع، حيث يتملق السياسيون لما يعدّونه الإرادة الشعبية، بدلا من صنع قراراتهم الخاصة كقادة مستقلين. إن قولا مجهول النسبة، ظهر لأول مرة في الطبع عام 1951، يلخص الرؤية العودية عن الديموتية: «لا يمكن للديمقراطية أن توجد كشكل دائم من الحكومة. بل يمكنها البقاء فقط حتى تكتشف الأكثرية أن بوسعها التصويت لنفسها على الإثراء من الخزينة العامة. وبعد ذلك، ستصوت الأكثرية دوما على المرشح الذي يعدها بالمنافع الأكثر، والنتيجة أن الديمقراطية ستنهار بفضل السياسة المالية المنحلة التي تتبع ذلك، لتليها دكتاتورية، ثم ملكية». ينظر العوديون لعصر الإرهاب وحملات تطهير ستالين كنتائج كلاسيكية للديموتية. ورغم أن الملكيات قد اضطهدت عبر التاريخ أقليات دينية وإثنية ضمن حدودها، فإن أيا منها لم يسفك الدماء بمستوى الثورات الفرنسية أو الروسية والتطهيرات التي تليها. مقتبسين من إريك فون كينيلت-ليدين: «إن نهضة الديمقراطية مثلت بداية عصر ’G‘—المقاصل، الإبادات، المحابس، المشانق، غرف الغاز، والغولاغ». [المترجم: كل هذه الكلمات تبدأ بحرف G في الإنجليزية.]

يوليوس إيفولا Julius Evola

مفكر سياسي وباطني إيطالي كتب منذ الـ1920ات وحتى وفاته عام 1969. لقد وصف إيفولا بأنه «أرستقراطي، ذكوري، تقليدي، بطولي، وعودي بكل عناد». وقد كتب باحث إيطالي: «يمكن اعتبار فكر إيفولا أحد الأنظمة الأشد راديكاليةً واتساقاً في عدائه للمساواة، الليبرالية، الديمقراطية، والشعبوية في القرن العشرين». يدور فكر إيفولا حول فكرة «الدولة العضوية»، وهي مجتمع هرمي طبيعي يشجع على قدر من الحرية الفردية، الاستقلالية، والازدهار مع إدماجه لأفراد الذكور والإناث في نظام متناسق أكبر يرتقي بهم، يمنح حياتهم معنى، ويجعلهم جزءا من كلّ هادف. وكسائر الأنظمة التقليدية، فإن الدولة العضوية مضادة للديمقراطية، حيث تمنح القرارات السياسية لنخبة أرستقراطية. لقد أكد إيفولا على قيم «روحية» (وهو لفظ يشير فقط إلى قيم أرفع، لا الغيبيات) كالانتماء المدني والإنجاز البطولي فوق الإنجازات المادية حصرا. منطلق جيد لقراءة أعماله هو البدء بكتابه رجال بين الأطلال. ويمكن زيارة تجميعة من الاقتباسات القصيرة عنه في مدونة لمحات تقليدية.

اليسارية Leftism

ينظر اليمين العودي لليسارية كإيديولوجيا تسعى لتمزيق الاستثنائية والبنى التقليدية بحيث يمكن للأوطأ بيننا أن يشبعوا مشاعر الحسد والإيثار المرضي لديهم. فالمجتمع اليساري الرأسمالي يشجع مبدئيا على الإنجازات في مجالين فقط—المال والشهوات—على حساب كل القيم العليا، بما فيها الاستقرار الاجتماعي طويل الأمد. وبدلا من التشجيع على الإنجاز الشخصي، فاليسارية تحركها «آلية مساواة» يلخصها الشعار الوجيز «الجميع يستحقون جوائز». ويعرّف «التقدم» الاجتماعي بدلالة تعظيم الشهوة الفردية قليلة الأمد على حساب الصحة الاجتماعية العامة. وعبر ترويج عقلية «كل شيء يمر»، فالنتيجة النهائية هي غيمة من الأفراد المتشظّين عديمي الملامح، بدلا من أي شيء يشبه التماسك أو القوة الاجتماعية، وينظر «للثقافة» كبنية اجتماعية يمكن الإلقاء بها عفويا واستبدالها ببديل جديد عند أضعف نزوة. والنسبية الأخلاقية والثقافية تحكم: إذ لا يمكن اعتبار أي نظام أفضل من آخر، لئلا يشعر دعاة النظام الأسوأ بالإساءة.

منشيوس مولدباغ Mencius Moldbug

مدون ذو شعبية، نفث روحا جديدة في أقصى اليمين الفكري بأحاديثه المتميزة بطولها وتقلبها عن التاريخ والسياسة، التي كتبت مبدئيا بين 2007-2010. يعد مولدباغ المؤسس الفكري للحركة «العودية الجديدة»، وهو لفظ صاغه في 2008 وأشاعه الاقتصادي آرنولد كلينغ في 2010. إن أهم سلاسل مقالات مولدباغ هي «رسالة مفتوحة إلى تقدميين منفتحين»، «مقدمة لطيفة إلى تحفظات غير مقيدة»، و «البيان الشكلاني»، التي تبلغ إجمالا بضع مئات من الصفحات. والأعمال شبه الكاملة لمولدباغ يبلغ طولها 4.470 صفحة وهي متوفرة ككتاب إلكتروني. قلة نادرة من معجبي مولدباغ قد قرأوا ما يقرب من كل مقالاته؛ لكن قراءة بضع مئات من الصفحات ستعطيك فكرة عن عمله.

الملكية Monarchy

شكل الحكم المفضل عند العوديين. لمناقشات أكاديمية لأسباب كون الملكية فكرة جيدة، اقرأ الديمقراطية: الإله الذي فشل لهانز-هيرمان هوبه وكذلكالحرية أو المساواة لإريك فون كينيلت-ليدين. الملكيات ليبرتارية نسبيا وفق المعايير الحديثة، من حيث أن الحكومة عادة ما تستهلك 2-5% من الناتج الوطني، خلافا للديمقراطيات الاجتماعية التي تستهلك ما بين 40-80% منه. ومن ناحية قانونية، تميل الملكيات لامتلاك قوانين أقل، لكنها تفرضها بصرامة أشد، متبعة حكمة تاسيتوس: «كلما ازداد فساد الدولة، ازدادت قوانينها». والملكيات عموما تضع سلطة أكبر في أيدي الحكومات المحلية. إن حـجة أساسية لصالح الملكية هي أن قادتها يميلون لامتلاك تفضيل زمني أوطأ، بمعنى أن لهم سهماً شخصياً أعلى في صلاح البلد الطويل الأمد، مقارنة بالسياسيين المحترفين الذين يركزون على دورات انتخابية من أربع سنين. وهناك سجال في الوسط العودي حول قواعد الخلافة، إن كانت الخلافة بالتبني أو الوراثة هي المفضلة.

العودة الجديدة Neoreaction

حركة العودة الجديدة التي تطورت بدءاً من 2007. وما العودة الجديدة إلا توجه مجرد وأكثر تحليلا نحو اليمين التقليدي، مقارنة بالعودية التاريخية. يمكن النظر للعودة الجديدة كجزء من العودية عموما، التي تربطها بها علاقة معقدة. وفي النهاية، فالهدف من العودة الجديدة هو توفير هيكل متماسك من النظم الإدارية والسياسية، يمكن استعماله لتشكيل حكومات جديدة.

التقليدية الراديكالية Radical traditionalism

المنظور الفلسفي والرؤية الاجتماعية التي طورها يوليوس إيفولا؛ وكذلك يستخدم هذا الاسم لحركة من الكاثوليك المحافظين. وحيث أن اللفظ يحمل معنى مزدوجا، فقد يحتاج للتوضيح. وفي More Right، فاللفظ يدل على أفكار إيفولا ما لم ينوه بغير ذلك.

عودي Reactionary

من المهم ملاحظة أن لفظ «عودي» صيغ أصلا كشتيمة تشير إلى الملكيين الفرنسيين. وحين يستخدم العوديون المعاصرون هذا المصطلح، فهم لا يدعون بالضرورة للعودة حرفيا إلى الوضع القائم من قبل، بل إلى حركة المجتمع في اتجاه هيئات مبنية على النظام، الجماليات العليا، الهرمية، الاستقرار، السلام، الأرستقراطية، التقاليد، التناغم الثقافي، العائلة، وما شاكل. ويجب على الخطوات في هذا الاتجاه أن تفصّل على زمان ومكان معينين، بناءً على مبادئ خالدة تتوافق مع الطبيعة البشرية، بدلا من إدارة عقارب الساعة حرفيا. وبدلا من «صندوق رمل sandbox» فوضوي من الثقافات المتصادمة التي تتحارب ديمقراطياً بالوكالة، فالعوديون يطمحون إلى مجتمع من «الصفصاف oak» يعزز الثقة بين الأفراد، الثقافة الواحدة، والرؤية الواحدة.

مؤلف عودي Reactionary author

يتضمن المؤلفون العوديون البارزون والأشخاص المساهمون ماديا في الفكر العودي المعاصر إدموند بيرك، نيكولاس غوميز دافيلا، جوزيف دي ميستر، يوليوس إيفولا، كليمنس فون مترنيخ، وليم فوكنر، يوكيو ميشيما، منشيوس مولدباغ، إريك فون كينيلت-ليدين، إيفلين ووه، هانز-هيرمان هوبه، وغيرهم كثير.

تاريخ الهويغ Whig history

شكل من المراجعة التاريخية يسعى لتصوير سير التاريخ كتحسن حتمي وصولا للنظام الحالي، وهو نوع من «التاريخ الذي يكتبه المنتصرون». ومن الواضح أن لدى النظام الحالي كل حافز لتصوير نفسه بوصفه متفوقا على كل الأنظمة الماضية. ويشير العوديون إلى أن الوضع ليس كذلك، ويلاحظون أن المجتمع الحالي فعلا في حالة من التداعي الشديد، مشيرين إلى مستويات عالية تاريخيا من الجريمة، الانتحار، الدَين الحكومي والشخصي، تزايد التفضيل الزمني، ومستويات واطئة من المشاركة المدنية والسعادة المحسوسة ذاتيا كأمثلة قليلة على أزمة ثقافية وتاريخية راهنة. وكذلك يشار إلى الأزمة الديمغرافية في دول العالم الأول كمثال آخر على الانحطاط.

مايكل أنيسيموف – مترجم من قبل حيدر عبدالواحد راشد http://heydar.xyz/

تأمّلات حول الانتخابات الأخيرة

الرئيس المنتخب بايدن، والذي لم يتقلّد منصبه بعد، هو أشبه بـحلم ميكاڤيلي – خصوصًا الطريقة التي اختتمت بها الانتخابات وأوصلته لهذه النتائج.

8 نوفمبر 2020
كيرتس يارڤن (Moldbug) / ترجمة Saif Al Basri

رغم أني لم أترجم توقّعاتي إلى سطور، ليس من باب المسؤولية ولكن بدافع الجبن، إلا أنني أخبرت محيطي الواقعي قبيل الانتخابات أن النتيجة المفضلة عندي هي ”ترمپ سيفوز، لكن بايدن يسرقها منه في النهاية“.

بعضهم أساء فهمي معتبرًا هذا الموقف ”تسارعي“ لكّنه ميكافيلي فحسب [في النظرية السياسية والاجتماعية، التسارعية هي الفكرة القائلة بأنه يجب تسريع الرأسمالية، أو العمليات الخاصة التي ميزت الرأسمالية تاريخيًا، بدلًا من التغلّب عليها من أجل إحداث تغيير اجتماعي جذري]. أيضًا كنت أقول لأتباع ترمپ إنني ”مؤيد ومناصر لترمپ“، وعليه، ألتف على طول الطريق حتى أنتهي بموقف ”لماذا إذن أؤيد بايدن“. هذا لم يثر الكثير من التوتر بيننا وكان صحيحًا في نفس الوقت.

على أية حال، يسعدني أن أحيي ـ ربما قبل الأوان ولكني أشك في ذلك، انتخاب رجل الدولة الكبير، الزعيم الأمريكي، إشبينة العروس الدائمة والآن العروس نفسها، جو بايدن الصيني. إذا احتاج هذا الرجل المسنّ يومًا ما إلى لعب ورقة أغسطس فهو يعرف جيدًا بمن سيتّصل [أغسطس قيصر، اقرأ عن restitutio rei publicae].

(في الواقع، قبّل بايدن والدتي في الماضي؛ ولا أظنه قبّلها بطريقة جنسية. فزوج والدتي، موظف سابق لبايدن في الثمانينيات، وهو رجل شريف ونزيه. ولذا فأنا لا أسمع سوى الأشياء الجيدة عن قبلة أنظار أمريكا الجديد. بل وحتى أسنانه تشعّ بياضًا ;)).

للانتخابات عواقب

طبعًا لا جدوى من التكهّن بتفاصيل انتخابات فيلادلفيا. يكفي للمرء أن يلفظ جملة ”انتخابات فيلادلفيا“، وستجد أي شخص على قبر مارك توين أو بالقرب منه وهو يشعر بتزلزل الأرض تحت قدميه. السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: هل سبق أن أجرت فيلادلفيا انتخابات حرة ونزيهة؟ (هذا البلد، على ما هو عليه، يبالغ في أخذ نفسه على محمل الجد. هل فكرت يومًا في احتمال أن أميريكا كانت دائمًا مجرّد مزحة؟ أنا متأكّد من أن معظم المؤرخين فكّروا بذلك).

الغرض الجوهري من الانتخابات الديمقراطية هو اختبار قوة الأطراف في الصراع المدني، دون أن يتأذّى أحد. الأغلبية تفوز لأن الجانب الأقوى سيفوز. والأفضل قياس ذلك عن طريق عدّ الرؤوس بدل من قطعها؛ وما تفرزه عملية عد الرؤوس هو تخمينًا معقولًا حول من سيفوز في ”مسابقة“ طرق الرؤوس. بعبارة أخرى: نفس النتيجة، بارتجاجات دماغية أقل: هكذا تحقق أمثلية باريتو في صراع سياسي.

لكن هذا التخمين سيكون أفضل بكثير لو كان يقيس عدد المستعدّين والقادرين على النزول إلى الشارع والذهاب إلى التصويت. فأي شخص يعجز عن الحضور إلى مقصورة الاقتراع من غير المرجح أن يظهر ويشارك لو حدثت حرب أهلية مثلاً. وهذا هو أحد الأسباب العديدة التي تجعل الانتخاب بشكل شخصي وليس من خلال البريد أكثر دقة من غيره. (ربما لو أمكن تأهيل حق الناخبين من خلال اللياقة البدنية، فسيكون ذلك أكثر دقة).

إحساسي هو أنه في العديد من المجتمعات الحضرية في الولايات، يكون التصويت بالوكالة هو الخيار السائد. والأشخاص الذين وردت أسماؤهم في بطاقات الاقتراع موجودون بالفعل. وجميعهم تقريبًا دعموا جو بايدن ”الصيني“؛ أو على الأقل فضّلوه على ترمپ.

مدى قيامهم بأي نشاط سياسي ملموس، بما في ذلك الذهاب بشكل شخصي إلى كابينة الاقتراع، هو أمر واقعيًا ضئيل للغاية؛ ونفس الشيء بالنسبة لارتباطهم بالنظام السياسي. فهم لا يشاهدون سي أن أن كثيرًا. والطلب على سجلّات مشاركتهم عالي للغاية، فكل عنصر إسناد من هذا القبيل يلغي بدوره صوت ريدنيك ضخم ومدجّج بالسلاح على قاربه الجهير [بعض مؤيدي ترمپ]. ولهذا السبب تبدو هذه المدن في البيانات المعلنة مهووسة بالسياسة، بينما نرى أماكن الاقتراع فارغة؛ فمعظم الأصوات من هذه المناطق هي إلى حد ما ”مُنَسّقة“.

ما إذا كان مثل هذا التنسيق يشكل “احتيالًا” أم لا، هو في النهاية مشكلة يحلّها القاضي، لا نحن. وهذا في الحقيقة لا يهمنا. كل ما نحتاج إلى معرفته هو أنه أيّا كان الإنكوبوس [الحضون] الذي هيّج الريح الإلهية في وقت مبكر من ذلك اليوم المظلم المشؤوم، فهو قد ضرب العديد من المدن المتأرجحة، موقفًا الكتبة المطيعين أولاً، رافعًا جو الصيني ثانيًا، مثل بيلبو الذي أنقذته نسور گاندالف. والقضاء الأمريكي النبيل والموقّر، على ما يبدو، لا يرغب في إلقاء نظرة فاحصة على ما حدث.

