اليمين المحافظ – على ماذا يحافظ؟

لم تَعُد الرواية الكلاسيكية عن جلوس طبقة النبلاء إلى يمين الملك الفرنسي إبان الثورة الفرنسية بوصفهم مؤيدين للملك والملكية إزاء أولئك الجالسين إلى اليسار بوصفهم مؤيدين للطبقات المسحوقة والحقوق الفردية كافية لوصف جذور تيار اليمين – أو تيار اليسار بطبيعة الحال – أو بيان أحوالهم ورؤاهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالتياران مرّا وما زالا يمرّان بمراحل وأطوار ما لبث البعض منها يتبدل ويتغير والبعض الآخر يترسخ أو يزداد صلابة. لذا فإن العودة إلى رواية جلوس الطرفين على جانبي الملك ليست سوى سردية مجردة وخاوية لا تقدم وصفًا جذريًا مفعمًا للوقوع على أحوال هذين التيارين المهيمنين على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية في عصرنا الحالي.

وعلى هذا الأساس تحديدًا – أي أساس الابتعاد عن التجريد – نسأل: اليمين المحافظ، على ماذا يريد الحفاظ؟ الإجابة المجردة عن هذا السؤال هي: لقد أراد جناح اليمين الحفاظ على الملكية والتراتبية الطبقية التي كانت قائمة في القرن الثامن عشر وما قبله وبعده بمُدَدٍ وجيزة. أما الإجابة العقلانية فهي: أي يمين محافظ نقصد؟ وهل عاد هناك يمين [محافظ]؟ وإذا كان هناك يمين محافظ؛ فهل يحافظ على قيم اجتماعية، مبادئ سياسية، رؤى اقتصادية، أم نواميس القبيلة وتقاليد الأرستقراط؟ لقد بات اليمين [المحافظ] فرعًا باليًا من أفرع التيارات اليمينية في مختلف الأقطار، ولم تَعُد هناك أساسًا حاجة لمرادفة [المحافظ] اللهم إلا إذا قُلنا [المتحفظ] – لأن الحفاظ على الأفكار والرؤى المتعلقة بالمجتمع والسياسة والاقتصاد لم تَعُد رهن طبقة اجتماعية عُليا تفرض رؤاها على طبقات أدنى – ولهذا صار تيار اليمين السياسي [يتحفظ] على بعض القرارات الحكومية فيما يتعلق بالسياسة أو الاقتصاد وليس من شأنه [الحفاظ] على شيء. أما القيم الاجتماعية فلم تَعُد هي الأُخرى ترتهن بمركزية الدولة أو حاشية الملك أو أتيكيت البلاط. وبالتالي فليس هناك فرد يدّعي انتمائه لتيار اليمين ويصرح بأنه يمسك بزر أو مقبض يمكنه من الحفاظ على تقاليد أو عادات أو قيم اجتماعية معينة، سواء كانت سامية أم سافلة، فهنا، في هذا المضمار، القول الفصل هو للجينات، للتسافل والتسامي الجيني، وليس لليميني عصا سحرية أو مقبض يربط به المجتمع فيوجهه أنّى شاء. تبقى ميادين السياسة والاقتصاد هي ميادين الصراع المحتدم بين اليمين وخصومه. وهنا يتوجب التذكير مرة أُخرى بأنه ليس شرطًا أن يكون يمينًا محافظ. فالتسمية المترادفة [يمين] و [محافظ] ليست تسمية دالّة على المعنى صراحة، على أن هذا الترادف لم يَعُد مُلزِمًا لذكر اليمين، فقد انبثقت وتطورت أفرع كثيرة من التيار اليميني وصار لها شأن وصوت مسموع، وآخرها هو فرع اليمين (العودي) الجديد الذي يقوده أمثال آلان دو بنوا وتوميسلاف سونيتش وآلان دوغاتكن وكرتيس يارفن وغيرهم. وهناك اليمين المعتدل الذي يحب معتنقوه أن يُنعَتوا بالليبراليين من أمثال توماس سويل وميلتون فريدمان وجوردن بيترسون. وهناك اليمين التحرري الذي يقوده هانز هيرمان هوبه ويشترك معه ميلتون فريدمان أيضًا.

على عكس المفهوم الشائع القائل أن اليمين بوصفه [محافظًا] يريد الحفاظ على قيم أو عادات اجتماعية معينة، فإن اليمين لا ينظر إلى المجتمع بصفته طبقة واحدة ينبغي الحفاظ على عاداتها وتقاليدها، أو أنه مصدر السلطة والتشريع الأساس. إذ يُعارض توماس سويل الهندسة الاجتماعية، ويعارض هانز هيرمان هوبه اتخاذ المجتمع مصدرًا أساس للتشريع والسلطات، ويشاطره سونيتش الرأي في ذلك، ويعارض آلان دو بنوا التدخل أساسًا في الشؤون الاجتماعية لفرض أنماط معينة أو رفع غيرها. بل أن اليمين ينظر إلى المجتمعات المعاصرة كما ينظر إلى المحتضر، ولا يعول عليها في شيء من الصلاح أو العَمار، لأنها باتت رهينة التسليع والتماثل الذي أنتجته أيديولوجيا العولمة. وبالتالي

وبالتالي فلا يرى اليمين أية عادات أو تقاليد أو أنماط اجتماعية ينبغي الحفاظ عليها – وليست هذه وظيفته أو مهمته على أي حال – لأنه لا يرى في المجتمع أداة لتمرير أجندته أو دعايته، ولا يتخذ من الشعبوية التي تلعب على أوتار العامّة من الأهالي نمطًا للتسويق أو التنظير أو الترويج. فمهمة اليميني – أو همَّه الشاغل – هو العيش في مجتمع ينعم فيه بأسباب الراحة وليس أن يوفر له المجتمع وسائل الراحة. لذا فهو لا يسعى إلى تغيير المجتمع أو الوثوب للدفاع عن تقاليده أو عاداته أيًا كانت. ولكي ينعم بأسباب الراحة ينبغي أن يعيش حياة طبيعية خالية من التكلف والمحاباة والمركزية الشمولية والشعبوية والأيديولوجيات والانصهار مع العولمة التماثلية. لذا يمكننا اعتبار همّ اليميني هو العودة إلى الطبيعة في عالم بات يعتبر الطبيعة أشد أعدائه – ولهذا يصف نيكولاس جوميز دافيلا نفسه بالرجعي/العودي.

تلاوات من الذكر الديمقراطي الحكيم

عندما تأسست عصبة الأُمم على أيدي الحلفاء في أعقاب انعقاد مؤتمر باريس للسلام عام 1919 كانت أهدافها واضحة: تعزيز السلام والحد من التسليح وحل الصراعات الإقليمية – وما إلى ذلك من عناوين تهدف إلى تحقيق السلام العالمي. إلا أن هذه العناوين وما تبعها من صياغات قانونية واتفاقية وتعاقدية لم تسري على الحلفاء أنفسهم، بحيث أنهم قرروا تقسيم الشرق الأوسط إلى مستعمرات توزَّع عليهم حسبما شاؤوا في ذات الوقت الذي أقرّوا فيه “تعزيز السلام” و “الحد من التسليح” و “القضاء على العبودية” و “حق الشعوب في تقرير المصير”. لذا فأن عصبة الأُمم كانت منذ التأسيس جمعية دولية تخدم مصالح الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الأولى، وتُحلل ما يحللونه وتُحرم ما يحرمونه. لكن وكما عودتنا الأديان الإبراهيمية، فإن الحرام لا يسري على الأنبياء: وهكذا فإن أنبياء عصبة الأُمم الأوائل حاولوا تطبيق استراتيجية نزع السلاح على الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى من خلال معاهدة فرساي. في حين لم يكونوا هُم أنفسهم راغبين بتطبيق تلك الاستراتيجية على أنفسهم لاعتبارات شتّى. وفي حين كُنّ فرنسا وبريطانيا هُنّ القوتان المهيمنتان عالميًا، فليس من المستغرب أن تكونا أيضًا القوتان الأكثر نفوذًا وهيمنة في العصبة، بل والمؤسِسَتان لها منذ البداية. لذا فليس من المستغرب أن تُقسم كل من فرنسا وبريطانيا دول وبُلدان الانتداب فيما بينهما وتذهبان إلى الدخل العسكري لفض نزاعاتهن باسم العصبة عوضًا عن انتهاج استراتيجية فرض العقوبات على سبيل المثال.

لذا وكما رأينا فإن عصبة الأُمم كانت منذ التأسيس روضة مقدسة يوحي بها الحلفاء ما يوحون به من آيات محكمات لا يأتيهن الباطل. وأن تلكم الآيات لن تسرين على مُنزليهن بالطبع! ولكن على أي حال فإن عصبة الأُمم لم تستمر طويلًا، وقد أدّت إخفاقاتها ونقاط ضعفها إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية التي جعلت من أوروبا حفرة من الجحيم والخراب. لكن حل عصبة الأمم في عام 1938 تبعه تأسيس جمعية الأمم المتحدة في عام 1943 بنفس المهام والآليات، وتخيل؛ على أيدي نفس الحلفاء! بل وهذه المرة بمهام أوسع وصلاحيات أرفع. ومن رحم ديانة الأُمم المتحدة ولِد فقه حقوق الإنسان ومذهب مجلس الأمن الدولي وشريعة محكمة العدل الدولية وما إلى ذلك من الهياكل المتوالدة. ولكن من الذي يحدد أُطر حقوق الإنسان؟ فقهاء الأُمم المتحدة. من الذي يشرعن العدل ويقيمه؟ فقهاء محكمة العدل الدولية. من الذي يختار امتلاك أسلحة ذرية من عدمه؟ فقهاء الوكالية الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. من الذي يمنحنا حق تناول الأدوية من عدمه؟ فقهاء منظمة الصحة العالمية التابعة للأُمم المتحدة. وبالمثل مع صندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية وعددت ما شئت. إلا أن بذرة التأسيس الأولى لم تتغير: الحلفاء هُم المؤسسون > القوانين التي يشرعها الحلفاء لا تسري عليهم بالضرورة > شنّ الحروب وتعيين الانتدابات والاستعمار من حق الحلفاء فقط.

وهكذا ليس من المستغرب أن يظهر مراسل محطة CBC ويقول على الملأ مندهشًا أن المدنيين الأوكرانيين الذين يقبعون تحت نير الحرب اليوم هُم ليسوا “عراقيين” ولا “سوريين” بل “شعب متحضر ذي عيون زرقاء”. ذلك أن الأدبيات والسرديات التي ترعرع عليها هذا المراسل لقّنته أن فقه الإنسان وحقوقه هو وحي سماوي نزل على الغرب وحده، على الحلفاء وحدهم، وكل من سواهم خارج دائرة الفقه الإنساني أو على الأقل لا يضيره القصف بالصواريخ أو الفسفور أو القنابل الذكية التي تخترق الملاجئ. وبالمثل، لم يلقي جنود شركة بلاك ووتر بالًا لسحق المدنيين العراقيين وارتكاب المجازر بحقهم، لأنه لُقِّن على أن البشر الذين يقطنون خارج حدود الغرب لا يندرجون ضمن فقه حقوق الإنسان أو شريعة المظالم الإنسانية طالما أن عيونهم ليست زرقاء ولا يعرفون شيئًا عن الموز أو الأناناس أو الإنترنت.

إن اتباع طريق البراغماتية والنفعية السياسية ومراعاة المرء لمصالح بلده ليس أمرًا مشينًا بالضرورة. إلا أن المشين هو التلون والالتفاف على القوانين والتشريعات التي يُفترض أن يلتزم بها العالم أجمع. وهذا هو بالضبط ما فعله – ولا يزال يفعله – الحلفاء، سواء الأولين منهم أو اللاحقين. فصار من حق الحلفاء وحدهم تعيين الجاني والمجني عليه بغض النظر عن الواقع. وصار من حقهم وحدهم إدارة المسرحيات الدولية والخروج منها حتّى وإن فسد العرض وتحول إلى تراجيديا قاتمة. فما الذي لحق بأمريكا حينما تدخلت عسكريًا في حرب الخليج الأولى وأفنت البنية التحتية للعراق وأرجعته إلى العصر الحجري بحسب تعبير وزير دفاعها آنذاك؟ هل خسر صدام حسين في حينها ولو ربطة عنق أحرقتها صواريخ سكود التي أمطرت بغداد؟ كلا. إن الذي تهدم وأُفني هي المؤسسات والبُنى التحتية التي يعتاش عليها شعب العراق بالكامل: المصافي والآبار النفطية؛ دوائر الاتصالات والتلفزيون؛ ملجأ العامرية ومئات الأطفال الذين أحرقتهم صواريخ ديانة الديمقراطية وهُم أحياء؛ دوائر ومحطات الكهرباء؛ دوائر ومحطات المياه؛ من ثم حصار جائر أمات الأطفال في مهودهم وأحرق أكباد الثكالى وجعل جيل كامل من البشر ينشأ ويترعرع وهو لا يعرف شكل أو طعم حبة الموز أو الأناناس.

ثم ماذا جنت أفغانستان من التدخل العسكري الأمريكي؟ ولماذا تدخلت أمريكا أصلًا في أفغانستان؟ لأنها كانت مطمع للاتحاد السوفيتي المنافس للحلفاء. كيف عالجت أمريكا هذا التنافس؟ مولت الجماعات الإسلامية بالمال والسلاح لتقاتل القوات السوفيتية؛ من ثم فرخت طالبان والقاعدة وبفية الحكاية لا تحتاج إلى سرد.

ثم ماذا عن اجتياح العراق في عام 2003؟ هل حصلت أمريكا على تفويض الأُمم المتحدة؟ كلا. رفض مجلس الأمن الدولي التصويت بالأغلبية على قرار الاجتياح. ومع هذا ضربته أمريكا بنعلٍ قديم وأخذت زمرتها وراحت تدخل العراق. ما الذي ترتب على ذلك؟ لا شيء؛ فأمريكا نبي من أنبياء الأمم المتحدة، وليس على النبي حرج. ماذا ترتب على مجازر شركة بلاك ووتر الأمريكية في العراق؟ لا شيء؛ لأنها من آل بيت النبي. ماذا ترتب على استخدام الفسفور في معارك الفلوجة التي لا زالت آثارها ظاهرة إلى اليوم؟ لا شيء؛ لأن أسلحة النبي مُسددة من الله، وما رمى إذ رمى ولكن الله رمى.

إن المشهد السياسي العالمي منذ مطلع القرن العشرين هو عبارة عن أيديولوجيا مقدسة يدّعي الحلفاء المؤسسون للأمم المتحدة أنهم أنبياؤها والحواريون هُم من انضموا إليهم فيما بعد. فما من طرف يحيد عن شريعتهم إلا وكان نصيبه الزندقة والتكفير والعقوبات الدولية والحصار. بل أنهم صاروا يطبقون هذه الشريعة حتّى على شعوبهم: فمن يتظاهر لأجل حياة السود هو خير المؤمنين وإن خرّب وهدّم وحطّم وسرق، ومن يتظاهر لأجل المطالبة بتخفيف بعض القيود أو السياسات الحكومية هو أخسر الخاسرين وأضلهم سبيلا.

دليلك للمعارضة: ترياق للفوضى السياسية(٣)

(هذه سلسلة من المقالات في الشأن العراقي تعود للكاتب مردوخ. أنقلها هنا بطلب منه وخوفا على المحتوى من الضياع. من هو مردوخ ؟محلل سياسي بدون تحفظات، يرفض كل القوالب الإعلامية المحنطة، ويطمح لربط كل خيوط الفوضى العراقية في نموذج مفهوم. كان التهاوي الفاضح لموجة احتجاجات تشرين دافعا لظهوره، لأنه كشف عن فقر فكري مدقع لدى الأنصار والخصوم معا.)

—الجزء الثالث “الأخطاء الاستراتيجية لا تصححها المهارات التكتيكية”

مرحبا يا رفاق! هل هناك من يفتقدني؟ أعلمني احد المراهقين ان له علاقة بفتاة وشرح لي طبيعتها وسألني عن رأيي في العلاقة؛ بما انها وصلت الى مفترق طرق مبكراً. فأخبرته ان لا مستقبل لهما معاً وشرحت له لماذا اعتقد ذلك.

بدأ الرجل مقتنعاً للغاية بكلامي، رغم ذلك إختار الاستمرار معها. وتعرض لانتكاسة نفسية مدمرة فيما بعد [هذا ما يحصل غالباً اذا لم تستمع لكلامي…مزاح].

كانت أسبابي ضد أستمرار علاقتهما بسيطة: البنت لم تكن موفقة اخلاقياً -كما استنتجت شخصياً مما قيل لي- والشاب -نظراً لأني اعرفه- لم يكن من النوع اللعوب وقد كان صادقاً في مشاعره. قلت له ان ارتباطه بها خطأ استراتيجي ومهما قدم وفعل لن يستطيع تصحيح الأمور او السيطرة على مسار العلاقة والأفضل ان يتركها. ولكن…غواية النساء!

في النهاية ليس من الغريب ان يتجاهل مراهق الحقيقة [ اي: الادلة والاحداث ] مدفوعاً بالتوق الى الجنس والمتعة. الجميع أصبح يفعل ذلك ولكن لأسباب مختلفة قليلاً.

في رأيي المتواضع ان اختيار الديمقراطية لبناء الدولة هو “خطأ استراتيجي” مثله مثل الفتاة التي أختارها المراهق. ومشكلة هذا النوع من الأخطاء انه يحطمك تماماً اذا قررت تجاهله والمضيء قدماً بحزمة من الترقيعات التكتيكية. لكن لماذا أعتقد أن الديمقراطية لا يمكن ان تبني دولة؟

(النظرية الهرمية للنظام السياسي)

تأمل معي هذه المعرفة المفصلية في الفهم السياسي : قلت في الجزء الأول من المقال ان [النظام (من نظم ينظم نظما ونظاما) هو: الترتيب والاتساق. لنعرفه ب “طريقة لعمل عدة اشياء او أجزاء في وحدة واحدة.” تعريف بسيط لكن يفي بالغرض الان. من هذا التعريف يتبين ان وظيفة النظام هي ١) تقليل الإنتروبيا (العشوائية) الناتجة عن التقاء الناس وتضارب مصالحهم الخاصة في التجمعات السكانية ليصبح التعاون ممكناً ومن ثم ٢) رفع الإنتاجية البشرية لأقصى حد ممكن، فالدولة في الاساس نشأت كنتيجة مباشرة لتراكم الفائض من الانتاج الزراعي الذي اضطر المستوطنات الزراعية قديماً في وادي الرافدين لتكوين مراكز ادارية]. طبقاً لهذا التعريف وليكون النظام ممكناً “فالشرط الأول” هو السلم بين الناس.

لكن لماذا السلم اولاً؟ النظام السياسي يتطلب استقراراً في الهيكل السياسي وهذا الاستقرار ينعكس في كفاءة وقدرة النظام على فرض نفسه. فمن دون السلم الداخلي الاستقرار السياسي مستحيل ببساطة.

هل نحن في حالة حرب اساسًا؟

سقوط النظام ٢٠٠٣ وخسارته المذلة امام التحالف الدولي تركت المجتمع بلا سلطة وعندما يكون المجتمع بلا سلطة يبدأ افراد المجتمع ممن لهم تأثير بطرح الأسئلة. أسئلة خطيرة من قبيل: لماذا لا اكون انا من يحكم ويحوز السلطة؟ في النهاية صدام وقبيلته أشخاص عاديين جداً.

ولو جئت للصدق هذا السؤال مشروع للغاية، فلا تمايز واضح بين الناس، لكن المشكلة تكمن في ان السؤال يخرج من أماكن عديدة في الوقت نفسه وعندما يطرحه العديد من الأشخاص تخرج الأمور عن السيطرة. فكما يستاء الأستاذ وتتصاعد الضوضاء من تكلم خمسة طلاب في الحصة ذاتها وفي الوقت نفسه، تتغلب الفوضى على النظام ويتكتل الأفراد حسب إنتمائهم القبلي او الطائفي او المناطقي في حرب “الكل ضد الكل” ربما تفكر -عزيزي المتابع- في ان هذا الامر هو سبب مباشر في الحرب الطائفية…يا رجل انت عبقري!

لإقامة السلم تقترح الديمقراطية حل بسيط يمكن صياغته بالطريقة الآتية: الصراع على السلطة هو المشكلة. لايقاف الصراع -انعدام السلم- يجب ان يتشارك الجميع بالسلطة.

حل بسيط ويعجب الكثيرين منكم. ولكن اليك المشكلة في هذا النوع التفكير: انتم لستم معنيين بالأمر مثل الذين في السلطة. لم تفهمني؟ سأشرح لك: فيما مضى عرفت عائلة تتكون من ثلاث أخوة وأختين ترك لهم والدهم المتوفي بيت على قطعة ارض لا تتجاوز مساحتها الثلاثمائة متر. وفاة والدهم الذي كان يسكن في هذه الارض مع احد الأخوة جعلت الآخرين يطالبون بالإرث. لكن وجهات النظر كانت متباعدة للغاية فيما بينهم: فاحدهم تحمل الجزء الأكبر في بناء البيت على قطعة الارض ولهذا يريد حصة مضاعفة. والثاني كان يرعى والده طيلة فترة عجزه وتسكن معه اخته غير المتزوجة ولهذا كان يريد اخذ ١٠٠ متر يسكن فيها مع زوجته واخته. اما الثالث فكان في موقع نفوذ ويقترح حرمان الأختين من الإرث خاصة ان إحداهما خرجت من البلد وتزوجت بالضد من إرادة اخوتها وابوها ودون علمهم. فجئة ظهرت هذه الاخت من العدم وطالبت بحصتها ايضاً.

فشل رجل الدين (الشرع) ورجل القانون ووالدي ايضاً في حل مشكلتهم، لان كل واحد من الأخوة كان يرى ان الحق معه وان الاحتكام للمنطق الديني او القانوني او العرفي الوسيط هو تقويض لحقه وانتصار للآخر. تنتهي القصة بشكل مأساوي للغاية وبفاجعة دموية بعد تهور احد الأخوة واحتكامه لمنطق القوة والسلاح.

كانت حلول والدي -بعد ان طلبوا منه التدخل- منطقية لكن المشكلة تكمن في ان كل فرد من هؤلاء الأخوة الثلاثة حمل فكرته الخاصة عن العدالة لا فكرة القانون ولا مقترحات ابي. ذات المشكلة تكمن في الاقتراح الذي تقدمه الديمقراطية عن مشاركة السلطة مع الآخرين: فبما ان القوانين يمكن صناعتها من طرف من يتشاركون في السلطة -ولهذا فهي ليست في موضع الاحترام والتقدير من كافة الأطراف- وكل فرد ذو تأثير في السلطة يحمل عدالته الخاصة ويرى نفسه احق من الآخرين بها، يزداد التوتر ويفشل النموذج الديمقراطي لنعود الى المربع الاول: حرب الكل ضد الكل.

ولهذا فالتنافس الاقتصادي جيد للغاية والتنافس السياسي سيء للغاية وينتهي بالحروب الاهلية الطاحنة. فبدل التركيز على التنمية الاقتصادية وتحسين حياة رعاياهم يتحرك الساسة الديمقراطيون في اتجاه اقتصادي واحد: التحضير للحرب مع الخصوم عبر زيادة الإنفاق العام واستهلاك الميزانية العامة وتحشيد الأتباع وسرقة ما يمكن سرقته والسيطرة على ما يمكن السيطرة عليه وهكذا دواليك.

تنهار الأطروحة وتفشل الفرضية في إثبات نفسها عند اول إختبار، فالمناخ الديمقراطي يحتفظ بحالة مزمنة من القلق الذي يصيب الجميع وصولاً الى مرحلة فقدان السيطرة والصدام والذي تلخصه عبارة: (قلق دائم حتى ظهور القائم). ونتيجة لذلك يصبح الانتماء لا على أساس ايديولوجي فكري بل مصلحي ولهذا نشهد صعود “المجتمع الكتلي” الذي يتحشد فيه الناس بناء على مصالحهم الخاصة. [ربما تفكر عزيزي القارئ في ان هذا هو سبب عدم وجود برامج انتخابية اساسًا بل وعود يقدمها المرشح لتحسين الحالة المادية لمن أنتخبه شخصياً…قلت لك من البداية: انت ذكي جداً]

ننتقل الى الشرط الثاني لإقامة النظام السياسي، الأمان: لا يعني الأمان الغياب المطلق للجريمة الاعتيادية فهذا الامر غير قابل للتحقيق لانه لا يمكن استباق الجريمة عالمياً. الأمان يعني ببساطة الغياب التام للجريمة المنظمة فضلاً عن الغياب المطلق “للمقاومة المنهجية” ضد سلطة الدولة من الارهاب الى المليشيات الى العصيان المدني.

ولكن كيف يمكن جعل الأمان هو الحالة السائدة في البلد؟ الإجابة بسيطة ولكنها عنيفة: سحق المقاومة المنهجية لسلطة الدولة. ولتفعل الدولة ذلك تحتاج الى قوة مسلحة ذات كفاءة قادرة على فعل ذلك. ولكن نظرًا لان السلطة متاحة للجميع والقوانين يمكن انتاجها من عدة اطراف في السلطة، والسلم لم يتحقق في المناخ الديمقراطي المشحون بالتوتر، يحمي كل طرف في السلطة جماعته المسلحة (المليشيا) ويحاول إيجاد تبرير قانوني لوجودها تحسباً لحربه القادمة مع الخصوم. نتيجة لذلك تصبح الدولة عاجزة عن فرض الأمان وإيقاف الجريمة المنظمة والمقاومة المنهجية لوجودها. فبدل ان تسحق الدولة معارضيها تتعرض هي للسحق بصورة مخزية ولهذا ولان الدولة ضغيفة وغير قادرة يلجأ الناس للانتماء الى الجماعات المسلحة ويتصاعد العنف والفساد ويعود “المجتمع الكتلي” ليفرض نفسه من جديد.

ينهار النموذج الديمقراطي مرة ثانية وتنحصر خيارات الناس السياسية عند الانتخاب في المصلحة الخاصة والانتماء العقائدي ولهذا لا تصحح الانتخابات المسار الذي أتخذه النظام بل تحفز تراكم الأخطاء القاتلة في جسد مؤسسات الدولة.