ربما سينظر القضاء بالأمر نيابة عن ”السوقي ذو الأصابع القصيرة“ [كما يسخر بعض الدمز من ترمپ]؟ 

في غضون شهرين فقط، سيكون على هاتفه في تواصل مستمر مع محاميه. ربما حتى آخر أيامه. فلن ينسى أحد ما فعله هنا. ولن ينسى أحد أبدًا أي شخص حاول حتى العمل معه. ولا استبعد لو أطلق شخص ما النار عليه وسط الجادة الخامسة [نيويورك]، فسيحصل كأقصى حد على مذكّرة ”حيازة سلاح بشكل غير قانوني“. وعندما يذهب إلى السجن، لن يكون ذلك لكونه قويًا، بل لكونه ضعيفًا.

هل لديه بديل؟ بالتأكيد. لكنه لن يعجبه؛ بل ولن يعجب معظم الناس.

الخوف غير العقلاني من السلطة

التقدّميون يرون أن السلطة هي غاية. بينما يتعامل المحافظون مع السلطة كوسيلة لتحقيق غاية. بمجرد أن يحصل المحافظون على حيّز صغير من السلطة، تجدهم يباشرون في محاولة استخدامها لتحقيق نتائج جيدة. وهذا سلوك غير منطقي.

الطريقة العقلانية لاستخدام القوة هي الطريقة التقدّمية: أي صنع المزيد من السلطة وتعزيز القوة. فسلطتك تنمو بشكل أسّي، وفي النهاية تكون قد حصلت على كل النفوذ، حتى يمكنك الحصول على كل النتائج التي تطمح إليها.

فلا توجد فكرة تقدّمية واحدة لا يثمر عنها نفوذ وسلطة. في نفس الوقت لا أستطيع التفكير في فكرة محافظة واحدة تجني نفس الثمار. وإذا فعل أحدهم [المحافظون] ذلك، فسوف يسرق التقدّميون هذه الفكرة منهم، ثم يقنعونهم بمعارضتها، وبالتالي يعود كل شيء كما كان.

هذا ليس من قبيل الصدفة. فالعيب الكبير لليمين الأمريكي هو أنه بالإضافة إلى عدم قدرته على انتزاع أي سلطة حقيقية، فهو لا يريد أي قوة أو سلطة حقيقية، بل وليس لديه أي فكرة عما سيفعله لو امتلكها أصلًا.

وبينما أكتب الآن، مازال المسار مفتوحًا تمامًا للجمهوريين ـ إذا ما كان بإمكانهم العمل كوحدة متماسكة ـ لأخذ كل السلطة التي يريدونها. لكنهم لا يستطيعون، ولن يفعلوا ذلك. ذنبهم ليس في نجومهم [أقدارهم]، بل في أنفسهم.

كيف؟ الأمر بسيط: إنهم يحتاجون فقط إلى تولي السلطة المطلقة قانونيًا، ثم استخدامها بشكل مطلق. هذا القرار كان من الممكن أن يتّخذ وبجهد تافه قبل أربع سنوات عندما سيطر الجمهوريون على السلطات الدستورية الثلاثة. الآن قد يتطلّب الأمر شقًّا دستوريًا لاستعادة الرئاسة، وزوجين آخرين للوصول إلى السلطة الحقيقية. لكن دعنا نتناول الخطوات بالتفصيل. (تحذير: هذا ”الانقلاب القانوني للغاية“ لن يحدث في الواقع.)

انقلاب قانوني للغاية

أولاً، سيتعيّن على المشرّعين الجمهوريين في الولايات أن يعلنوا أن بطاقات الاقتراع باطلة وأن يقتصروا على الناخبين في يوم الاقتراع، مما يسرق/يستعيد نتائج الانتخابات مرة أخرى. يمكنهم فعل ذلك اليوم، بشكل بديهي وقانوني. ويمكن أن يطلقوا عليه “قانون رائع جدًا وقانوني جدًا” (Very Cool And Very Legal Act).

ثانيًا، لكي يحكموا من جانب واحد بدون العودة إلى الكونگرس، يتعين على الرئيس أن يؤكّد سلطته الدستورية غير المشروطة على السلطة التنفيذية. وهذا مذكور بوضوح في المادة الثانية: مرة أخرى، “رائع جدًا وقانوني جدًا“. 

أما بالنسبة لما يسمّى بـ ”قوة المال“، فهذه لا تعني الكثير أمام قوة الاحتياطي الفيدرالي. بما أن الاحتياطي الفيدرالي هو جزء من السلطة التنفيذية، فمن يحتاج إذن إلى اعتماد من الكونگرس؟ لاحظ، حجّمناه بسهولة .. لول.

ثالثًا، الافتقار إلى محكمة عليا مخلصة تمامًا، يدفع بالرئيس نحو الإشارة إلى القيمة الباطلة، اللاتاريخية وغير المنطقية لقضية ماربوري ضد ماديسون [1803، القضية التي خرجت بمفهوم الاستعراض الدستوري في صراع سياسي قضائي في الولايات المتّحدة]، وتأكيد الوضع المستقل والمتساوي للسلطة التنفيذية. فمفهوم ”السيادة القضائية“ هو اختراع ملفّق خرج به القاضي مارشال آنذاك، استحدثه مراعيًا أهدافه السياسية والاعتباطية. قرار بارع جدًا، في نفس الوقت غير قانوني ”جدًا“، وعليه، تبًا له.

دائمًا ما يسعد الرئيس سماع قرارات وآراء السلطتين الأخريتين. وفي ظل الظروف العادية، فهو يطيعهم بلا شك. فعلًا دون مبالغة! ولكنك تعلم كيف هو الوضع الآن. ورغم تقييمه الشخصي الذي لا يستطيع تجنّبه، خصوصًا في حالة الطوارئ الحالية التي تهيمن على الأوضاع الآن، يبقى مسؤولًا أمام طرف واحد: الشعب الأمريكي. وهو يشكرك، بالمناسبة، على ”اهتمامك“ المتبادل.

رابعًا، باستخدام نفس السلطة القانونية ”الرائعة جدًا“ والتي استخدمها أيزنهاور في عام 1957، حينما استدعى الحرس الوطني واستخدمه لحكم الولايات المتعددة بشكل مباشر. لاحظ أيضًا أن قانون Posse Comitatus لعام 1878 ـ رغم اسمه الذي قد يطرب السامع، إلا أنه بمثابة ألم شديد في المؤخّرة ـ لا ينطبق على مشاة البحرية.

في هذه المرحلة، سيكون الرئيس قد أخذ السلطة الكاملة والمطلقة طوال فترة ولايته الثانية. امتثالًا تمامًا لكل حرف أخير من أعلى قانون في البلاد، يكون قد انتقل بذلك من الهزيمة المظلمة إلى النصر المطلق. ولو قارنا واقعيًا، ستتجاوز سلطاته الجديدة تلك التي حظي بها ج. واشنطن أو لينكولن أو روزفلت. وإذا كنت تعتقد أن ولايته الأولى جعلت أمريكا great again، آمل أن تكون مرتديًا حزام الأمان 😉

لأنه خامساً، لا توجد قوة حقيقية، حتى تمارس. فالسلطة هي أشبه بعضلة. واستخدام السلطة يبني مؤسسات قوية. وهناك هدف واضح للسلطة: عضلات النظام القديم. الخطوة الخامسة للنظام الجديد هي تصفية المؤسسات القوية والمرموقة و/أو الثرية للنظام القديم، داخل الحكومة السابقة وخارجها.

وانتزاع كل عضلات النظام البائد هي المهمة الأولى لأي نظام جديد. فبمجرد أن يتم تحطيم جميع هياكل السلطة القديمة وتدميرها، يصبح النظام الجديد حقيقيًا، والنظام القديم وهميًا. فليست الثورة هذه رائعة فحسب، بل إن كل ما تفعله قانوني للغاية – بحكم التعريف. في النهاية، هي من يكتب القوانين الجديدة!

ألم يغلق لينكولن الصحف في وقته؟ … لقد كان مذهلًا بالفعل!

بالطبع، لا تعني تصفية المؤسسات تصفية الأشخاص، مثل ستالين – بل إنها أشبه بإفلاس شركة وخروجها من السوق. بل وقد يغادر موظفيها بـمبلغ إنهاء خدمة سخي جدًا. فبعد كل شيء، هم في الواقع لم يرتكبوا أي خطأ. وحتى لو ارتكبوا ذلك، فلا يزال هناك عملاء شتازي [الشرطة السرّية في المانيا الشرقية] يحصلون على معاشات تقاعدية. لكنه الشيء الصحيح الذي يجب فعله، فحياتهم المهنية القديمة تركتهم عديمي الفائدة من الناحية المهنية. كما أنه دائمًا وأبداً ليس ذنب الموظفين، بل المسؤولين.

سادساً، لا يكفي أن يكون أي نظام جديد مجرد نفي للنظام القديم. فأي نظام من هذا القبيل ينحصر في سياق وحدود النظام الأوّل، مما يعني أن الأخير لا يزال مسؤولًا ومؤثّرًا بطريقة ما. ومن المحتمل أن ينتهي به الأمر مهيمنًا في الواقع مرة أخرى. الضعف والصغر من أي نوع ليسا علامات جيدة في مهد أي نظام.

بدلاً من ذلك، يحتاج أي نظام جديد إلى رؤية مختلفة تمامًا عن البلد الذي سيحكمه. كما ويجب أن يؤدي تغيير النظام الحقيقي إلى تغيير حياة كل فرد في البلد؛ وأن يكون التغيير الحقيقي للنظام ثورة بكل ما في الكلمة من معنى. هدفها، الآن ولبقية حياتها ـ والتي من المحتمل أن تنتهي، مع أن عادة الثورات أن لا تخطط أبدًا لأي نهاية ـ هو تحقيق رؤيتها الفريدة لليوتوبيا والحفاظ عليها.

وللثورة، بما أنها ذات سيادة، كل السلطات التي تحتاجها لتحقيق ذلك – طالما بقيت هذه المدينة الفاضلة واقعية. وبما أن اليمين هو النظام واليسار هو الفوضى، فإن ثورة اليسار هي أشبه بالجزّار وثورة اليمين أشبه بالجرّاح. وإذا احتاجت أمريكا اليمين لتضميد جروحها لبضعة أيام، فأمريكا اليسار بالكاد تستطيع بيع لحمها كهامبگر في السوق. بل وحتى قبل أن تلتئم الجروح وتقع خيوطها، ستشعر أمريكا وتبدو بحال أفضل من أي وقت مضى.

وقبل أن تعي ذلك، سينهي هذ النزاع الانتخابي فترة تاريخية تجاوز عمرها ربع ألف عام. 

حسنًا، لا توجد إمبراطورية تدوم إلى الأبد – وهذا ينطبق أيضًا على الجمهوريات. وهكذا تزداد إمبراطوريتنا الجديدة روعة.

لماذا لن يحدث هذا السيناريو؟

في أي خطوة بدأت تتساءل عما إذا كنت مستعدًا بما يكفي لهذه الرحلة؟ لا تقلق. لا  يوجد أحد مستعد بما يكفي لهذه الرحلة. ولذلك لا يمكن أن يحدث هذا السيناريو. ربما ليس هذه المرة.

هناك أقلية من مثيري القلاقل من اليمين الراديكالي، لا يسيطرون على أي شيء فعليًا، حتى في داخل الحزب الجمهوري القَصِيّ، قد يقدمون على الخطوة الأولى. ربما يمكنهم اتخاذ تلك الخطوة – اتخاذ قرارًا لا رجعة فيه – وإلقاء نظرة حولهم ليروا ردة الفعل؟

أو ربما يتوقّفون عند هذا الحد، ويكتفون برئاسة عادية؟ 

بصراحة، كل هذه مجرّد مضيعة للوقت؛ فلتنفيذ هذه الخطة أو أي خطة مماثلة على أتم وجه وبشكل ناجح، يتعين على الرئيس الاستمرار في التحرك نحو الأمام بشكل كامل دون توقّف.

حيث يجب أن تسير جميع التغييرات داخل النظام بأسرع ما يمكن، خشية أن تقوم العناصر المتبقية من النظام القديم بتعبئة قواتها المتبقية. وقد تستغرق الخطوة السادسة بعض الوقت – ولكن حتى إعادة بناء المجتمع يجب أن تبدأ في أسرع وقت ممكن. كما أن أي فراغ في السلطة يعد أمرًا خطيرًا. حيث لا يمكن القضاء على أي نظام بشكل كامل، خاصة عندما تستبعد فعلاً معاقبة موظفيه وأنصاره السابقين.

لذا فإن الأمر لا يقتصر على ذلك فقط، فلكي يحتفظ الرئيس ترمپ بمنصبه (وربما حريته)، سيتعين عليه عبور نهر روبيكون كما عبره يوليوس قيصر واتخذ قرارًا لا رجعة فيه! فحينها سيتعين عليه عبور خمسة أنهار روبيكون مرة واحدة، وسيفعل ذلك دون توقف. خصوصًا وأنه لا يملك بحوزته (أ) خريطة، (ب) جيش أو (ج) قائد أو جنرال يقود في الميدان.

وبمجرد تباطؤه وسط تدفّقات هذه الأنهار، سيكون في حالة حرب مع عدو متعافي ومتأهّب. وكلما تحرك بشكل أبطأ، احتاج إلى القتال بقوة أكبر. فإذا كان يعتقد أنه كان في حالة حرب من قبل، فإن إلغاء الانتخابات سيأخذها إلى مستوى آخر. وهذه هي الخطوة الأولى فقط!

واقعيًا، لا توجد وسيلة لوقف الحرب أو تأجيلها من طرف واحد. وكلما كانت المعركة أسرع، كان ذلك أفضل – فالسرعة والمفاجأة عنصران ضروريان للانتصار، خاصة في حرب العصابات غير التقليدية.

إن أحد الدروس التي يجب أن تتعلّم منها جميع الأطراف في جميع النزاعات المدنية هو أن القوة ليست مرادفًا للعنف. بل القوة هي نقيض العنف. والعنف سيء، والقوة جيدة. العنف فوضى، والقوة نظام. العنف بطيء والقوة سريعة.

إذا استطعت الفوز بالقوة والنفاذ، فماذا تنتظر؟ افعلها على الفور. وإذا لم تتمكن من الفوز بدون عنف، فربما لا يمكنك الفوز على الإطلاق، وربما لا يجب أن تحاول أصلًا.

بالقوة يمكن تجنّب الكثير من إراقة الدماء إذا ما تم تعليم الشباب بهذه المبادئ الميكياڤيلية البسيطة والخالدة، مع أن لكل مبدأ استثناءاته الضرورية بالطبع.

تفسير ما لا يُفسّر: انعدام كفاءتنا

مرة أخرى، لن يحدث أي مما ذكرت – وهذا هو السبب الوحيد الذي جعلني أتحدث عنه. قد تحدث بعض المواقف التي تنطوي ضمن تعريف المهزلة. عدا ذلك لن تستخدم أي قوة، وحتمًا إلا القليل من العنف أو عدمه.

بدلاً من ذلك، سيخسر ترمپ والجمهوريون معًا – رغم أنهم يملكون فرصة الفوز لو ساروا إلى الأمام مباشرة ولم يتوقّفوا حتى مشارف روما. خينها ستكون خطوتهم الأولى هي سرقة الانتخابات بشكل قانوني. لكنني أعلم أنهم لو حاولوا ذلك فلن يحاولوا جاهدين، بل ومن المؤكد أنهم سيفشلون. وإذا نجحوا، فإن خطوتهم الأولى ستكون هي الأخيرة؛ وبمجرد توقفهم عن التقدم، سيتم تدميرهم بسرعة.

وغالبًا ما يشعر المؤرخون بالحيرة من لحظات الخيبة والفشل التي لا يمكن تفسيرها. تخيّل، لو سار الكونفدراليون بعد معركة بول ران [الحرب الأهلية الأمريكية] إلى الأمام مباشرة دون توقف حتى بداية الحدود الكندية، لكانت الحرب قد انتهت هناك وفازوا بها.

فالاتحاديون، على الرغم من عددهم المتفوق وقوتهم الصناعية/عسكرية آنذاك ما كانوا جاهزين للقتال بعد، بل ولم تكن لديهم قوات منظمة أمام واشنطن. كمثال آخر، لو قامت اليابان، بعد غزو ألمانيا للاتحاد السوڤيتي، بغزو سيبيريا من الطرف الآخر، لكانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت أيضًا ولسيطرت قوى المحور على العالم القديم. بدلاً من ذلك، شنّت اليابان غارات على جزر هاواي، وهي أسوأ خطوة عسكرية ممكنة لكل من اليابان ودول المحور. والأسوأ من ذلك، أنه من الصعب جدًا معرفة السبب وراء عدم وضوح القرارات الصحيحة في ذلك الوقت.

ولفهم الأشخاص الذين ارتكبوا هذه الأخطاء علينا فهم أسبابهم التي دفعتهم لتلك القرارات. فقد كان من الصعب على هؤلاء القادة، نظرًا لمبادئهم ووجهات نظرهم، تجنّب مثل هذه الأخطاء بالذات. ومع ذلك، فإن الإدراك المتأخّر لا يرحم عندما يفضح حقيقة أن قادتهم أضاعوا فرصة واضحة لتحقيق نصر كامل، وفشلوا في استغلالها.

ونحن نعرف جانبنا، وأسبابه واضحة لنا. وللفوز بالحرب تحتاج إلى جيش، جنرال، وخطة محكمة. ترمپ مستعد دائمًا لخوض معركة، لكنه ليس مستعدًا أبدًا لخوض حرب كاملة؛ موظفو حزبه ليسوا جنودًا، بل أعضاء لوبي؛ وحتى أكبر مخططينا السياسيين لا يملك أي شيء يمكن أن نصفه بـ الخطة.

ببساطة لا يمكننا عبور الروبيكون والمسير حتى نصل إلى روما. فنحن لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون. ليس لدينا جيش ولا جنرال ولا حتى خريطة. بل ليست لدينا أي فكرة عن مكان روما. بينما نخدع ذواتنا بصفتنا خبراء تاريخيين، إلا أننا في الواقع مجرّد أطفال في السياسة – ولا أقصد السياسيين فحسب، بل الفلاسفة أيضًا.

بالصدفة سألت واحدًا من أفضل هؤلاء ”المثقفين“ ـ وهو كاثوليكي تقليدي وكاتب ومحرر محافظ بارز ـ عما سيفعله أي نظام جديد تمامًا. قال لي: “توفير الخير العام”. وافقت بالطبع. لكن ماذا يعني ذلك بالضبط؟

طلبت منه أن يدخل في التفاصيل أكثر متسائلًا كيف سيغيّر الحكومة والدول لو افترضنا أنه يملك السلطة المطلقة في كل مفصل من مفاصل الدولة؟
فاعترض بأدب، رافضًا فكرة المطلقة. فأجبته: ماذا لو بدأنا بـ ولاية ثم ولاية؟ هنا أيضًا لم تكن لديه إجابة جاهزة. حسنًا، ماذا عن السياسة الخارجية فقط؟ 

على العكس، فكل ما كان في جعبته هو قائمة من التعديلات وتصحيحات طفيفة للمسار السياسي. بالتأكيد، السياسة هي فن الممكن، ولكن هذا ليس هدفي من السؤال ولا الهدف وراء التغيير بسلطة مطلقة.

كيف يستحق مثل هذا الشخص الفوز؟ هو لا يملك أي فكرة عما سيعنيه الفوز من فرص خلّاقة. ولا أظنه مستعدًا حتى للفوز. فلم يعمل حتى على حل المشكلة – أو هو وجد الحل ولا يستطسع الاعتراف بذلك.. من يعلم..

نحن في العادة نتوقّع أن يكون الرجل المفكّر مهووسًا بحلمه؛ لكن يبدو أن هذا الرجل الفطن لم يفّكر حتى في تفاصيل حلمه. كما لو كان يقيّد نفسه ببعض المحرّمات حتى أثناء الحلم. 

يا ترى، ما هي طبيعة الشخص الذي تجده ليس مستعدًا حتى للفوز؟ 

أراه مثل كلب يطارد سيارة. ماذا سيحدث لو لحق بها؟ لا شيء جيد على الإطلاق، لا له ولا لأيّ شخص آخر. كذلك لن يحدث أي شيء سيء، لا له ولا حتى للسيارة. فلماذا إذن يستحق أن يدعمه أي أحد؟

ما يمنع الجمهوريين من الحكم ليست بضعة أصوات من داخل المدينة خرج بها سحرة صناديق الاقتراع. فمعظم الأصوات من هذه المناطق هي مزوّرة بل وكانت دائمًا – فهي لا تعكس أي مشاركة حقيقية في أي حوار سياسي حقيقي. وقواعد اللعبة هي أنك بحاجة إلى مشاركة حقيقية كافية لتفوقهم عددا. إنها لعبة غريبة، لكنه هذا هو الواقع.

ونحن نعلم أن الديمقراطيون قد غيّروا من قواعد اللعبة قليلًا هذا العام. وهذا بالطبع ليس بالأمر الغريب وهم يملكون كل القوة الحقيقية على ارض الواقع، اليوم ودائمًا. نعم، في عام 2016 هزم الجمهوريون السحرة وربحوا كل السلطات. لكن هل حكموا بعد أن فازوا؟ هل امتلكوا السلطة وفرضوا القوّة؟

فلماذا إذن نعيد نفس الأشخاص مرة أخرى لمحاولة ثانية؟

قيل لي من قبل أشخاص شبه مقرّبين من داخل البيت الأبيض أن إدارة ترمپ، قبل حوالي عام من الآن، استوعبت أخيرًا أن الرئيس لا يستطيع فعل أي شيء على الإطلاق داخل البيت الأبيض إلا من خلال تعيين مؤيدين فعليين له، وبشكل أمثل أنصاره الفعليين الذين يعرفون شيئًا عن الحكومة الأمريكية ومؤسساتها.

الدرس الآخر الذي تعلّمه داخل البيت الأبيض هو أن هؤلاء الأشخاص لا يمكنهم فعل أي شيء مؤثّر أيضًا، لأن ما يسمّى بـ “الموظفين” (الذين تكون مدة وظيفتهم في الواقع أكثر أمانًا من “رؤساء عملهم) يمكنهم دائمًا تخريب الخطط متى أرداوا ذلك.

ربما بحلول عام 2024، قد يكون ترمپ مستعدًا للتغريد عن كيف أن الشعب الأمريكي ليس لديه سلطة حقيقية على حكومته، بما أن المنتخبين لا يملكون سلطة حقيقية على حكومتهم.

هناك استثناءان: في حين أن السياسيين المناهضين للحكومة لا يمكنهم أبدًا إنجاز أي شيء في الميدان، إلا أنهم غالبًا ما يتمكّنون من تخريب كل شيء لو أرادوا ذلك. فمع أنهم غالبًا لا يحدثون أي تغيير ملموس، إلا أنهم يجيدون الوقوف في طريقه لو مر؛ بل وفي كثير من الأحيان منعه من الحدوث. ومع أن إدارة ترمپ استخدمت بعض هذه الاستثناءات؛ إلا أنها لم تكفي. فالله رب المعارك والانتخابات أيضًا..

ما يمنع الجمهوريين من الحكم هو أنهم لا يشعرون بحقهم في الحكم. والأسوأ من ذلك أنهم فعلًا على حق. فالحق في السلطة ينبعث فقط من القدرة على ممارسة السلطة باقتدار. ومن المؤسف أن الديموقراطيين ليس لديهم مثل هذا الحق أيضًا – بل يمكن القول أنهم أقل حقًا بكثير. لكن الديمقراطيين سيفوزون دائمًا وسيحكمون دائمًا، لأنهم يمثلون الطبقة الحاكمة – ويشعرون بحقهم في الحكم – ورأيهم حيال ذلك لن تغيره أي من نتائجهم السيئة.

هناك طريقة واحدة فقط لمنح أعداء السلطة الشعور بأن لدينا الحق في الحكم: وهي خلق القدرة على الحكم. وهم لا يحتاجون إلى تلك القدرة لكي يفوزوا؛ لكن نحن نحتاجها.

في الواقع، لا يمكن لأحد اليوم أن يتخيل مدى الشعبية التي يمكن أن تولّدها مثل هذه الكفاءة في التعامل مع السلطة، والثقة التي ستصاحبها. الفوز في الانتخابات بأي طريقة أخرى هو مضيعة للوقت في أحسن الأحوال. فالجمهور امرأة؛ والمرأة تجذبها الثقة.

بدلاً من ذلك: كما قال نيوتن إل. جينجريتش: “لديك مجموعة من الفاسدين الذين يزدرؤون الشعب الأمريكي بشكل مطلق، يعتقدون أننا ضعفاء وجبناء للغاية وغير مستعدين للدفاع عن أنفسنا، لدرجة أنهم يتجرّأون على سرقة الرئاسة”. 

نيوتن على حق. ولكن كذلك هم مجموعة الفاسدين، للأسف.

الموقف الميداني

في النهاية، أنا سعيد بخسارة ترمپ، فهو كان أكثر من مجرد كاذب – لقد كان الكذبة نفسها. بمجرد قبوله الاحتيال بأنه كان مسؤولاً بالفعل عن الحكومة وبيده زمام السلطة، أصبح متواطئًا في عملية احتيال ضد أنصاره. فهم لم يتمكّنوا من فهم سبب عدم قيامه “بشيء” حيال هذا أو ذاك أو أي شيء آخر.

كان يمكن أن يخبرهم لماذا اختار الانصياع لتأثير من وعد بفضحهم. كان بإمكانه حتى العمل على تغيير ذلك. ترمپ أعُطي الاختيار بين التباهي والشعور بالأهمية، وبين إدراك وكشف حقيقة أنه ليس مهمًا ولا يملك زمام السلطة في البيت الأبيض. لكنه اختار الدرب الأول. وبالنظر إلى أنه فعل ذلك، فإن هزيمته على يد سحرة صناديق الاقتراع في الغرب الأوسط [ويسكونسون، ميشيگان، منيسوتا]، مع أنها ظلم قانوني بحقه – كانت عدالة إلهية.

مع ذلك، فإن ما أنجزه كان أكثر مما تخيّله هو نفسه. فهو لم يفعل شيئًا “لتجفيف المستنقع”. على العكس، فقد ملأه أكثر وتركه مغمورًا – مما جعله (أ) أكثر وضوحًا و (ب) مهيئًا للجفاف بشكل رهيب.

وسيصاب المتسارعيون الذين صوّتوا لـ ”جو الصيني“ بخيبة أمل كبيرة. فلا شيء سوف يتسارع نحو الانهيار.

بمجرد انتهاء إدارة ترامب، لن يخاف أي أحد أو يكره أي شيء بعد الآن. فلا يوجد تهديد يمكن أن يكون مثيرًا مثل ”المغتصب العنصري في البيت الأبيض“. ولن تشعر أي ربّة بيت من ماليبو [Malibu] مرة أخرى وكأنها ضمن المقاومة الفرنسية.

حتى بعد فترة منع الكحول في القرن الماضي ظل بإمكان مصانع الجعة بيع البيرة غير الكحولية في السوق. ولك أن تتخيّل شكل الصحافة بعد عهد ترمپ. 

لماذا كنت مؤيدًا لبايدن؟ ببساطة لأنني كنت أتوق لرؤية أعدائي وهم يلقون مصيرهم في البرد ورياح الفقر واليأس الباردة. 

ولماذا كنت أنت مؤيدًا لترمپ؟ لأنك تحب رؤية أعدائك يسمنون ويضخمون كالبعران؟ على عكسك، أنا أحب الفوز وأكره أن ينال مني أحد. ماذا عنك، يا صديقي المخلص للرسالة؟

بحلول مارس أو أبريل، ستشعر الطبقة السائدة في أمريكا مثل شعور هانتر بايدن في صباح يوم الثلاثاء. هنتر وهو يتأمّل ـ  يعلم أنه ترك غليونه في مكان ما، لكنه لا يعرف أين بالضبط. ما يعرفه هو أن هذا العالم، والذي كان قبل أيام يشتعل وسط أضواء نيران قوس قزح بشعاع مئات النجوم وهي تنفجر في نشوة سوبر نوڤا ذرّيّة بينما تتصادم المجرّات، يصحى ويعي أنه مكان قبيح وممل جدًا. نتوء ظاهر وسط بحر. تكدّس للأبخرة الكريهة والضارة … كذلك، شيء لزج عالق في طيزه. سيلمسه بعد لحظات … أوه مان…

لأربع سنوات، ظل النظام عالقًا مع عارضة أزياء تجمع بين كاريزما ليونيد بريجنيف ونزاهة ويلي براون. ”جو الصيني“ لا يصغر في السن، ودوائر عقله تقاوم بكل طاقتها كل توهج شمسي في نهار أيامه. مع أنه جلب من يخلفه كاحتياط. واحدة تتمتع بكارزما ليندا بلير وكانت ذات يوم تحت حماية ويلي براون [من الديمقراط]. هل من المفترض أن يهدينا الله من هو أفضل؟

المشهد الاستراتيجي الجديد

معالم الإدارة الجديدة ظهرت قبل الانتخابات بقبضة حديدية على الإنترنت قبل أن تستحوذ على نتائجها. والآن بدأت قوائم الأعداء تطول وتطول. ذُق قوة الظلام! [بصوت دارث ڤايدر].
وأجد بعض أعز أصدقائي خائفون جدًا، مع أنه لا داعي لذلك.

نعم، القبضة الحديدية للثورة مروعة. لكن الثورة لا تقتصر على سحق البيروقراطيين الفاسدين فحسب، بل تستنزف طاقة وشغف.

أولئك الذين يراهنون على هذا الشغف سيكتشفون قريبًا أنه لن يحدث تأثيرًا كبيرًا عندما يضغطون على دواسة الوقود، بل وسيجدون أن محطة الوقود التالية تبعد عنهم أربع سنوات من الآن. 

قد تغضب بعض الأطراف المتحمّسة من البيروقراطيين الفاسدين وجموع الديمقراط. لكن كل حماسهم ومحاولاتهم الانتقامية لن تؤدّي إلى تشييد معسكرات گولاگ أمريكية.

وفي الوقت نفسه، تجد أمريكا ترمپ في استراحة سريرية مع ناسور خلفي خيالي! فهؤلاء السذّج ظنوا فعلًا أنهم كانوا يلعبون لعبة بقواعد. وحتى حلول فصل الربيع، ستذكرهم كل مسحة في طيزهم ماذا تعنيه جملة ”ولاية حمراء“. ومن دون تمني الألم لأي شخص، فإن للألم هدف. فالألم هو تحذير الجسم للدماغ بخطر لم يتم تجنّبه.  «قَدْ مَضَى ٱلْحَصَادُ وَٱنْتَهَى ٱلصَّيْفُ،‏ وَنَحْنُ لَمْ نُخَلَّصْ!‏».‏ ارميا ٨ ـ ٢٠

وبالفعل، فإن مستقبلهم ومستقبل نسلهم ليس مرتبطًا كما يعتقدون بحكم القانون الديمقراطي، بل بنظام أوليگارشي لا يرحم وطبقة حاكمة منحطّة أخلاقيًا وتكرههم بشكل لا يطاق، ومستعدة للتضحية بمصالحها الخاصة مقابل أي ضربة سادية سريعة في حقهم وهي مرتدية لباس العدالة. وأي شخص رهن مثل هذا الوضع الرهيب الخاضع، يجب أن يستوعب أن مواجهته هو أمر ضروري ومصيري، وأن التخدير هو بمثابة سم، بينما الألم بمثابة هبة ونعمة من الإله.

ومع ذلك، فإن ما يميز هذا الموقف هو أن أمريكا الجمهوريون Red America لديها مشكلة طويلة الأمد، وليست مشكلة قصيرة المدى كما قد يظن البعض. نعم، هناك بعض الوقت المحدود لتصحيح الأمر. فمن الناحية الديموغرافية، سيكون من الأصعب تكرار نتائج 2016 في انتخابات 2024. من يعلم، ربما يكون هناك نوعًا من قانون مور يحجّم ”تكنولوجيا الاقتراع“. لكن الأصعب على الإطلاق من بين كل ذلك هو تصحيح الخطأ هذه المرة. فأربع سنوات قد لا تكون كافية لوضع خطة مناسبة ومحكمة.

بينما ورغم ميولها الانتحارية، لا تعاني أمريكا الزرقاء من أي مشكلة طويلة الأمد. نعم، لديها مشكلة على المدى القصير. فمنتجها فاشل وعقيم. منتجها، بغضّ النظر عن ”جو الصيني نفسه“، هو منتج متعجرف ومغرور بشكل خالص. وإلقاء نظرة على ”تجمّعات مناصريه“ في سياراتهم كافية لأن تثبت لك أن منتوجهم لن تأكله حتى الكلاب. وهذا قبل أن يُنتخب! فحيوية وطراوة رسالته الانتخابية انتهت قبل 50 عامًا..