ننتقل الأن إلى الخطوة الثالثة في النظام السياسي: القانون. بمجرد ان تسحق الدولة كل مقاومة مضادة لإرادتها تبدأ في جعل أفعالها متسقة وقابلة للتنبؤ. فالنظام هو الترتيب ومن ثم “الاتساق” والمسؤول عن هذا الامر هي المؤسسات القانونية بطبيعة الحال. فإذا كانت القوانين واضحة ومعيارية وتنطبق على الجميع، يتفادى الناس خرقها فيتعزز السلم والأمان وبالتالي تزداد صلابة النظام. ولكن نظرًا لان الدولة فشلت في تحقيق السلم والأمان يفشل القانون في تحقيق سيادته على الجميع وعندما يحدث ذلك تنهار سلطة الدولة فالقانون الذي لا يطبق على الجميع لا يمكن تسميته قانون. عطفاً على ذلك تنهار الفرضية مرة أخرى، وتصبح الفوضى والعشوائية وكل أنواع التجاوزات المجتمعية مقبولة وشرعية الى حد ما.

الخطوة (الرابعة) التي تأتي بعد فرض القانون هي منح الحريات للرعايا. وبهذا يتحول النظام القسري الى تلقائي دون خوف او خشية من ان تصبح الحرية اضطراب. لكن المشكلة تكمن في السلم منعدم والأمان غائب والقانون ضبابي ولهذا تحولت الحرية الى اضطراب شديد يقوض من سلطة الدولة باستمرار.

تقترح الديمقراطية ترتيب بديل لأوليات النظام السياسي يمكن صياغته بالشكل التالي: حرية > قانون > أمان > سلم.

مشكلة هذا الترتيب أنه يقلب الهرم رأساً على عقب فالحرية السياسية تنتج فوضى قانونية وصراع سياسي والصراع السياسي يدمر الأمان وبانعدام الأمان ينهار السلم الاجتماعي. ولهذا السبب لم نشهد تجربة سياسية واحدة ناجحة في بناء دولة منهارة حتى الان.

يجادل بعضكم بأن الديمقراطية تعمل في انجح دول العالم -وهو ادعاء غير صحيح فالاحصائيات تظهر ارتفاع البطالة وانخفاض الاجور وارتفع الدين العام الى مستويات فلكية مع تزايد مطرد في معدل الجرائم والتفكك الاسري والانحلال الثقافي وتفاقم معدلات الطلاق والاطفال غير الشرعيين والاجهاض- ولكن حتى لو كنت محقاً فدول العالم الأول لم تتحول الى ديمقراطية الا بعد تحقيق النظام لثلاث اولويات سياسية على الأقل: السلم > الأمن > القانون.

ولتصبح الحجة اكثر وضوحاً تخيل الامر على النحو الآتي: الديمقراطية فيزياء نيوتونية (نسبة الى نيوتن) يمكن ان تفسر حركة الأجسام الكبيرة ولكنها بلا ريب عاجزة عن تقديم تفسير مقبول لحركة الأجسام الذرية وما دون الذرية….حان وقت تقديم البديل السياسي يا أولاد! هل سمعتم بالفيزياء الكموميّة؟

يتبع..

دليلك للمعارضة: ترياق للفوضى السياسية(٢)

(هذه سلسلة من المقالات في الشأن العراقي تعود للكاتب مردوخ. أنقلها هنا بطلب منه وخوفا على المحتوى من الضياع. من هو مردوخ ؟محلل سياسي بدون تحفظات، يرفض كل القوالب الإعلامية المحنطة، ويطمح لربط كل خيوط الفوضى العراقية في نموذج مفهوم. كان التهاوي الفاضح لموجة احتجاجات تشرين دافعا لظهوره، لأنه كشف عن فقر فكري مدقع لدى الأنصار والخصوم معا.)

—الجزء الثاني (مكونات النظام)

في كثير من النزاعات الأسرية والاجتماعية نجد بعض العناصر التي تنشر للعامة أو تقدم للقضاء، لكنها لا تتناسب مع حجم التوتر أو التمادي الذي وصلت إليه القضية. وفي المقابل، هناك عناصر أخرى أبرز وأهم ولكن لا يشار إليها إلا همسا ومن طرف خفي، ويصدق عليها وصف ( الفيل في الغرفة elephant in the room ). وبالنظر إلى الزوبعة السياسية التي أثارتها احتجاجات تشرين (التي نقترب يوما بعد يوم من ذكراها الأولى)، يلاحظ أن هناك صنما ضخما لا يتطرق إليه أحد بالنقد أو يرفع ضده شعارات التنديد. لا أعني (السيد) طبعا، فقد تكفل سنان العزاوي وقبعاته الزرق بإسكات المعترضين.. بل النظام نفسه، الديمقراطية يا صاح.

ربما يخطر ببالك — عزيزي القارئ الماكر — رأي خبيث: البعض لا يريدون تحطيم الديمقراطية لأنهم يرغبون ارتقاء سلالمها، كما فعل الكثير من الانتهازيين من قبلهم! وإن فعلت فأقول لك: برافو، بدأت دروس هذه الصفحة تؤتي أكلها في عقلك. لكني أتحدث عن القطاع الأكبر من المتحمسين وغير المستفيدين — هل هم جميعا مسلوبو العقول؟

المشكلة الرئيسة التي يمكن الإشارة إليها في موقف كهذا، هو أن الديمقراطية (كإحدى أدوات النظام الليبرالي الغربي) قد غرقت تحت أوحال الأخطاء، ولم يعد المدافعون عنها يملكون تفسيرا غير “الخطأ في التطبيق وليس في النظرية” الذي شبعنا من سماعه من كل أنصار الأنظمة “الكلك” التي طبقت براسنا. ولهذا فإنك تجد أشجع وأجرأ “الناطقين” باسم الاحتجاجات يتصاغر أمام الكاميرات، مكتفيا بالتماس “قانون انتخابات جديد” أو “تشكيل مناطق جديدة للاقتراع”، دون أن تحدوه “الغيرة العراقية” على المناداة بإسقاط النظام “شلع قلع” كما قيل ذات يوم.

أضف إلى ذلك أن العامل المذهبي (الذي لم تتنصل منه أذهان معظم الناشطين) لا يزال يؤثر سلبيا في صياغة الموقف السائد من الديمقراطية. حيث يخشى الشيعي الشاب من إفلات السلطة من بني جلدته في حال تهاوي الديمقراطية العددية وصعود رجال أفضل وأوفر كفاءة من صفوف “الآخرين” (المعروفين أيضا بلقب “إخواننا بل أنفسنا”)، لأنه يعرف بعمق أن حساب الدولة المدنية مع الفوضوية الشيعية سيكون طويلا عسيرا.

ولكن لنفترض لوهلة حياد كل النوايا، وغياب كل المخاوف، ولنقل أن السبب الوحيد للتشبث بالديمقراطية هو “الثقة في الآليات” : بدءا بفرضية صدق اختيارات الشعب في التعبير عن آرائه، وتناسب الأحزاب المسيطرة مع قطاعات تقابلها في المجتمع، ومصداقية مفوضية الانتخابات، وإذعان الطبقة السياسية للنتائج كيفما كانت.

في هذه التجربة الفكرية، يجدر بنا أن نتأكد من تطابق هذه الفرضيات مع الوقائع، التي تراكم لدينا منها (على مدى عدة دورات) ما يكفي لأن يملأ “تاريخا” للعملية الانتخابية في العراق وانتهاكاتها.

تخطر ببالي هنا نادرة سمعتها من أحد الأصدقاء النابهين عن فترة دوامه في إحدى دوائر الدولة. كان مسؤوله المباشر يحدوه الفضول لمعرفة توجهات هذا الموظف الجديد وإن كان “معنا” أو “علينا”، فسأله ذات مجلس: إلى أي حزب تنتمي، أو لأي تيار تميل؟

فرد الصديق: إن كنا سنتحدث عن السياسة فأنا أعرف أن الأحزاب تجمعات تحمل توجهات أو ترعى قطاعات بعينها من المجتمع، لكن لا أرى شيئا من ذلك في العراق. فنحن لا نعرّف الأحزاب هنا إلا بقياداتها، أما التوجهات فهي غامضة إن أحسننا الظن وارتجالية إن حكمنا على الواقع. ولهذا لا أجد دافعا نحو الانتماء أو التحيز، دون أن أعني بذلك عداوة لهذه الفئة أو تلك.

هذا الموقف المختصر يحمل في طياته تشخيصا لكل مشكلات الديمقراطية في العراق: فالشعب يصوت دون غاية اقتصادية أو سياسية واضحة، فضلا عن وعود صالحة للتنفيذ؛ والأحزاب لا تشعر بأنها مدينة أبدا لجمهورها الذي تتلاعب بأحواله وتضطهده، وهو يضحي في سبيلها ويدعو لبقاء دولتها (لمجرد تشاركها وإياه في المذهب)؛ والآليات الوسيطة بين الشعب وممثليه (أو منكليه إن شئت الصدق) مصممة ومكيفة كي تضمن بقاء أثقالهم على الصدور، بنحو يذكّرنا بمشهد أمية بن خلف مع بلال الحبشي!

الشعب العراقي – لو جئت للصدق – يحيا أمية فكرية وعاطفية مذهلة، وكأنه مراهق قد احتبس عن التحولات النفسية والعقلية منذ سن السادسة عشر. إن لم تصدقني فارجع إلى اليوتيوب وابحث عن جهاز كشف المتفجرات المزيف والأسماء الكبيرة التي وقفت وراء فرضه في نقاط التفتيش، وكم حكومة استغرق الأمر قبل أن يسحب من التعامل الأمني.

أي شعب يملك حدا أدنى من النضج ومقدرة بسيطة على صنع القرار، كان سيحتشد ويؤجج ويهيج حتى يسقط الحكومة التي عبرت “كلاو” كهذا على رؤوس الملايين، غير مبالية بالآلاف من القتلى والجرحى الذين أسفر عنهم الاعتماد على هذه الكذبة الرخيصة.

مشهد آخر يؤكد نفس النقطة، لا بأس بالتنبيه عليه مجددا: محتجو ساحة التحرير، الخارجون في “ثورة تشرين” ضد حكومة “الأيادي المتوضئة” و “تيجان الرؤوس”، يمدون أيادي الضراعة والالتماس بكل بؤس وضعف – إلى من برأيك؟ إلى حاضن “بيضة الإسلام”، أدام الله ظله على هامات الأنام، الذي تجاوز عمره التسعين عام!

في بيئة كهذه تفتقر للإحساس بالخطر السياسي وتقديم المصلحة العامة على اللازم الإيديولوجي، وتتمازج فيها الفوارق (كتداخل الألوان في كوب آيس كريم ذائب) بين الولي والعدو، لن يظل هناك ما يذهلنا في انخراط مئات الآلاف في صفوف فصائل طائفية صريحة – دفاعا عن نظام بشار الأسد، الذي كان نوري المالكي يندد بتمويله وإرساله للإرهاب في العراق ذات يوم!

أعرف ما سيخطر ببالك الآن: “كفى جلدا للشعب، ألا تود نتف صوفة الأحزاب قليلا؟” لا بأس، سأجاري نقمتك، لعلمي بأنها مشروعة تماما وعمقها التاريخي أقوى مما تظن.

تشكيلة الأحزاب المسيطرة حاليا، رغم أن أسماءها قد اختلفت كثيرا عن “باقة المخضر” التي كرفها أحمد الجلبي ذات يوم وشكل منها “لجنة المتابعة والتنسيق” (أيباه، كم تبدو اليوم بعيدة تلك العناوين)، تملك أسوأ مبررات ممكنة للتصدي للقرار السياسي عرفها الشرق الأوسط خلال القرن العشرين.

لنبدأ من أقدمها وأبرزها: حزب الدعوة. هذا “الحزب الفاطمي” (اسمه الأصلي في النجف، الذي استبدل لاحقا بداعي التقريب المذهبي مع الإخوان المسلمين) نشأ كردة فعل على محاولات “حزب التحرير” الأردني استمالة بعض العمائم الشيعة في الكرادة الشرقية ببغداد، وأعني بهم تحديدا عارف البصري وقريبه عبد الجبار البصري، على يد محمد هادي السبيتي (رجل الظل الذي لا يعرفه أكثركم). حين علم مرتضى العسكري بذلك هرع إلى النجف يشكو إلى “جماعة العلماء” الناشئة كيف يستغل أهل السنة فراغ الشيعة سياسيا (نظرا لأن الخميني لم يخترع “ولاية الفقيه” بعد)، ويحاولون تجريدهم من مذهبهم بحجة التعاون لمقاومة الشيوعية.

هل لمحت في هذه الأحداث التأسيسية التفاتا لحاجة الشعب، أو دعوة لتحفيز الاقتصاد، أو إطلاقا لحرية الرأي والإبداع؟ كلا، الأمر برمته “صراع على المنابر” وتنافس على الحق في التصدي للشيوعية باسم الإسلام.

نأتي من ثم إلى “تيار الحكمة” العريض والواسع، المعروف بالوجوه النضرة (الما لايحتها شمس) والأصوات الناعمة (التي لا تصلح للتحريض) التي تتصدره. وحدهم أصحاب الذاكرة الحديدية يتذكرون أنه فرع من أصل أقدم هو “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق”. وقصة تأسيس هذا الآخر لا تقل انفصالا عن التعريف التقليدي للحزب مقارنة بالقصة السابقة.

فقد توسط الداعية المعروف حسن شبر بين محمد باقر الحكيم (المقيم في سوريا عام 1982) والخميني، محاولا استمالة الأخير للقبول بوضع الأول على رأس تشكيل “جهادي” موحد يجمع شتات الفصائل المتفرقة. وقد وافق الخميني – متغاضيا عن خصومته القديمة مع آل الحكيم الموالين للشاه – ليأمر من ثم بانضواء حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي وغيرها من الحركات تحت هذا اللواء الجديد. حتى إن “قوات الشهيد الصدر” التي شكلها الإسلاميون الفارون مع بعض “التوابين” اتخذت عنوانا بديلا نعرفه اليوم بلا شك: منظمة بدر!

بالإضافة إلى بلائهم الحسن (على الجانب الإيراني طبعا) في الحرب الطويلة بين البلدين، فإنهم لطالما شنوا هجمات على مقرات للجيش والشرطة في العراق خلال عقد التسعينات، كانت تستخدم الصواريخ أحيانا ولا تبالي بهوية القتلى (هل يذكركم هذا بشيء؟). وحين كانت أوكارهم داخل العراق تكتشف وتفتش، كان هناك كتاب واحد لا تخلو منه: “دليل المجاهد” لكاظم الحائري، الذي برع في فتاوى الاستحلال والانتقام كما برع زميله محمد الصدر في “فقه الفضاء”.

بالنسبة “للطائفة الصدرية” -ولا اقول الحزب او التيار- فحدث ولا حرج. فهي عبارة عن مدرسة للقتلة والمختلين والمتخلفين عقلياً كما اثبت سابقاً (راجع مقالة: الطائفة الصدرية). بالتالي لا علاقة لها بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا حتى بالبشر منتصب القامة.

اما الأحزاب الكردية فهي اساساً أحزاب معادية لوجود العراق كوطن للعراقين، ولطالما استعملوا ورقة الاستقلال عن العراق لابتزاز بغداد سياسياً واقتصادياً. [في الواقع استقلال كردستان أمر مستحيل من الناحية “الجيوسياسية” فالحصول على دولة اراضيها جبلية بدون منفذ بحري ويحيط بها أربع بلدان معادية هو أمر يشبه خنق رقبتك بحبل متين في غرفة منقوصة الاوكسجين. هذا ان تجاوزنا جزئية ان المحافظات الكردية محاطة بدول ذات شأن اقليمي (تركيا-وايران) لن تسمح بحدوث ذلك حتى لو عنى ذلك ادخال جيوش والقيام ببعض المذابح.] ناهيك عن تاريخهم الطويل في العمالة لدول الجوار، فتعاونهم مع دولة معادية للعراق في زمن الشاه ومن ثم الخميني لزعزعة الاستقرار الامر الذي اضطرنا لتوقيع اتفاقية الجزائر فيما يخص حدودنا البحرية مع ايران ومن ثم الانقلاب ومن ثم…احزر ماذا؟ الحرب الايرانية- العراقية.

اما الاحزاب السنية فهي عبارة عن لفيف من الكاولية، القتلة، البعثية السابقون ممن كونوا ثروتهم في عراق ما بعد ٢٠٠٣ ليستغلوها في إدامة التحريض الطائفي. لكن ديمقراطية المحاصصة اضطرت لاستيعابهم تحت حماية امريكية اولاً، من باب حماية الاخر وقبوله سياسياً ومن ثم استوعبتهم الاحزاب الشيعية مجدداً بأوامر ايرانية مباشرة بعد نكسة ٢٠١٤ للمشاركة في عملية “الفرهود السياسي” الذي يتعرض له البلد. فعقدت المصالحة السياسية سريعاً ورجع الهاربون منهم الى بغداد (بعد ان اعلنهم القضاء العراقي مجرمون سابقاً) لتتوقف بعد ذلك سلسلة الاحد الدامي والخميس الدامي في بغداد…مصادفة أليس كذلك؟

عزيزي القارئ، من هذه التركيبة العجيبة والخليط غير المتجانس من الأحزاب التي يجمعها الفرهود السياسي وتقاسم السلطة، يتضح لنا ان العملية السياسية جريمة منظمة والمشاركون فيها مدانون. ولكنك تجادل قائلاً: “اذاً الحل يكمن في استحداث حزب وطني جديد يربح في الانتخابات” [بافتراض انك تعرضت لحادث سير بعد ان صدمت بسيارة يقودها مثقفو الجنس الثالث وكان موضع الضربة في رأسك لدرجة جعلتك تنسى ان التزوير سائد بينهم، وان المفوضية بيدهم، وان الشارع مستقطب لهم. بالتالي فرصة فوزك في الانتخابات تكافىء فرصة إيجاد غابة من الاشجار على سطح القمر].

ولكنك مخطئ مرة أخرى، كيف؟

اولاً لنعرف الحزب، الحزب السياسي: هو مجموعة اشخاص متحالفين مع بعضهم لغرض الاستيلاء على السلطة، تجمعهم افكار ومفاهيم يتعاملون من خلالها مع الواقع.

عندما يسيطر حزب سياسي بشكل كامل على البلد — كما فعلها حزب البعث في ظل نظام ديكتاتوري— فان كمية هائلة من العائدات المالية تتحول لخدمة هيكلية هذا الحزب واتباعه، ولهذا السبب ينضم عدد كبير من الناس للحزب؛ طمعاً في المال والسلطة او تجنباً لتسلط آخرين عليهم في حال فضلوا البقاء كمواطنين عاديين معرضين للقمع في اي لحظة ولأتفه الأسباب.

في حين عندما يسيطر حزب سياسي مع احزاب أخرى على البلد — يفعلها حزب الدعوة الان — فإن تدفق العائدات المالية يقسم بينهم وفق معطيات تتعلق بالثقل السياسي والشعبي. بالتالي فأن هذه العائدات المالية المهمة في استقطاب الناس وحتى تأسيس مليشيات مسلحة للابتزاز السياسي سيحرم منها الحزب الجديد وهو أمر يعني الفشل بلا ريب.

إذا لم تكن لدى الحزب امكانية مالية ولا قدرة على تسليح أتباعه، فقط لأنه يجد المتابعين العزل أكثر فائدة من المسلحين. اذن فقد اختار استراتيجيات أقل فاعلية بدافع اخلاقي، ومن البديهي ان يتفوق عليه حزب أقل اهتماماً بالمبادئ. وعليه فأن حديثك عن تكوين حزب سياسي معادي — ومعظم الناشطين ينامون خارج بيوتهم بعد إحداث تشرين خوفاً من “الصك”— هو امر يشبه وضعك أسماك الكارب الصغيرة في حوض مملوء بأسماك القرش وانتظار أنتصار الكارب على القرش!

يتبع..

دليلك للمعارض: ترياق للفوضى السياسية(١)

(هذه سلسلة من المقالات في الشأن العراقي تعود للكاتب مردوخ. أنقلها هنا بطلب منه وخوفا على المحتوى من الضياع. من هو مردوخ ؟محلل سياسي بدون تحفظات، يرفض كل القوالب الإعلامية المحنطة، ويطمح لربط كل خيوط الفوضى العراقية في نموذج مفهوم. كان التهاوي الفاضح لموجة احتجاجات تشرين دافعا لظهوره، لأنه كشف عن فقر فكري مدقع لدى الأنصار والخصوم معا)

—الجزء الأول

[انا أنتمي الى هذه الجيل، الجيل الذي -على عكس الأجيال السابقة- أتيحت رفاهية الانفتاح على العالم ورؤية ما يحدث وكيف يعيش الناس في مختلف بقاع الأرض، فالمرء لم يعد مضطرًا لمتابعة التلفزيون الحكومي الذي يفتح لساعات محددة تتخللها خطابات الرئيس المثيرة للغثيان. ذلك لان التقنية جعلت من الهاتف المحمول عالم مصغر بين يديك. وبفضل التوسع الاستهلاكي -لا الانتاجي- الذي حدث كنتيجة لرفع الحصار وارتفاع اسعار النفط لأعلى مستوياتها في التاريخ، أزداد الاستيراد واتيحت لنا إمكانية شراء كل شيء تقريبًا. من اين حصلنا على المال؟ حصلنا عليه من حاجة السياسي في المنظومة الديمقراطية الى (رشوة الناس)، من حاجته الى استرضاء الناس، والكلمة السحرية كانت هي “التوظيف الحكومي”

وظيفة في القطاع العام ورواتب لقطاع كبير من الشعب والمقابل هو الصوت الانتخابي والولاء لولي نعمتهم. بعبارة اخرى: المال الذي كان يفترض ان يصرف في اتجاه إنشاء البنى التحتية وتشجيع الاستثمار وتطوير الصناعة المحلية ليكون توسعنا الاقتصادي (انتاجي) يضمن مستقبل الأجيال اللاحقة، صرفه الديمقراطيون في الموازنات التشغيلية، ولأكون اكثر دقة: صرفوه في رشوة الشعب واستقطابه سياسيًا.

ابناء جيلي قضوا مراهقتهم في الألعاب الإلكترونية وسائر وسائل الترفيه، وحصل معظهم على تغذية جيدة مقارنة بمن سبقهم ولهذا كان نموهم الجسدي السريع ظاهرة يسهل ملاحظتها من قبل الآباء. [ اولاد بقامات فارعة، وفتيات بأجساد لم نكن نتوقع انها ممكنة الا في انميات الهنتاي اليابانية]. ولكن لا شيء يدوم اذا لم تتوفر اسباب دوامه -بأستثناء وجه الله وسلالة ال الصدر…لسنا متأكدين من الأولى بصراحة- الرفاه ايضاً زائل! وذلك لان المرء يتقدم في العمر ومسؤولياته تزداد مع هذا التقدم (علاقة طردية). فالواحد منا أدرك ان العالم أوسع من البلايستيشن ومواقع التواصل الاجتماعي، وانه مطالب بشكل او أخر بالحصول على عمل وبالتالي مسكن جديد وزوجة. هنا كانت الصدمة…لا شيء من هذا ممكن يا صاح!

فتوسع البلد الاستهلاكي وصل الى اقصى ما يمكن الى درجة ان الحكومة لا تستطيع دفع الرواتب الى موظفيها -موظفيها في الواقع هم اباء هذا الجيل- من دون ان تأخذ قروض. والوضع الاقتصادي ينهار تحت وطئة أخطاء الماضي المتراكمة وقرارات الحاضر الساذجة. ونظرًا لذلك حصلنا على جيل أكمل حياته الجامعية فَلّم يجد أمامه من شيء سوى السراب. والمحصلة النهائية كانت: قطاع واسع من الشباب الغاضب.

(يقظة)

على عكس أقراني، قضيت بضعة مئات من الساعات في القراءة، عن السياسية، التاريخ، والاقتصاد. في الواقع انا شخص ملل اكثر من مباراة في الدوري العراقي. لكنني في المقابل تعلمت ان الشعور بالغضب مهما كانت دوافعه مبررة واسبابه متوفرة لا يكفي لإحداث التغيير السياسي المطلوب. فالسياسية هي علم وفن -ولعلها أصعب العلوم واجدرها بالفهم وذلك لانها تؤثر على ما سواها من المجالات.

التطلع الى التغيير هو شيء خطير للغاية، فالقول ان هناك خطأ في هيكلية النظام يتطلب منك اولاً وصف هذا الخطأ بدقة، استحداث الوسائل لاصلاحه ومن ثم تقديم البديل المناسب. ولكن ما حدث هو العكس: شاب مسلح بمزيج من الغرور، الإسراف، والتهور، يقدم على مغامرة هائلة لإصلاح السياسية، الاقتصاد، المجتمع. شاب مسلح بافتراضات لا اساس لها من الصحة، افتراضات أطلقتها المؤسسة الدعائية للنظام ورددها “مثقفو الجنس الثالثة” حتى أصبحت مسلمات لا تحتمل النقاش.

عزيزي القارئ، ان قدراً من التحلي بالموضوعية وشيئاً من الحس السليم يشيران الى ضرورة الوقوف على نتائج احتجاجات تشرين الكارثية وتحليلها. فالماضي هو الحاضر الذي يفرق من أجل الفهم. ولكن قبل ذلك ان كنت من المشاركين في الاحتجاج أدعوك الى ترك التفكير بطريقة ثنائية [معي ام ضدي؟]. أننا في هذا الظرف الحساس في احوج ما يكون الى الفهم ذلك لان “العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعدا”

في رأيي المتواضع، الخطوة الأساسية لفهم السياسة العراقية هي بفهم طبيعة النظام. النظام (من نظم ينظم نظما ونظاما) هو: الترتيب والاتساق. لنعرفه ب “طريقة لعمل عدة اشياء او أجزاء في وحدة واحدة.” تعريف بسيط لكن يفي بالغرض الان.

من هذا التعريف يتبين ان وظيفة النظام هي ١) تقليل الإنتروبيا (العشوائية) الناتجة عن التقاء الناس وتضارب مصالحهم الخاصة في التجمعات السكانية ليصبح التعاون ممكناً ومن ثم ٢) رفع الإنتاجية البشرية لأقصى حد ممكن، فالدولة في الاساس نشأت كنتيجة مباشرة لتراكم الفائض من الانتاج الزراعي الذي اضطر المستوطنات الزراعية قديماً في وادي الرافدين لتكوين مراكز ادارية.