أما الناس فكالعادة سيشترون هذا المنتج الباهت، ببساطة لأنه يسوّق بقوة. خصوصًا ومنذ عام 2016 أصبح من السهل مناقضة العجرفة المغرورة [منتج الديمقراط] بترمپ وتسويقه على أنه مياه مقدّسة. لكن الأمر الآن لم يعد كذلك.

فالمنتج نفسه لا يحتاج إلى البيع، لكن بائعيه يحتاجون فعلًا إلى بيعه. لذا، فإن رئاسة جو الصيني ستكون بمثابة الجحيم على تجارة الصحافة، والتي إما ستخوى أو تنتهي بإلهاء صحفيها بقضاء وقتهم في احتساء بيرة O’Doul الخالية من الكحول 😉

ومع ذلك، فإن قصة Red America أصبحت أبسط وأسهل للتسويق للجمهور. فهويّتا المستضعف والمتجبّر، تشابكتا من جديد وبشكل عجيب على مدى أربع سنوات بفضل ثورة ترمپ المجهضة، الهزلية والفاشلة، وتم تقويمها مرة أخرى لتبلغ وضوحًا لم تشهده من قبل. 

فالطبيعة شفاء؛ وها قد عادوا النبلاء إلى السلطة والفلاحون إلى حقولهم، يدقّون سيوفهم بشفرات المحراث، بينما يمرّ عليهم أحد المفتشين كل شهر للتحقق من وجود محاريث غير آمنة ومشحوذة بشكل خطير …

لعل إحدى الحقائق غير الملحوظة حول الجيل Z، وإلى حد ما الجيل Y، هي أنهم نشأوا على الخيال البائس؛ حيث أصبحت أساليب الدولة الأورويلية الآن مادة كليشيه. بل حتى أن هذه الاستعارات استُخدمت ضد ترمپ، رغم أنها لا تطابق حكمه إطلاقًا. لكن من الآن فصاعدًا وحتى النهاية، ستطابق هذه الاستعارات الواقع كما تطابق القفّازات اليدين. ”لا تقاطع عدوك أبدًا“، كما قال نابليون، ”بينما هو يرتكب خطأ ما“.

ملحق: بعض النقد البناء

مع أنني أكره إبداء اقتراحات حول السياسة العامة. لكن لهجة هذا المنشور، رغم أنها متفائلة، تتسم ببعض اللئم، لدرجة تضطرني لتقديم اقتراحًا إيجابيًا واحدًا على الأقل يمكن أن يترجم لواقع ملموس. وهنا أذكّر مجددًا، إذا كنت قلقًا بشأن اتباع هذا الاقتراح فعليًا، فلا داعي لذلك.

إذا كان أي شخص في إدارة ترامب يقرأ هذه السطور، فهناك شيء واحد مفيد يمكنك فعله الآن. الرئيس لديه تحديدًا سلطة أحادية الجانب مازالت تشكل خطرًا على النظام: سلطة رفع السرية ونشر الملفّات. يمكن إبطاء هذه السلطة وتحجيمها من خلال العملية البيروقراطية، وهو ما حدث عندما حاول استخدامها بشكل طبيعي في آخر ٣ سنوات. بدلاً من ذلك، يمكن للرئيس أن يأمر مشاة البحرية الأمريكية بمصادرة الوثائق ونشرها.

ما هي الوثائق؟

جميع الوثائق – وليس فقط تلك المتعلّقة بصراعاته الشخصية (على الرغم من أهميتها بالتأكيد).

فباستثناء خطط وصفقات الأسلحة، ليس لدى أمريكا أسرارًا كارثية. لكن واشنطن لديها الكثير من الأسرار الحقيقية التي يمكن أن تؤذي النظام فعلًا. وحتى ولو استمر الرئيس كـ “بطة عرجاء” يبقى يحتفظ بكل حق قانوني لنشر كل ملف دون استطالة بيروقراطية أو تأخير.

فعلى سبيل المثال لن يلحق أي ضرر  كبير بأمريكا من خلال نشر جميع الوثائق المتعلّقة بالاتصالات السلكية الخاصة بوزارة الخارجية. بل وحتى الأرشيف كله. والكثير من الأذى سوف يلحق بوزارة الخارجية فقط. لكن بشكل عام لا يوجد ملف واحد في وكالة المخابرات المركزية [CIA] من شأنه أن يضر بأمريكا لو نشر. لكن هناك الكثير من الملّفات – بعضها قديم – من شأنها أن تضر حكومتنا بشكل عميق لو نشرت.

أما بالنسبة للأفراد الواردة أسماؤهم في الوثائق، فهل لدى أعداء الشعب هؤلاء حساسية من القوة المدمّرة للشخصيات؟ الأمر سيء أجل، أنا أعرف ذلك،

لكن في نفس الوقت لم يضطر أحد منهم إلى الانخراط في ”عالم الاستخبارات“. والوقت، للأسف، قصير. والأعذار، بصراحة، تزعج وتحبط.

(وأنت تقوم بذلك، سيدي الرئيس، أعد القوات إلى الوطن – ليس فقط من سوريا وأفغانستان، بل أيضًا من ألمانيا واليابان. اترك خليفتك بأحذية أمريكية على الأراضي الأمريكية فقط. قد يغزو ”جو الصيني“ العالم مرة أخرى؛ ولكن هل سيفعل ذلك حقًا؟

 الآن، تخيل لو كنت قد خضت السنوات الأربع الماضية بهذه الروح).


***

الاختراقية ـ مانيفست سياسي للخروج من أزمة الديمقراطية والفوضى ٢/٤

‫تنظير سياسي: الاختراقية ـ مانيفست سياسي للخروج من أزمة الديمقراطية والفوضى


٢/٤ اختراق الأسطورة

قبل أيام قليلة كتبت مقالًا عن موضوع شغل اهتمامي في الآونة الأخيرة لدرجة جعلتني أعيد النظر جذريًا بعلاقتي ككاتب مع القارئ واختياري لأي وسط أو أسلوب [يراعي عامل الزمن] يعالج انحسار شباك الانتباه والاستيعاب عند المتلقّي المعاصر [أي هوموسابينس مرتبط بالإنترنت] في ظل التنافس الشديد للحظي بانتباه ووقت المتلقّي وهذا الصخب الفوضوي والتراكم المعلوماتي الذي لا تسعه قدراتنا الذهنية القديمة تطوّريًا لو قيّمنا هاردويراتنا [أدمغتنا] من جانبها التطوّري والوظيفي. 

أنا بشكل عام لا أكتب للعامة بل للمهتم فقط ـ عقلية أفترضها ذهنيًا، كما ولا أنطلق من افتراض أن أي حل سياسي يجب أن يأتي من الأسفل نحو الأعلى، بل على العكس، وأظن أن هذه بديهيات يتفق عليها أي مفكّر بعقلية فلسفية يمينية عودية. لكن التذكير هو من باب ترتيب العلاقة القصيرة الأمد بيني وبينك خلال الدقائق القادمة، مفترضًا أن القارئ في المتوسّط هو شخص مهتم ويستمد أغلب تركيزه في قراءة مثل هذه المقالات واستثمار وقته ”الثمين“ من رغبة باطنية حقيقية. دوافع هذه الرغبة تتناوب بين المتعة، الفضول، الرغبة بالتسلّح فكريًا وبين الحفاظ على تواصل مستمر مع الأجواء السياسية. 

عالم السياسة واسع جدًا، وله اتجاهات فلسفية مختلفة قد يسعها عقل المطّلع البسيط، لكن العمق الفلسفي السياسي لكل نظرية يوازي أحيانًا أعماق البحار، وحجم الفجوة يكبر مع كل كتاب تقرأه. من باب، هذا يعلّمك التواضع في تفكيرك، لكن من باب آخر، الحياة تستمر وبقساوة وفيها مشاكل وكوراث سياسية تصرخ في وجهك مطالبة بحلول سريعة، واقعية. كما يكشف لك سطحية وركاكة بعض البالونات الفكرية التي تشغل حيزًا تاريخيًا لا تستحقه فعلًا.
جانب من الخبرة التي قد يكسبها المفكّر المهتم وبعمق تفصيلي ممل بالتاريخ والفلسفة السياسية يسمح له بأن ينتقل من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنظير: المعالجة. لكن قبل المباشرة، على من يملك القدرة والرغبة بمعالجة الواقع تجاوز فخّين فكريين:

ـ الخروج من دائرة التنظير الواقعي إلى الطوباوي.
ـ عدم الانصياع لمعادلة توازن القوى وتوزيع السلطة. حيث أن الرجال الذين يشاركون في حركة اجتماعية جديدة وكبيرة يتخيلون دائمًا أن عملهم القادم هو معركة من المؤكد أن تنتصر فيها قضيتهم.


مثل الفرضية العلمية، النموذج السياسي المثالي هو منتج فكري يخرج به المنظّرون بعد ملاحظة ومناقشة ”الحقائق“ المعروفة، ويسعون إلى إنشاء نموذج يمكنهم من خلاله مقارنة المجتمع الحالي وتقييمه من أجل تقدير مقدار الخير والشر، النظام واللانظام الذي يحتويه. تأثير هذه النماذج الطوباوية كان دائمًا العامل الأكبر في توجيه عقول الرجال نحو ”الإصلاحات التي يمكن تحقيقها“ من خلال إصلاح النظام الحالي نفسه.
لو تتبعت الأحداث التاريخية، خصوصًا الإصلاحات السياسية في المجتمعات البشرية في القرنين الأخيرين: سيكون من الصعب جدًا فهم الدوافع خلفها دون مراعاة ديناميكية توزيع السلطة والثروات داخل المجتمع. المحفّزات للتغير والتنظير على المستوى الأكاديمي تستمد شرعيتها من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تهيمن على الشارع وتشغل اهتمام الوسط السياسي. التغيير في قواعد هذه النماذج الإصلاحية ممكن حتى في ظل استخدام العنف كوسط لحل النزاع، وهي قابلة للتعديل والإضافة بشكل عام أو حتى الاحتفاظ ببعض القديم. ولذلك قد تأتي وتطبّق في غضون عقود بسيطة من الزمن وقد تنتهي بشكل سريع نسبيًا. 

الآن، بجانب الفلسفات السياسية أو النماذج الإصلاحية التي تغيّر من معادلة القوى بين الحين والآخر، هنالك نماذج ”إصلاحية“ تتجاوز الواقع والطوباوية حيث لا يمكن سوى تشبيهها بالأسطورة.
وعلى عكس الفرضيات السياسية أو الأنظمة الطوباوية، الأسطورة لا تخضع للتقييم المنطقي ولا لميزان التخطئة بين الصواب الخطأ. فالحقائق لا يمكن أن تثبت أنها خاطئة، ببساطة لأنه لا يمكن دحض الأسطورة وهي مدرّعة بجدار عاطفي لا يخترقه المنطق. الماركسية، الديمقراطية والفكر الثوري هي من هذه الأساطير. طبعًا لا ينبغي لنا أن نحاول تحليل مثل هذه الأساطير والأيديولوجيات بالطريقة التي نحلل بها الشيء إلى عناصره، بل يجب أن نحاول فهمها كقوى تاريخية، كتكتّلات (مظاهرات؟) اجتماعية بشرية بعواطف ونسبة مؤثرة من مصادر السلطة؛ كما ويجب أن نحرص على عدم إجراء أي مقارنة بين التبعات الكارثية في نظرنا لهذه الأحداث وبين الصورة التي تخيّلها الناس عن نفسهم وعن طبيعة المجتمع قبل أن يحدث أي شيء. 

حقيقة ما يهمني هنا هو تأثير ”الفكرة“ وسيطرتها على ذهن الإنسان كحشرة طفيلية تتحكّم بكل جوارحه وكل تصوّراته عن الحاضر وعن المستقبل. ولا نستغرب عندما يكون الشباب الطموح والمثقل بالضغط الاجتماعي والآمال وما زال في بداية صناعة مستقبله هو الضحية الأسهل لأن يهيمن على عقله خيال الأسطورة. فهم الديناميكية خلف تأثير هذه الفكرة يساعد في الكشف عن منافذ أو لا انتظامية داخل النظام نفسه. اختراق هذه المنافذ هو الوسيلة لغاية أكبر: إسقاط النظام نفسه من الداخل وبوسائله.  

بعيدًا عن التصوّرات النظرية، دعنا نعود إلى الواقع: الناس الذين يعيشون في عالم الأساطير هذا هم في مأمن من كل تفنيد ونقد، ولذلك أنظّر ”لاختراق“ هذه الأنظمة بنفس الوسائل التي جاءت بها، من داخل الأسطورة نفسها. وقبل أن أقع في مغالطة تقليدية: شخصيًا لن أراهن على شيء ولا أضمن أن الفكرة ستصل لمن يملك مستلزمات التغيير الشرطية: السلطة والمال والنفوذ.
في تأمّلاته حول العنف (ربما أفضل ما كتب في تحليله لعلاقة العنف والفساد العكسية)، ذكر الفيلسوف الفرنسي الذي غازل الفاشية والماركسية معًا، جورج سورل، أنه لا يوجد فشل يثبت أي شيء ضد الاشتراكية. ببساطة، لأن الاشتراكية [والديمقراطية كذلك] أسطورة أصبحت مرادفًا تحضيريًا للثورة في ذهن الكثير من دعاة دين الإنسانوية ومن الأجيال الجديدة التي لم تذق طعم المر وتجارب الماضي الدموية التي قدّمتها الأنظمة الشيوعية والاشتراكية وما زالت حتى اليوم. أسطورتها تجعلها تستمر إلى اليوم، فحتى إذا تم إخضاعها لميزان التخطئة، فهذا يثبت فقط لهؤلاء أن المحاولة لم تكن كافية أو جادة أو كما بدأنا نسمع مجددًا في الآونة الأخيرة: الفشل في التطبيق لا في النظرية، والاشتراكية لم تجرّب بشكل ”حقيقي“ بعد؛ وعليه، يجب أن يشرع المناضلون في العمل مرة أخرى بمزيد من الشجاعة والمثابرة والثقة أكثر من ذي قبل.

حتى تستمر عبر الأجيال، رغم السجل السياسي والاقتصادي الكارثي عبر التاريخ الحديث، يجب أن تحمل هذه الأسطورة في داخلها على تصوّرات اجتماعية مضادة للنقد، مضادة للتاريخ، أشبه بالطفرات التأقلمية التي تجيد باستمرار تحفيز الوعي الجمعي داخل أمة أو شعب أو طبقة اجتماعية معيّنة وتكون قادرة على إثارة مشاعرهم وتوجيه طاقاتهم نحو صياغة هوية جمعية تقمع الهوية الفردية بشكل ضمني. استيعاب البعد الأسطوري لهذه الأفكار التي تحرّك [الثوريين النشطاء] ورفاقهم بقوة، لا يساعدنا في اختراق هذه الأنظمة فحسب، بل يذكّرنا بأن الحضارة التي لا تحافظ على نفسها ولا تمرر هذه المعرفة إلى الأجيال القادمة، سوف تصبح هي الأخرى ضحية لنفس الأسطورة في المستقبل.


لكن ما الّذي تشترطه الأسطورة، بجانب المناعة التاريخية، قبل أن تصل لهذه المرحلة؟
دعني أصفه بالاختلال الوظيفي. ولأن المصطلح مستوحى من المناخ الفكري في مهنتي، سأعتمد عليه في توضيح الفكرة: الخلايا السرطانية في العادة تحتاج إلى طفرات جينية تمكّنها من تجنّب الموت عند مواجهتها خلايا منظومة الجهاز المناعي، هذه الطفرات قد تحدث في مئات الجينات داخل الخلية حتى تمتلك هذه القدرة. هذه القدرة على الاستمرار وتجنّب الموت الخلوي تأتي دائمًا على حساب الأداء الوظيفي الطبيعي للخلية. الأنظمة الاشتراكية الشيوعية والديمقراطية تطوي في جوفها خللًا وظيفيًا تطفو آثاره إلى السطح بشكل لا يمكن تجاهله لو حللت ديناميكية الحراك الاجتماعي داخل أي نظام ديمقراطي. سأعود لهذه النقطة بعد قليل. 
الخلل الوظيفي هذا وفشل الأنظمة هذه في تطبيق التصوّرات وتحقيق آمال المنظّرين والثوّار قبل اندلاع الثورات يضفي على هذه الأنظمة طابعًا أسطوريًا بجانب مناعتها النقدية ضد التاريخ. لو سألت أشد المعجبين والمدافعين عن الديمقراطية كنظام حكم غير استبدادي عن رأيه في الوضع الديمقراطي الحالي في أبرز الدول التي تصنّف نفسها وفق هذا المعيار، ستجده يقر بأن الأنظمة هذه تحتاج إلى إصلاحات وأنها مهددة دائمًا وفي خطر مستمر. في عام ٢٠١٥ كنت أطالع كتاب ألن ولف ـ ”مستقبل الليبرالية“
وكيف أن الليبرالية بحاجة ماسة على استعادة التوازن السياسي والفكري خصوصًا بعد الكساد الاقتصادي في ٢٠٠٨. يقول ولف: 
”يجب تذكير المجتمعات الديمقراطية الليبرالية باستمرار بأخذ الليبرالية التي تحدد هويتها على محمل الجد؛ كما ويجب أن تفهم النداءات المطالبة بإلغاء القواعد الأخلاقية والقوانين الديمقراطية كفرصة للتذكير بأهمية هذه القواعد ولماذا جاءت في بادئ الأمر.  […]

وكما لا ينبغي لنا أن نتجاهل الليبرالية من النوع المزاجي الطموح والتقدّمي، المنفتح على الشعور بالاكتشاف والتطلّع إلى المستقبل بإثارة والتعامل مع العالم بروح كريمة.

لكنه شيء آخر ومرفوض عندما يتحول اليساريون إلى محافظين مزاجيين، غير مستعدين لرؤية طرق حياتهم تتغير، أو أفكارهم تُتحدى، أو رؤية مزاياهم الاجتماعية وهي تنكشف. فمن غير المرجح أن تحقق الليبرالية مكاسب كبيرة في السياسة إذا استمرت في معاناتها من هذه الخسائر“.


واقعيًا هذا ما يحدث حول العالم، وربما أبرز تبعاته هي فوز ترامب في ٢٠١٦، الضربة الموجعة التي لم يستوعبها اليسار إلى اليوم. 

لكن بعيدًا عن التبرير المعهود والمحاولات الباهتة التي قد تبدر عن أي نورمي يستمد معلوماته السياسية من عناوين البوستات على الفيسبوك وتويتر، الديمقراطية نظام يمكن إثبات خلله الوظيفي بشكل تقني بسيط.
إن لم تقرأ عن تحليل روبرت ميشيلز البارع لديناميكية تحوّل التجمّعات الديمقراطية الحزبية إلى هياكل أوليگارشية، فهنا فرصة للاطلاع على بعض المفاهيم الجوهرية في تحليله الذي جاء في بداية القرن الماضي:

 مع تزايد التنظيم، يتضاءل معيار الديمقراطية ويزداد معيار الأوليگارشية. هذا ”القانون“ يصف التحول من الهياكل الديمقراطية إلى الهياكل الأوليگارشية في المنظمات الاجتماعية عامة، من الجمعيات النقابية وحتى داخل الأحزاب السياسية. يمكن تقسيم القانون إلى ثلاث فرضيات:


ـ تميل البيروقراطية إلى توليد نخبة في السلطة.

ـ المجموعات الكبيرة من الناس تشكّل دائمًا تنظيمات بيروقراطية لأسباب تتعلق بالكفاءة.

ـ الأوليگارشية الناتجة تؤدي بدورها إلى فساد هذه النخبة الحاكمة.

يمكن شرح هذه الأطروحات بالتفصيل على النحو التالي:

الأحزاب المنظمة ديمقراطيًا والشعبية خصوصًا تميل مع زيادة عدد الأعضاء نحو تأسيس جهاز بيروقراطي داخلها ينظّم هذه الكثرة. وهو أمر قد يبدو لك بديهيًا لوهلة، لكن هذه هي ديناميكية محتومة ولا مفر منها، ووراء ذلك تبعات مهمة جدًا يجب أن نضعها في الحسبان.

الهيمنة الجماعية تعني أن لكل عضو في المجموعة صوت وتأثير متساووين في المقدار والسلطة، ويمكنه بالتالي المشاركة في صنع القرار الخاص بالمجموعة بنفس القدر. بمعنى آخر، في قاعة كبيرة تجمع ألف شخص، حتى تناقش قرارًا واحدًا وبمدة دقيقتين لكل عضو، يعني أن النقاش وحده سيستغرق قرابة اليوم والنصف بشكل مستمر! تقنيًا الديمقراطية لا تستطيع تجاوز هذه النقطة، ولذلك لا مفر من الانتقال إلى النيّابية في الحكم لضمان صنع القرار الديمقراطي.

وقبل كل شيء، يجب إيجاد أماكن كبيرة بما يكفي لتوفير مساحة لجميع الأعضاء، وإلا فإن المشاركة في الجمعيات العامة غير ممكنة لجزء كبير من الحزب. ربما يبقى خيار واحد فقط وهو التجمع في الهواء الطلق، *لول*. وحتى هذا الخيار، فهو محدود في قابليته للتطبيق بسبب تنوّع الطقس والمناخ السائد. بالإضافة إلى ذلك، الجماهير الكبيرة تكون في العادة أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية في صنع القرار من المجموعات الأصغر، كما وتكون أكثر عرضة للتذبذبات العاطفية. فيديو بثواني معدودة على تطبيق السمارتفون يمكن أن يغير مزاج شعب كامل في ليلة وضحاها.
ولكي نزيد الطين بلّة، الأحزاب التي يتعين عليها فرض نفسها بسبب التنافس الشديد على السلطة مع الأحزاب الأخرى، تحتاج إلى هيكل هرمي مناسب لتجميع قواها في ”النضال السياسي“. وفقًا لميشيلز، هذا يتوافق مع التسلسل الذي لا يختلف عن التسلسل الهرمي للجيش. مركزية السلطة وبالتالي جعل العمليات والقرارات فعاّلة وسريعة بقدر الإمكان.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التفويض، حيث يتم تعيين المهام لأشخاص أو مجموعات من الأشخاص من أجل حلها بشكل أكثر كفاءة. هذا يعني أن الديمقراطية الفورية تعمل بمساعدة النظام التمثيلي. وهذه هي اللاانتظامية [anomaly] داخل النظام نفسه: استغلال الديناميكية في توزيع السلطة. تادددااا! لو امتلكت زمام السلطة وأردت اختراق النظام الديمقراطي مستقبلًا، فها أنا هنا أقدّم لك المفتاح إلى جبل إيريبور؛ مواجهة سموگ سأتركها لك.


مع تزايد التعقيد الذي يتماشى مع حجم الحزب، يحتاج الممثلون المنتخبون بشكل متزايد إلى الكفاءات من أجل أن يكونوا قادرين على إنجاز المهام الموكّلة إليهم. ويتم اكتساب هذه الكفاءات، من بين أمور أخرى، في الأنظمة التعليمية والتجارب المهنية وربما الشخصية. هذه الكفاءات المكتسبة، والتي تميّز الممثلون مسبقًا عن الأعضاء الآخرين أو الجمهور، تجعلهم يكتسبون وبشكل متزايد فرصًا أكثر وحجمًا أكبر في التأثير على سياسة ومستقبل الحزب والآراء المناسبة فيه ضمن شباك أوڤرتون. إشكالية كبيرة من الناحية الديمقراطية لو تجاهلت إرادة الأغلبية. الآن تأمّل الواقع السياسي الديمقراطي حولك، يا ترى، هل هو أوليگارشي أيضًا؟

يتبع..

الرأي السياسي المعاصر هو قبل كل شيء سلعة، وأنت البائع والمشتري والسلعة في نفس الوقت

الرأي السياسي المعاصر [رأيك أيضًا] هو قبل كل شيء سلعة، وهذا ما تستهدفه الشركات العالمية والتطبيقات التقنية لحظة بلحظة.

الخوارزميات المحفّزة للسلوك الاستهلاكي والتواصل، سواء هنا أو في الإنترنت بشكل عام، تفهم غرائزنا وتنجح في مخاطبة دوافعنا أفضل حتى من أقرب الناس إلينا ولسبب بسيط: سلوكياتنا اللاعقلانية ليست عشوائية وإنما هي منهجية ويمكن التنبؤ بها (.Ariely et al)، فالتشابك العصبي المتشابه داخل أدمغتنا قديم وأنماطه ثابتة ومحكوم بغرائز ووظائف تبلورت عبر ملايين السنين. وما تبرع هذه التطبيقات والمواقع في تطبيقه هو تحفيز ودغدغة أحد أعمق الغرائز البشرية: التواصل الاجتماعي مع الآخرين. لكن مع الآلاف في غضون ثواني ودقائق؟


هذا ما لم تستعد له أدمغتنا من قبل ولم تتدرّب عليه. ببساطة، التقنية أسرع من التطوّر نفسه حتى تتأقلم أدمغتنا معه، وبالتالي نحن ضحية تُفتَرس، انتباهنا ووقتنا القصير والثمين يُستَنزفان باستمرار حتى ندمن. وقدرة الدماغ على الاسترخاء والقراءة الطويلة واستهلاك المعلومات بهدوء لم تعد خيارًا متاحًا، بل عليك أن تعالج نفسك من أجله!
قدرة السوشيال ميديا والـ smart phone وتطبيقاته على تكبيل انتباهنا وجرّنا نحو الإدمان بهذه المهارة جعلتني أعيد النظر بكل الوسائل القديمة في طرح وتبادل المعلومات. السؤال الأهم لم يعد كيف، بل كم من الوقت أملك قبل أن يفقد القارئ، بل وحتى المهتم، صبره ويحفّزه انخفاض دوبامينه على البحث عن استثارة جديدة؟

لو تابعت نمو وانتشار الآراء السياسية منذ بداية الألفية الثالثة وحتى اليوم، قد تصل بنفسك لاستنتاج تسطّحها الفكري وتقويض المنطق فيها من أجل عواطف الجموع وكسب أكبر توافق اجتماعي ممكن. أنه الصراع على العواطف قبل أن يكون على العرش، فالعرش نفسه ديمقراطي، كعكة كبيرة موزّعة بين الجميع.
دعك من الاستنتاج نفسه، استفسر بنفسك [في حالة امتلاكك لوقت كافي] عن المنظمات الحكومية والحزبية والانتخابية حول العالم وكيف تدرس السلوك الانتخابي، الترندات السياسية، الرأي العام: ما هي معاييرهم؟ كيف تتغيّر آراء الجموع من شهر إلى آخر؟ كيف يؤدي تصريح أو حادثة ما إلى انقلاب تام في الأرقام؟

لا أظن أنه سيصعب عليك استيعاب فكرة نجاح التزاوج بين الليبرالية الديمقراطية والرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية. لاحقًا، عندما سقط جدار برلين في نهاية القرن الماضي، لم يكن للحلفاء [الناتو] أي رغبة حقيقية باجتياح ألمانيا الشرقية أو التدخّل العسكري فيها، على عكس ما خشيه القادة البارزين داخل الـ HVA [جهاز الاستخبارات الأجنبية في ألمانيا الشرقية]. في هذه الفترة كانت الثقة في اجتياح الغرب للشرق اقتصاديًا أحد أكبر الكوابيس السياسية التي خشيتها موسكو وبرلين الشرقية، بل تجاوزت حتى مخاوفهم من اندلاع حرب نووية بين الجانبين. لا تستغرب، يمكنك تخيّل الشركات الغربية الرأسمالية وهي تتسابق بأيام قبل سقوط الدولة نهائيًا على الانقضاض على انتباه وغرائز المواطن الشرقي ”المحروم“. الحظي بحقوق الإعلانات كان ومازال الهدف السامي والإبن البار من هذا الزواج الأيديولوجي؛ طبعًا لا ننسى تحت مسميّات تقليدية ناجحة كالحرية والانتخابات الحرة والديمقراطية. أظنك استهلكت هذه السلعة من قبل وتعلم جيدًا مدى تأثيرها في إشباع رغبة المواطن ”الحر“ بالحرية. حرية الاستهلاك المادي والإفتاء الفكري دون ضوابط وبعيدًا عن أي هرميات تفلتر الغثّ من السمين وتحفّز على العناء والتسلّح بالمنطق، لا تقويضه.

الرأي السياسي المعاصر هو قبل كل شيء سلعة: ولأنه لا يحتكم لأصول المنطق، يصبح رهينة للترند والماينستريم والـ Zeitgeist بشكل عام. وعندما تكون لطفلة بـعمر الـ ١٦ سنة تفتقر للتجارب في الحياة والاستيعاب اللازم لمشاكلها القدرة على عرض سلعتها السياسية كما يعرضها المليارات غيرها أونلاين ودون رقابة، وتلاقي هذا التفاعل الكبير [أرقام وklicks]، فهذا يجعلها سلعة برأسمال كبير، سلعة تستقطب المصادر، الانتباه وتحفّز الاستهلاك. ومن هنا نقوّض التجربة والحكمة والكفاءة من أجل إتاحة فرصة الاستهلاك للجميع [قوة شرائية]. الآن أضف إلى الوصفة بعض العواطف الجيّاشة والمغامرات الفنطازية بإنقاذ الكوكب: كل ما تحتاجه هو هاشتاگ، حساب على تويتر أو أي موقع آخر وصحفي يغطّي الخبر حتى يحتفظ بموقعه أو ”يطش، كما يقول العراقيون؛ go viral“.

من بين الكثير من اللغط الذي تركه أدورنو خلفه، إلا أنه أدرك مخاطر هذا الزواج وإن عجز عن أن تشخيص العلاج الصحيح وحاول إعادة اكتشاف العجلة بالعودة إلى هيگل، ماركس وفرويد. سأعود بدوري إلى استنتاجه واربطه بالتشخيص الواقعي.

كما نفهم من أدورنو ومن بعض رواد مدرسة فرانكفورت [مدرسة فلسفية مزجت بين الفرويدية والماركسية والهيگلية في بداية القرن الماضي، ولك أن تتخيل شكل الهجين]، في مجتمع تحكمه الثقافة الشعبية [اليوم: + الترندات] تصبح كل ثقافة سلعة؛ ويُعرَّف الفن بقيمته الاقتصادية، لا بالمعايير الجمالية التي تلعب دورًا في تحليل العمل الفني ودوافعه وأوجهه التعبيرية. وبهذه الطريقة تصبح القيمة الاقتصادية دالة الجمالية نفسها: السلعة.

حيث تظهر الصناعة الثقافية على أنها ضلال يضفي طابعًا طبيعيًا على العلاقات الاجتماعية للسيطرة عليها. التحليل هنا مفهوم ولوحظ في بادئ الامر في الولايات المتحدة وإنگلترا وبقية الدول التي انضمت إلى القطار الصناعي، أبرزها تلك التلي تخلّت عن أنظمتها الهرمية وانصاعت لموجة الدمقرطة.
هذا ”الاسمنت الاجتماعي“ يعمل كوسيلة للهيمنة والتكامل. التكامل فيه يأتي من ملاحظة أن الإنتاج دائمًا ما ينظّم الاستهلاك أيضًا. وهذا ما يجبر ”المثقفين“ أيضًا على إنتاج المعرفة التي تخضع لنسبة فائدة أو تنتج واحدة.
اليوم، وبواسطة تطبيقات كـ تيك توك وإنستگرام وغيرها، صار استهلاك المتع الزائفة والقصيرة ممكنًا بواسطة وسائط الإعلام والتواصل، بل وبالعشرات من المحفّزات في اليوم الواحد، ما يجعل الناس وخصوصًا الصغار في حالة من الانقياد لها بغض النظر عن ظروفهم المادية وقدرتهم الشرائية: وهل هنالك متعة أكبر من تبذير أموال ليست بحوزتنا بعد؟

الخطورة تكمن في أن هذه المحفّزات تستهلك انتباهنا بشراهة وتستنزف وقتنا بشكل محبط وتافه، بل أنها تخلق حاجات نفسية نعجز عن إشباعها إلا من خلال الاستهلاك مجددًا. والأسوا أنها تعطّل القدرة على التأمّل في الأمور والأحداث واتخاذ القرار الصائب وسط الفوضى والضجيج والتسارع التقني. بل تقف كعائق بيني وبينك، فوقتك وانتباهك تدرّبا على الفيديوهات والمقاطع القصيرة، واستهلاك المعلومات الطويلة والأخبار السريعة، ولا يمكن لي أن أنافس أي محفّز دوباميني آخر سيحظى بانتباهك بعد قليل. لا تعلم، ربما تقرأ عنوانًا دون الحاجة لقراءة المقال نفسه ومصدره، وبالتالي تضيف لخزينك السياسي ”معرفة“ جديدة خلال ثواني فقط. صدّق بهذه السرعة وبهذه ”الكفاءة“ يحصد مثقفي اليوم والـ SJW والـ Influencers إرثهم الفكري والمعرفي. لكن على ما يبدو، هذا ما يتطلّبه عصرنا لكي تتثقّف.