ولكن النظر الى النظام العراقي الديمقراطي -تخيله كسيارة- يجعلك تدرك انهُ مصمم بطريقة عكسية. [حيث تزداد العشوائية ومعها التفسخ الاجتماعي الناتج عن كثرة الانتماءات السياسية وبالتالي يصبح الإنتاج (اي نوع من الإنتاج: غير ممكن)] لماذا؟ سأشرح لك هذا بالتفصيل فيما بعد. المهم الان هو انك اطلعت على نصيحة الميكانيكي، بعد ان اخبرك ان المشكلة هي السيارة – النظام نفسه- لا الوقود ولا العجلات ولا حتى الركاب! . [على فرض انك تعيش في منطقة جبلية ومضطر لقطع طريق وعر بشكل يومي للذهاب الى العمل في الوقت المحدد، ولكن بدلاً من ان تقلل سيارتك الصغيرة الزمن المستغرق للوصول العمل تعيقها الصخور الصغيرة عن الحركة وتتعطل فتقضي المزيد من الوقت في محاولة إخراجها واصلاحها]. يا صاح انت بحاجة لسيارة دفع رباعي — نظام جديد.

معرفتك ان العيب في نوعية السيارة، غير المخصصة لهذا النوع من الطرق، يعني على الاقل انك غير مضطر لمحاولة إصلاحها في كل مرة، ولا صرف الجهد، الوقت، والمزيد من المال عليها. اذا فهمت ان العيب هو “النظام الديمقراطي” ذاته لا في الانتخابات ولا اي شيء أخر فقد فهمت نصف “الاشكال السياسي” فالعدو هو النظام كله، والخطأ هو وجوده. هذا الفهم يعني الكثير سياسياً لو ادركه من يدفعون الناس للتظاهر والاحتجاج. “فمحاولتهم تغيير النظام عبر آلياته سواء كان الامر عن طريق الانتخابات او التظاهر تذكرنا بالرجل الذي يحاول حل مشكلة زواجه العاثر ببيع الأريكة التي حدث عليها الزنا”]

الدولة مقابل مجتمع القانون الخاص في مواجهة ازمة كورونا: مقابلة مع هانز هيرمان هوبه

ترجمة: نور الدين كمونة.

توماس جايكوب: استاذ هوبه, انت معروف بنقدك للدولة والمركزية السياسية. ألم يثبت فايروس الكورونا المستجد أن الدول والحكومات المركزية ضرورية للتنظيم والتعامل مع ازمات كهذه؟

هوبه: على العكس تماماً.

ما حدث حقيقةً هو ان العديد من الحكومات المركزية والمنظمات العالمية ( مثل الاتحاد الاوربي ومنظمة الصحة العالمية), حاولوا ان يستغلوا مسألة الوباء الفايروسي لمصلحتهم الخاصة, أي بمعنى لتوسيع نطاق سلطتهم على رعاياهم. اجراءات التعامل مع الوباء كانت مجرد تجربة حول الى أي مدى يمكن تذهب الحكومات في فرض سلطتها. وما حدث في الواقع كان نجاحاً باهراً, الى حد الاعتقال في المنازل, وهذا حقيقةً أمرٌ مرعب.

لكن ما اثبته لنا مجرى الامور, هو ان السلطات المركزية وقراراتهم اقل كفائة مما يتصور الكثيرون, واننا على العكس, بحاجة الى صناع قرار وقرارات أقل مركزية.

الخطر الصادر من الوباء لا يمكن ان يصيب كل مكان وكل شخص بنفس مستوى الخطورة. فالوضع في فرنسا مختلف عن ما هو عليه في المانيا او الكونجو, والظروف في الصين ليست نفسها تلك التي في اليابان. وكذلك في البلدان الاكثر تنوعاً, مستوى الخطر يختلف من منطقة الى اخرى ومن مدينة الى اخرى, اعتماداً على التوزيع الديموغرافي والتنوع الثقافي وطبيعة السكان.

علاوة على ذلك, هنالك طيف واسع من من التقييمات والمقترحات بخصوص ما يجب ومالا يجب يجب فعله وتجنبه في وجه هذا الوباء, وكلٌ من هذه المقترحات مقدم من قبل مختصين وخبراء. ولذلك فان اي اجراء مركزي وعلى مستوى دولة كاملة (دعك من على مستوى العالم) لابعاد الخطر, من خلال منهج وطريقة واحدة يتم تطبيقها في كل مكان, هو اجراء اعتباطي وغير مناسب ابداً.

في ضوء هذا الوضع, كان من الطبيعي ان نرى العديد من القادة والحكام المحليين يسارعون ليكونوا مساهمين في اجراءات مكافحة الوباء. فالخطر المحدق منحهم فرصة للتميز عن ممثلي الحكومة المركزية وتوسيع نطاق سلطتهم وقوتهم. فهم كثيراً ما تجاهلوا وتلاعبوا بالقرارات الصادرة من حكومات المركز بما يتناسب مع مناطقهم الخاصة. وخلال كل هذا ابقوا اعينهم على شاشات التلفاز والرأي العام, على أمل ان يكونوا مؤهلين ليصبحوا دكتاتوريين بسلطة مركزية, مبتدأين مشوارهم بكونهم دكتاتوريين بسلطة محلية.

عدم قابلية صناع قرار الدولة المركزية للاعتراف بان بعض القرارات غير المركزية ساهمت في تحسين الاوضاع, واهمالهم حقيقة ان التعامل بشكل مختلف مع مناطق مختلفة يسمح لنا بالتعلم من الاخطاء؛ خطآن ساهما في ان تكون النتيجة النهائية مروعة. فاجراءات الدولة فاشلة على كل الاصعدة وليس على مستوى الصحة العامة فقط. ففي الحقيقة ان الاحداث الحالية برهنت لنا, ان الدولة قتلت المواطنين او جعلتهم في حال صحي اسوأ من خلال اجراءاتهم الوقائية اكثر مما عالجت.

توماس جيكوب: هل السياسيون ببساطة هم اغبياء؟

هوبه: بالطبع, فالسياسيون كمجموعة لا يملكون المع العقول. و”عمل الخير” الذي يوحد هؤلاء السياسيين, أي بمعنى, ادعائهم بانهم يريدون مصلحة الناس او الانسانية اجمع وتحقيق السعادة والرفاهية من خلال افعالهم, يجب النظر اليه على انه ادعاء مشبوه ابتداءً. لكن السبب الحقيقي في فشل السياسة والسياسيين بشكل عام, وبتعالمهم مع الامراض المعدية بشكل خاص, يقع على مستوى اعمق وهو ذو طبيعية هيكلية.

فالسبب الهيكلي هذا, هو ان صناع القرارات والسياسات, سواء كانوا مركزيين او محليين, لا يملكون ما يخاطرون به عند صناعة قراراتهم وكتابة سياساتهم. فهم متحررون من عواقب القرارات الخاطئة وثمن الخسائر. فهم ليس عليهم ان يفكروا مطولاً بشأن عواقب وتبعات افعالهم, وبدلاً من ذلك يتخذون القرارات بشكل عشوائي وتلقائي, ذلك انهم غير معرضين لتلك التبعات. هذا هو السبب الحقيقي في كون الغباء وادعاء عمل الخير (وبالاخص عندما يكونان مع بعضهما) يمكن ان يشكلا خطراً ويروجان بشكل منهجي لانعدام المسؤولية والتخلي عنها, وللتصرفات الاعتباطية, وجنون العظمة.

لنعد الى الاجراءات بخصوص فايروس الكورونا كمثال.

مالذي يمنع احداً ما, وبوجه مرض معدٍ, من اتخاذ اجراءات صارمة كحظر التواصل والخروج من المنازل, والاعتقالات, واغلاق الشركات واماكن الانتاج والعمل و الخ… اذا لم يكن صاحب هذا القرار لا يملك ما يخسره (على الاقل بشكل مباشر) كنتيجة لقراراته؟

والجواب حقيقة هو ان صناع القرار او موظفي الخدمة المدنية او الحكومية, لا يتقاضون اجوراً نتيجة عمل منتج وحقيقي, وانما اجورهم تستقطع من الضرائب, ولذلك فهم محميون من الخسائر قصيرة ومتوسطة الامد.

لماذا يجب على اي احد ان يقلق بشأن تاثيرات افعاله وعلى مدى بعيد اذا لم يكن ممكناً محاسبته عليها بشكل مباشر؟

فكل ما على احدهم فعله لتبرير قراراته الجريئة والصارمة هو بأن يشير الى عدد قليل من الناس يفترض انهم تجنبوا اصابةً شديدة (او حتى الموت), رغم ان باقي افراد وشرائح المجتمع, صاروا ضحية ازمة اقتصادية وليدة تلك الاجراءات, وهؤلاء بالتالي يمكن ان يموتوا  او يمرضوا بدورهم, ولو بشكل غير مباشر, نتيجة الازمة الاقتصادية.

في الحقيقة , في بادئ الامر يبدو على السياسيين بانهم لا يعلمون اطلاقاً (او لا يريدون ان يعلمون), بأن حسن النية وحده غير كافٍ وان اي عملية انقاذ, لا يمكن ان تكون بلا ثمن. عمليات الانقاذ هذه يتم تقديمها على انه لا بديل لها, فقط لانها يطلق عليها بـ ” عملية انقاذ”. ولكن حينما بدات الاعراض الجانبية لقراراتهم بالظهور, أكدوا للجميع بأنهم كان عليهم الاختيار مابين “الصحة” أو “الاقتصاد”, وعلى اعتبار انم فاعلوا الخير, فصحة وحياة الانسان اسبق واولى بالنسبة لهم من اي اعتبار اقتصادي.

بينما في الواقع لا شرخ او فاصل مابين الاقتصاد وصحة الانسان كما يدعون, فالاقتصاد المزدهر هو الاساس في الحفاظ على صحة الانسان. ولذلك, فالمناطق والناس الاكثر فقراً, هم الاكثر تأثراً باجراءات الحظر (بما في ذلك اعتباراتهم الصحية).

وفي الاخير عندما ظهرت اعراض الاجراءات الدراكونية, حتى الحجة الساذجة “ان كل هذا لانقاذ حياة الناس” لم تعد ذات معنى او اعتبار, والسياسيون بدوا بمظهر المنافقين بعدما كانوا يحاولون ان يكونوا ابطالاً؛ لكنهم اصروا ان كل تلك الخسائر سيتم تعويضها وان تعويضها مسألة وقت, وما هذه التاكيدات الا محاولة يائسة منهم ليكونوا منقذين مرة اخرى. فتمثلت جهودهم بشأن التعويضات من خلال زيادة العرض النقدي, أي انهم صنعوا اوراقاً نقدية من لا شيء, وبنفقة صفرية. اجراء مثل هذا لا يكلف السياسيين شيئاً بالتاكيد, لكنه في الحقيقة  قد زاد من ثمن العرض النقدي, أي أن القوة الشرائية للعملة قد ضعفت؛ اما الديون المستقبلية فازدادت قيمتها وتم التستر عليها وتسديدها يُفرض على غيرهم (socialized).

هذا الاجراء كله يمكن تشبيهه بمن يفتعل حريقاً, ثم يعود مرتدياً زي رجل الاطفاء ليتم الاحتفاء به كمنقذ, الا انه في حالة الاجراءات الحكومية, فثمن البيت الذي تم حرقه يتم توزيعه على الناس بطريقة اشتراكية (socialized).

لكن الامر الاكثر رعباً بخصوص مسألة الكورونا, هو ان الحكومات امكنها ان تفلت بفعلتها الشنيعة هذه. بالطبع كان هناك بعض المقاومة لاجراءات الحظر, وكلما زادت فترة الحظر زادت المقاومة اتجاهه. لكن مع ذلك, فأغلب صناع القرار يتم النظر اليهم على انهم منقذين بدلاً من احتقارهم لكونهم مفتعلي حرائق.

والحكومة وممثليها, استغلوا مخاوف الناس من الاصابة, وساهموا بتهويل هذا الخوف, كل ذلك في سعي منهم لتوسيع نطاق سلطتهم الى حد غير مسبوق, على الاقل في وقت السلم (اي باستثناء اوقات الحروب). أي انهم عطلوا حقوق الملكية, وقوضوا الحريات الشخصية وقيدوا حركة الافراد حتى في داخل منازلهم؛ وكل هذا كان في سبيل الصحة العامة والسيطرة على الوباء.

وبرأيي, فان درجة الخضوع نحو السياسة التي أعرب عنها, لهو أمر مقلق للغاية.

توماس جيكوب: في مجتمع القانون الخاص, كيف يمكن حل مشكلة الوباء من دون تنظيم حكومي؟

هوبه: في مجتمع القانون الخاص, كل الارض, حتى اخر متر مربع منها, هي مملوكة بشكل شخصي. فكل الشقق والمنازل, والطرق, والموانئ, والمطارات, والمصانع, والمدارس, والمستشفيات, الخ… لكل منها مالك خاص. وهذا المالك الخاص, يكون اما فرداً او مجموعة افراد, او جمعية خاصة, ولكل من هؤلاء قواعد وهيكلية تنظيمية وديناميكية صناعة قرار خاصة به.

وهذا يحقق, مقارنة بأي نظام سياسي مركزي, اقصى درجة من اللامركزية في عملية صناعة القرار, وبالتالي اقصى حس ممكن بالمسؤولية اتجاه تلك القرارات. فكل قرار هو خاص بفرد او مجموعة فيما يتعلق بملكيتهم (فقط ملكيتهم الخاصة)؛ وأي خسائر يمكن ان يتعرض لها صاحب القرار نتيجة قرار خاطيء يتحمل تكلفتها هو وحده.

وهذا يعني, فيما يتعلق بمشكلة الوباء, ان السؤال الذي يطرحه على نفسه صاحب الملكية الخاصة: “لمن سأسمح بالدخول؟ ولمن سأمنع؟” بمعىً اكثر دقةً: ان على صاحب الملكية الخاصة (سواء كان فرداً أم مؤسسة) أن يقرر, وبناءً على تقييمه الشخصي لمستوى الخطر بالنسبة الى نفسه والى ملكيته, لمن سيسمح بالوصول او الدخول الى ملكيته, ومتى, وتحت أي ظروف, ومتى ومن سيمنع. وبالأخص في حال كون الملكية الخاصة تجارية, سيكون القرار متضمناً على اجراءات وقائية تسهل وصول الزبائن وفي نفس الوقت تقلل وتقلص من خطر الاصابة المحتمل لأي من الطرفين. والعكس بالعكس, الزبائن سيكون على عاتقهم مسؤولية اتخاذ الاجراءات الاحتياطية لحفظ سلامتهم وتجنب الوصول للأماكن التي يمكن ان تعرضهم لخطر الاصابة. المحصلة النهائية ستكون شبكة معقدة من القرارات الفردية فيما يخص قواعد التواصل والزيارة والتعامل (من دون أي حاجة لتدخل حكومي).

كل مقابلة ولقاء سيحدث بشكل طوعي ونتيجة قرار واعٍ. أي أن أي لقاء سيحدث, يكون اطرافه اخذين بنظر الاعتبار أن الفائدة المستحصلة من هذا اللقاء أعلى درجة من أي خطر محتمل بالاصابة نتيجة اللقاء (benefit / risk ratio).

لذلك, لا يملك أي من الزائر أو المضيف أي حق بدعاوي المسؤولية, ذلك أنهما كلاهما وافقا على احتمال حدوث اصابة نتيجة لقائهما. وخطر وتكاليف الاصابة يتحمله كل طرف وحده. فدعاوى المسؤولية ممكنة فقط في حال ارتكب احد الاطراف الخداع, أي أن يكذب المضيف بشأن اجراءاته الوقائية, أو أن يخالف الزائر القواعد والاجراءات الخاصة بالمكان الذي يزوره.

لكن حتى في حال عدم حدوث اي خداع, لن تكون قرارات كل من الزائر والمضيف خالية من أي ثمن؛ أي يمكن أن تكون الاجراءات الوقائية عديمة النفع (أو أسوأ, تزيد من احتمالية الاصابة), لكن بشرط أن يكون هذا الامر مبرراً.

ففي كل الأحوال, سيكون على الطرفان الاخذ بنظر الاعتبار كل الاحتماليات الممكنة, أي بمعنى: يمكن أن تكون نتيجة لقائهما معاكسة تماماً لما يريدان تحقيقه من لقائهما, وعليهم وحدهم تحمل نتيجة قرارهما الخاطئ. فكل هذه الامور هي ثمن باهض, وهي مسؤولية صاحب القرار, فكيانه الاقتصادي وبيئته الاجتماعية على المحك. وفي هذا الضوء, سيتخذ الفرد قراره بعناية فائقة, وبالأخص فيما يتعلق بملكيته وعلاقاته التي يريد ان يحافظ عليها. سيكون مجبراً على التعلم من اخطائه بشكل سريع وفائق, لتفادي أي تبعات اقتصادية واجتماعية اخرى.

وبهذا نرى, أن لا مركزية القرارات, هي أكثر الطرق كفاءةً لمواجهة الوباء, أو أي مشكلة مشابهة. هذا لأن, وكما أشرنا من قبل, أي خطر يمكن أن يشكله الوباء, يختلف باختلاف المناطق والوقت. وبشكل عام, ليس هناك أي جواب محدد وعلمي وغير مبهم لتقييم مستوى خطورة مرض معدٍ. بدلاً من ذلك, فمسألة تقييم مستوى الخطورة هي مسألة تجريبية, والاجوبة على المسائل التجريبية هي دائماً فرضية وغير مؤكدة؛ وبالتالي فان الجواب يختلف من رأي عالمٍ الى اخر, ومن رأي مجموعة خبراء (علماء دراسة الفايروسات مثلاً) الى اخرى (الاقتصاديون مثلاً), وكذلك تتغير بمرور الوقت وزيادة سعة الملاحظة والتجربة.

وفي هذا الضوء, سيبدو من البديهي أن مسألة صناعة القرار بشأن الاجراءات الوقائية المناسبة, يجب ان تكون بيد صناع قرار محليين, وعلى اطلاع بالظروف المحلية المتعلقة. ومن البديهي أيضاً أن يكون صناع القرار المحليين هؤلاء هم من اصحاب الملكيات الخاصة او تجمعات للمالكين (associations of private owners), لأنهم سيكونون مسؤولين عن قراراتهم وعن مجاميع الخبراء الذين سيصغون اليهم. وهم كذلك سيكون لديهم حافز مباشر للتعلم من اخطائهم او اخطاء الاخرين, أو محاكاة التجارب الناجحة في المناطق الاخرى المشابهة.

ومن الجدير بالذكر أن بيئة صناعة القرار المحلية, تحتوي على عدد معتبر من الاشخاص الكفوئين أكثر مما في غرف البرلمانات وخلف ابواب السياسة, أفضل وأكفأ على كافة الاصعدة: وفرة الخبرة, ومعدلات الذكاء, والنجاح الريادي والمهني, والمؤهلات العلمية, والرزانة والارتكاز في الاداء واتخاذ القرار.

فحينما نتوقع ان حلاً سهلاً وخال من التكاليف والتبعات لمشكلة الوباء, يمكن أن يصدر, دوناً من باقي الناس, من السياسيين وحاشيتهم, اشخاص سيتخذون قرارات بشأن استخدامات الملكية الخاصة, والتحكم بحركة عدد غفير من الأشخاص هم ليسوا على معرفة بهم ولا بظروف بيئتهم المحلية, وهم (أي السياسيون) غير مسؤولين عن نتائج قراراتهم ولا يمكن محاسبتهم, وعلاوة على ذلك فهم ليسوا ذوي ذكاء حاد, حينها نحتاج الى معجزة ليتحقق توقعنا وتاملاتنا هذه.

توماس جيكوب: هل يمكنك ان تعطي لنا مثالاً عن ماذا كان يمكن ان يكون مختلفاً في مجتمع القانون الخاص مقارنة بالمعالجة السياسية الحالية لمسالة الوباء؟ وكيف؟

هوبه: في مجتمع القانون الخاص لم يكن ليحدث الوباء اساساً.

انا هنا لا أدعي بأن الفايروس غير حقيقي أو أنه ليس معدٍ أو خطير. أنا أعني ببساطة, أن خطر الاصبة بفايروس الكورونا منخفض للغاية, وأن اغلب الناس كانوا سينظرون اليه بهذه الطريقة (الاذكياء على وجه الخصوص), وبالتالي ما كان ليحدث اي تغيير جذري في سلوكهم وتصرفاتهم. وفي حال حدوث زيادة في عدد الاصابات او الوفيات (في المستشفيات ودور المسنين وغيرها), فان هذه الزيادة سينظر اليها على انها متغير طبيعي, متعلق بالموسم, أو الطقس, أو المنطقة (اي التي تحدث فيها زيادة في الاصابات/الوفيات), أو انها ظاهرة متقلبة متغيرة بذاتها, كما في حالات تفشي الانفلونزا (حالات الزكام المعهودة) والتي يتعامل معها الفرد باحتياط واجراءات احترازية طبيعية. بعبارة أخرى, أن كل المشاكل والتغيرات المتعلقة بالصحة كان سيتم اعتبارها ضمن المعدل الطبيعي للتغيرات. لم يكن هنالك أي حالة طوارئ, وليس هنالك حتى الان؛ كانت ستستمر الحياة طبيعية كما عهدناها, ولم يكن هنالك أي سبب للذعر او اعلان حالة طوارئ عالمية.

ففي الحقيقة, فان معدلات الوفيات في المانيا, النمسا, أو سويسرا لم ترتفع بشكل ملفت للنظر, أي ان احدنا يتوقع نتيجة الاجراءات الحكومية الصارمة ان هناك ارتفاعاً حادً ومرعباً في عدد الوفيات, لكن ذلك لم يحدث, فاعداد الوفيات لا زالت ضمن معدلات السنين السابقة. وحتى لو افترضنا جدلاً ان معدلات الوفيات هذه السنة فاقت ما سبقها, فليس من الواضح حقاً أن الوباء هو السبب الرئيسي من هذه الزيادة, على سبيل المثال يمكن أن تكون اجراءات الحظر ذاتها هي السبب.

هنا يمكننا ان نستنتج, انه ليس فايروس الكورونا من غيّر العالم, لكن السياسيين استغلوا الفايروس كذريعة لتغيير العالم بما يصب في مصلحتهم.

ان الانفصال التام من مجرى الاحداث الاعتيادي, الذي يحدث حالياً, لا يمكن عزوه الى اي اسباب حقيقية علمية. فلا الحقائق ولا العلم يوفران اساساً لتبرير ما يسوقه السياسيون من “مستوى جديد من الطبيعي” (the new normal) أو “البداية الجديدة” (the great reset). فهذه هي مكائد من قبل السياسيين لزيادة نفوذهم وتوسيع سطوتهم من خلال الاكاذيب والخداع والمعلومات المضللة والدعاية الكاذبة الغير متناهية, كل هذا وعلى نحو غير مسبوق مطلقاً.

اسميها مكائد لأنهم ضخموا من اعداد الوفيات بشكل منهجي, وذلك من خلال اعتبار أية حالة وفاة, هي وفاة نتيجة للاصابة بالفايروس, مادام المتوفى مصاباً وتم تاكيد الاصابة مختبرياً (أي بمعنى, حالة وفاة نتيجة حادث سير, والفحص المختبري أثبت أن المتوفى بسبب حادث السير هو ايضاً مصاب بالفايروس, سيتم تسجيل الوفاة نتيجة للاصابة بالفايروس!), من دون البحث فيما اذا كانت الاصابة هي السبب حقاً.

فالمستشفيات والمدن, استلمت تعويضات مالية لحالات الوفاة نتيجة الاصابة, وبالمقابل لا شيء لقاء الوفيات الأخرى (ولك أن تستنتج ما يمكن ان يحدث نتيجة اجراء كهذا).

كما وأن جميع الاحصائيات الرسمية, تجنبت وضع معدلات الوفيات نتيجة الاصابة بمقارنة مع معدلات الوفيات بشكل عام, لأن ذلك كان سيظهر أن الأرقام باهتة ولا شيء يدعو للتهويل أوالترويع حقاً.

والسلطات كذلك تجنبت بشكل متعمد الابلاغ عن الاضرار المميتة نتيجة اجراءات الحظر, فلا احد يعرف ارقام: من ماتوا لأن المستشفيات قد تم اخلائها تماماً لتستوعب المصابين فقط؛ أو من ارتكبوا الانتحار نتيجة خساراتهم المالية الفادحة؛ أو المسنين الذين ماتوا نتيجة للعزلة والوحدة من بعد فرض منع التواصل.

لكن الخديعة الاكبر كانت في اعادة تعريف مفهوم “الخطر”. بشكل عام, فان الخطر الناتج من الاصابة باي مرض, يكمن في مجموعة الاعراض التي تظهر على الشخص المصاب, أي اذا كان الشخص المصاب لا يُظهر أي اعراض خاصة بالمرض, فلا يوجد حينها ما يمكن تسميته بالخطر.

لكن عوضاً عن ذلك, فالسياسيون قد اعادوا صياغة المفهوم ليكون مبنياً فقط على نتيجة الفحص بدلاً من ظهور الاعراض. فيصبح مقياس الخطر هو عدد المصابين, وكلما اجروا فحوصاً أكثر, كلما وجدوا مصابين أكثر, وهذه الزيادة في اعداد المصابين يتم تهويلها ودقها في الاذهان يوماً بعد يوم وبشكل مستمر.

ان الفحص بحد ذاته لا يمكن الاعتماد عليه بشكل تام, فقد تم تسجيل الكثير من الحالات الموجبة-الكاذبة والسلبية-الكاذبة وبشكل متكرر. لكن الأهم من ذلك هو ان الفحص لا يمتلك أي قيمة تنبؤية فيما يتعلق بتقدم المرض. فأغلبية الناس, ما يقدر ب80% منهم, الذين تظهر نتائج الفحص بانهم مصابين, لا يبدون أي اعراض تذكر, وبحسب معرفتنا الحالية, فان خطر الاصابة منهم يقترب من الصفر, ان لم يكن كذلك. فهوؤلاء الأغلبية, من دون اختبار الفحص, ماكانوا ليعرفوا بأنهم مصابين.