كيف تمَّ تسميم الذكورية؟

أنا أرفض اعتبار الذكورية [أيديولوچية] بالمعنى الأكاديمي للكلمة، أو التنظير لها إنطلاقاً من اعتبارات مشابهة وقريبة.
بدايةً، الأيديولوچية/الأدلوچة أو كما يشطح بعض الناطقين بالعربية في تَّعْريبها بـ”الفكرانية/الفكروية”. يتفق في تعرفيها زُمرة من أكاديميّ اللغة بأنها: “النسق الكُليّ للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة”.
فلِمَ التوجس والرفض التام لاعتبار الذكورية -بوصفها سلوك اجتماعي- أيديولوچية؟

  • ببساطة شديدة، هناك منظومة قيم ومفاهيم وسلوكيات “طبيعانية” في العالم لا يجب وأن تخضع لمعيارية الـ”أيدولوچية” كالذكورية مثلاً.
    حيثُ السبب في ذلك يمكن خلف القياس المعياري من خلال: التصويب والتخطيء والمعالجة. كعمليات تتصف شرطاً على كل نسق سلوكي/فكروي/اعتقادي ينطلق من إطار الإيديولوچية.

من هذا الأساس العادي ظاهرياً “شرير النوايا”، تم التحضير لأهم وأشرس وأخبث هجمة تاريخية تلقتها “الأبوية البطريرگية” من قِبل فلاسفة عصر التنوير، وأعني شلة العواطلية اليسارية الفرنسية.
حيثُ كل التفرعات النقدية الناقمة على الذكورية ما هي إلا تفاصيل نتجت عن هذه الهجمة.
حريٌّ بالذكر أن اليسار حينها كان ذكياً، وعدوٌ يَعرف من أين تؤكل الكتف مقارنة بقطعان الغباء والكُتل الدهنية التي تتصدر المشهد اليوم.

يبدأ الأمر بتوضيع منظومة قيميّة سامية نشأت طبيعانياً عند شروع تفتّق وعي الرجال الأوائل لأدوارهم التطورية، فضلاً عن تنصيب الهرمية بين الأفراد على أتم وجه، خلّصَ بدوره إلى تفجر حضاري مذهل بشتى بقاع العالم والعصور.
الذكورية كما لخصها المُنظر والسياسي الإنگليزي السير؛ Robert Filmer في كتابه پاتريارتشا [Papatriarcha] أو “البطريرگية” هي الحضارة بأمِ عينيها. إذ كل إتّقاد حضاري وارتقاء تاريخي لجملة جماعة عرقية أو إثنية سمعنا به وحضر في تراثنا السردي لا يتم استحضاره بمعزل عن الذكورية. وفي ذلك الشأن سيال من المراجع والمؤلفات لا يعيها إلا أولي الألباب..

عودةً لِما قُلنا، يبدأ الأمر بموضعة منظومة سامية من القيم/السلوكيات من المطلقات الاجتماعية تحت منظار الاختبار والتنظير الأكاديمي، أي جعلهُ متاحاً للخوض فيه حسب الأهواء بواسطة من هبَّ ودبَّ، بعدما كان عصيٌّ على العوام بوصفه حَرَم/عمادُ الدولة.
فلا عجب أن كل الأحداث التي رافقت ما يجب التعبير عنهُ بـ “دس السم بالعسل” تجاه الذكورية هو ما دفع إلى سقوط مفاهيم مؤسساتية عتيقة عتق التاريخ كالملكية الخاصة والهرمية الاجتماعية.. إلخ، بالتّقَادُم!

مُجتمع النُقاد واللُغويين سيفهمون ما أعمدُ إلى قوله. فاليسار التنويري قبل حوالي خمسة إلى أربعة قرون تقريباً عندما اعتبروا “المساواة” هي البديل الأمثل والأرقى للهرمية لم يبادروا بتسرع وصبيانية صوب صدام التأسيس الاجتماعي آنذاك، بل تناولوها بشكلٍ ينزع الهالة القداسية عنها بتأني، مُدركينَ إلى ما سيؤول عليه الحال بعد قصهم الشريط.

كل ذلك يتخفى خلف لفظ “أيديولوچية”، والتي وإن أعدنا صياغتها بواقعية أكثر فستكون: هي القدرة على تحويل القيم والمفاهيم المطلقة إلى نسبوية، والطبيعيات إلى وضعيات”.

في النهاية، وعبرَ ملاحظات بسيطة وقراءات سريعة هُنا وهناك إزاء الخطاب المسيطر حالياً في الأكاديمية الغربية يتّضح لنا أن ورثة المساواتية يسلكون مسلك المراقبة والعقاب في ترهيب وتجريم كل من يفكر بتناول منتجات الحداثة من وجهة نظر مُعادية من باب تجنب السياب الذي وقع فيه خصومهم فيما مضى.
إذ يدفعون بكل ما يملكون من خلال وسائل قمعية وإقصائية: كالصوابية السياسية، والعنصرية، ومعاداة السامية.. إلخ. التي طالت عُلماء وكُتّاب بأسرهم؛ لسد الطريق أمام أيّة عملية تصحيح جادة مُمنهجة.
وها هم اليوم يمضون قدُماً لتكريس مبادئ العلموية عابرة الحدود وما بعد الحداثوية، كمُسلمات مُقدسة لا مساس فيها.
هذه الرغبة الشمولية الجامحة بتأطير مجموعة من المطلقات الجمعية، أشبه بإعادة تدوير التاريخ القيمي الإنساني، ولكن بنسخة تُعد الأكثر تشوهاً وإنحداراً وتخلُفاً منذُ اختراع العجلة.

يوليوس: أسد واحد أم عصبة ضباع؟ حكاية عن السلطة والتفرد.


ربما لم يعرف التاريخ قائدًا عسكريًا وحاكمًا فذًا مثل يوليوس قيصر. إمبراطور روما الأول، فاتح بلاد الغال، والقائد العسكري والسياسي الذي لم يذكر التاريخ مثله ولم تحمل الأرحام سواه. يكفي يوليوس عظيم الشأن أن سُمي شهر “يوليو” باسمه وهو أيضًا الشهر الذي ولد فيه، ولاحقًا سوف يُسمى شهر “أغسطس” على اسم أغسطس الإمبراطور، ابنه بالتبني والذي كان ابنًا في الأصل لأحد أشقائه. فأي رفعة شأن وعظيم مجدٍ نالهم كل من يوليوس وعائلته!
أفترض أنك سمعت باسم يوليوس قيصر عديد المرات في حياتك، أو قد قرأت اسمه في منهاج دراسي أو كتاب كنت تطالعه أو رواية على غرار رواية شكسبير التي حملت اسم يوليوس قيصر. لكن ما لم يخبرك أحدٌ به [ودعني أخمن أنه لن يفعل أحدٌ ذلك]، هو أن يوليوس كان ديكتاتورًا. على الأرجح سوف يصدمك هذا الخبر لأنك لم تسمع به من قبل ولم تتخيله من الأساس. فأي ديكتاتور هذا الذي يُسمى شهرًا في التقويم العالمي على اسمه؟ وأي ديكتاتور هذا الذي يُعد مثالًا يُحتذى به في شتى المجالات التي منها ما ذكرناه وما لم نذكره أكثر؟ بل أن قيصر لم يجعل نفسه ديكتاتورًا من خلال أفعال أو سياسات معينة على غرار الأنماط الديكتاتورية المعاصرة والتي نعرفها، وذهب بدلًا من ذلك إلى إعلان نفسه ديكتاتور (حاكم مطلق) في بيان قرأه أمام أنظار مجلس الشيوخ الروماني. لكن قيصر اختار مدةً محدودة لديكتاتوريته وكان أمدها عشر سنوات، وعلى أي حال فلم يكمل قيصر تلك السنوات العشر لأنه أُغتيل في مجلس الشيوخ على يد مجموعة من السيناتورات الرومان الذين كانوا يرون فيه تهديدًا للديمقراطية وللجمهورية الرومانية التي سوف تتحول بعد فترة وجيزة من اغتيال قيصر إلى إمبراطورية تُسقى بدماء قيصر ومجده.

تمثال رخامي ليوليوس قيصر. إيطاليا.

ربما الآن سوف تقول أن المصير الذي لاقاه قيصر لم يصدمك، فهو إمبراطور أو حاكم ديكتاتوري تم اغتياله حاله حال أقرانه من الديكتاتورات الذين سمعنا عنهم أو شاهدناهم يُقتلون أو يلقون حتفهم بطرق بشعة جزاء لما ارتكبوه من فظائع. لكن الأمر ليس كذلك، فقيصر ليس أي ديكتاتور، وهذا هو بالتحديد سبب عدم علمك بأنه كذلك. لأنك لو علمت بأن قيصر كذلك، من خلال المناهج الدراسية مثلًا، أو من خلال الكتب المطبوعة تحت رقابة الحكومات الحديثة، فسوف تتلاشى الفكرة النمطية المعاصرة عن “الديكتاتور”، وسوف تهبط أسهم الديمقراطية بالنتيجة وربما تعلن إفلاسها. الديمقراطية نفسها التي اغتالت قيصر! نعم، ودعني أكررها.. الديمقراطية هي التي اغتالت قيصر رغم صلاحه واستقامته كحاكم لجمهورية روما.
بعد المعارك العسكرية التي وقعت بين قيصر وجيشه من جهة، وبين “بومبي” وجيوشه متحالفًا مع مجلس الشيوخ والنبلاء من جهة أخرى (حيث أن بومبي كان قنصل روما الرسمي)، خرج قيصر منتصرًا على بومبي الذي كان جيشه يفوق جيش قيصر بثلاثة أضعاف، وذلك في معركة شهيرة وقعت بينهم في اليونان تُعرف باسم (معركة فرسالوس). عندما عاد قيصر إلى روما وشرع بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية وتشييد الصروح والبنى التحتية، عاد معه السيناتورات أيضًا ليمارسوا أعمالهم وواجباتهم في مجلس الشيوخ، كان قيصر قد عفى عنهم لوقوفهم مع بومبي ضده في الحرب، لكن ذلك لم يكن بالمجان. بإزاء ذلك، سوف يوافق مجلس الشيوخ على إعلان قيصر نفسه (حاكمًا مطلقًا) لروما لمدة عشر سنوات، ذلك ليتمكن من القيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية وتشريع القوانين خلال تلك المدة. فالمدة التي كانت متاحة للقنصل (أعلى منصب في الجمهورية الرومانية) هي سنة واحدة، يتم انتخاب قنصل، يصادق عليه مجلس الشيوخ، ويُستبدل بعد سنة واحدة، وهكذا..
لكن هذا لم يكن يكفي قيصر للقيام بإصلاحاته وخططه لتطوير الجمهورية. وبلغة معاصرة، فقد طلب قيصر أن يتم تمديد فترة حكمه لعشر دورات انتخابية بحسب النظام الروماني آنذاك. وافق المجلس على طلب قيصر [لينقذوا رقابهم بلا شك]، لكن السؤال هنا: أما كان يمكن لقيصر أن يقتلع رؤوسهم أو ينفيهم ويفعل ما يحلو له؟ بالطبع يمكنه ذلك. لكنه لم يكن ديكتاتورًا عبثيًا، ولم يكن طاغية مثل نيرون أو كاليغولا. كل ما في الأمر أنه طلب حكمًا مطلقًا لمدة عشر سنوات وبخلاف النظام السائد ذي السنة الواحدة آنذاك، ليتسنى له القيام بما كان يراه مناسبًا لتقوية نفوذ الجمهورية وتطويرها داخليًا. لم يُنقل عن قيصر إنه كان سفاحًا أو طاغية، وذلك ما يعزز نبالة مقصده في طلب الحكم المطلق. لكن خيوط المؤامرة بدأت تُحاك على قيصر منذ إعلانه حكمه المطلق، ومن داخل مجلس الشيوخ تم إعداد الطبخة، وتم اغتيال قيصر في قاعة المجلس نفسه. فهل كان أعضاء المجلس الذين تكالبوا على قيصر يحملون هم الجمهورية ويقصدون إصلاحها؟ أم أن مصالحهم كانت على المحك؟ الجواب هو الأخير بالطبع، فبعد أن كان أعضاء المجلس يعينون من يريدون قنصلا، ويتحكمون به وبالإعانات العسكرية، ويصادقون على شراء شحنات الحبوب وما إلى ذلك من الشؤون الإدارية، فقد رفع قيصر أيديهم عن كل ذلك. فلا غنائم حرب يحصلون عليها ولا نصيب من الصفقات ولا نفوذ يفوق القنصل. وهكذا فليس من المدهش أن يستشري الفساد اليوم في الديمقراطيات التي تحكم شتى بلدان العالم، طالما أن النفوذ بيد مجموعة نخبوية تراعي مصالحها ولا تأبه بالبلد.
في نهاية المطاف، تم اغتيال يوليوس قيصر في قاعة مجلس الشيوخ، نفسهم الشيوخ الذين عفى عنهم قيصر، تآمروا عليه واغتالوه بدافع نصرة الديمقراطية وإسقاط الديكتاتور. فها هو بروتوس (أحد أعضاء المجلس المتآمرين وأقربهم إلى قيصر)، يقول: “لقد قتلت قيصر ليس لقلَة حبي له، بل لأني أحب روما أكثر”. (روما) كانت تعني لبروتوس المصالح، النفوذ، الأموال، الجاه والترف والبذخ. وقيصر كان نقيض كل ذلك وسبب تضائله، فلا عجب إذن أن يقول بروتوس ذلك، لكن السر يكمن في معرفة مرجعية بروتوس التي ينطلق منها لحب روما الذي يجعله يقتل قيصر الذي يحبه أيضًا. وهكذا فعل المجلس فعلته، وأعقب ذلك أعمال شغب واستياء شعبي غضبًا من اغتيال قيصر، ثم تفاقمت الفوضى ليتمخض عنها حربًا أهلية دارت رحاها لما يقرب من عامين. إذن فقد كان بروتوس محقًا في مقولته، لكن من وجهة نظره هو ومن معه بالتأكيد، فالنظام الديمقراطي الذي كان قائمًا قبل قيصر كان يمدهم بالثروة والنفوذ غير المنقطعين، وبمجيئ قيصر انقطع عنهم ذلك وتم تقويض سلطاتهم.
يقول نيكولاس غوميز دافيلا: “كلما ازدادت جدية مشاكلها، ازداد عدد الرجال غير الأكفاء الذين تناديهم الديمقراطية لإصلاحها”. وهذه الشذرة هي تجسيد صارخ لما ارتكبه أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. فبدل أن يفسحوا المجال ليوليوس قيصر ويتركوه ليهتم بشؤون الجمهورية، فقد ارتكبت أيديهم جريمة سوف تحول الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية سبقتها حربًا أهلية طاحنة بسبب اغتيال قيصر. كان الإمبراطور الأول بعد قيصر هو أغسطس، وهو أبن شقيق قيصر وابنه بالتبني، وقد استتب له الحكم بعد أن اقتص ممن اغتالوا قيصر. والعبرة من هذه القصة هي أنه إذا كان هناك ديكتاتور واحد، فيوجد في المقابل شياطين ديمقراطيين. وليس بالضرورة أن يكون الديكتاتور طاغية، فهذه الصورة النمطية العصرية التي تصور كل ديكتاتور بأنه فاحش وسفاح وطاغية هي من تصوير الديمقراطية والمستفيدين من قيامها. ينبغي التذكير بأنني لا أقول أن كل ديكتاتور هو قيصر، ولا العكس أيضًا، ولكن ألا تلاحظ بأن الديكتاتور يصبح شريرًا فقط حين تتضارب مصالحه مع مصالح الديمقراطيين؟ ألم تلاحظ مثلًا أن كيم جونغ إيل، رئيس كوريا الشمالية، كان يشكل تهديدًا على الأمن القومي للولايات المتحدة أكثر من صدام حسين في عام 2003؟ ألم تقارن يومًا بين عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وحسني مبارك لتعرف أيهما كان طاغية وسفاحا؟
في عهد يوليوس، كان النظام السائد هو أن يحكم القنصل لمدة عام واحد، أما الآن فالنظام السائد هو أن يحكم الرئيس أربعة أعوام. في عهد يوليوس، كانت مطالبته بالاستمرار لعشر أعوام في الحكم تضعه في خانة الديكتاتورية، أما اليوم فيحق لأي رئيس أن يتم العشرة أعوام بقضائه دورتين انتخابيتين على سدة الحكم. وهكذا نعرف أن المعايير التي تصنف الديكتاتور مختلفة باختلاف الدهور، وأن الطاغية شيء والديكتاتور شيء آخر. ولكن كما قلنا فإن هذا لم ولن يمر عليك لأنه يتعارض مع المصالح الديمقراطية. ألا تلاحظ تكرار وصف “الطاغية”؟ أعتقد بأن المفاهيم وضحت لديك الآن، وأنك بتَّ تعلم بأن الطاغية هو نقيض الديمقراطية الأكبر، وليس الديكتاتور، وأن الديكتاتور هو مجرد حاكم لن يقوم بتسليم السلطة إلى حين وفاته، ولكن ما الضير أن يبقى الديكتاتور حاكما إذا كان صالحًا ببساطة؟ ديكتاتورًا صالحًا؟ ما هذا الهراء؟ [ربما يمكنني تخيل سماعك وأن تقولها]. لكن سواء أعجبك هذا أم لم يعجبك، فهناك ديكتاتورات صالحين. تبحث عن أمثلة؟ يبدو أنك نسيت يوليوس قيصر! يارجل.. دعنا نتكلم في الحاضر، حكام الخليج أمامك كلهم يعدون ديكتاتورات حسب المفاهيم المعاصرة، هل ثارت عليهم شعوبهم؟ أم هل سمعت أحدًا ينادي بإسقاطهم، أو هل لا تتمنى أنت بأن تصبح أو لو كنت ولدت خليجيًا لتنعم تحت حكمهم؟

في النهاية أود أن أنصح بقراءة كتاب “الديمقراطية، الإله الذي فشل” للمؤلف هانز هيرمان هوبه. والكتاب مترجم ومتوفر بصيغتيه الورقية والإلكترونية، وقد بذل المؤلف جهدًا حثيثًا عليه ليثبت أن الديمقراطية هي أسوأ نظام يمكن أن يحكمك، لأن شياطينها كثيرين، وطواغيتها الذين يختبئون خلف الستائر هم أخطر أنواع الطواغيت. وإذا كان الديكتاتور أو السفاح الفاسد يمكن استبداله بقطرة سم أو طعنة خنجر أو رصاصة صغيرة، فإن في الديمقراطية حلقات من هؤلاء لا يمكن إسقاطها ولا الإحاطة بها لتقويضها أو القضاء عليها.\

لا تنسَ: الدكتاتور واحد، وفي الديمقراطية شياطين.