فيما يقدر بـ15% من الاصابات, يتطور المرض الى شكل أكثر خطورة, الى حد ان يكون المصاب طريح الفراش. وفي الـ5% المتبقية من الحالات, يظهر لديهم التهاب تنفسي حاد وخطر, ويحتاجون الى عناية طبية فائقة.

في حال اعتبرنا ارقام واحصائيات مركز مكافحة الامراض (CDC) الامريكي ـــ وهو ممول حكومياً ولا يمكن اعتباره على جانب المشككين ـــ صحيحة وحقيقية, فان هذه الارقام تظهر لنا ان معدلات النجاة من الاصابة بالفايروس تختلف باختلاف عمر المصاب, لكن بشكل عام فان معدل النجاة لكل الاعمار هو معدل عال جداً, والأرقام هي كالتالي:

معدل النجاة للمجموعة العمري 0-19 هو 99.997%

معدل النجاة للمجموعة العمرية 20-49 هو 99.98%

معدل النجاة للمجموعة العمرية 50-69 هو 99.5%

معدل النجاة لمن هم فوق الـ70 هو 94.6%

هذا يعود بنا الى بداية حديثنا؛ أي من الأفراد او الجمعيات في مجتمع القانون الخاص, يمكن ان يرى في هذه الارقام والاحصائيات سبباً سبباً كافياً ووجيهاً لتغيير نمط حياتهم؟ من قد يوقف ويغلق أعماله؟ من قد يمكنه ان يتوقف عن العمل والانتاج او السفر؟ من قد يفرض على نفسه حظراً شاملاً او يمنع نفسه من التواصل او الوصول اليه او الى ملكيته بشكل تام؟

انا اعتقد ان الاجابة على هذه الاسئلة واضحة تماماً.

بناءً على خبرة حقيقية وواقعية, بدلاً من خبرة مبنية على الفحوص المختبرية والتي لا تتوافق مع التجربة الحقيقية للمرض, لأخذنا (كأفراد وجمعيات في مجتمع القانون الخاص) اجراءات اضافية ووقائية بالتأكيد, كما فعلنا سابقاً حينما مررنا بأوبئة الانفلونزا. وبالتأكيد كنا سنولي اهتماماً وحذراً أكبر في التعامل مع المسنين. ومن المحتمل أن مدراء المستشفيات كانوا سيزيدون عدد الأسرة المتاحة؛ وربما تقود ملاحظة أعراض جديدة لا تتطابق مع أي مرض معهود, علماء الفايروسات للتوصل الى فحص خاص. وربما حتى للتوصل الى لقاح, على الرغم من ان هذا احتمال ضعيف, لأن تكلفة انشاء لقاح هي أضعاف الحاجة الفعلية اليه (بناءً على تقييمات مستويات الخطورة).

حقيقة أن ما حدث قد اتخذ منعطفاً غريباً ومختلفاً عن ما شرحنا, ليس سببه الّا طبقة من السياسيين او النخب السياسية, الذين لا يتحملون مسؤولية تبعات وعواقب افعالهم وقراراتهم, وبالتالي يزيدون من محاولتهم في “فعل الخير”, الى حد الرهاب والجنون.

ان رهاب وجنون السياسيين هذا, والذي هو وليد انعدام المسؤولية, قد اظهر نفسه من قبل بشكل آخر. وبناءً على ارقام حكومية رسمية, فقد ابتدع السياسيون “تبريراتٍ علمية” لتدخلاتهم المتزايدة في الشأن الاجتماعي. على سبيل المثال احصائياتهم في المجال الاقتصادي فيما يخص مستوى الدخل, الثروة وتوزيعها, النمو الاقتصادي, الصادرات, والبضائع المستوردة, العرض النقدي, التجارة, التضخم, الأجور, ومستويات العمل والبطالة الخ… كل من هذه الاحصائيات وفرت سبباً للسياسيين للتدخل, فالأرقام أما كانت عالية أكثر مما يجب أو أقل مما يجب, أو كان يجب تسويتها وفق الاجراءات الحكومية المناسبة. دائماً ما كان هنالك شيئ يجب ان يتم تصحيحه. ولا حاجة لنا هنا لتفصيل وشرح الخسائر الناتجة من كل من هذه التدخلات.

ومع ذلك, فان السياسات في ازمة الكورونا تحركت باتجاه جديد. فالسياسيون اكتشفوا ان الاحصائيات والارقام المتعلقة بالمجال الصحي, توفر ذريعةً أقوى للتدخل والاستبداد الحكومي, أفضل بكثير من الاحصائيات الاقتصادية والمالية. وعلى اساس فحص مختبري, نجح السياسيون في دفع حياتنا الاجتماعية نحو الركود التام, والزج بالملايين من الناس في مآزق وصعوبات اقتصادية ومالية واجتماعية؛ وفوق ذلك نجحوا في أن يقدموا أنفسهم كأبطال ومنقذين.

توماس سويل – حذاقته وحكمته

هذه جولة قصيرة بين بعض من السطور التي خطتها أنامل واحد من أعظم اقتصاديي عصرنا

فليس هناك سوى القلة من علماء الاجتماع القادرين على صياغة أفكارهم في مثل هذه التعبيرات اللاذعة التي يطلقها سويل، والذي يُعد واحد من الاقتصاديين العظماء، والذي احتُفي بأفكاره مؤخرًا في كتاب السيرة الذاتية المعنون (المنشق). ومن بين عديد الاقتباسات البارزة التي صدرت عن سويل، اخترنا لكم ما يلي:

  • لقد حرصت على تجنب الاشتباك مع الكليات على مدى الخمسة وثلاثين سنة الماضية، إذ إن الحرم الجامعي يُعد المكان الأكثر تعصبًا في أيامنا هذه.
  • إن أي برنامج تعليمي سيُعد “نجاحًا” على الدوام إذا ما حُكِم عليه بواسطة أولئك المشرفين عليه.
  • كانت هناك مشكلة معرفية متأصلة في ذلك النظام [السوفيتي]. حيث، وباختصار، لم يكن أولئك الذين على رأس السلطة يحوزون على المعرفة، ولم يكن أصحاب المعرفة يحوزن على السلطة.
  • إن الكثير مما يُسمى “بالمشاكل الاجتماعية” ينطوي على حقيقة أن المثقفين لديهم نظريات لا تتناسب مع العالم الواقعي. وانطلاقًا من هذا فإنهم يخلصون إلى أن العالم الواقعي هو المنحرف الذي بحاجة إلى تغيير.
  • هناك الكثير من التوكيدات والاستنتاجات التي رُدِدت مرارًا وتكرارًا، ولكن التكرار لا يُعد بديلًا للحقائق!
  • لقد بدأت يساريًا بالطبع وآمنت كثيرًا بتلك الأشياء. غير أن الشيء الوحيد الذي انتشلني كان اهتمامي بأهمية الحقائق على الدوام.
  • لقد صنعت ما يكفي من الأعداء ليسببون لي المشاكل وما يكفي من الأصدقاء لتخليصي منها.
  • هنالك نصيب مفزع لتحسين صورة السود، ولكنك بحاجة إلى تحسين الواقع وليس الصورة.
  • لم أفكر مطلقًا بأن كوني أسود البشرة يجعل مني سليطًا في المسائل العرقية.. من ثم شرعت بقراءة ما يقوله [المتخصصون] حيث تبين أن أغلبه هراء، من ثم فكرت: “يا إلهي، لقد حان الوقت لنتدخل نحن الهواة لتقويم هذا الأمر”.
  • في جامعة هارفارد، “غالبًا ما تحل الافتراضات المتجعرفة محل الأدلة أو المنطق […] وقد أغاظتني محاولات جماعة هارفارد الجُهال لهضمي، بناء على افتراض أن الشرف الأسمى الذي يمكن أن يمنحوه لي هو السماح لي بأن أصبح مثلهم”.
  • حتّى “وأنا في ذروة اعتناقي الماركسية، كنت قد قرأت ويليام باكلي وإدموند بيرك، لأنني هضمت في المدرسة، ولا سيما في فصل العلوم بالصف التاسع، فكرة الدليل، وأهمية الدليل والحاجة إلى اختباره”.
  • لقد قام المثقفون بإضفاء الطابع الرومانسي على الثقافات التي تركت شعوبها غارقة في الفقر، الجهل، العنف، والوباء والفوضى، في حين وصموا الثقافات التي تصدرت العالم في الرفاهية، التعليم، التطور الطبي، والقانون والنظام. إذ يمنح المثقفون الأشخاص الذين يعانون إعاقة الفقر مزيدًا من الإعاقة للشعور بدور الضحية.
  • لقد رأيت أن العقبات التي تحول دون تقدم السود تنطوي على أكثر من مجرد تمييزهم من قِبل البيض.
  • يزعجني أننا نبدو وكأننا نسعى باستمرار إلى نيل مصادقة ومقبولية البيض – أي شخص أبيض في المجمل، وفي أي مكان.
  • إن الدعوات الجارية لمعاملة [السود] معاملة خاصة هي أحد علامات السلوك الذي يحتاج إلى التغيير وأن مثل هذه المعاملة ستكون عقبة كبيرة أمام التغيير الضروري.
  • ينبغي على الأشخاص الذين كانوا يحاولون لسنوات أن يخبروا الآخرين بأن الزنوج لا يختلفون في الأساس عن أي أحد آخر ألا يغفلوا عن حقيقة أن الزنوج مثل أي شخص آخر يريدون شيئًا مقابل لا شيء.
  • أتساءل أحيانًا عما إذا كان يجب على الأشخاص السود منا ألّا يفكروا في إعلان نوع من العفو الأخلاقي عن البيض المذنبين، فقط حتى لا يستمروا في قول وفعل حماقات لعينة تخلق مزيدًا من المشاكل.
  • إن التشديد على التعليم يروق لي، ولكن في كثير من الأحيان فإن “التعليم” يعني علاقات الطلاب العامة، وهذا محكوم بمدى الإبقاء عليهم سعداء عوضًا عن مقدار ما يتعلمونه.
  • إنه لأمر محزن أن نسمع أفكارًا يروج لها بوصفها “جديدة”! في حين أن استنتاجاتها الأساسية كانت شائعة في الـ 1840 ـنات أو الـ 1790 ـنات – وقد تم تفنيدها بحلول الـ 1920 ـنات.
  • إن الخطاب المتشدد الحالي، والصلاح الذاتي وأسلوب هي أمور قديمة بالنسبة لي على نحو مؤلم. فلقد رأيت نفس الترنيمات، ونفس الإيقاعات، ونفس تقنيات التلاعب بالجماهير.. ورأيت ذات المسيح/ات اللاهثين يقودون سيارات الكاديلاك خاصتهم وتُنشر صورهم في الصحف.
  • يمكنني أن أتذكر أحد زملائي في السكن الجامعي وهو يقول لي إن شيئًا ما فعلته في جامعة هارفارد أغاظ الناس على نحو خاطئ. فقلت له: “لا يمكن إرضاء كل الناس طوال الوقت”. فقال لي: “أنت لا تُرضي أيًا من من الناس في كل الأوقات”.
  • إن ازدواج المعايير في المراتب والدرجات هو سر مفضوح في عديد الجامعات، وهي مسألة وقت فقط قبل أن يصبح سرًا مفضوحًا بين الموظفين أيضًا. يمكن أن يكون السوق قاسيًا في خفض قيمة الدرجات التي لا تعني ما تشير إليه. وينبغي أن يكون جليًا لأي شخص لا يعميه نبله أن ذلك يقلل أيضًا من قيمة الطالب في عين نفسه.
  • مثل عديد الأشياء الأُخرى، يمكن أن تكون دراسات السود نافعة بوصفها مصدر وكارثية بوصفها صنم. إذ لا يمكنها أن تحل محل المهارات الفكرية الأساسية أو أن تبرر الانسحاب من المنافسة مع الطلاب البيض.
  • لقد كنت أقرأ جيمس بالدوين مؤخرًا، وبصراحة لا يمكنني رؤية ما الذي يدور حوله كل هذا الصراخ؟ وهذا يذكرني بطفل كنت أعرفه في المدرسة قال بعض الأشياء الحذقة وكان أسود، وبالتالي فقد كان عبقريًا.
  • يستطيع بالدوين أن يكتب بمهارة ومَلَكة شعرية، سوى أن مواهبه لا تتضمن التفكير التحليلي. باختصار، إنه يتمتع بموهبة جيدة في تلك المناطق التي يوجد فيها إسهاب بالفعل، ويفتقر بشدة إلى الأدوات اللازمة لإحداث تغيير في مشكلة العِرق. إذ يعطي بالدوين محتوى عاطفيًا لأولئك الذين يشعرون كما يشعر هو، ولكن يصعب تخيل أنه بإمكانه تغيير رأي أي شخص.
  • إن إحدى الحقائق الغريبة عن الاقتصاديين الكلاسيكيين هي أن معظمهم كانوا أعضاء ضمن مجموعات الأقليات […] ومهما كانت ثرواتهم الشخصية متفاوتة، فإن هؤلاء الرجال لم يكونوا أبدًا أعضاء كاملي العضوية في التكوين.
  • بوصفي مؤلف لكتب دراسية عن الاقتصاد التمهيدي – أحدهم مليء بالمخططات والرسوم البيانية والآخر بدون أي منهما – فإني أعرف من التجربة أن الطريقة الثاني هي أصعب بكثير في الكتابة.
  • إن السؤال الأكثر أهمية ليس ما هو الأفض، ولكن [من] الذي يقرر ما هو أفضل؟
  • لا يُكافأ المثقف على سعيه نحو الحقيقة بقدر ما يُكافأ على استعراض قدرته العقلية.
  • المزيد من العدالة للجميع هو تناقض فثي المصطلحات.. “المزيد” من العدالة في مثل هذا العالم تعني المزيد من الفرض القسري لنوع معين من العدالة – مما يعني حرية أقل. لذا فالعدالة المُثلى في مثل هذا السياق تعني الاستبدادية المُثلى.
  • لقد استمر انتشار السلطة السياسية القومية في كل ركن وزاوية عبر حملات من أجل “عدالة اجتماعية” أكبر.
  • إن الأمر لا يعود لميكافيللي أو أفلاطون أو أي شخص بينهما ليتمكنوا من فرض حكمتهم الفائقة على الآخرين. ذلك لأن الإجراءات المنهجية في الساحة التجارية تجعل تدخلاتهم في كثير من الحالات غير ضرورية، وفي حالات أُخرى ضارة على نحو سلبي.
  • لدي ثقة في ما يمكن أن يفعله السود إذا أُتيحت لهم الفرصة تفوق ثقة الأشخاص الآخرين، والذين يعتقدون أن السود يجب أن يُقادون باليد أو أن تعطيهم الحكومة شيء ما على نحو مباشر.
  • إن أعظم ما أنجزته منظمات الحقوق المدنية هو إبعاد الحكومة عن إسناد السود […] فعندما حاولوا جعل الحكومة تلعب دورًا إيجابيًا، كما يُسمى، كان هذا هو المكان الذي لم يفشلوا فيه وحسب بل خرجوا بنتائج عكسية.
  • إن ما يفعله نظام الرعاية الاجتماعية وما شاكل من البرامج الحكومية هو دفع الناس للفشل. وبقدر ما يفشلون فإنهم يتلقون المال. وبقدر نجاحهم، حتى إلى حد معتدل، تؤخذ منهم الأموال.
  • لم أتمكن من العثور على دولة واحدة في العالم أدت فيها السياسات التي تدافع عن السود كما في الولايات المتحدة إلى انتشال أي شخص من براثن الفقر.
  • عندما تريد أن تساعد الناس فأنت تخبرهم بالحقيقة، وعندما تريد مساعدة نفسك فأنت تخبرهم ما يودون سماعه.
  • قد يُنظَر إلى مداخيل اليهود التي تأتي أعلى بكثير من ذوي الأصول الأسبانية في الولايات المتحدة بوصفها دليل على أن معاداة اللاتينيين أقوى من معاداة السامية إذا ما اتبع المرء منطق رؤية الحقوق المدنية. سوى أن هذا التفسير أُضعِف إلى حد كبير بسبب الرخاء الأكبر لليهود مقارنة باللاتينيين في البلدان اللاتينية.
  • إن “الأهمية التاريخية لحقبة الحقوق المدنية تتمثل في كونها أكملت الثورية الأمريكية بجعلها تنطبق على جميع الناس”.
  • بالنسبة للكثيرين، فإن “التمييز” و “العنصرية” ليستا حقائق جزئية بل حقائق كاملة، ليست مجرد أشياء لتُعارَض بل تفسيرات للتشبث بها، مثل غطاء أمني.
  • يدعو التمييز الإيجابي إلى التشكيك في كفاءة جميع السود من خلال محتاولة مساعدة بعض السود!
  • بعد أن أُجبِرت بالولادة أن أكون على الطرف المتعرض للتمييز لسنوات عديدة، فليس باستطاعتي أن أجد البراعة اللازمة لتبرير التمييز الآن […] وإذا اختزلت هذه القضية الآن إلى سؤال عملي حول من الذي يُنطَح ثوره، فما هو الحق الذي أمتلكه لأكون ساخطًا من قبل؟
  • عندما كان بيل ألين رئيسًا لمجلس إدارة جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس رفض بعنف تعيين أي شخص على أساس المحاصصة العرقية – وبالتالي فقد مكنّني من القدوم إلى هناك بعد عام ورأسي مرفوعًا.
  • قد يكون التجدد الأخلاقي للبيض مشروعًا مثيرًا للاهتمام، لكنني لست متأكدًا من امتلاكنا الكثير من الوقت لتجنبه.
  • أتذكر أنني كنت أفكر بأنني آمل أنه في غضون 20 عامًا لن أضطر إلى أن أكون أحد الأشخاص الذين يقولون كل هذه الأشياء، وأتقبل الصيحات والصرخات وما إلى ذلك، لأنه سيكون هناك مجموعة من الناس الجدد، وأملت بأن يكونوا أكثر شيوعًا. غير إن هذا لم يحدث.
  • إن احترام الذات هو الشيء الأكثر أهمية. فمن دونه يكون تزلف العالم أجوفًا. ومعه، فحتى الهجمات السامة تشبه مرور الماء من على ظهر البط.

ترجمة: غسان مازن.

حقوق المقال الأصلي محفوظة لموقع ناشيونال ريفيو: https://www.nationalreview.com/

من مقدمة حيدر راشد لكتاب “ضد الديمقراطية والمساواة” لتوميسلاف سونيتش

يزداد الأمر تعقيدا حين نركز على الملكات العقلية للشعوب العربية، التي عاشت في سبات مزمن منذ هزيمة المعتزلة وأهل التأويل وحتى القرن العشرين، الذي اضطرها فجأة لتأسيس دول عصرية (ولو شكليا) والتصدي للأزمات الراهنة بكل ما فيها من تشابك.

ولكن أنى للتفكير المجرد والمادي أن يعمل بعد قرون من السبات المفروض دينيا؟ من البديهي جدا أن تتحرك هذه الشعوب بمنطق رد الفعل دون سواه، وتتعامل مع الأجنبي الدخيل لا بوصفه شريكا محتملا بل عدوا لا شك فيه. وقد نشط ذلك الشعور في السياسة العربية لدرجة أدت بالكثير من الشعوب العربية للارتماء في أحضان الاتحاد السوفيتي (الشيوعي الملحد) لأنه كان يعدها بهزيمة ‹الاستعمار› الغربي المسيحي، الذي فتح عيونها لأول مرة على إمكانات لا تحصى للرفاه في الحياة والحضارة، وما يزال الكثير من أبنائها ينفقون الغالي والنفيس للوصول إلى شواطئه أو مطاراته، متجاهلين عواصم الصمود والممانعة مثل كوبا أو فنزويلا.

من بعد استنفاد الحركة الشيوعية لهزيمها وزخمها، وتهاوي نفوذها وانطفاء جذوتها، لم يكن من العجيب أن نرى الكثير من المثقفين ‹الطليعيين› في بلداننا يتقافزون نحو الجهة الأخرى من الخط السياسي ويصبحون أنصارا مستميتين للنيوليبرالية دون أدنى نقاش، لأن غرائزهم الحساسة للمكاسب الاجتماعية والسياسية أدركت أن الأمر يحتاج لتغيير الجلدة لا أكثر، أما الجوهر فسيظل كما هو. يقول ريشارد ليغوتكو، الفيلسوف والبرلماني البولندي، في وصف هذه الظاهرة:

«لقد رحبت النخبة السياسية البولندية المتشكلة حديثا بالشيوعيين في لفتة من الضيافة اللافتة لأسباب تكتيكية جزئيا (لئلا يتركوا جمعا كبيرا من الناس خارج النظام)، ولأسباب إيديولوجية غير يسيرة أيضا: فقد توقعوا أنهم عقب بعض الرتوش الخفيفة ووجودهم في ظروف جديدة، فسيصبح الشيوعيون لاعبين أوفياء ومتحمسين في اللعبة الليبرا-ديمقراطية. وسرعان ما تأكدت من أن هذا الافتراض الإيديولوجي حقيقة. وبالفعل، فعقب بعض الرتوش الخفيفة ووجودهم في ظروف جديدة، فقد تكيف الأعضاء السابقون في الحزب الشيوعي بشكل كامل مع الديمقراطية الليبرالية وآلياتها، ومع تمام التفسير الإيديولوجي الذي رافق هذه الآليات. وسرعان ما انضموا حتى لصفوف حراس العقيدة الجديدة. فنفس الصحف التي أهابت لعقود على صفحاتها الأولى بعمال العالم أن يتحدوا، بدأت بحماس مماثل بالنداء لكل القوى المستنيرة كي تدافع عن الديمقراطية الليبرالية ضد قوى الظلام، بما فيها أعداء الشيوعية.

هذا الدفاع الشرس عن الشيوعيين الذين امتصهم النظام الجديد، والهجمات العنيفة ضد من انطووا على رأي غير متحمس تجاه انضمامهم، قاد العديد للاعتقاد بأن ذلك كان فعلا ضرورة أخلاقية للعصر الجديد. فالشيوعيون الذين استحالوا إلى ديمقراطيين ليبراليين باتوا يعتبرون شركاء أوفياء في مهمة خلق نظام جديد، والحلف معهم بات يسمى عقدا صانعا لعصره، يشابه في تاريخ بولندا تأسيس الجمهورية في تاريخ الولايات المتحدة. ومن هنا جاء الرد الغاضب غير المفهوم ضد ضعفاء الإيمان أمثالي، الذين شككوا في المصداقية الأخلاقية والسياسية لأولئك الشركاء المنضمين حديثا. ولا يزال مستمرا. من الأعراض اللافتة في تاريخ المجتمعات البعد-شيوعية، أن أعظم الهجمات الحاقدة صحفيا وسياسيا وجهت ضد من أضمروا شكوكا حول منح الشيوعيين حصانة أولاً، وامتيازات ثانياً.»

ولم يعد يستغرب أيضا أن نجد بين الشباب العربي من يدافع عن ‹المساواة› و ‹حقوق الأقليات› وغيرها من اللافتات الليبرالية، بنفس الحماسة التي كان يندد بها آباؤهم أو أجدادهم اليساريون ‹بالعدوان الأميركي على كوبا› و ‹الحرب الظالمة في فيتنام›! ولكن بعد ثلاثة عقود على استتباب الساحة للمعسكر الليبرالي، ورؤية المآزق الاقتصادية والاجتماعية التي أفضت إليها سيطرته المطلقة (كأزمات السكان وموجات الهجرة في العالم الغربي، وتصاعد الشقاق بين الجنسين وتهاوي معدل الأجور في العالم العربي)، لا بد من طرح سؤال مهم: هل نحن مقيدون بهذين الخيارين لا غير؟

كيف أفسدت ’ما بعد الحداثة‘ مفهوم الحرب

سيف البصري

على مستوى النزاع بين الجموع، فالحرب هي الفيصل؛ وعلى مستوى الأيديولوجيات، تصبح السيطرة على تعريف الحرب وأخلاقياتها بمثابة الانتصار الحقيقي ـ وهنا تحتاج لسلطة رابعة؛ ويفضّل أن تكون عولمية وتؤمن بحقوق الـ … you know the drill.
هيمن على سلطة تعريف العدو وأخلاق الحرب، وستخضع أكثر من ”عدو“ في آن واحد. أي جرّد الحرب من أخلاقياتها الذكورية العنيفة، وستتحول فورًا إلى وسيلة غير مباشرة، تطيل المصيبة، لا تنهيها. وفي عالم ديمقراطي، تصبح الحرب الوسائطية هي طريقة ناجحة لكسب أصوات السذّج. خصوصًا في الشرق الأوسط.

أكتب هذا المقال ونحن في الشهر الخامس من العام الثاني بعد كورونا. وأفترض أن بعضكم قد لبّى نداء التعاضد الاجتماعي وبقي في بيته، في وقت يمرّ فيه الاقتصاد العالمي بركود يقتل حرفيًا. طبعًا هنا لا أقارن وفاة الملايين من الأطفال تحت سن الخامسة بسبب الجوع والفقر وانقطاع المساعدات ببشاعة كورونا وعدد وفياته فوق الـ 3 مليون من كبار السن..

لكن يا ترى، كيف سيبقى المواطن الصالح في بيته وهو معرّض لقصف مستمر بصواريخ أرض ـ أرض، على أرض ملعونة أصلًا؟

”stay the fuck home“ بسبب فشل القبّة الحديدية، أم أن خطر الفايروس أكبر على أعداد البشر هناك؟ تابع الأرقام وقارنها، من باب الإثارة..
وماذا عن الحرب وسط جائحة تصيب الجميع دون استثناء؟ من المذنب وكيف نصف العدو كي نبرر الحرب؟ ما هي اللغة المناسبة لكسب الحرب قبل أن تبدأ؟
فكما تعلم، تحتاج الحروب اليوم لنيل رضا الإعلام العالمي وكسب استحسان الرأي العام قبل كل شيء؛ فسبب الحرب نفسه لم يعد مهمًا أو كافيًا. يكفي أن نفترض المجهول ونجيد تسويقه بالعواطف، كما قال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق رامسفيلد، بضعة أشهر قبل حرب العراق ”There are known knowns … But there are also unknown unknowns“.

وكما تلاحظ، فإن تفاقم الوضع في الشرق الأوسط ـ يا لها من مفاجأة ـ جعلني أتتبعّ ردود الأفعال بدل الأفعال والأحداث نفسها، ولسبب بسيط: إنه الفضول!
الفضول بمراقبة حالة النشاز الإدراكي وردود الأفعال التي ستصدر من عقلية المتعولم وهو يحاول استيعاب الحرب وشرعيتها في ظل هذه الجائحة. ومن هنا تذكّرت أن لتعريف الحرب والأطراف المتنازعة دور مهم في صياغة الفكر في فترات السلام وقبل حدوث أي حرب بين طرفين. الحرب ما قبل الحرب.

كعودي [reactionary]، لا أستطيع المضي قدمًا دون الخروج بتشخيص تاريخي يشرّح تركيبة النظام الأوروبي القائم على حكم القانون الديمقراطي ( ius publicum europaeum democraticum) مبيّنًا آثار التشويه التي وصلت به إلى تركيبته المعاصرة. وتركيزي هنا على ”الأوربي“ نابع من كونه القانون المهيمن والروح العولمية المعاصرة والمؤثّرة على القوانين العالمية، تحت شعار الإنسانوية طبعًا. فحقوق الإنسان والديمقراطية هي قيم تصدّر وتناقش كحقوق مطلقة تنتظر التطبيق فقط وتحظى برعاية أوربية على المستويين، السياسي الدبلوماسي والمالي. وبما أن أوربا قد احتضنت الداء والدواء معًا، يصبح من المعقول والمنطقي أن نتتبّع أبرز الأحداث التاريخية في هذه القارة، صاحبة التأثير الأكبر على الشرق الأوسط.

لكن قبل أن أخوض في تفاصيل هذا التشريح السياسي. دعني أكرر بعض المفاهيم البديهية في اليمين كفلسفة سياسية. في ”الإعادة فائدة“، كما يقول صاحب شركة صناعة لقاحات طبية غير معروف..

قبل اصطياد الماموث

لو حاولنا البحث عن مشتركات في الطبائع والعادات مع أي مجموعة بشرية عاشت قبل 300.000 وحتى قبل 300 عام، سنجد الحرب على رأس القائمة. وربما أقدم بملايين السنين. وأنا أعلم أن مطّ الخط الزمني في رحلتنا هذه نحو ملايين السنين إلى الوراء هو أمر مرهق ومتعب. وإن كان كذلك فعلًا، فربما ستساعدك التحفة الموسيقية لشتراوس An der schönen blauen Donau, Walzer, Op. 314 في الخلفية على هضم بعض هذه السطور، خصوصًا وأننا سنمرّ لاحقًا بالعصور الوسطى.

لكن بما أننا في أجواء ديستوبية كهفية، دعنا نحاول فهم جذور الحرب اجتماعيًا/تطوّريا:
الطبيعة وميكانزم التطوّر يعملان وفق ديناميكية سببية؛ عوامل خلّاقة ومحفّزة مثل الجوع والخوف ستقود حتمًا إلى التغيير والتأقلم. فربما بدأ أسلافنا بالحفر بحثًا عن اليرقات والحشرات، ثم تقدّموا تدريجيًا إلى الاقتيات على الجيفة. ثم طوّروا لاحقًا مذاقًا للحوم وتعلّموا في مرحلة ما استخدام الأسلحة (أحجار، عظام، خشب). ولا أعتقد أنه من الصعب تخيّل أحد أسلافنا المشتركة وهو ينبش الأرض بعظمة ساعد أو ساق شجرة، ثم ينزل عليه الوحي ـ لا آسف، هذا حدث ملايين السنين لاحقًا. وربما قام هذا السلف بالدفاع عن جثث أسقطها مفترس أكبر؟ تدريجيًا، أدرك أن الأشياء التي كانت عديمة الفائدة سابقًا، كالعصي أو العظام، يمكن رميها أو استخدامها بتأثير مميت. ومنذ ذلك الحين ونحن ندافع بأفضل خطّة: الهجوم! ومن في اللحظة ولد الصيّاد في داخلنا..

وهذا انتقال مذهل، برأيي. فعلى الرغم من أن السلاح قد لا يكون الأداة الأولى التي استخدمها أوائل البشر قبل مئات آلاف السنين، إلا أنه يمثل أول نجاح كبير باستخدام الأدوات. فمن هنا تحوّل هذا القرد الصغير إلى كائن  خطر جدًا. وبمجرّد أن بدأ بالصيد، انتقل بسرعة كبيرة إلى لعبة أكبر وأخطر، وبالتالي إلى صيد فرائس تفوقه حجمًا بأضعاف. ولا نستغرب عندما يخبرنا بعض علماء الأنثروبولوجيا أنهم قد لاحظوا آثارا لضربات بأدوات حادة على العديد من الجماجم المكسورة لبقايا أسترالوبيثكوس، مما يشير إلى أنهم قد استخدموا العنف وبحماسة ضد بعضهم البعض.


قد تحلل العقلية النمطية المسالمة هذا السلوك من باب الهمجية الحيوانية (وكأننا لم نعد كذلك)؛ وهو تفسير غريب لو تمعّنت فيه لوهلة: فالعنف هنا فضيلة خلّاقة، لولاه لما أشبعنا بطوننا، ولما حافظنا على بعض اللحوم لأطفالنا ليتجاوزوا جوع اليوم، ولما حافظنا على أرواحنا أصلًا، أو تمكّنا من التعاضد على بناء الأسوار والجدران والتعاون داخل المجموعة. بل أن وجودك اليوم نفسه هو ثمار هذه ”الفضيلة“.

ثم أسأل، أين هي الهمجية في فن البقاء بأي ثمن وتحت أشرس الظروف؟ أنا يمكن أن أصدم البعض وأقول أن العنف هذا هو النظام بحد ذاته. أي استعادة التوازن في السلسلة الغذائية وضمان استمرار الجينات بشكل متناسق وسط ظروف متقلّبة، طقس بارد قارص، حيوانات مفترسة شرهة ومجاميع أخرى تتربّص بك لتنقض عليك وعلى عائلتك في أول لحظات ضعف. والعنف هنا يعني القوة، لا الهمجية. والغاية من الحرب في نهاية المطاف هي تأمين المساواة والتوازن بين الدول، الدفاع عن النفس، الأرض والعائلة. في نفس الوقت كان استنتاج أبرز العلماء آنذاك مطابقًا إلى حد ما مع الموقف الفلسفي من الحرب.

ومع أني لم أتوقّع كتابة مثل هذه النصيحة يومًا ما، لكنك لو بحثت في آراء الكثير من العلماء القدماء حول مواضيع اجتماعية وسياسية مهمة إلى يومنا هذا ـ في عصر ساد فيه الفضول على عقليتهم بعيدًا عن أضواء الشهرة وفساد التمويل ـ فستجد فيها موضوعية ورصانة أكثر من أغلب تلك المعاصرة اليوم، خصوصًا عندما يمس الموضوع بديهيات عولمية بخصوص الحرب والسلام والتعريف السائد منذ معاهدة ڤرساي. ففي الماضي، كان العلماء لا يزالون يتخذون قرارات بصيرة جيدة، وذلك لأنهم ترعرعوا في ثقافة سبقت فساد العِلم من خلال السلطة.

في كتابه ”أصل الانواع“، حاول داروين إعادة قراءة الحرب من زاوية تطوّرية/اجتماعية. ولو طرحت استنتاجه على عدة مفكرين وأكاديميين معاصرين دون ذكر أسمه، لاتهموه بالتطرّف والهرطقة. الحرب كمحرّك رئيسي للتطور الثقافي؟ ماذا عن حرية الاقتراع والمساواة في كل fuckin’ شيء؟! أتكفر بآلهتنا يا داروين؟

من حسن حظه أنه لا يعيش بيننا اليوم، وإلا لكان قد عانى من ”الكاتدرائية“ مثلما عانى مع الكنيسة من قبل.

داروين لم يفهم الحرب كغريزة مغروسة في الفطرة وعلى وتيرة ثابتة، بل فهمها كسلاح طبيعي كان وسيبقى عرضة للتلاعب والتحسين. في رأيه، تساهم كل بدعة عسكرية إلى حد ما في تقوية العقل الجمعي. وإذا كان الاختراع مهمًا، فإن القبيلة ستزداد أعدادًا وتنتشر وتحل محل القبائل الأخرى وتهيمن على أهم المصادر.


وأنا لا أذكر هذه الأمثلة حتى أبدو وكأنني باحث يعمل في متحف للآثار. لكن مطّ الخط الزمني مع كل قراءة لفهم تطوّر التعقيد الاجتماعي، يجعلك قادرًا على استيعاب التالي، وهو أن العنف والصراع والحرب من أجل البقاء والثروات هي أصل كل شيء نسميه اليوم حضارة. وروح الفضيلة التي تتبلور عن هذا الفعل الجماعي هي ذلك الشعور بالمسؤولية على مستوى جمعي. الطريف بالنسبة لي، هو أن بعض العقول الأكاديمية تخرج باستنتاجات مشابهة، لكن ولسبب أجهله، تتوقّف عقولهم عند الإنسان المعاصر ويتعاملون معه وفق عقليته بمعزل عن تاريخه القديم وغرائزه وفطرة الطبيعة داخله.

لكن من أنا لأحكم؟ فعلى ما يبدو لا تنطبق قوانين الطبيعة على الإنسان في بعض الحالات، كما هو الحال عند تصنيف البشر بين ذكر وأنثى؛ حيث يرى بعضهم الفروقات كبدعة اجتماعية.
أو، كما أتخيّل العالم من داخل عقل سارة سلڤرمان، أن السلف المشترك كان متحوّلًا ts جمع بين صفات الجنسين وبالتالي كان سبب استمرار الجنس البشري؟ And why the fuck not؟ Love always wins…

تعريف الحرب = أخلاق الحرب

لو عدنا لأبعد نقطة في التاريخ المدوّن، سنجد أن الحرب هي الروح الخلّاقة للأحداث في المدن على ضفاف الأنهار، بين أودية الجبال أو على سواحل البحار. الجميع حارب، فيما بينهم وضد الآخرين. لكن من أجل ماذا؟

هذا السؤال مهم لأن الإجابة النمطية والشائعة عليه غير كافية. ولكي نفهم طبيعة المؤسسات التي تبلورت عن هذا التكتل والاختلاط بين البشر، علينا أن نفهم تصوّراتهم البدائية عن الوجود، عن الدين وعن اللغز الأكبر والأشد وقعًا على وعيهم: الموت.
يقول المؤرّخ العودي نوما فوستيل دي كولاچ: ”لكي نفهم مؤسسات القدماء، على المرء أن يمعن النظر في معتقداتهم الأولى“.

المشكلة في مثل هذه الانطلاقات التاريخية، وهذا خطأ أحاول أن أتجاوزه قدر الإمكان، هو أن التاريخ طويل جدًا ولا يمكن لأدمغتنا استيعابه بشكل كامل. وعليه لا بد من الانطلاق من نقطة ما، مدركين في نفس الوقت نسبة اللادقة في هذا التعريف الزمني. الفكرة هنا ـ وهذه نصيحة أكررها على كل من يسألني عن المراحل التاريخية التي تستحق القراءة دون غيرها ـ هي أن تبدأ برسم لوحتك الخاصة عن الخط الزمني للتاريخ؛ فبدونها تضيع وسط شساعته وعمق/تباين تفاصيله! وهذا المثال التالي ـ مستوحى من كتاب الرائع فولر توري (سبق وأن ترجمت منه بعض المقاطع) ـ سيساعدك على تتبع التعقيد الاجتماعي والفكري للإنسان بشكل مقتضب:

لو استقرينا زمنيًا على الفترة قبل 150.000 – 100.000 عام، يمكننا أن نفترض وفق المستحاثات المكتشفة في الكهوف، أن الأصداف التي كانت تستخدم، على ما يبدو، لصنع قلادات زخرفية يلبسها أسلافنا حول رقبتهم، تشير إلى أنهم امتلكوا القدرة المعرفية على التفكير بما قد يفكّر به محيطهم حولهم. وهذه علامة للتطوّر المعرفي.
فاكتساب ذاكرة تستوعب السيرة الذاتية بجانب المهارات المعرفية الأخرى، قاد ربما إلى الثورة الزراعية قبل 11.000 عام. هذا التكتّل الاجتماعي في مكان واحد سمح بدفن الموتى بجانب الأحياء؛ وبالتالي، لن نستغرب من أن فكرة عبادة الأسلاف وتقديسهم قد بدأت بعد هذه المرحلة. فمع زيادة عدد السكان، ظهرت التسلسلات الهرمية للأسلاف بشكل لا لبس فيه. وفي مرحلة ما، ربما بين 10.000 و 7.000 سنة مضت، عبر عدد قليل من الأسلاف المهمين للغاية خطاً غير مرئي وارتقوا قصصيًا لمرحلة أشبه بالآلهة.
قبل 6.500 عام، أي مع بداية التدوين وعندما أصبحت السجلات المكتوبة الأولى متاحة، ازداد عدد الآلهة عبر المجتمعات.

في البداية، تركّزت مسؤولياتهم على القضايا المقدّسة والمحورية في حياة الإنسان القديم: الحياة والموت، وبرأيي الأمر لم يتغيّر كثيرًا.
بطبيعة الحال وفي وقت لم تكن هنالك عائلة بقوة توازي مكانة عائلة تارگاريان (GoT)، أدرك القادة السياسيون فائدة الآلهة وزادوا من تكليفهم بواجبات علمانية أيضًا، مثل إقامة العدل وشن الحرب، وحماية المستضعفين (أو التضحية بهم، كل إله ومزاجه طبعًا)، وطرد الأعداء وحماية الحصيل الزراعي أو الدفاع عنه. ويبدو لي أن مزاج الآلهة في الشرق الأوسط قد تأثّر بدرجات الحرارة العالية في المنطقة. وإلا كيف نبرر غضب كبير الآلهة ورب السماوات والأرض عند السومريين ـ إنليل ـ من البشر ومعاقبتهم بالطوفان، لأن ضجيجهم أزعجه في نومه؟ مع أنني أجد الغرق أكثر رحمة من الغليان في جوهنّم إلى الأبد؛ لو خيّرت طبعًا..

وكما تلاحظ، فإن أخلاق القوم تنعكس على صورة أجدادهم أو آلهتهم؟ لكن ماذا عن أخلاق الحرب؟ أي عادات و سلوك الجماعات والأفراد أثناء الحرب.

أغلب الألواح والمصادر التاريخية في وادي الرافدين، النيل، النهر الأصفر أو نهر السند، تنقل لنا تفاصيلًا عن معارك حدثت عادة من أجل الدفاع عن أو توسيع مصادر الثروة الإنتاجية: المياه والأرض والحيوانات، خصوصًا وأن هذه المجتمعات كانت قائمة على الزراعة بالدرجة الأولى، وهذا ما يجعل الأرض وإمدادات المياه الكافية أمرًا حيويًا لرفاهية مدنهم. حيث قاتل أجدادنا القدماء ـ قبل الأديان التوحيدية ـ من أجل ما هو حيوي وضروري لهم قبل أي دوافع أخرى أقل أهمية مثل التفوّق العرقي أو الحصول على المزيد من الأرض فقط أو الدفاع عن الآلهة نفسها. وعلى ما يبدو ان آلهتهم القديمة كانت غير مهتمة بحرب الفتوحات، حتى جاءت أديان السلام والمحبة وقوس قزح.

ولا تنخدع بالخرائط التاريخية لمساحات الإمبراطوريات وحدودها الطويلة. فالغاية الرئيسية منها هي لتوضيح النفوذ فقط؛ كما ولا يمكن مقارنة الأخير بنفوذ الدولة المعاصرة. في مصر القديمة مثلًا، حكم منتوحوتب الثاني وخلفائه من مدينة طيبة كعاصمة للبلاد ـ أي 800 كم جنوب البحر الأبيض، حيث أقتصر نفوذه على بعض الكيلومترات على ضفاف النيل وبعض الواحات المحيطة.

وحتى عندما وسّع تحتمس الثالث (منتصف الألفية الثانية ق.م.)، أحد أعظم وأشهر فراعنة مصر القديمة، نفوذ الفراعنة نحو الشام وقرب الساحل، فهو كان يقتصر في تأمينه العسكري على طرق التجارة وتأمين وصول الخشب والحجر والبرونز من هناك. انتصاراته العسكرية ومكاسب من لحقه كانت تنتهي عادة ببناء صروح ومعابد تمجّد آمون، لكن في مدنهم، لا في مدن المستعمرات أو المناطق الجديدة. حتى الجدران والخنادق التي كانت تبنى للحماية من الهجمات من الشرق، كانت تبنى على أطراف الدلتا، لا في في صحراء سيناء.

في سومر، لم يكن هناك جيش دائم، رغم أنه ربما كان هناك بعض الجنود المحترفين. وعندما أعلن الملك والكاهن الأكبر ومجلس المدينة الحاجة إلى الحرب، فهم كانوا يدعون جميع المواطنين الذكور والأحرار إلى حمل السلاح.

ليس هذا فحسب، بل كان على كل مواطن إحضار أسلحته الخاصة معه. الأسلحة الشائعة تضمّنت الأقواس والرماح والفؤوس والصولجان والسكاكين وبعض أدوات الزراعة، بينما كانت الدروع الواقية نادرة. فقط الجنود المحترفين يرتدون خوذات من النحاس أو الحديد. ومع أن هذا لا يطابق ما تنقله الصور المنقوشة على الحجر أو المرسومة على الجدران.

تقريبًا لا توجد حرب مذكورة تفاصيلها ومدوّنة تاريخيًا خاضها بشر على سطح هذا الكوكب، بدون تعديلات ومبالغات وفق تصوّرات المنتصر. ومع أن هذا قد يبدو بديهيًا عند البعض، لكن العولمي المعاصر لا يجدها تنطبق على السرد القصصي لما بعد الحرب العالمية الثانية. فنحن نعيش قصة المنتصر ومازلنا داخلها، الكثير منا ينسى ذلك!

حتى أول إمبراطور في العالم، سرجون الأكدي، لم يكن بهذه السذاجة ليوسّع إمبراطوريته دون التفكير بثمن الحفاظ على استقرار مدنه. حيث اقتصر نفوذه على المدن ومحيطها، لا أكثر. ومدة حكمه وحكم حفيده لم تخلو من الانتفاضات والشغب والخيانة داخليًا ـ في النهاية نحن بشر، وهل هنالك لعبة أكثر إثارة من لعبة العرش؟

هنالك ترجمات لقصائد تاريخية عن سرجون ونرام سين، تنقل لنا صورة تؤكّد الغرض الحقيقي من التوسّع الإقليمي. يقال عن هذه السنوات من حكم سرجون على أنها كانت وقت وفرة الطعام والشراب والسلع الخارجية التي جاءت ألى مدينة أكد، ومن بينها “الأفيال الضخمة والقرود وحيوانات من بلاد بعيدة والخيول الكلاب”، وكلهم جابوا، بحسب القصيدة، على طول شوارع أكد. ومع أنه وصف نفسه بفاتح أرض عيلام ومارحاشي، إلا أن جيشه المنظّم بقوام 5.400 محارب لم يكن قادرًا على استيعاب إدارة كل المدن التي انتصر عليها وضمها لإمبراطوريته من أرض عيلام إلى أقصى غرب الفرات. هو عرف كيف يسيطر على المراكز التجارية المهمة؛ وعندما نصّب حاكمًا على مدينة ما لإدارة شؤونها، كان يعيّن شخصًا أكديًا فقط. نفوذه السياسي امتد عبر ثقافات وأديان متعددة، وعندما مجّد نفسه، أقرّ في نفس الوقت بقوة عدوه وبأسه.

حيث خاض ملوك الماضي الحروب وكأنهم يقابلون نظرائهم. حتى نهاية حقبة الساموراي بقيت بعض القيم والأخلاقيات الحربية تمنعهم من غدر العدو وطعنه من الخلف، وإلى فترة ليست بالبعيدة، كانت المواجهة وجهًا لوجه عند أغلب الجيوش هي نوع من استعراض للكرامة والبسالة، رغم قلة العدد أو تضائل فرص الفوز. ومع أن الحروب كانت وحشية وبعنف مباشر لا يقارن بطلقة جندي عن بعد كيلومترات، إلا أنها عرفت النزال الشريف في أشد لحظات الحماس والحقد.

يقول نيتشه: ”إن المساواة مع العدو هي الشرط الأول لنزال شريف، وحيثما يوجد مجال للاحتقار لا يمكن للمرء أن يخوض حربا.“.

كما تلاحظ، فإن التعالي الأخلاقي وفق هذا المفهوم الكلاسيكي يشترط أن ينصف كل طرف الآخر. وإن كان جيش ما يعتبر الحرب من أجل إلهه الأعظم والأكبر مشروعة وواجبة، فهو على الأقل يفاضل بين آلهة وأديان؛ بينما أجد أحقر أنواع المفاضلة هي عند من يحاول احتكار الإنسانية والتظاهر بالعدالة والتفوّق الأخلاقي.

يكتب الجنرال الصيني والفيلسوف صن تسو في ”فن الحرب“:

”إن فن الحرب محكوم بخمسة عوامل ثابتة، يجب أن يتم أخذها بالحسبان عند السعي لمعرفة حالات الفوز بالمعركة. هذه الشروط هي: (1) القانون الأخلاقي (المعنوي)؛ (2) السماء؛ (3) الأرض؛ (4) القائد؛ (5) الطريقة والانضباط. القانون الأخلاقي يجعل الناس في اتفاق كامل مع حاكمهم. لذا سيتبعونه بغض النظر عن أرواحهم، وبدون أية مهابة لأي خطر كان. […] هذه الرؤوس الخمسة يجب أن تكون مألوفة لأي قائد؛ فمن يعرفها سيكون المنتصر، ومن يعرفها لن تطاله الخسارة.“
وهنا تلاحظ أن المنتصر هو من يتقن اللعبة في نزاع عادل، وليس من يكسب الرأي العام أو يهيمن على سلطة تعريف العدو والطعن بهويته. بكلمات أخرى، لا حاجة لسلطة رابعة عندما ينتصر القوي باستحقاق ويحدث التنافس وفق إطار عادل. ويكمل صن تسو:

”من بين الملكين مشبع بالقانون الأخلاقي المعنوي؟ من من بين القائدين يتمتع بالأهلية والقابلية؟ مع من تكمن أفضلية وفوائد السماء والأرض؟ أي جانب لديه الانضباط مفروض بصرامة وقوة؟ أي جيش أقوى؟ أي جانب لديه رجال وضباط مدربون بشكل أكبر؟ أي جيش فيه ثبات أكبر من ناحية المكافئات والعقاب؟ بواسطة هذه الاعتبارات السبعة، يمكنني أن أتنبأ بالربح أو بالخسارة.“

جرّد مفاهيم الحرب من المثاليات، وستخلق حيّزًا يشغله تجّار المعلومات ودعاة المثالية الأخلاقية والإنسانية. فكل تحالف وكل قرار سياسي سيطاوع الرأي العالمي والإقليمي ويحاول كسب عواطف الجموع قبل أن يكسب أي شيء آخر.

ما بعد الحرب العالمية الثانية وإحياء حرب الجهاد الإلهي (الإنساني؟)

كيف أفسدت الحداثة أخلاق الحرب؟
لتشريح المرض وتحديد الفترة الزمنية، لا بد لنا من تحليل تبعات حرب الثلاثين عامًا في أوربا، نهايتها بصلح ڤستفاليا، ثم الحرب العالمية الأولى والثانية وانتصار الحلفاء.

لكن قبل كل شيء: عندما أستخدم فعل ”أفسدت“، فأنا أفضّل بطبيعة الحال جانبًا على آخر ـ أي أخلاق حرب على أخرى، فلسفة قوم على أخرى. ومن هنا أبتعد عن أي موضوعية في الطرح؛ وأنا لست ملزمًا بذلك. ببساطة لأنني لا أسرد التفاصيل، بل أناقش أبعادها الفلسفية السياسية. ولك الحرية بالبحث بنفسك وبناء تصوّرات جديدة.

يرتبط مفهوم العدو في الجيوسياسة إلى حد كبير بأخلاق المجتمع الحربية؛ ولكي يصبح السلام بين الأطراف خيارًا بديلًا عن الحرب، يجب أن يحمل العدو تعريفًا سياسيًا يسمح له بأن يجلس كخصم ونظير على الطاولة؛ حيث لا يمكن صنع السلام إلا مع العدو. وهذا الاعتراف الضمني بالآخر هو شرط مهم لإمكانية تحقيق السلام كمرحلة تلحق الحرب. ولك أن تتخيّل بقعة ملعونة على سطح هذا الكوكب حيث تعيق مشكلة انعدام الاعتراف بالآخر، ولادة أي فرصة للسلام.
المشكلة هنا ليست بالأطراف المتنازعة فقط، بل بانعدام البيئة، أو درجة حراراة العنف اللازمة للخروج بمعدن علماني مسالم؛ لا إنساني ـ لا إبراهيمي.

وقد يستغرب البعض من تصنيفي هذا، وهذا جيّد، لأنك بالتالي تعيد امتحان استنتاجاتك، ولا خسارة في ذلك، أليس كذلك؟
بانعدام البيئة اللازمة أقصد انحسار هذه البقعة زمنيًا وفكريًا بين أخلاق الحرب الجهادية المقدّسة على نهج الإبراهيميات وبين أخلاق الحرب الإنسانوية والدمقرطة؛ أي أننا نجحنا بالخروج بفكر رصين، لكننا أضعناه بسهولة وبسرعة نسبة إلى تاريخ البشر المدوّن. السؤال التالي هو: هل تحتاج المدن لتطهير على طراز نهب ماغديبورغ ولدماء 25 ألف روح قبل أن ترضخ آلهة الحروب لقربان السلام؟ 

أسهم لهيب الموت (أرض ـ أرض) غطّت سماء المدينة وأرضها قبل أن يدخلها جيش الكاثوليك من القرى و المدن المجاورة. ومع أن هذه الدماء لم تكفي رب الكنيستين، إلا أنها كانت كافية لإقناع ساكسونيا وبراندنبورگ بالتحالف مع مملكة السويد لغزو المانيا نفسها. وحيثما وجد مجاهد ما، وجدنا مصطلح الغنائم. فأبشع الأحداث، من نهب واغتصاب وقتل وسرقة، في تاريخ حرب الثلاثين عامًا لم تحدث على ساحة المعارك، بل على أيدي الجنود المنقذين، مجاهدي البروتستانت في قرى لوثرية، ومجاهدي فيرديناند الكاثوليك في مدنهم وعلى أرض الـ Imperium Romanum Sacrum.