الدولة الراسخة مقابل اليمين الراسخ

 كورتس يارڤن |ترجمة: سيف البصري

في ظل حكم أي نظام مستقر وفي أي وقت أو مكان، من بطرسبورغ في القرن التاسع عشر إلى واشنطن القرن الحادي والعشرين، ستجد أن عامة السكان لا يملكون أي إجراء فعّال، قانوني أوغير قانوني، يمكن من خلاله التحكّم بـ أو استبدال الأجهزة المركزية للدولة.

طبعًا هذا أمر طبيعي وليس غريبًا. فالأوتوقراطية شائعة في الأنظمة البشرية. والاستثناءات الواضحة لهذه الشوائع تشيرغالبًا إلى خلل ما في وسيلة الاستشعار أو الملاحظة.

أنتليجنسيا [النخبة المثقّفة] القرن التاسع عشر في روسيا لم يحتقروا القيصر فحسب، بل ربما حلموا بإلقاء وابل من القنابل عليه. الدولة الإدارية الروسية الحديثة، والتي لا تقل استبدادية، تخلو من أي قيصر أو أي عرش. إنها أوليگارشية، وليست ملكية. وبالتالي ليس هنالك من يمكن قصفه بالقنابل وينتهي بعدها كل شيء.

سلطة صنع القرار النهائية يجب أن توجد في مكان ما داخل متاهة بورخيسية [نسبة إلى الكاتب الأرجنتيني الشهير خ. بورخيس، والذي كتب كثيرًا في رواياته عن المرايا والمتاهات وله مجموعة قصصية مترجمة تحت هذا العنوان]. ولكن هذه الدولة المترسّخة في مفاصل السلطة تبقى لا مركزية في شكلها أمام أي استهداف ثوري كـ لامركزية عملة البيتكوين Bitcoin، وحصينة أمام الاقتراعات والرصاص على حد سواء.

في نفس الوقت لا تحصل الدولة المنغمسة والتي تملك سلطة صنع القرار على مبتغاها دائمًا وبسهولة. فالسياسة تحبط مخططاتها كثيرًا، والعنف يغضبها. ولا توجد قوة قادرة على استيعابها بموضوعية أو إتلافها أو حتى مقاومتها بشكل مستمر. مرة أخرى: هذا أمر طبيعي من الناحية التاريخية، وليس غريبًا.

في نظام حكم سليم، تصبح المقاومة العسكرية خيار أحمق والمقاومة السياسية عديمة الفائدة. وأي شخص يظن أن نظام حكم واشنطن القرن الحادي والعشرين غير مستقر أو يحتضر، يجب أن يصلي على ركبتيه أن لا يصيب ظنه ويختبر مثل هذا الظرف.

مع ذلك، هناك بُعد ثالث للثورة: الفن.

الفن هو ميدان اليمين الراسخ أو يمين الفن. ربما لم تلاحظ هذا الكراكن [وحش بحري أسطوري] من قبل؛ لكنه لاحظك!

للحسرة، لوّث الشعبويون هذا المجال من قبل. مثل شعار ”السياسة  كتيار منحدر من الثقافة“. لو كانت الثقافة تنطوي على التحبّب إلى الجماهير وكسب استحسانهم من خلال پروپاگاندا متلعثمة ـ كمهزلة الرواية البروليتارية في ثلاثينيات القرن الماضي – لوجب علينا أن نتعذر  بصمت.

الفن، إذا كان فنًا على الإطلاق، فهو يهدف نحو إبداع جمالي أسمى. بل أنه لا يتنازل عن سموّه ويلاحظ حتى جمهوره. إذا كان العالم كله أدنى من الفن، فالفن لن يأبه بالأمر. فهو لا يتنافس مع أي شيء سوى نفسه، مع الماضي، والمستقبل. وإن لم يكن سرمدي الجوهر [بلغة سبيونزا] فهو ليس فنًا.
 

الفن كسلاح

لكن كيف يمكن للفن أن يصبح سلاحًا؟

واقعيًا، الفن خطير للغاية. وأي شيء خطير هو سلاح. دعنا فقط نلقي نظرة على جمالوية واحدة في القرن الماضي وكيف قتلت مئات الملايين من الناس.

روسيا القيصرية؛ التي اعتبرتها الأوساط الفكرية في القرن التاسع عشر خلاصة الاستبداد السلطوي، أنتجت أيضًا بعضًا من أفضل روايات ذلك القرن. كتّابها، باستثناء بعض الأجواز الصلدة مثل دوستويفسكي، لم يكونوا مؤيدين للقيصر. أيديولوجيًا، كانوا أقرب إلى ما يمكن وصفه بضحايا الموضة في لندن – وهو أمر طبيعي جدًا آنذاك.

(ربما كان تولستوي هو الشخصية العظيمة في هذا الجيل. وبالطبع، لن يؤذي تولستوي ذبابة).

في نهاية المطاف أصبحت هذه الإنتليجنسيا الساخطة مهيمنة ثقافيًا لدرجة أنها تمكّنت من تأليب القيصر لمساعدة البريطانيين والفرنسيين على بدء حربهم الكبرى لتعبيد الطريق وجعل العالم آمنًا للديمقراطية. وقد حقق ذلك نتائج كبيرة للجميع – بما في ذلك القيصر نفسه. 

إن السبب النهائي للثورة الروسية بأكملها – فبراير وأكتوبر – كان بمثابة أنجلوفيليا [تحبّبًا بـ أنجلترا، ثقافتها وآدابها] تولستويّة … نبضة جمالية [أستيطيقية].

ونبيّ ثورة أكتوبر بالطبع كان كارل ماركس ـ  جنتلمان لندن الذي ولد فيها من جديد؛ رجل أفكاره هراء وكتاباته مقدّسة.

حتى البلشفية كانت تجربة أستيطيقية. والنازية أيضًا تجربة أستيطيقية. والديمقراطية هي الأخرى تجربة حيّة. اللعب في هذا الدوري، والتنافس على نطاق هذا المستوى التاريخي، يتطلّبان إيماءات جمالية من قوة عظمى: آلهة جبّارة.

من منظور أكثر دنيوية وبساطة، عرّف فيلفريدو پاريتو الثورة بأنها “تداول النخب”. النخبة الجديدة، بموظفين جدد، مذاهب ومؤسسات جديدة، تحل محل القديمة. والفن هو لغة النخبة: لغة الموهبة. والنخب تعّرف عن نفسها بالفن منذ أكثر من ثلاثمائة قرن!

جميع الثورات تبدأ كشقّ جمالي جوهري. الخطوة الأولى في الثورة الثقافية هي ولادة مدرسة فنية جديدة. وراء هذه الجمالية يجب أن تأتي حركة، ثم مؤسسات فنية. في حال ازدهرت هذه المؤسسات، تصبح هي الجوهر الثقافي للنظام الجديد. فالفن هو الربيع، العتلة والمفصلة لأي تغيير حقيقي في عصرنا.

والهيمنة الفنية ليست مقياسًا تسويقيًا؛ والسلطة ليست دالة على مبيعات الكتب. فالقوة تتحقق عندما تخشى نخب التراث من النخب الثورية الجديدة – عندما تخجل وتتواضع أمام التفوّق المطبق لعملهم، بل وعندما يخشون حتى من نطق أسمائهم. فالهيمنة دائمًا ما تسوّق لنفسها.

أسهل طريق للهيمنة الجمالية هو الحقيقة المجرّدة. فرغم كل شيئ، ميزة واحدة يمكنها أن تجعل أي قصة قبيحة: الأكاذيب.

فمعظم الأنظمة السياسية تنهار وتدمّر من خلال أكاذيبها المتراكمة، مما يجعلها قبيحة، ويقوّض الأسس الجمالية لدعائمها.

وبمجرد أن تبدأ الأنظمة بالاعتماد على القوة لتعزيز سردهم السياسي، يصبح من غير المحتمل أن يتمكنوا من العودة إلى مرحلة تكون فيها قصّتهم قائمة بذاتها؛ قصة اعتقد الناس بها في الماضي لأنها بدت لهم صادقة. 

على المدى القصير، يمكن أن تصنع الأكاذيب العجائب. لكن عادة ما تكشف عن نفسها على المدى الطويل. كما أنه ومن الصعب جدًا التخلص من الأكاذيب، حتى عندما تنفد فائدتها. فالأخيرة عادة ما تنجلي وتكشف بشكل جماعي من قبل النظام السيادي الجديد.

وكل نظام جديد يرى سلفه على أنه كذوب ومضلل للغاية. ”قلة هم الخاطئون“. كما قال الكاتب الاسكتلندي كارليل بحق ثورات 1848:

لعلّ هذا هو أكبر كشف عن زيف بشري حصل في وقت واحد. هل هؤلاء الوجهاء الكرام الذين جلسوا وسط رموزهم الساطعة ومهنهم، طويلة الأمد واللفظ، كانوا إذن مجرد محتالين؟

ليس هناك شيئًا حقيقيًا واحدًا كانوا يفعلوه، بل زائفًا ما كانوا يصنعوه. القصة التي رووها للناس كانت مجرّد خرافة مبتكرة. والأناجيل التي بشّروا بها لم تكن تحاكي مكانة الإنسان الحقيقية في هذا العالم، بل مجرّد تلفيق غير مترابط لأشباح ميّتة وظلال لم تولد بعد عن التقاليد، والنفاق، والتكاسل والجبن – زيف وأكاذيب متراكمة لم تتحمل أن تزاحم بعضها البعض. عن عمد ورغمًا عن إرادتهم، كانت هذه الرموز العالية للبشرية إذن مجموعة من الغشاشين؛ والملايين الأدنى منهم والذين صدّقوا بهم كانوا مجموعة من المغفّلين. إنه نوع من الغش العكسي أيضًا، وإلا لما كانوا ليصدّقوا بهم لفترة طويلة. قد يكون التعريف المختصر لهذه الحالة هو  الإفلاس الشامل للتدجيل والخداع.

جميع المؤسسات تصاب بنفس حالة الإفلاس هذه. وهكذا تصبح جميعها قبيحة. وحيث تنتج هذه المؤسسات الفن، يجب أن يحتوي في داخله على كل هذه الأكاذيب ويعززها. حرفيًا يصبح الفن نفسه قبيحًا – وجميعنا شهد ذلك.

نحن مدربون على غض البصر عن هذه الأكاذيب القبيحة. نعتقد أنها مجرّد لطخات بسيطة في عالمنا وآمالنا نحو مستقبل أفضل.

فقط هو الفن وبمفرده ـ وليست الحجّة العقلانية ـ يستطيع أن يمسك بأيدينا بينما نخطو خارج هذه الأكاذيب.

ما هو الفن؟ هل “الميمات” فن؟

بالتأكيد لكل جيل رموزه ومثله العليا. وفي اللحظة التي يظهر فيها قصور واحد غير مستور بين هذه الرموز، تقع جميعها تحت وابل الازدراء. وسيسخر منها الجميع، بالأخص المراهقين والصغار، دون أي اعتبار للحقيقة أو الباطل. ومن الواضح أن هذا ما وصلنا إليه الآن.

نشرت صحيفة واشنطن بوست مقالة رأي رائعة من قبل امرأة ضبطت صبيّها وهو يضحك على ميمة meme عن هتلر. الميمة تبيّن هتلر وهو ينظر خلفه ويشعر بالملل وسط تجمع للحزب. بينما يميل شاب، موالي لترامب ومرتديًا قبّعة MAGA، إلى الأمام محذّرًا هتلر في فقاعة كلامية عن مصير أحداث النورماندي.

بطريقة ما أقنع المراهق والدته بأنه قد أساء تفسير الميمة وأنه ضحك ظنًّا منه أنها كانت تسخر من هتلر. ملخّص الكلام أن الموقف أشار إلى ”حاجة“ الطفل لمزيد من التدريب على التنوع والصوابية – وأنه كان ”فعالًا“ جدًا، كما ذكر. بارك الله في الصغار..

ولكن كما يقول الإنجيل: عندما أصبحت رجلاً، وضعت الأمور الطفولية جانبًا.

هذه الميمات، هذه النكات الصغيرة وألاعيب المراهقة للسخرية من والدته ذات الأربعين، ليست طائرات ودبابات وسفن حربية للنضال الفني من أجل العالم.

عندما يصطاد الأسد، تتراجع أشباله!

أستيطيقيا جديدة، عالم جديد

هنا ما نحتاجه ليس شبحًا من القرن القديم، بل غياب ذلك القرن الزمني نفسه. لا غياب القديم فقط، بل رؤية جديد. وليست رؤية جديدة فحسب، وإنما مؤسسة جديدة؛ ليست مجرّد مؤسسة، بل أكاديمية جديدة؛ وليس مجرّد أكاديمية، بل نظام جديد؛ وأخيرًا، ليس نظامًا فقط، بل عالم متجدد بأكمله.

أصدقائي، أقول لكم بصراحة: لسنا حتى في بداية البداية. خطوتنا الأولى، الآن وقادمًا، هي شيء واحد وشيء واحد فقط: ابتكار أفضل فن ممكن.

الخطوة الأولى نحو الوصول إلى القرن الحادي والعشرين تكمن في استحداثه. الخطوة الأولى في ابتداع القرن الحادي والعشرين تتجلّى في رؤية جمالية فاتنة، رصينة، حقيقية وواضحة لدرجة أنها تهيمن على أستيطيقيا القرن العشرين القديمة وترهبها.

الإنسان ابتدع الفن لسبب واحد: ليهيمن. والطريقة الوحيدة الموثوقة لتغيير أي نظام هي استهوائه نحو الاستسلام والإقرار بالغلبة بكامل إرادته. الإقناع هو سلوك الـ بيتا. فقط أولئك المترددين يحاولون الإقناع. بينما القوي ينجز وينفّذ.

الفن، بأوسع معانيه الممكنة – أو مضمونه، كما قد يقول البعض – هو السلاح غير الدموي الذي يمكن أن يغيّر العالم فعلًا. فالعالم لا يكسب بالقوة، بل يجب أن تغويه بالعظمة. وبينما لن يفتقر العظماء في يوم ما إلى الأتباع، إلا أن عدّهم لم يجلب العظمة لأي أحد من قبل.