فعلى نهج الحرب المقدّسة، يصبح خيار السلام زندقة. وإن رضي البشر، هل سيرضى الإله هو أيضًا؟

حتى 1648، طغت فلسفة الحرب المقدّسة على الحروب التي رسمت قوانين الجيوسياسة الأوربية (res publica christiana). فبعد زوال الحضارة الرومانية، هيمنة الكنيسة بطرفيها البيزنطي والكاثوليكي، ولمئات السنين، على صياغة قوانين الحرب وتعريفاتها. فأعداء الله ملعونين للأبد، في زمن لم يكن فيه السلام بين طرفين سوى استثناء للحرب أو لشراء بعض الوقت.
ومصطلح ”حكم الريبوبليكا كريستيانا“ كان مهمًا في سياق الحملات الصليبية، واستخدم في الوثائق البابوية في القرن الخامس عشر من قبل البابا پيوس الثاني وغيره، والذي تبنّى موقفًا ”إنسانيًا“، واستند إليه في الدعوة إلى حملة صليبية بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح؛ محقق نبوءة محمّد بفتح القسطنطينية (لحظة يتبلل فيها لباس الأخ المسلم من الفرح). لكن هذه الفرحة لن تدوم عندما يقرأ عن خوزقة دراكولا ـ آه نعم، ڤلاد الثالث المخوزق ـ الذي خوزق جنود محمد الفاتح قرب نهر الدانوب. (يصلح كقصة فلم رعب إسلامي ـ مسيحي).


المهم، أن تحاول فهم عقلية الحرب عند الأطراف المتنازعة آنذاك: السلام هنا هدنة مؤقتة حتى يحين موعد القضاء على أعداء الله أو اللورد يسوع. وهذا بدوره يقتل أي بادرة وأي فرصة لسلام طويل الأمد.
لكن ما ميّز صلح ڤيستفالن (من الصدف المميزة في حياتي أنني قد ترعرعت في مدينة الصلح هذه Münster بعد أن ولدت في بغداد) هو أن الأطراف المتنازعة ـ فرنسا، السويد، بوهيميا، إسبانيا، هولندا والإمبراطورية الرومانية المقدّسة ـ كانت تبحث، رغم تباين القوى والمصالح، عن السلام بأي ثمن. إضافة إلى ذلك، تعامل كل طرف مع الآخر على كونه عدوًّا من باب ونظيرًا يجب احترامه من باب آخر. بحكم الظروف البشعة طبعًا؛ فالحرب الطويلة استنزفت كل فنون البشاعة عند الجنود والمدنيين واستهلكت كل موارد القرى والمدن، حتى لم يعد هنالك جنود برواتب ولا فلاحين بحصيل زراعي أو دجاجة تبيض. وكأن الجثث المعلّقة في أشجار كل قرية لم تكن كافية، أكمل الطاعون والجوع على بقية من هرب من الحبال.

هذا التعامل مع العدو كخصم، لا كمجرم أو إرهابي، سمح بولادة العلمانية في قلب الاحتقان الطائفي بين البروتستانت والكاثوليك. والجدير بالذكر أن حرب الثلاثين عامًا لم تكن دينية الدوافع فقط، وهذا ما يؤكّده تحالف الفرنسيين الكاثوليك مع مملكة السويد البروتستانتية. لكن هذا بحث آخر.
التعامل مع الآخر حصل وفق التوافق الدبلوماسي والتعامل باحترام شديد رغم ظروف الحرب. ولم يحاول أي طرف من زج مصطلحات رنّانة كـ”الإنسانية” أو التظاهر بالتعالي الأخلاقي أمام الآخر. ومن هنا كانت النقلة من مرحلة حكم اللاهوت المسيحي إلى مرحلة الدبلوماسية السياسية والحرب المشروعة، لا الشرعية. إنها اللحظة التي تم فيها عزل الإله عن مهمة تحديد ثقافة الحرب وترك المهمة هذه لأبرز العقول العسكرية والمفكّرة في ذلك الوقت.

قانون الشعوب هذا أعاد تهذيب بعض القوانين الحربية فيما يخصّ سلوك الجنود وعنفهم تجاه المدنيين والأسرى، احترام مفهوم الحياد السياسي، تأمين أرواح السفراء والرسل، تنظيم خطوات الاستسلام أو فك الحصار وأخيرًا الجلوس على طاولة الحوار ومناقشة معاهدات السلام. في نفس الوقت، لم يتدخّل إله طرف ما أو أي قوانين دولية أخلاقية بشكل مباشر. فهدف الحرب هذه لم يكن تغيير نظام دولة جارة أو دمقرطتها بأي ثمن، بل التنازع حول الأحقية بموارد أو أراض ما. ولكي تكون حربًا عادلة، لا يجب إعلان الحرب رسميًا فحسب، بل يجب أيضًا إعلانها من قبل السلطة صاحبة السيادة. فالسلطة هي ما يميز الحرب عن القتل: وقواعد الحرب هي التي تميّز الجندي من المجرم. حيث يعامل الجندي على أنه أسير حرب وليس مجرماً. والأخير يمارس واجبه تحت سلطة دولة ذات سيادة، وعليه ولا يمكن تحميلهم المسؤولية الفردية عن الأفعال المرتكبة بأوامر من قيادتهم العسكرية. ومن هنا بدأ مفهوم الدولة وسيادتها يزداد أهمية وتأثيرًا في التاريخ.
بينما تجد مفهوم ”شرطي العالم“، كما هو الحال في عصرنا، لم يكن مرغوبًا ولم يملك مبررات فلسفية/دينية. وهذا ما سمح بترسيخ مفهوم سيادة الدولة أمام الطرف الآخر وأمام الكنيسة نفسها! حيث لم تعد الكنيسة قادرة على تبرير الحرب شرعيًا أو الاكتفاء بحجّة الجهاد الديني. وهذا لوحده طفرة سياسية عظيمة.

وبذلك حرر مفهوم شرعية الحرب ومبرّراتها (jus ad bellum) الذي تبلور عن أحداث حرب الثلاثين عامًا وصلح ڤيستفالن، أخلاق الحرب من هيمنة إله التوحيد. في أوربا على الأقل..

ولأننا كبشر بارعون في تهديم وتضييع الإنجازات الحضارية أكثر من المحافظة عليها، شاءت الظروف أن تخلق هجينًا يهوديــبروتستانيًا بقالب اشتراكي وبقناع إنسانوي جديد. تحديدًا المادة 231 من معاهدة ڤرساي المشؤومة ـ أحدِ أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية. إنها اللحظة التي انتهك فيها مفهوم الـ jus ad bellum ، حيث أرغمت ألمانيا وحلفائها على تحمّل مسؤولية الحرب الكاملة تحت عنوان “انتهاك الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات”. وليس من الغريب أن يتمخّض عن هذه الأحداث تأسيس عصبة الأمم وولادة الشرطي العالمي الذي لا يعامل الدول كأطراف تتحارب وتدخل معاهدات سلام فيما بينها، بل يعامل من يبادر بالحرب، لأي سبب وبغضّ النظر عن شرعيته، كمجرم بحق السلام والإنسانية. ولن نبالغ لو سمّينا عصبة ”الأمم“ هذه بتحالف بريطانيا وفرنسا لجمع الأتاوى؛ بل لو تتبعت أسباب تجاهل معاهدة ڤرساي للشرق الأوسط ورغبة الدولتين بتقسيم غنائم الدولة العثمانية بينهما، ستفهم قصدي جيدًا. مع أن الولايات المتحدة كانت متربّصة للأحداث رغم البعد الجغرافي، آملة بفتح أسواق جديدة لبضائع السوق الأمريكي.

قد يكون من وراء استثناء مستعمرات الشرق الأوسط من التوزيع ضمن إطار معاهدة ڤرساي غاية ”إنسانية“ و”أخلاقية“ فعلًا، لكن الفرضية المعاكسة تبدو لي أكثر واقعية:
فانتقال حيازة مستعمرة من دولة إلى أخرى كانت ستعتبر كتعويضات مادية من قبل ألمانيا والدولة العثمانية، وعليه لن يتوجّب عليهما دفع مبالغ cash كبيرة ومكاسب مادية مهمة، خصوصًا وأنت خارج من حرب عالمية واقتصادك مفلس. الحل لهذه المعضلة بسيط وعبقري: كل ما تحتاجه هو مصطلح “سلام” و”مدينة” يتم فيها اللقاء لاحتضان ”معاهدة”. ومن هنا خرجوا بمعاهدة باريس للسلام ـ تاداااا.

لكن الأبرز من بين كل ذلك هو فكرة الانتداب والتي احتاجت لبعض البهارات السياسية: أبراكادابرا: وها قد ولد ”حق“ تقرير المصير. تحت الانتداب طبعًا.
ولكي يكون الأمر مشروعًا من ناحية القانون الدولي، شكّلت عصبة الأمم لجنة للإشراف على حسن إدارة الدولة المنتدبة. وعليه لم تعد هذه المناطق (بما في ذلك فلسطين وإسرائيل) قابلة للتبادل كتعويض، بل وصارت رهينة لقانون جديد يحكم مصير هذه المناطق ويحدد ”حريّتها في تقرير المصير“ وفق مزاج الانتداب والقانون العالمي.

انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لاحقًا، قضى على أي فرصة لاستعادة التوازن السياسي والحربي وسمح لشرطي العالم الإنسانوي بإحكام قبضته على كل تعريفات الحرب وأخلاقها. واحتكار المنتصر للسلطة تحت قناع الإنسانية تجلّى وبسريالية تاريخية في محاكمات نورمبرغ اللاحقة، متناسين أرواح الملايين من المدنيين الذين ماتوا بنيران وقنابل قوات التحالف.

لكن على ما يبدو، فإن منطق orange man is bad (أو braun/brown man is bad؟) أسهل في التسويق وأشهر بدون منازع..

وبعيدًا عن حروب القرن الماضي: فإن أبشع حروب القرن الحادي والعشرين قد حصلت برعاية الشرطي الكبير وساهمت في إحياء أخلاق الحرب الجهادية مجددًا، حتى صارت واقعًا مخيفًا عشناه بظهور الخرافة الإسلامية في العراق والشام في 2014. من دون ذكر موجات الهجرة وأعداد النازحين والقتلى في الفوضى التي تركتها دمقرطة الدول من قوى السلام والإنسانية.
عارض الرأي العولمي أو اخرج عن إطار نافذة أوڤرتون الدبلوماسية وستتحوّل من دولة ذات سيادة إلى دولة إرهابية/عدوانية. وهذا يجرّدها من السيادة وحق خوض الحرب أو حق الدفاع عن نفسها.

في النهاية، هذه هي لعبة السياسية المعاصرة: and It is a fuckin’ show. لكن أجدادنا وفي فترة ليست بالبعيدة، أجادوا لعبها بشرف وباحترام متبادل..

إعادة الضبط الكبرى، الجزء الرابع : راسمالية أصحاب المصلحة المشتركة .

مايكال ركتينولد كتبه في موقع معهد ميزس

ترجمة و اضافة : محمد المشاري

أي نقاش حول ‘رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة Stakeholder Capitalism’ يجب أن يبدأ بمعرفة ما يناقضها: مثل ‘النيوليبرالية Neoliberalism عدوتها اللدود، رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة غير موجودة على هذا النحو . إذ لا يوجد نظام اقتصادي على شاكلة رأسمالية أصحاب المصلحة، كما لا يوجد نظام اقتصادي على شاكلة النيوليبرالية .

هذه التوائم المتناقضة هي أشباح خيالية تحرض على بعضها البعض في صراع لا نهاية له .

 بدلاً من رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة و النيوليبرالية، هنالك مؤلفون يكتبون عن رأسمالية أصحاب المصلحة و النيوليبرالية، و شركات تؤيد بشكل أو بآخر وجهة النظر القائلة بأن الشركات عليها التزامات تجاه أصحاب المصلحة المشتركة بالإضافة إلى المساهمين .  ولكن إذا كان لـ كلاوس شواب و ‘المنتدى الاقتصادي العالمي weforum.org’ طرقهم النظرية، فستكون هنالك للحكومات لوائح و تهديد بفرض الضرائب المرهقة تحثّ بواسطتها الشركات على الاشتراك في إعادة توزيع أصحاب المصلحة المشتركة .

 ولكن من هم الـ Stakeholders أصحاب المصلحة المشتركة ؟

إنّهم يتكونون من ‘العملاء والموردين والموظفين والمجتمعات المحلية’، جنباً إلى جنب مع المساهمين .

 لكن بالنسبة لـ كلاوس شواب والمنتدى الاقتصادي العالمي، فإنّه يجب عولمة إطار ‘رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة’ . 

بمعنى آخر، أنّ صاحب المصلحة هو أي شخص أو أي مجموعة الأشخاص تستفيد أو تخسر من أي سلوك مؤسسي – بخلاف المنافسين .  

 مثلاً: بسبب الذريعة الأساسية لاعادة الضبط الكبرى هي تغيّر المناخ العالمي، فإنّ أيّ شخص يمكن أن يكون معتبراً من أصحاب المصلحة المشتركة .. و يمكن أن يكون معتبراً في حوكمة الشركات .. في أي شركة كبرى .  

و حينها، يجب التخلي عن الشراكات الفيدرالية مع الشركات التي لا تخدم أصحاب المصلحة المشتركة، مثل مشروع Keystone Pipeline مثلاً .. كما سيتم إدخال “المساواة” العرقية، والترويج لأجندات المتحولين جنسياً، وغيرها من سياسات الهوية والسياسات، في خطط مشاركة الشركات .

اذا كان هناك شيء، فإن رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة هذه تمثل كائناً متطفلاً مستهلكاً تم وضعه لاختراق وتفريغ الشركات من الداخل، إلى الدرجة التي تجد فيها الأيديولوجية والتقاليد مُضيَّفين في الهيئات الاعتبارية .  إنها تمثل وسيلة لتصفية الثروة الاشتراكية من داخل المنظمات الرأسمالية نفسها، باستخدام أي عدد من المعايير لإعادة توزيع الفوائد و ‘العوامل الخارجية’ [عوامل خارجية externalities:  في أي نشاط صناعي أو تجاري، تكون هنالك أحياناً تكلفة أو منفعة يسببها المُنتج، لكن لا يتكبد بسببها أو يتلقّى بسببها مالاً مقابلاً، و يمكن أن تكون العوامل الخارجية إيجابية أو سلبية و يمكن أن تنبع من إنتاج أو استهلاك سلعة أو خدمة] .

 لكن لا تأخذ هذا الكلام بشكل جدّي -والكلام لصاحب المقال- خذ مثلاً ديفيد كامبل، الاشتراكي البريطاني -بالرغم من كونه غير ماركسي- ومؤلف كتاب (فشل الماركسية عام 1996)، بعد إعلان فشل الماركسية، بدأ كامبل في الدعوة إلى رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة كوسيلة لتحقيق الغايات الاشتراكية ذاتها . 

تمثل حجته مع الماركسي البريطاني الأرثوذكسي بادي إيرلند نزاعاً داخلياً عن: أفضل الوسائل لتحقيق الاشتراكية .

 لقد كان كامبل ينتقد أيرلند لرفضه رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة . فـ أيرلند كان يعتقد بشكل خاطئ -كما يرى كامبل- أن رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة مستحيلة في النهاية، إذ ليس هنالك من شيء يمكن أن يتدخل لمدة طويلة مع طلب السوق الذي لا يرحم لأجل الربح .. و سوف تطغى قوى السوق حتماً على أي اعتبارات أخلاقية، مثل مصالح أصحاب المصلحة المشتركة .

 تركت ماركسية أيرلند الأكثر تطرفاً كامبل في حيرة من أمره، أ فلمْ يدرك أيرلند أنّ حتمية السوق الخاصة به كانت بالضبط ما أكده المدافعون عن “النيوليبرالية” على أنها الوسيلة الوحيدة المؤكدة و الحتمية لتوزيع الرفاهية الاجتماعية ؟

 كامبل أكّد بحقّ بأنّ :

“الماركسية يمكن تعريفها بالهزْء من ‘الإصلاح الاجتماعي’ على أنها لا تمثل الثورة، بل تعرقلها حتى!”

إن الاشتراكية ليست شيئاً إن لم تكن حركة يتم بموجبها استبدال (الضرورة الطبيعية المزعومة) التي تمثلها (الضرورات الاقتصادية) بقرارات سياسية واعية بشأن تخصيص الموارد .

يقترح كامبل بأن هذه النوع من الاشتراكية السياسيّة، مقابل عبارات ماركس الأرثوذكسية، هو ما قصده ماركس حقاً بالاشتراكية .. لذا يرى كامبل بأنّ رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة هي مجرد: اشتراكية .

 اتفق أيرلند وكامبل على أن فكرة رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة نفسها مستمدة من الشركات التي أصبحت مستقلة نسبياً عن مساهميها .

 تمت معالجة فكرة الاستقلال الإداري و بالتالي استقلالية الشركة أو الشركة لأول مرة من قبل هذه الأسماء : 

أدولف بيرل و غاردنر مينز في (الشركات الكبرى الحديثة و الملكية الخاصة ١٩٣٢) 

و من بعدهم جيمس ابراهام في (الثورة الإدارية ١٩٦٢) .

في كتابه:

Corporate Governance, Stakeholding, and the Company: Towards a Less Degenerate Capitalism

 ‘حوكمة الشركات الكبرى، الحصص، والشركة : نحو رأسمالية أقل انحطاطاً ؟’ 

يكتب أيرلند عن هذا الاستقلال الذاتي المفترض: 

“إن فكرة الشركة المساهمة متجذرة في استقلالية الشركة عن مساهميها، زعمه أن هذا الاستقلال الذاتي .. يمكن استغلاله للتأكد من أن الشركات لا تعمل حصرياً مع مراعاة مصالح مساهميها”

 يجادل أيرلند بأن هذا الاستقلالية الظاهرة للشركة لم تأتِ من التأسيس أو التغييرات القانونية في هيكل الشركة، بل من نمو الرأسمالية الصناعية على نطاق واسع . أدّى هذا النمو في العدد الهائل للأسهم و معه ظهور سوق الأوراق المالية إلى إمكانية بيع السهم بسهولة . أصبحت الأسهم ‘رأس مال نقدي’، يمكن استبدالها بسهولة بنسبة مئوية من الأرباح، وليست مطالبات على أصول الشركة .  في هذه المرحلة، اكتسبت الأسهم استقلالية واضحة عن الشركة و الشركة عن مساهميها .

 فضلاً عن ذلك فإنه مع ظهور هذا السوق ، طورت الأسهم قيمة مستقلة خاصة بها مستقلة تماماً، و غالباً ما تكون مختلفة عن قيمة أصول الشركة .  نشأَ ‘رأس مال وهمي fictitious capital’ كما سمّاه ماركس، وأعيد تعريفه في القانون كشكل مستقل من الملكية المستقلة عن أصول الشركة .  لم يعد يتم تصور ذلك على أنها مصالح عادلة في ممتلكات الشركة، بل باعتبارها حقوق ربح ذات قيمة خاصة بها، حقوق يمكن شراؤها و بيعها بحرية و سهولة في السوق ..

 عند حصولها على استقلالها عن أصول الشركات، ظهرت الأسهم كأشياء قانونية في حد ذاتها، حيث ضاعفت على ما يبدو رأس مال الشركات المساهمة . أصبحت الأصول الآن مملوكة للشركة والشركة وحدها، إما من خلال شركة، أو في حالة كون الشركات غير المسجلة، فمن خلال الأمناء .  من ناحية أخرى، أصبح رأس مال الشركة غير الملموس ملكية حصرية للمساهم . لقد تحوّلا الآن إلى شكلين منفصلين تماماً للملكية . فضلاً عن ذلك، و مع العرف القانوني للسهم كشكل مستقل تماماً للملكية، تم الانتهاء من إخراج المساهم من الشركة بطريقة لم تكن ممكنة من قبل .

 وهكذا، وفقا لأيرلند، ظهر اختلاف في المصالح بين مالكي رأس المال الصناعي و أصحاب رأس المال النقدي، أو بين الشركة و المساهمين .

 ومع ذلك، يؤكد أيرلند أن استقلالية الشركة محددة بضرورة أن يحقق رأس المال الصناعي ربحاً، و يتم تحديد قيمة الأسهم في النهاية من خلال ربحية أصول الشركة المستخدمة، يقول : 

“إن الشركة ستظل دائماً تجسيداً لرأس المال الصناعي، وعلى هذا النحو، تخضع لمتطلبات الربحية و التراكم . و هذه ليس أمراً مفروضاً من الخارج على كيان محايد بلا اتجاه، بل متأصل فيه، و يقع في صميمها “.  

يجادل بادي أيرلند أن هذه الضرورة تحدد حدود رأسمالية أصحاب المصلحة وعدم قدرتها على الحفاظ على نفسها:

  “إن طبيعة الشركة، لذلك، تشير إلى أن هناك حدود صارمة إلى المدى الذي تكون استقلاليتها عن المساهمين تُستغل لصالح العاملون أو بالطبع لأصحاب المصلحة المشتركة الآخرين”.

 هذه نقطة كان من الممكن أن يوافق عليها الاقتصادي النيوليبرالي ميلتون فريدمان و الماركسي بادي أيرلند، على الرغم من إصرار أيرلند على أن استخراج ‘فائض القيمة’ عند نقطة الإنتاج هو السبب . [فائض القيمة suplus value : و هي فكرة كتب عنها ماركس، وملخصها أن الجهد الزائد المبذول من قبل العمّال المميزين، يمكن أن ينتج فائضاً مالياً يفوق بكثير ما يتقاضوه من أجور، و هذا الجهد وفقاً لماركس يجب أن يعاد توزيعه ليشمل هؤلاء العمّال] . و هذا الاتفاق بين فريدمان  و أيرلند هو بالضبط سبب رفض كامبل حجة إيرلند . 

 كما أكّد كامبل بأنّ حتمية السوق هذه تكون ضرورية فقط في ظل الرأسمالية . و أنّ التنبؤات حول كيفية سلوك الشركات في سياق الأسواق ستكون صالحة فقط في ظل ظروف السوق الحالية .

 إنّ تغيير قواعد الشركة بحيث تتعرض ‘الربحية profitability’ للخطر، وإن كان ذلك، من الداخل إلى الخارج، فإنّه هو تعريف الاشتراكية ذاته . إن تغيير الطريقة التي تتصرف بها الشركات في اتجاه رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة هو أمر ثوري في حد ذاته .

 على الرغم من هذا المأزق النيوليبرالي – الماركسي الذي لا يمكن التغلب عليه، فإن فكرة رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة عمرها خمسون عاماً على الأقل . 

تعود النقاشات حول فعالية رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة إلى الثمانينات، إذ أثارهم رفض فريدمان ‘الشركة الكبرى الحنونة soul full corporation’، و التي وصلت إلى ذروتها مع “الأهمية الاجتماعية للشركة الحديثة” لـ كارل كايسن في عام 1957 . اعتبر كايسن الشركة كمؤسسة اجتماعية يجب أن توازن بين الربحية و ما بين مجموعة واسعة و متنامية من المسؤوليات الاجتماعية، يقول : 

“لا يوجد أي إظهار للجشع أو الاستيعاب؛  لا توجد محاولة لدفع العمال أو المجتمع إلى جزء كبير من التكاليف الاجتماعية للمشروع . الشركة الحديثة هي شركة حنونة .”8

 وهكذا، في رأي كايسن، نرى تلميحات لمفهوم لاحق لرأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة .

 على الأرجح، يمكن تتبَع رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة، وإن لم تكن في خط متتابع غير منقطع، إلى ‘commercial idealism المثالية التجارية’ . في أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين، عندما تصور إدوارد بيلامي و كينغ كامب جيليت، من بين آخرين، يوتوبيا اشتراكية مؤسسيّة عن طريق التأسيس . بالنسبة لمثل هؤلاء الاشتراكيين، كانت الوسيلة الرئيسية لتأسيس الاشتراكية من خلال الدمج المستمر لجميع عوامل الإنتاج. مع التأسيس، ستحدث سلسلة من عمليات الاندماج و الاستحواذ حتى اكتمال تشكيل احتكار عالمي واحد، حيث يكون لكل ‘الشعب’ حصص متساوية .  

أعلن جيليت في كتابه ‘المؤسسة العالمية world corporation’ أنّ :

“العقل المتدرب للأعمال والتمويل لا يرى مكاناً لاستيعاب الشركات و نموها، باستثناء الاستيعاب النهائي لجميع الأصول المادية في العالم في هيئة اعتبارية واحدة، تحت السيطرة التوجيهية لشركة واحدة . إن مثل هذا الاحتكار العالمي الفريد سيصبح اشتراكياً عند التوزيع المتساوي للحصص بين السكان . لا ترقى رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة إلى هذا التوزيع المتساوي للأسهم، لكنّها تلتف حوله من خلال توزيع القيمة بواسطة الضغط الاجتماعي و السياسي .”

 ومن المثير للاهتمام، أن الاشتراكي البريطاني كامبل أنهى حجته بشكل غير دوغماتي، بالقول بشكل لا لبس فيه أنه إذا كان فريدمان على حق و : “إذا كانت هذه المقارنات بين رأسمالية المساهمين وأصحاب المصلحة المشتركة- تميل إلى إظهار تعظيم حصري لقيمة المساهم ليكون الطريقة المثلى لتحقيق أقصى قدر من الرفاهية”، ثم : ‘يجب على المرء أن يتخلى عن كونه اشتراكياً’، إذا كان تعظيم الرفاهية الإنسانية هو الهدف حقاً، وثبت أن ‘رأسمالية المساهمين shareholders capitalism أو النيوليبرالية Neoliberalism’ هي أفضل طريقة لتحقيق ذلك، فإن الاشتراكية نفسها،  بما في ذلك رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة، يجب التخلي عنها بالضرورة .

المقال الاصلي : https://mises.org/wire/great-reset-part-iv-stakeholder-capitalism-vs-neoliberalism

إعادة الضبط الكُبرى، الجزء الثاني: الاشتراكية المتحدة

هذا المقال هو الجزء الثاني من هذه السلسلة، إذا لم تقرأ الجزء الأول بعد يمكنك قراءته من هنا

كما سبق وأن أشرت في المقالة السابقة، فإن إعادة الضبط الكُبرى، فيما لو نجح مهندسوها، فسوف تنطوي على تحولات في جميع مفاصل الحياة تقريبًا. وسوف أكتفي هنا بمناقشة الشؤون الاقتصادية لإعادة الضبط الكُبرى كما روج لها المنتدى الاقتصادي العالمي إضافة للتدابير التي اتُخذت مؤخرًا لتمرير هذه الخطط.

إن الاشتراكية يمكن أن تنقسم إلى جانبين كما سبق وإن اقترح فريدريك هايك في مقالته التمهيدية للتخطيط الاقتصادي الجماعي: الغايات والوسائل.1 والوسائل الاشتراكية هي التخطيط الجماعي، في حين أن الغايات، على الأقل في ظل الاشتراكية البروليتارية، هي الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والتوزيع “العادل” أو “المتساوي” للمنتجات النهائية. وقد اقترح هايك في سياق التمييز بين هذين الجانبين من أجل تنحية مسألة الغايات جانبًا والتركيز على الوسائل، أن التخطيط الجماعي يمكن أن يُكرّس لخدمة غايات أُخرى غير تلك المرتبطة بالاشتراكية البروليتارية: “دكتاتورية أرستقراطية، على سبيل المثال، قد تستخدم نفس الأساليب لتعزيز مصلحة بعض النخب العرقية أو أي نخب أُخرى، أو قد توظَف لخدمة بعض الأغراض الأُخرى المناهضة للمساواة”2. وقد يواجه التخطيط الجماعي مشكلة الحساب أو قد لا يحدث ذلك، فالأمر يعتمد على ما إذا كان سيتم الاحتفاظ بسوق عوامل الإنتاج من عدمه. وإذا ما تم الحفاظ على سوق لعوامل الإنتاج فلن يتم تطبيق مشكلة الحساب بصرامة.

وفي حين لا يهدف المخططون الجماعيون لإعادة الضبط الكُبرى إلى القضاء على الأسواق من أجل عوامل الإنتاج، فإنهم يقصدون بدلًا من ذلك دفع الملكية والسيطرة على أهم عوامل الإنتاج إلى أولئك المدرجين ضمن “رأسمالية المستفيدين”3. وفي الوقت نفسه سوف يتم إرشاد الأنشطة الإنتاجية للمستفيدين المذكورين عبر توجيهات تحالف من الحكومات في إطار مهمة موحدة ومجموعة من السياسات التي من ضمنها على وجه الخصوص تلك التي شرحها المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه.

وفي حين أن أصحاب المصلحة المشتركة لن يكونوا بالضرورة احتكارات بحد ذاتها، فإن هدف المنتدى الاقتصادي العالمي هو ضخ أكبر قدر ممكن من السيطرة على الإنتاج والتوزيع لاتحاد أصحاب المصلحة المشتركة، وذلك بهدف القضاء على المنتجين الذين تُعتبر منتجاتهم أو عملياتهم إما معادية أو غير ضرورية لرغبات العولميين التي تسعى نحو “مستقبل أكثر عدالة وأوسع اخضرار”. وبطبيعة الحال فإن ذلك قد يتضمن قيودًا على الإنتاج والاستهلاك وكذلك منح دور موسع للحكومات من أجل فرض مثل هذه القيود – أو “عودة الحكومة الكبيرة”4 كما ذكر كلاوس شواب في سياق أزمة الكوفيد – كما لو أن الحكومة لم تكن كبيرة ومتنامية طوال الوقت!

يروج كل من شواب والمنتدى الاقتصادي العالمي لرأسمالية أصحاب المصلحة ضد “النيوليبرالية” التي يفترضون استشراءها، والنيوليبرالية هي كلمة مراوغة تشير إلى كل ما يعتبره اليساريون خاطئًا في النظام الاجتما-اقتصادي. إنها تُعَد العدو المشترك لليسار، ولا داعي للقول أن النيوليبرالية التي يعرفها شواب على نحو غير محكم على أنها “بُنية من السياسات والأفكار التي يمكن تعريفها بشكل فضفاض بوصفها تفضيل المنافسة على التضامن، ووتفضيل التدمير الخلاق على التدخل الحكومي وكذا النمو الاقتصادي على الرفاهية الاجتماعية”5 هي مغالطة رجل قش. إن شواب ورفاقه يجعلون من النيوليبرالية مصدرًا لمشاكلنا الاقتصادية، ولكن بقدر ما كانت “مناهضة النيوليبرالية” تلعب دورًا، فإن التفضيل الحكومي للصناعات واللاعبين داخل الصناعات (أو الكوربوقراطية) هو مصدر ما يشجبه شواب وأمثاله وليست التنافسية. ولسوف تُضخِم إعادة الضبط الكُبرى من الكوربوقراطية.

وبالرغم من كل ذلك فإن أهداف المنتدى الاقتصادي العالمي لا ترنو إلى التخطيط لكل مفاصل الإنتاج وبالتالي توجيه جميع الأنشطة الفردية، بل أن الهدف عوضًا عن ذلك هو الحد من إمكانات النشاط الفردي بما في ذلك نشاط المستهلكين – وذلك من خلال تشديد القبضة على الصناعات والمنتجين ضمن الصناعات من الناحية الاقتصادية. إذ “ينبغي على كل بلد، من الولايات المتحدة إلى الصين، أن يتشاطروا هذه المهمة، ويجب أن تتحول كافة الصناعات؛ من النفط والغاز وصولًا للتكنولوجيا”6.

وكما لاحظ هايك: “عندما كان نظام النقابات يبلغ ذروته في العصور الوسطى، وعندما كانت القيود المفروضة على التجارة أكثر مشاعية، لم يتم استخدامها كوسيلة لتوجيه النشاط الفردي”7. وبالمثل، لا تهدف إعادة الضبط الكُبرى إلى تخطيط مشاعي صارم للاقتصاد بقدر ما توصي وتطالب بقيود نيو-إقطاعية من شأنها أن تذهب إلى أبعد من أي شيء منذ عهد العصور الوسطى – أي بخلاف عهد اشتراكية الدولة نفسها. وقد لاحظ هايك في عام 1935 بالفعل إلى أي مدى أدت القيود الاقتصادية لتشويه السوق على النحو الآتي:

من خلال محاولاتنا استخدام الأدوات التقييدية كأداة للتكيف اليومي تقريبًا من أجل التغيير، فربما نكون قد ذهبنا إلى حد متقدم في اتجاه التخطيط المركزي للنشاط الحالي أكثر من أي وقت مضى […] إنه لمن الضروري أن ندرك في أي تحقيق لإمكانيات التخطيط أنه من المغالطة افتراض الرأسمالية على صورتها اليوم بوصفها بديل. ومن الجلي إننا بعيدون عن الرأسمالية في شكلها النقي بقدر ما نبتعد عن أي نظام للتخطيط المركزي، فعالم اليوم هو مجرد فوضى تدخلية.8

فإلى أي مدى إذن سوف تأخذنا إعادة الضبط الكُبرى نحو أنواع من القيود المفروضة في ظل الإقطاع، بما في ذلك الركود الاقتصادي الذي خلفه الإقطاع!

إنني أدعو هذه الإقطاعية الجديدة بـ “الاشتراكية المتحدة” – ذلك ليس فقط لأن الخطاب الذي يكتسب أتباعًا يُستمد من الأيديولوجية الاشتراكية (“الإنصاف” – “المساواة الاقتصادية” – “الصالح الجماعي” – “المصير المشترك” – إلخ…) بل أيضًا لأن الواقع المنشود من ورائها يتمثل بسيطرة احتكارية نافذة على الإنتاج من خلال القضاء على المنتجين غير الملتزمين – أي الميل نحو احتكار الإنتاج الذي يتسم بالاشتراكية. ولن تُضاف هذه التدخلات إلى “الفوضى التدخلية” الواقعة وحسب، بل سوف تفاقم من تشويه الأسواق إلى حد غير مسبوق خارج التخطيط الاشتراكي المركزي في حد ذاته. يمكن للنخب محاولة تحديد متطلبات واحتياجات المستهلكين بشكل مسبق من خلال قصر الإنتاج على السلع والخدمات المقبولة. كما أنهم سوف يحددون الإنتاج ليقتصر على الأنواع التي يمكن يمكن تطويعها بيد الحكومات والمنتجين الذين يشترونها عبر هذا البرنامج. وسوف تدفع اللوائح المضافة المنتجين المتوسطين والصغار إلى ترك الأعمال أو الاتجاه للسوق السوداء، إلى الحد الذي يمكن أن توجد فيه الأسواق السوداء في ظل عملة رقمية ومركزية مصرفية على نطاق أوسع. على هذا النحو، فإن القيود واللوائح سوف تميل إلى نظام طبقي جامد تتصدره الأوليغارشية المتحدة، و “الاشتراكية النافذة بالفعل”9 لمعظم الغالبية السفلى. إلى جانب زيادة ثروة الأقلية، و “المساواة الاقتصادية”، في ظل ظروف متدنية، بما في ذلك الدخل الأساسي الشامل، فيما يخص البقية.



إغلاقات فيروس كورونا، أعمال الشغب، والاشتراكية المتحدة..

لقد دفعتنا كل من عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا، وبدرجة أقل أعمال الشغب اليسارية، إلى الإشتراكية المتحدة. وقد صادف أن إجراءات الإغلاق الصارمة التي أقرها المحافظون ورؤساء البلديات والدمار الذي ارتكبه المشاغبون يقومان بالعمل الذي يريد الإشتراكيون في الشركات الكُبرى مثل المنتدى الاقتصادي العالمي القيام به. وبالإضافة إلى زعزعة استقرار الدولة القومية فإن هذه السياسات والإجراءات تساعد أيضًا على تدمير المشاريع الصغيرة، وبالتالي القضاء على المنافسين.

وكما تشير مؤسسة التعليم الاقتصادي (FEE) فقد تلاقت عمليات الإغلاق وأعمال الشغب إلى درجة أنها مثلت لكمتين متتاليتين أردت الملايين من المشاريع الصغيرة – التي تمثل “العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي”- في جميع أنحاء العالم. كما أشارت (FEE) إلى أن هناك:

7.5 مليون شركة صغيرة في أمريكا تواجه خطر إغلاق أبوابها إلى الأبد. كما أظهر استطلاع جديد أن ما يقرب من نصف أصحاب المشاريع الصغيرة يقولون إنهم سيضطرون لإغلاق مشاريعهم نهائيًا على الرغم من إطلاق القروض الفيدرالية. لقد كانت حصيلة الضحايا شديدة بالفعل، إذ أدت أوامر ’البقاء في المنازل’ في نيويورك وحدها إلى إغلاق تام لأكثر من 100,000 شركة صغيرة.10

وفي الوقت نفسه، وكما لاحظت (FEE) وآخرون، فلا يوجد دليل على أن عمليات الإغلاق قد حققت أي شيء للحد من انتشار الفيروس. وبالمثل، فلا يوجد دليل على أن حركة “حياة السود مهمة” قد حققت أي شيء لمساعدة السود. وإذا كانت حملات (black lives matter) و (Antifa) المشاغبة والمهلكة قد أثبتت أي شيء فليس سوى عدم أهمية حياة السود لأصحاب شعار “حياة السود مهمة”. فبالإضافة إلى قتل السود، تسببت أعمال الشغب التي قام بها أصحاب شعار “حياة السود مهمة” و جماعة “Antifa” بأضرار جسيمة لأعمال السود التجارية و أحيائهم السكنية، وبالتالي حيواتهم.11

وبينما سُحِقت الشركات الصغيرة بواسطة عمليات الإغلاق الصارمة وأعمال الشغب المسعورة، فقد ازدهرت الشركات العملاقة مثل أمازون بشكل لم يسبق له مثيل. فقد لاحظت BBC أن ثلاثة على الأقل من عمالقة التكنولوجيا – أمازون، فيسبوك، و آبل – تمتعوا بمكاسب هائلة خلال فترة الإغلاق12، وهي مكاسب تم تحفيزها إلى حد أقل من خلال أعمال الشغب التي سببت أضرار بالملكيات بلغت تكلفتها ما بين مليار إلى ملياري دولار.13 فخلال الأشهر الثلاثة المنصرمة حتّى شهر يونيو/حزيران “حققت شركة أمازون أرباحًا فصلية بلغت 5.2 مليار دولار (4 مليار باوند) لتكون هي الأكبر منذ تأسيس الشركة في عام 1994، وجاءت تلك الأرباح على الرغم من الإنفاق الضخم على معدات الحماية والإجراءات الأخرى بسبب الفيروس”. كما ارتفعت مبيعات أمازون بنسبة 40% في الأشهر الثلاثة المنصرمة حتّى شهر يونيو.

وحسبما أورد موقع TechCrunch فقد شهد موقع فيسبوك والمنصات التابعة له مثل واتساب و انستغرام زيادة في عدد المستخدمين بنسبة 15% مما أدى إلى زيادة الإيرادات إلى إجمالي 17.74 مليار دولار في الربع الأول من العام.14 وقد ارتفع إجمالي مستخدمي الفيسبوك إلى 3 مليارات في شهر مارس، وهو ما يعادل ثلثي مستخدمي الإنترنت حول العالم، وهو رقم قياسي بالطبع. كما ارتفعت عائدات آبل في نفس الفترة بنسبة فصلية بلغت 11% على أساس سنوي لتصل إلى 59.7 مليار دولار. “وقال متجر وول مارت الذي يُعد أكبر متجر للبيع بالتجزئة في الولايات المتحدة أن أرباحه ارتفعت بنسبة 4% لتصل إلى 3.99 مليار دولار” خلال الربع الأول من عام 2020 كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست.15

لقد تقلص عدد الشركات الصغيرة إلى النصف تقريبًا بسبب عمليات الإغلاق المتعلقة بفيروس كورونا وأعمال الشغب التي قامت بها حركتي Black Lives Matter/Antifa بينما عززت الشركات العملاقة قبضتها على الاقتصاد، فضلًا عن سلطتها على التعبير الفردي على الإنترنت وما وراءه. وبالتالي يبدو أن عمليات الإغلاق والحظر والإغلاق الجزئي المتعلقة بفيروس كورونا وكذلك أعمال الشغب تمثل بالضبط ما خطط له أصحاب إعادة الضبط، على الرغم من أنني لا أدعي هنا أنهم هُم من أمر بافتعالها. ولكنهم على الأرجح انتهزوا الفرصة لاستئصال الأعمال الصغيرة والمتوسطة من الاقتصاد من أجل جعل الإذعان أبسط وأوسع انتشارًا.

في النهاية، فإن عملية إعادة الضبط الكُبرى لا تُمثل سوى حملة دعائية وليس زرًا ما يمكن للأوليغارشية العالمية أن تكبسه متى شاءت – على الرغم من أن المنتدى الاقتصادي العالمي قدّمها على هذا النحو.16 لذا ينبغي مواجهة خططهم بأفكار اقتصادية وإجراءات فردية متضافرة، فالاستجابة المنطقية الوحيدة لإعادة الضبط الكُبرى هي مجابهتها وإدخال وتعزيز المزيد من المنافسة والمطالبة بإعادة فتح الاقتصاد بالكامل تحت أي ثمن. وإذا عنى هذا وجوب اتحاد المنتجين والموزعين الصغار لتحدي مراسيم الدولة فليكن كذلك. كما ينبغي تشكيل جمعيات تجارية جديدة بهدف إحباط عملية إعادة الضبط الكُبرى قبل فوات الأوان.


مايكل ريكتنوولد
ترجمة: غسان مازن

المصادر:

1)F.A. Hayek, “The Nature and History of the Problem,” in N.G. Pierson and F.A. Hayek, Collectivist Economic Planning (London: Routledge and Kegan Paul, 1963), p. 14.

2) المصدر السابق ص 15

3)Klaus Schwab, “What Kind of Capitalism Do We Want?,” Time, Dec. 2, 2019, https://time.com/5742066/klaus-schwab-stakeholder-capitalism-davos/.

4)Klaus Schwab and Thierry Malleret, COVID-19: The Great Reset (n.p.: Forum Publishing, 2020), p. 89.

5) المصدر السابق ص 89

6)Klaus Schwab, “Now Is the Time for a ‘Great Reset,’” World Economic Forum, June 3, 2020, https://www.weforum.org/agenda/2020/06/now-is-the-time-for-a-great-reset/.

7)Hayek, “The Nature and History of the Problem,” p. 23.

8)المصدر السابق ص 23-24

9) ان مصطلح “الاشتراكيةالنافذة بالفعل” هو مصطلح يستخدم لوصف الاشتراكية كما هي مطبقة في الاتحاد السوفيتي أو في أي مكان آخر. وقد أصبح مصطلحًا ازدرائيًا يستخدمه المنشقون في البلدان الاشتراكية على نحو ساخر للإشارة إلى الوضع الذي كانت عليه الحياة حقًا في ظل الاشتراكية وليس في الكتب الشائنة لماركس وأقواله.

10)Jon Miltmore and Dan Sanchez, “America’s Small Business Owners Have Been Horribly Abused during These Riots and Lockdowns. That Will Have Consequences,” Foundation for Economic Education (FEE), June 5, 2020, https://fee.org/articles/america-s-small-business-owners-have-been-horribly-abused-during-these-riots-and-lockdowns-that-will-have-consequences/.

11)Brad Polumbo, “The Lockdowns Crushed Minority-Owned Businesses the Most,” FEE, June 19, 2020, https://fee.org/articles/the-lockdowns-crushed-minority-owned-businesses-the-most/.

12)“Amazon, Facebook and Apple Thriving in Lockdown,” BBC, July 13, 2020, https://www.bbc.com/news/business-53602596.

13)Morgan Phillips, “Damage from Riots across US Will Cost at Least $1B in Claims: Report,” Fox Business, Sept. 16, 2020, https://www.foxbusiness.com/economy/damage-riots-1b-most-expensive.

14)Lucas Matney, “The Lockdown Is Driving People to Facebook,” TechCrunch, Apr. 29, 2020, https://techcrunch.com/2020/04/29/the-quarantine-is-driving-record-usage-growth-at-facebook/?guccounter=1&guce_referrer=aHR0cHM6Ly93d3cuZ29vZ2xlLmNvLnVrLw&guce_referrer_sig=AQAAALTNp94WFsoLLluf02QO6TpUmN8z9bnKOyNIvSvHkDJnDmT0tTyRHwOpH_zK007xQ74ru4.

15)Abha Bhattarai, “Sales Soar at Walmart and Home Depot during the Pandemic, Washington Post, May 19, 2020, https://www.washingtonpost.com/business/2020/05/19/walmart-earnings-economy-coronavirus/.

16)Schwab, “Now Is the Time for a ‘Great Reset.’”



ما هي ’إعادة الضبط الكُبرى’؟ الجزء الأول: انحسار التوقعات والإقطاع البيو-تقني

إن “إعادة الضبط الكُبرى” موجودة في أذهان الجميع سواء كان الجميع يعرف ذلك أم لا، إذ بشّرت بها التدابير التي اتخذتها الدول في جميع أنحاء العالم استجابة لأزمة فيروس covid-19. (وأنا لا أعني هنا ما يسمى بـ ’الوباء’ نفسه حينما أقول أزمة، بل أعني الاستجابات لفيروس جديد يُدعى SARS-2 وتأثير تلك الاستجابات على الظروف الاجتماعية والاقتصادية).


كتب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) ورئيس مجلس إدارته “كلاوس شواب” في كتابه الموسوم بعنوان (COVID-19: The Great Reset) أن أزمة كوفيد-19 يجب أن تُعتبر “فرصة [يمكن اغتنامها] لإجراء نوع من التغييرات المؤسسية والخيارات السياسية التي من شأنها أن تضع الاقتصادات على الطريق نحو مستقبل أكثر عدلًا وأوسع اخضرارًا”1. وعلى الرغم من أن شواب كان يروج لإعادة الضبط الكُبرى على مدى سنوات إلا أنه لم يجد ذريعة لتفعيلها سوى أزمة الفيروس التي جاءت أخيرًا. وفقًا لشواب فلا ينبغي لنا أن نتوقع عودة النظام العالمي لما قبل الكوفيد كما كان عليه، بل يقترح شواب بدلًا من ذلك متأرجحًا بين التفسير والحتمية أن التغييرات سوف تتم، أو يجب أن تتم، عبر مجالات متشابكة ومترابطة لخلق وضع طبيعي جديد.


فما هي إعادة الضبط الكُبرى وما هو النظام الطبيعي الجديد الذي سوف ينتج عنها؟


إن إعادة الضبط الكُبرى تعني خفض الإيرادات واستخدام الكاربون، لكن شواب و المنتدى الاقتصادي يعرفّان أيضًا إعادة الضبط الكبرى من حيث التقارب بين الأنظمة الاقتصادية، النقدية، التكنولوجية، الطبية، الجينومية، البيئية، والعسكرية والحكوماتية. إذ سوف تنطوي عملية إعادة الضبط على تحولات واسعة في كل مجال من هذه المجالات، وهي تغييرات لن تغير عالمنا فحسب كما يقول شواب، بل سوف تقودنا أيضًا إلى “التساؤل عما يعنيه كونك إنسان”2.


فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية والمالية، فإن إعادة الضبط الكُبرى سوف تنطوي على توحيد الثروة من ناحية، وعلى إصدار دخل عالمي شامل (UBI) من ناحية أُخرى3. كما قد تشمل التحول إلى عملة رقمية موحدة4، بما في ذلك تأسيس مركزية موحدة للحسابات المصرفية والبنكية، وفرض ضرائب فورية في الوقت الحالي وأسعار فائدة سلبية، وفرض رقابة مركزية وسيطرة على الإنفاق والديون.


وبما أن كل جانب من جوانب إعادة الضبط الكُبرى يتضمن التكنولوجيا فإن إعادة الضبط الكُبرى سوف تستلزم على وجه التحديد “الثورة الصناعية الرابعة”5 – أو ما بعد الإنسانية التي تشمل التوسع في علم الجينومات والروبوتات والنانو تكنولوجي واختراقها لأجسام وعقول بني البشر. وبالطبع فإن الثورة الصناعية الرابعة تنطوي على فائض من العمالة البشرية في قطاعات متزايدة سوف تحل محلها الأتمتة. علاوة على ذلك، يشيد شواب باستخدام تقنية النانو ومسح الدماغ للتنبؤ بالسلوك البشري واستباقه.


كما أن إعادة الضبط الكُبرى تقضي بإصدار جوازات السفر الطبية التي ستتم رقمنتها عما قريب، بالإضافة إلى كشف شفافية السجلات الطبية الذي سيتضمن التاريخ الطبي والتركيب الجيني والحالات الوبائية/المرضية. بل قد يشمل ذلك زرع رقاقات ميكروية من شأنها أن تقرأ التركيب الجيني وحالات الدماغ وتقدم تقريرًا عنها حيث “حتّى عبور الحدود الدولية قد يتضمن يومًا ما فحصًا تفصيليًا للدماغ لتقييم المخاطر الأمنية للفرد!”6.

وعلى صعيد علم الجينوم فإن إعادة الضبط الكُبرى سوف تتضمن إحراز تقدم في الهندسة الوراثية ودمج علم الوراثة الجينية مع النانو تكنولوجي والروبوتات.

أما على الصعيد العسكري فأن إعادة الضبط الكُبرى تشتمل على إنشاء ساحات قتال جديدة بما فيها الفضاءات الإلكترونية والدماغ البشري بوصفهما ساحة معركة7.

وفيما يتعلق بالحوكمة، فإن إعادة الضبط الكُبرى تنطوي على حكومة و”حوكميات” مركزية منسقة وموسعة بشكل متزايد، ودمج الشركات والدول بما في ذلك الخوارزميات التنبؤية والتتبع الواقعي ومراقبة الأجسام في الفضاء [باستخدام تقنية G5] أو “الحكم استباقيًا” على سلوكيات الإنسان والأنظمة8.


والخلاصة أن “إعادة الضبط الكُبرى” ليست سوى حملة بروباغاندا منسقة تحت عباءة الحتمية وليست مجرد نظرية مؤامرة كما ادعّت صحيفة نيويورك تايمز9، بل أن إعادة الضبط الكُبرى هي محاولة مؤامراتية أو “رؤية تواقة”10 للمخططين الاجتما-اقتصاديين ليصبح لديهم “أصحاب مصالح”11 مشتركين وحكومات تتبنى رغبات المنتدى الاقتصادي العالمي.


ومن أجل تسويق هذه الحزمة بكاملها قام المنتدى الاقتصادي العالمي بتحشيد خطابه الناعم المتمثل في “المساواة الاقتصادية” و “العدالة” و “الدمج” و “المصير المشترك” من بين عبارات منمقة أُخرى12. وإن هذه العبارات مجتمعة تمثل المكون الجماعي والاشتراكي السياسي والأيديولوجي للاشتراكية المتصورة للشركات13 (بما أن الاشتراكية الاقتصادية مستحيلة التطبيق، فإنها دائمًا مسألة سياسية وأيديولوجية).


وسوف أقوم بتحليل آفاق إعادة الضبط الكُبرى في سلسلة من المقالات القادمة، ولكن يكفي أن نقول في الوقت الحالي إن المنتدى الاقتصادي العالمي يتصور نظامًا عالميًا إقطا-بيو-تقني بقيادة مخططيه الاجتما-اقتصاديين و “أصحاب مصالح” مدمجين يتولون قيادة الدفة، حيث يجعلون بذلك الجزء الأكبر من البشرية تحت عبوديتهم. وكما يريد المخططون، فإن السواد الأعظم من البشرية سوف يعيش في ظل ركود اقتصادي من انخفاض التوقعات، مع تقليص استقلالية الفرد إلى حدٍ كبير حتّى يتم القضاء عليها تمامًا. وكما اقترح ميزس، فإن هؤلاء المخططين هُم سلطويون يهدفون إلى استبدال خطط الفاعلين الفرديين بخططهم المركزية الخاصة. وسوف تفشل هذه الخطط في حال تم إطلاقها، ولكن اعتمادها مع ذلك يتطلب ثمنًا.