وبصرف النظر عن ميشيل ويلبك، فإن Bronze Age Pervert هو أول كاتب معاصر من أعماق الإنترنت في عصرنا فهم وتقمّص هذا الواقع. بالطبع، هذا لا يعني أننا بحاجة إلى رغوته في الكابتشينو. فعندما ينظر المستقبل إلى الوراء، سيعاين حينها إلى كتابه ”عقليته العصر البرونزي“ ويفهمها على أنها محاولة مبكّرة، تم تحريرها وإنتاجها بشكل سيئ، وربما محرج قليلاً، يطغي عليها جانب الزمن أكثر من المحتوى. ومع ذلك، قد يكون (Bronze Age Pervert (BAP حينئذٍ في وضع ومستوى أفضل للتفوّق على كتابه السابق.

(في الواقع، مثل هذا الكتاب، كتاب ذو قوة مؤثّرة حقيقية، لا ينبغي أن يكون متاحًا على شكل إصدار POD سيئ [طباعة عند الطلب]، ولا يجب أن يكون متاحًا لأي أحمق في العالم الرقمي، بل يجب أن يطبع بغلاف من جلد العجل وبطبعة محدودة، تباع عن طريق الدعوة فقط. فكل شيء حول التجربة والكتاب نفسه يجب أن يكون فريدًا، مرهبًا ومذهلًا: فالكتاب، حاله كحال مؤلّفه، يجب أن يزهو ويزدهر).

مع ذلك، الكثير يسيء فهم الرسالة: يرون أن BAP يقدّم نقلة إيجابية لهذا الشيء، ذاك الشيء، وأي شيء مجنون آخر. سواء الأرض المجوفة، تسلسل فومينكو الزمني [نظرية تاريخية مزيّفة تدّعي أن التسلسل الزمني التقليدي لتاريخ الشرق الأوسط وأوروبا مغلوطًا في جوهره، وأن الأحداث المنسوبة إلى حضارات الإمبراطورية الرومانية والإغريق ومصر القديمة قد وقعت فعليًا خلال العصور الوسطى]، الدونية الوراثية لـ  شعب الأودمورتيين [في روسيا] والشعوب الفنلندية الأخرى … انتبه! BAP هنا لا يقدّم ”رسالة” بهذا المعنى الغبي.

فمثل سلفه نيتشه، BAP لا يكتب ويأخذ موقفًا من ”هذا“ الموضوع وذاك وغيره. كتابه ليس محاضرة بل لهيب من النار. لا يعلّم، بل يحرق! إنها ليست كلمات، بل فعل.

بالنسبة للآخرين، الصدّيقين بين النورميز، قد يكون الكتاب بمثابة وسيلة لدفع الجدران المتقلّصة داخل نافذة الخطاب السائدة [نافذة أوفرتون]. ولا مشكلة في ذلك؛ لكن المهمة الحقيقية هي الهروب من إطار هذه النافذة.

المحيط أكبر وأعمق بكثير من سطحه. معظمه صحراء فارغة. وإن اقتصر اليمين الراسخ على جيش بشري، ككتلة كبيرة من اللحم، فسيبدو صغيرًا حتمًا.

ولكن كمجال فني، فلسفي، أدبي، تاريخي، بل حتى علمي في بعض الأحيان – جميع المجالات التي هي في نهاية المطاف حزمة من الفنون – تجد فيها اليمين الراسخ أكبر بكثير من الماينستريم.

إذا قارنا فقط الكتب المنشورة في عام 1919 بتلك التي نشرت في عام 2019، فإننا نرى مجموعة أوسع بكثير في وجهات النظر. تقريبًا جميع الأفكار الحالية تم تصوّرها في الماضي؛ لكن كل أفكار الماضي قد اختفت. مثل اللغات، تختفي التقاليد البشرية أيضًا ـ والأخيرة تندثر مع الزمن أسهل بكثير من اللغة.

ينظر العقل النمطي إلى فقاعته من خلال عدسة عين سمكة. من خلالها تجسّد الفقاعة كل شيء تقريبًا. كل الفضاء الخارجي وكل التاريخ هما عبارة عن هامش أسود صغير حولها. هذا الهامش، بطبيعة الحال، خالي.

لكن في عدسة مسطّحة، تبصر الماضي أكبر بكثير من الحاضر.

اليمين الراسخ يسيّر ويغوص في التاريخ العميق. لا يقبل الحدود الزمنية أو الجغرافية. يفكّر، على طريقة ليوپولد فون رانكه [مؤسس التاريخ الحديث الذي اعتمد منهجية المصادر]: جميع العصور تقف متساوية أمام الإله.

وإذا كانت جميع العصور متساوية، فإن أفكارها كذلك. وحتى نتقبّل العالم الذي يستبق الأحداث الثورية ـ أي النظام الأقدم الذي سبق هذا النظام القديم ـ باعتباره شرعيًا ومعقولًا، فإننا لسنا على تماس مع الاتساع الحقيقي للفضاء الفكري الحر.

فموضوع ”عقلية العصر البرونزي“ هو أنه إذا كنت تعتقد أن عقلك متنوّر ومتفتّح، فأنت مخطئ. بل إنه أشبه بـ كتلة صغيرة صلبة، مثل محار صغير – مغلق بالخوف كالأسمنت. “وجاء اليوم الذي أصبحت فيه مجازفة البقاء محشو في البرعم أكثر إيلامًا من الخطر الذي تقدم عليه لتزهر.” [أناييز نين]

هذه الرسالة لا يجب أن تتلى، بل أن تعرض وتنفّذ. والطريقة الوحيدة لإظهار ذلك هي أن يظهر المؤلّف إتقانًا ومهارة فريدة في رسم ملامح وأبعاد هذه المساحة في عقلية المتلقّي – تلك المساحة الهائلة للعقل والزمان والفضاء خارج فقاعتنا ”الماينستريم“ المتزايدة في الضيق والعبث.

في الوقت المناسب لن يكون هذا كافيًا. في الوقت الذي تلفظ فيه كل ”لا“ نافية وناهية. كلمة ”نعم” سوف تكون لازمة. أن تهرب من الفقاعة لا يعني مجرّد الهروب فقط، ولكن في النهاية يعني ذلك أن تبني.

لكن كل بداية تنتمي لنفسها. الآن ربما يمكن لأي شخص أن ينظر خارج الفقاعة، ويرى حريقًا مشتعلًا في مساحة شاسعة، حيث لا شيء يمكن أن يعيش ولا من المفترض أن يكون هناك حريق. وهذا كافي كبداية.

ما الذي يُتوقع من اليمين فعله؟

مايكل أنيسيموف | ترجمة: أنور مكي

بينما يعمل ناشطو اليسار وينفذون عملية تخريب العالم، هل يُفترض أن يمتنع عن اتخاذ أي رد فعل، وأن يراقبهم ويشجعهم بل ويساعدهم على هذا؟ من الناحية التاريخية، كان هناك غياب لـ “رد الفعل الرجعي” للأسف، أو كان موجود ولكن غير كافي أو ضعيف، ينقصه الناس والموارد المناسبة، وهذا في وقت كان المرض مازال في مراحله الأولى، وبالتالي قابل للإزالة عبر التطهير الفوري للبقع المريضة، لو جرى هذا بالشكل الذي كان يجب أن يجري به، فإن الدول الأوروبية مثلا كانت ستنجو من مصائب لا توصف.

إن ما نحتاجه هو طليعة يمينية جديدة ترسم حدودًا واضحة بين الأصدقاء والأعداء. إن مصطلح “الرجعية أو رد الفعل الرجعي أو العودية” له دلالة سلبية طفيفة بطبيعته، فمن يقومون برد فعل لا يمتلكون مبادرة القيام بفعل ما من البداية، والفرد يستجيب أو يتخذ رد فعل بطريقة انفعالية أو دفاعية، وعند مواجهة شيء تأكد أو تم بالفعل. من ثمّ، من الضروري أن نوضح أن رد الفعل ليس مجرد تجنب لحركات الخصم بدون تقديم أي شيء إيجابي لمواجهته به. يمكن تجنب سوء الفهم هذا من خلال ربط صيغة “رد الفعل الرجعي” مع صيغة “الثورة المحافِظة”، وهي صيغة يبرُز فيها عنصر ديناميكي حركي واضح. إن “الثورة” في هذا السياق لم تعُد ترمز للإطاحة العنيفة بنظام شرعي قائم، ولكنها ترمز إلى فِعل يهدُف إلى التخلص من الفوضى الناشئة حديثًا، وإعادة تأسيس الحالة الطبيعية. أشار جوزيف دو مايستر (Joseph De Maistre) إلى أن ما نحتاجه أكثر من “الثورة المضادة” بمعناها الانفعالي الصارم، هو “مضاد الثورة”، أي الفِعل الإيجابي المستلهم من الأصول الماضية. إن طريقة تطور الكلمات عجيبة، فبعد كل شيء، تعني الثورة بمعناها اللاتيني الأصلية “الدوران”، أي الحركة التي تؤدي إلى نقطة البدء مرة أخرى..أي إلى الأصول. من ثم، فإن قوى التجديد “الثورية” التي يجب استخدامها ضد الموقف الحالي يجب أن تكون مشتقة من الأصول.

“الرجعية أو رد الفعل الرجعي أو العودية” في جوهره لا يدور فعليًا حول الاستجابة لأي شيء، ولكنه يهدف ببساطة إلى استعادة النظام الطبيعي، أو كما يقول إيفولا: “حركة تؤدي مرة أخرى إلى نقطة البدء وإلى الأصول”. قال أيضًا: “إن مبادئي هي أن مَن وُلِدوا لأسرة نبيلة – قبل الثورة الفرنسية – هم فقط من اعتُبِروا عاقلين وطبيعيين”. كانت هذه المبادئ مقبولة قبل الثورة الفرنسية، ولكنها لم تكون مقبولة قبلها وحسب، بل ظلت مقبولة بعدها لأكثر من مائة عام في أجزاء واسعة من وسط أوروبا، وخاصة النمسا وهنغاريا وألمانيا، وخلال 47 عامًا من بدء توزيع جائزة نوبل (1871-1918)، حصلت الإمبراطورية الألمانية على جوائز نوبل في العلوم أكثر من “بريطانيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة مجتمعين. بالتالي فإن هيمنة ونجاح الدولة التقليدية إلى حد كبير، والقائمة على التسلسل الهرمي والنظام، ظهر بوضوح على مدار فترة قريبة لم يمر عليها 95 عامًا. هذا دون ذِكر إنجازات النمسا وألمانيا في الثقافة والعمارة والموسيقى والفنون خلال قرون تاريخهم المَلَكي الطويل.

سُميت “الرجعية أو العودية” بهذا الاسم بسبب حدث تاريخي وهو نهاية الحرب العالمية الأولى بتدمير الملكيات الأوروبية الثلاثة العظيمة الباقية، وهي الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النسمـ-هنغارية، وروسيا الإمبراطورية. لو اختلفت نتيجة معركة مارن، وهو احتمال كان قائمًا حينها، فربما ظلت هذه الدول باقية حتى يومنا هذا، وكانت “الرجعية أو العودية ” سيُطلق عليها ببساطة “نمساوية” حينها.

يحاول مؤيدو الديموقراطية إعادة كتابة التاريخ والإشارة ضمنًا إلى أن مبادئ التنوير غير متوافقة بشكل جذري مع المَلَكية، ولكن هذا غير صحيح تمامًا. كان لفولتير علاقة وثيقة بعدد من أفراد العائلات الملكية، بما فيها الملك فريديك العظيم وكان يقدم له المشورة بانتظام، بالرغم من أن فولتير يُعَد واحد من أعظم مفكري التنوير. إن الازدهار الاقتصادي والثقافي الذي حققته الملكية البائدة في فرنسا هو الذي خلق الظروف التي ساعدت على ظهور التنوير والثورة العلمية. بدأ كل هذا قبل فترة طويلة من الثورة الفرنسية. كان هناك مجموعة كبيرة من أفراد العائلات الملكية الذين أُطلق عليه “ملكيو التنوير” بسبب درجات التزامهم المتفاوتة بمبادئ التنوير.

إن “الرجعية أو العودية” لا تعني في جوهرها معارضة أي شيء، ولكنها تعني تقديم مبادئ إيجابية للاستقرار والنجاح الحضاري – حكومات قائمة على القيم وليس المال فقط، ومبادئ تقليدية تتسم بالتسلسل الهرمي والسلطة الذين يعززون النظام، والنظرة المستقبلية طويلة المدى القائمة على النبالة المتوارثة بين الأجيال وليس دورة انتخابات كل أربع سنوات، وغيرها الكثير. تعني قادة يقودون حقًا ولا يتبعون الرأي الشعبي ببساطة. إن الفكرة كلها بسيطة للغاية، وظلت قائمة بذاتها لآلاف السنوات بدون أي تعارض مع أي شيء إلا الفوضى وحكم العصابات. إن “الرجعية أو العودية” تقف وحدها لأنها قائمة على ما هو طبيعي وفطري.

اليمين كفلسفة #١

مشكلة الفهم واستيعاب أنماط التاريخ هي عائق لا بد من محاولة تجاوزه، أو على الأقل إلقاء الضوء عليه، كما أحاول هنا: 

ما يستعصي على الإنسان المعاصر هو التكيّف مع التسارع الأسّي للتقنية والذي يرتبط بشكل عكسي مع قدرة الإنسان على استيعاب التاريخ وتطوّر الأحداث فيه وفق أنماط تتكرر لو توفّرت نفس الظروف.
المجتمعات البشرية القديمة أدركت منذ حين أن مستجدّات التكنولوجيا تمكّنها من تعزيز قدراتها التنافسية مقابل المجتمعات الأخرى، وتعزّز سيطرتها على الطبيعية حولها. وبالسيطرة أقصد أكبر قدر ممكن. فالعلاقة بين الإنسان والطبيعة الأم ليست في شكل تنافسي، كما يريد أن يفهمه أو يصوّره البعض، بل أن مصيرنا هو رهن بيدها، دائمًا وأبدًا. من يعتقد العكس يحتاج إلى كمية Ego خيالية للوصول لمثل هذا الاستنتاج.

وبينما لا يجيد الإنسان المعاصر ترتيب الأحداث التاريخية المتباطئة منذ بزوغ الحضارة وحتى قبل الثورة الصناعية؛ من الصعب أن تنتظر منه استيعاب التسارع التقني والاجتماعي في آخر مئة سنة. أو حتى التنبّؤ بالتطوّرات في العقود القليلة القادمة. والنقطة الأخيرة جوهرية في صياغة الفلسفة التي تتبناها أو النهج السياسي/الاقتصادي الذي تعوّل عليه.

كيف تفهم فكرتي أكثر: الفرق بين من ولد بعد الإنترنت نهاية الثمانينيات وانتشار الكمبيوترات ودخولها لبيوت المستخدم العادي [الإنسان الرقمي] و بين من سبقه ويعتبر طارئ على المجتمع الرقمي الحديث، هو أشبه بالفرق بين الإنسان الذي اخترع محرّك البخار [الثورة الصناعية الأولى] وبين من سبقه ممن عاش في عصر الزراعة والتدجين في العصور القديمة.  

كي نتمكّن من الاقتراب من تنبّؤات قريبة من الواقع، لا بد من محاولة التفكير بشكل متسارع [المحاولة هي أفضل فرصة نملكها وقد تفشل] أو يراعي التسارع التقني الذي يعجّل من انتقال المجتمعات إلى مرحلة التطوّر القادمة أو الزوال بسرعة.

ولكي تبدأ بفهم هذا النمط المتسارع  [مراحله الأولى]، لا بد من متابعته بدءًا من السنة ٧٠,٠٠٠ قبل هذا اليوم. أو إن استعصى الأمر، ابدأ من ٨٠٠٠ ق. م. مع أن التسارع يتباين من منطقة لأخرى [كمقارنة أوساط أفريقيا أو أوربا مع الهلال الخصيب إبان الثورة الزراعية]. والتسارع هذا بحكم طبيعته الرياضية يتطلّب منك أن تتابع الأحداث الرئيسية التي غيّرت من مجرى التطوّر للحضارات البشرية. ولذلك أكرر، الغوص في أعماق التاريخ هو المفتاح ولا يمكن استبداله. وبما أن هذه العملية في فهم الأنماط قد تستغرق سنوات من عمرك وجهدك، ربما ستعي لماذا هي عسيرة على أغلب البشر ولماذا وغالبية البشر العظمى لن تعي كل ذلك في عصرنا هذا. أنت بحاجة لمتخصصين وقادة. لنخبة تقود بعيداً عن استحسان مزاج الشعب