مايكل ريكتنوود.

ترجمة: غسان مازن.

المصادر:



1’)  Klaus Schwab and Thierry Malleret, COVID-19: The Great Reset (n.p.: Forum Publishing, 2020), p. 57.

2’)  Schwab, Klaus. The Fourth Industrial Revolution (New York: Crown Business, 2017), p. vii.

3’)  Kanni Wignaraja and Balazs Horvath, “Universal Basic Income Is the Answer to the Inequalities Exposed by COVID-19,” World Economic Forum, Apr. 17, 2020, https://www.weforum.org/agenda/2020/04/covid-19-universal-basic-income-social-inequality/.

4’)  “The Fed Explores Possibility of Issuing Digital Currency,” BitIRA, Jan. 9, 2020, https://www.bitira.com/fed-explores-digital-currency/.

5’)  Klaus Schwab, “The Fourth Industrial Revolution: What It Means, How to Respond,” World Economic Forum, Jan. 14, 2016, https://www.weforum.org/agenda/2016/01/the-fourth-industrial-revolution-what-it-means-and-how-to-respond/.

6’)  Klaus Schwab and Nicholas Davis, Shaping the Future of the Fourth Industrial Revolution: A Guide to Building a Better World (New York: Currency, 2018), p. 173.

7’)  Tim Requarth, “This Is Your Brain. This Is Your Brain as a Weapon.,” Foreign Policy, Sept. 9, 2015, https://foreignpolicy.com/2015/09/14/this-is-your-brain-this-is-your-brain-as-a-weapon-darpa-dual-use-neuroscience/.

8’)  Wikipedia, s.v. “Anticipatory Governance,” last modified Apr. 14, 2020, 01:57, https://en.wikipedia.org/wiki/Anticipatory_governance.

9’)  Davey Alba, “The Baseless ‘Great Reset’ Conspiracy Theory Rises Again,” New York Times, Nov. 17, 2020, https://www.nytimes.com/live/2020/11/17/world/covid-19-coronavirus#the-baseless-great-reset-conspiracy-theory-rises-again.

10’)  Alberto Mingardi, “The Great Reset: Between Conspiracy and Wishful Thinking,” Library of Economics and Liberty (Econlib), Dec. 1, 2020, https://www.econlib.org/the-great-reset-between-conspiracy-and-wishful-thinking/.

11’)  “Stakeholder Capitalism: A Manifesto for a Cohesive and Sustainable World,” World Economic Forum Blog, Jan. 14, 2020, https://www.weforum.org/press/2020/01/stakeholder-capitalism-a-manifesto-for-a-cohesive-and-sustainable-world/.

12’)  Nicholas Davis, “What Is the Fourth Industrial Revolution?,” World Economic Forum, Jan. 19, 2016,https://www.weforum.org/agenda/2016/01/what-is-the-fourth-industrial-revolution/.

13’)  Michael Rectenwald, “Who Funds the Riotous American Left and Why? The Globalist Billionaire Class, Which Uses It to Build Corporate Socialism,” Michael Rectenwald (website), Oct. 12, 2020, https://www.michaelrectenwald.com/essays/why-capitalists-fund-socialism.

كوڤيد هو تشرنوبل العِلم الحديث

كيرتس يارڤن (Moldbug) / ترجمة Saif Al Basri

نحن نعلم أن المختبرات الصينية في ووهان كانت تجري تجارب على ڤيروسات خفافيش مؤنسنة جينيًا. كما نعلم أن ووهان ليست موطن الخفافيش، ولا حتى الشتاء موسمها. ونعلم أن غالبية الصينيين ليسوا بأكلة للخفافيش. بل أن خفافيش كورونا غير صالحة حتى للأكل.

أيضًا نعلم أن الحكومة الصينية ترفض نشر سجلات أبحاث ڤيروس الخفافيش. ونحن نعرف “مسؤولًا إداريًا كبيرًا” – من داخل إدارة بايدن، أي مباشرة من صلب الدولة الراسخة يقول:

لقد كانت هذه مجرد نظرة خاطفة خلف ستار مجرّة ​​كاملة من النشاط المختبري، بما في ذلك المختبرات العسكرية في بجين ووهان وهي تتلاعب بڤيروسات كورونا وإنزيم ACE2 في الفئران وسط ظروف غير آمنة، وبشكل غير مفهوم في الغرب ودون سابقة تذكر.

إحدى المهارات المعرفية المهمة في العالم الحديث هي معرفة متى تثق بالسلطة. وعندما تفعل ذلك، يمكنك أن تراهن بثقة. وفي حين أن هذا لا يعوّض عن الأخطاء المخرّبة التي قامت بها مجاميع ”الاستخبارات“، إلا أنه يظهر أنه لا تزال هناك قيمة تستحق وقفة. 

فالدولة الراسخة لما أخبرتنا بهذا الأمر لو لم يكن صحيحًا. ببساطة لأنه لا يتناسب مع الأجندة البيروقراطية لأي شخص – وبصراحة أيضًا، لا أحد في واشنطن اليوم لديه الخصى اللازمة ليبتدع مثل هذه المعلومات. 

فقط علينا أن نفترض أنها صحيحة وننسى نظرية برگر الكنغر المجمّد من أستراليا ونظرية الأمراض الحيوانية المنشأ المزدوجة (انتقال الڤيروس من الخفافيش إلى آكل النمل الحرشفي ثم إلى الإنسان)، ونمضي قدمًا من هنا. لكننا لن نفعل ذلك. ونحن لسنا بحاجة لمعرفة أي شيء آخر. وربما لن نعرف أي شيء على الإطلاق.

وحتى يظهر شخص ما مع حيوان آكل النمل الحرشفي وبدليل قاطع أو خفاش ملطّخ أو آيس كريم ملوّث، فإن الفرضية القائلة بأن SARS-CoV-2 كان حادث مختبر صيني هي الفرضية الصفرية. وهذه المعرفة المفترضة تخزنها في المكان الذي تحفظ فيه كل الأمور التي تفرضها صحيحة في داخل عقلك، على الرغم من أنك لا تزال مستعدًا للنظر في أي دليل ضدها.

لكن ما يهم هو ليس فرضية المختبر، بل التبعات والآثار المترتّبة عليها. ولا يكاد يفكر أحد في خطورة هذه التبعات. لكن قبل أن نتناولها هنا، دعونا نفهم أسباب هذا الانهيار المعرفي. […]

مشكلة العلم الحديث

مشكلة العلم الحديث هي أن عملته تكمن في ملاءمة الأهمية وصلتها بالواقع. في نفس الوقت، لا يمكن تقييم هذه ”الأهمية“ وفق ضوابط علمية صارمة. ونظرًا لأنه لا بدّ من تقييمها بكل الأحوال، فإن الحكم بشأن الأهمية العلمية هذه يخضع في العادة لموازين عقائدية وأيديولوجية.

أي أن القرارات العلمية تبقى ”علمية“، بينما تستحيل القرارات الميتا ـعلمية (meta-scientific)، أي تلك حول موضوع العلم الذي يراد البحث فيه، إلى قرارات عقائدية وبيروقراطية تمامًا.

وكل مجال لديه قائمة بالمشاريع ذات الأولوية على صعيد البحث العلمي. وهذه القائمة تتضمن كل معضلة في الواقع وكل حيّز لمشكلة يمكن أن تمتّ بصلة للبحث في هذا المجال.

بطبيعة الحال، من المثالي أن تكون هذه القائمة، بالنسبة لكل باحث في مجاله، طويلة والمعضلات التي يراد معالجتها متنوّعة قدر الإمكان.

كما ومن الصعب توسيع هذه القائمة ـ لأنه ببساطة يعني التقليل من ميزانية شخص آخر؛ وتقليص القائمة يكاد يكون مستحيلاً. علاوة على ذلك، حتى لو تم تعقّلها بحكمة، فإن هذه القرارات الميتا ـعلمية نادرًا ما يمكن اختزالها لأي منطق آلي أو علمي؛ بل تميل إلى أن تكون بصيرة، معتمدة على ”حكمة واقعية“.
وهذا بدوره يشير إلى أن قوى حكيمة وغير علمية يجب أن تكون مسؤولة عن العلم – وهو استنتاج سيقاومه أو يرفضه جميع العلماء تقريبًا وبشدّة. […]

وعندما تحذف مشروعًا من هذه القائمة ”المهمة“، فإنك تمحي وظائف مجموعة كاملة من العلماء في لحظة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من لديه السلطة لفعل ذلك؟
ج: على الأغلب، لا أحد.

الأهم من صعوبة تغيير هذه القائمة (ذات الطابع غير الرسمي دائمًا – في حال كان لديك أي نشاط تجاري وتعرف ما هي المشاكل المهمة) هي أصالة الكيفية البصيرة في تدبّرها وتنسيقها.

والعلم هو أسلوب للتفكير؛ والقرار البصير هو قرار لا توجد له معادلة مفيدة – فقط الذكاء والمعرفة والحكمة. ومعظم القرارات العملية هي قرارات بصيرة حكيمة وليست علمية. علم الميتا (Meta-science) – أي القرار بشأن العِلم الذي يراد البحث فيه – هو حريف للمعرفة العلمية، لكن قراراته بصيرة ولا تختزل في منطق علمي. 

أحد المبادئ الأساسية لعلم القرن العشرين هو ما يسمّيه البريطانيون مبدأ هالدين (Haldane principle) – وهو أن التمويل العلمي يجب أن يوجهه العلماء أنفسهم. وبدت هذه فكرة جيدة في ذلك الوقت. ففي النهاية، كان القرن العشرين هو العصر الذهبي للحارس الذي يراقب نفسه. كما وأن أسوأ شيء يمكن أن يفعله العِلم هو إهدار المال – أليس كذلك؟

اتضح لاحقًا أن مبدأ هالدين كان يعتمد على ذكاء ومعرفة وحكمة العلماء أنفسهم. عندما كان على العلماء أن يكونوا مسؤولين أمام غير العلماء عن هذه القرارات التي يتخذوها، في وقت لم يكن لدى العِلم أي وسيلة لإفساد العامة.

ولكن عندما طُلِب من العلماء اتخاذ القرارات الميتا ـعلمية أيضًا، تبيّن أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الحكمة وبين العِلم. بل الأسوأ من ذلك: على عكس العلماء، لم يكن لدى غير العلماء والعامة تضارب في المصالح ضمن القرارات الميتا ـعلمية. وعليه، عندما تبلورت أي حكمة في إطار غير علمي أو ضمن قادة المجتمع، كان على تلك الحكمة أن تقاوم هذا التحيّز الداخلي عند العلماء.

في الماضي، كان العلماء لا يزالون يتخذون قرارات بصيرة جيدة، وذلك لأنهم ترعرعوا في ثقافة سبقت فساد العِلم من خلال السلطة.

لكن في النهاية وبعد فساد العِلم، أصبحت الحجج الخاصة بكل مشروع علمي عقيمة ومجرّدة – ولا يوجد مثال أفضل من الأبحاث التي أجريت حول اكتساب وظائف ڤايروس كورونا (قبل 2019) في الصين والمجتمع العلمي الغربي بشكل عام، والتي أخطأ البعض بتقييم أنها قد تكون مفيدة.

بمجرد ظهور SARS-1، والذي كان من الواضح أنه حادث طبيعي، أصبحت الأمراض حيوانية المصدر لڤيروس كورونا الخفافيش ”مهمة“ وبدأت بكسب الانتباه. خصوصًا وأن هذا الڤيروس قد تسبب بوفاة الكثير من الناس، بل كاد أن يتسبب في جائحة. ومن هنا جاء الفضول والخطر في نفس الوقت: لما لا نعرف المزيد عن هذه الظاهرة الخطيرة؟!

وعليه، هل هنالك طريقة للبحث في مشكلة تكيّف ڤيروسات الخفافيش مع البشر أفضل من ”محاكاة“ المشكلة وخلقها داخل المختبر؟
كما ويمكننا أن نفعل ذلك بأفضل شكل مختبري من خلال ………………. بالضبط، تكييف وتعديل ڤيروسات الخفافيش لتلائم جسم الإنسان. تادااا

فمن الصعب للغاية أن يقفز الڤيروس من الخفاش إلى الإنسان. أولاً، لأن الأنسان لا يختلط مع الخفافيش بشكل مباشر؛ ثانيًا، ارتباط الخفافيش بالبشر على مستوى الشجرة التطوّرية بعيد جدًا.
وكما أظهرSARS-1 يمكن للطبيعة عبور هذا الجسر رغم طوله. وإن حدث، فنادرًا وليس بسهولة! وكما تبين لاحقًا، فإن تبعاته مضرّة وكارثية.

SARS-1 هو مرض حيواني المنشأ (ولم ينشأ داخل مختبر)، وكان في طور التكيّف مع البشر، ولكن تم إيقافه والسيطرة عليه قبل أن يتفشى. نما الڤيروس ببطء شديد في خلايانا – ولذلك لم يكن معديًا حتى ظهرت أعراضه. بكلمات أخرى، لم يعبر كل الجسر بعد.

بينما في داخل المختبر، يصبح عبور الجسر سهلًا. وبالتالي يهيمن الفضول: ”لما لا؟“ حيث يمكننا أن نتعلم شيئًا عن الجسر أو الجسور أو شيء من هذا القبيل؛ كما فعلنا في الماضي!

تعريض البشر لڤيروسات الخفافيش هو فعل شنيع يذكّر بالوحدة 731 (وحدة أبحاث وتطوير حرب كيميائية وحرب بيولوجية سرية في جيش اليابان الإمبراطوري)، لكنها على ما يبدو ليست جريمة حرب إذ حقنّا فئرانًا مختبرية بإنزيم ACE2 البشري. (كما أن تمرير الڤيروسات من خلال القوارض هو أمر شائع أيضًا ـ والـ SARS-CoV-2 يحب القوارض وغيرها من فصيلة العرسيات، وقد قضى على مزارع حيوان المنك بأكملها.)

في النهاية، لا يوجد صانع قرار حكيم، سواء كان يعرف ما نعرفه الآن أو ما عرفناه قبل عشر سنوات، سيختار تمويل هذا البحث أو غيره من الأبحاث المشابهة. لكن لسوء الحظ، فإن ”الحكمة“ لا تلعب دورًا في عملية تمويل الأبحاث والعلوم بشكل عام؛ وهذا ما يجعل العلِم ضعيفًا في مقاومة أي تفاهة أو مشروع لا يمت للواقع بصلة هامة.

Covid-19 هو حادث بشري مثل كارثة تشيرنوبيل. لقد حدث لأن الـ SARS-1 (حادث طبيعي)، جعل من الممكن تمويل علومًا وأبحاثًا خطيرة وبعيدة عن الواقع في أهميتها. 

وكما هو الحال في العديد من الحوادث الهندسية الكبرى في التاريخ، فإن السؤال لم يعد يدور حول السبب، ولكن لماذا لم يحدث ذلك عاجلًا؟

يتبع..

مزاجية الحقيقة – توماس سويل

لكم هو مدهش عدد الناس الذين اكتشفوا يوم الأربعاء الماضي أن القيام بأعمال الشغب يُعد أمرًا خاطئًا – بينما لم يلاحظ معظم أولئك الناس أنفسهم هذا الأمر عندما استمرت أعمال الشغب لأسابيع، أو حتى شهور، في مختلف مدن البلاد العام الماضي!
بالنسبة للكثير من الناس، وخاصة في وسائل الإعلام، فإن تصوير الخطأ والصواب، أو الحقيقة والزيف، يعتمدون على هوية الذي سوف يساعدونه أو يؤذونه سياسيًا. إن الكثير من الإعلاميين الذين يُفترض أن يكونوا مراسلين ميدانيين، يتصرفون وكأنهم مقاتلون في حروب سياسية.
قيل ذات مرة أن “الحقيقة هي أول ضحايا الحرب” – وقد كان هذا جليًا في وسائل الإعلام، وفي كثير من الأوساط الأكاديمية أيضًا.
تظهر واحدة من أكثر التشوهات غرابة، والتي نمت من خلال إهمال الحقائق هذا، في إزالة اسم أبراهام لنكولن وتماثيله من أماكن مختلفة بحجة أنه كان يرى السود فقط بوصفهم ممتلكات. إلا أن مثل هذه الانتقادات تفضح جهلًا لا يُصدّق بالتاريخ – أو تجاهلًا تامًا للحقيقة.
بوصفه محام، فقد عرف أبراهام لنكولن أنه لا يوجد شيء في الدستور يخوله هو أو أي رئيس آخر بتحرير العبيد. ولكنه كان يعلم أيضًا أنه يمكن لأي قائد عسكري أن يستولي بشكل قانوني على ممتلكات أي دولة معادية في فترة الحرب. وهكذا أعطى تعريف العبيد “كممتلكات” للرئيس لينكولن السلطة القانونية الوحيدة التي مكنته من الاستيلاء عليهم خلال الحرب الأهلية، وبمجرد الاستيلاء عليهم كممتلكات، سيكون بإمكانه تحريرهم كبشر!
ولكن إذا كان إعلان العتق قد اعتمد على تعريف العبيد كبشر مع حقهم في أن يكونوا أحرارًا، لكانت المحكمة العليا في تلك الفترة قد أعلنت بلا شك عدم دستورية ذلك.
كان الملايين من البشر سيظلون عبيدًا، فهل تستحق الخطابات الرنانة هذا الثمن؟
أما بالنسبة للادعاء القائل بأن لنكولن لم يكن يعتبر السود بشرًا، ألم يقم بدعوة فريدريك دوغلاس إلى البيت الأبيض؟!
من أجل إزالة اسم أبراهام لينكولن من المدارس، تخبرنا التحريفات الجسيمة للتاريخ بالكثير عن مشكلة النظام التعليمي الأمريكي اليوم.

إن العديد من المدارس مغلقة اليوم بسبب فيروس كورونا ونقابات المعلمين، والعديد من المدارس الواقعة في أحياء الأقليات فشلت في تعليم الأطفال ما يكفي من الرياضيات واللغة الإنجليزية عندما كانت لا تزال مفتوحة. لذا فإنه من المدهش أن يكون لدى السلطات المدرسية الوقت الكافي لإنفاقه على الحروب والحملات الأيديولوجية لإزالة الأسماء والتماثيل من المدارس!
لسوء الحظ، فقد أصبحت معظم مؤسسات التعليم الأمريكية – من المدارس الإبتدائية إلى الى الجامعات – عبارة عن مراكز للتلقين. وأعمال الشغب التي اجتاحت البلاد العام الماضي هي ثمار ذلك التلقين والتجاهل التام لحقوق الآخرين الذين صاحب أعمال الشغب تلك. وفي جوهر هذا التلقين يكمن الشعور بالظلم ودور الضحية عندما يحصد الآخرين نتائج أفضل – والتي تُسمّى تلقائيًا “امتيازات” ولا تُسمّى “انجازات” أبدًا، بغض النظر عن الحقائق الفعلية. فالحقائق لا تهُم في مثل تلك القضايا، بقدر ما لم تهُم عند تشويه سمعة لينكولن.
إن “مراعاة تمثيل” أي مجموعة في أي مسعى يمكن اعتباره كشهادة أو برهان على التحيز التمييزي. ولا يمكن لأولئك الذين يجادلون بهذه الطريقة أن يظهروا لنا أي مجتمع – في أي مكان في العالم أو في أي وقت عبر آلاف السنين من التاريخ المعروف – يحتوي على تمثيل متساوي لكل جماعاته بشكل متناسب في جميع المساعي!
على سبيل المثال: هناك لاعبون كنديون في دوري الهوكي الوطني الأمريكي أكثر من عدد لاعبي الولايات المتحدة. ويوجد أيضًا لاعبون سويديون أكثر من عدد اللاعبين الذين يأتون من كاليفورنيا، على الرغم من أن عدد سكان كالفيرونيا يقترب من أربعة أضعاف عدد سكان السويد. حتى أن سكان كالفيرونيا “أقل تمثيلًا” في دوري الهوكي بنسبة تفوق تمثيل النساء في وادي السليكون! لكن لا أحد يستطيع أن يدّعي أن هذا يرجع إلى التحيز التمييزي من قِبل دوري الهوكي، فمن الواضح أن سبب ذلك يرجع إلى أن الأشخاص الذين نشأوا في المناخات الباردة هُم أكثر عرضة لتجربة التزلج على الجليد.

إن هذا هو أحد العوامل العديدة التي تنتج إحصاءات مشوهة في العديد من المساعي، التحيز التمييزي هو واحد من بين تلك العوامل، لكنه ليس العامل الأكبر.
لكن من الذي يهتم بالحقائق بعد الآن في عصر التلقين العقائدي هذا؟

توماس سويل: زميل أقدم في معهد هوفر، جامعة ستانفورد، كاليفورنيا.
– ترجمة: غسان مازن
– رابط المقال الأصلي: https://www.creators.com/read/thomas-sowell

الشمولية

الجزء الأول :

مفهوم الشمولية غامض بشكل غير عادي .  في الخطاب السياسي الحديث، تُستخدم كلمة الشمولية في كثير من الأحيان لتشويه سمعة أو إهانة خصم سياسي أكثر من استخدامها للإشارة في الواقع إلى التوجه السياسي لشخص ما . مما لا شك فيه أن وصف آثار الشمولية أسهل بكثير من وصف أسباب الشمولية .  يتفق غالبية علماء السياسة وعلماء الاجتماع بشكل أو بآخر على أن الشمولية هي مرض اجتماعي خطير ، و مع ذلك فإنّ القليل منهم يتفق تماماً على أسباب انتشارها .

لأسباب مختلفة ، من المستحيل التوصل إلى تعريف مفهوم للشمولية لأن البلدان التي تظهر خصائص شمولية غالباً ما تتباهى بحبها للحرية أو بارتباطها بالمبادئ الديمقراطية . فضلاً عن ذلك ، قد يجادل المرء أيضاً في أن تعريف الشمولية يتوقف بشكل كبير على عالم الاجتماع نفسه .  ليس من الصعب التكهن بأن المثقّف الاشتراكي سيقيّم مفهوم الشمولية بشكل مختلف إلى حد ما عن تقييم المحافظ أو الليبرالي .

المشكلة :

 الشمولية ، حسب العديد من المؤلفين ، ليست مجرّد كلٍ بسيط من أشكال الاستبداد ، فإذا كان الأمر كذلك ، فيمكن للمرء أن يجادل في أن أصول الشمولية يمكن إرجاعها إلى مجتمعات القرون الوسطى ، أو أن الشمولية لا تزال تزدهر في العديد من البلدان الاستبدادية المعاصرة .  لاحظ بعض علماء السياسة ، مثل زبيغينيو بريجينيسكي Zbigniew Brzezinski و كارل ج.فريديك Carl J.Fredrich ، أنه في سعيهم لتتبع جذور الشمولية ، جادل علماء الاجتماع بكل صلة ممكنة تقريباً . وهكذا كتبوا في كتابهم ، الديكتاتورية الشمولية و الأوتوقراطية ، أن ماركس و هيغل ، و نيتشه و هوبز ، و كانط و روسو ، و أفلاطون و أرسطو ، و سانت أوغسطين ، و لوثر ، و كالفن – جميعهم متهمون بتزوير الأفكار التي أصبحت  أسلحة في ترسانة الشموليين. [1]  

على الرغم من حقيقة أن هناك نظريات مختلفة في الشمولية ، يبدو أن معظم المؤلفين متفقون على أن : 

١- الشمولية تظهر عادة في البلدان الصناعية ، أو في تلك البلدان التي تمر بعملية تطور سريعة .

٢- تعتمد الشمولية عادة على عقيدة أو أيديولوجية لا تتسامح مع أي معارضة .

 ٣- الشمولية التي تهدف إلى شمول جميع المواطنين و وسائل الاتصال و الإذاعة و التلفزيون و ما إلى ذلك ، و إخضاعهم للسيطرة الكاملة و المطلقة للدولة و حزب واحد . و 

٤- من أجل تطبيق الرقابة وضمان الامتثال الاجتماعي ، تلجأ الشمولية إلى الإرهاب ومراقبة الشرطة . 

 بدأ تحقيق رائد في ظاهرة الشمولية من قبل Hannah arendt حنّا أرنت ، الكاتبة التي كتبت أطروحة موجزة و موثّقة جيداً و شاملة عن الشمولية في أوائل الخمسينات من القرن الماضي .  لا جدال في أن نظريات حنّا أرنت لا تزال تحظى بالاحترام بين الباحثين الليبراليّين و المحافظين ، بما في ذلك اليمين الجديد .

 تؤكد حنّا أرنت أن الحركات الشمولية بدأت في الانتشار كرد فعل على تفكك الهياكل الاجتماعية التقليدية في معظم البلدان الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الأولى .  أثار أسوأ تأثير لهذا التفكك الاجتماعي مشاعر الاقتلاع و الازدراء بين الجماهير ، [الذين لسبب أو لآخر اكتسبوا الرغبة في التنظيم السياسي] . 

في محاولة لتوضيح سيكولوجية الجماهير المنبوذة حديثاً، تجادل حنّا أرنت بأن المناخ السياسي الجديد أصبح مهيّئاً للصعود التدريجي لحكم الغوغاء mobocracy ، و الذي بدأت فيه الحركات الشمولية اللاحقة في الازدهار .  

تقول :

 “الحقيقة هي أن الجماهير نشأت من شظايا مجتمع مجزّء للغاية، كان هيكله التنافسي و العزلة المصاحبة للفرد؛ مقيّدة و مراقبة .. إلّا من خلال العضوية في الطبقة . عندما انفجرت هذه الروابط الطبقية و البنى الاجتماعية ، أصبحت الجماهير التي اُقتلعت من جذورها ، بحثاً عن الأمن الاجتماعي و النفسي ، قابلة للأيديولوجيات التي قدمت تفسيراً شاملاً لجميع المشاكل الكونية و الوجودية . تشير حنّا أرنت إلى أن “الحركات الشمولية ، كل على طريقته الخاصة ، بذلت قصارى جهدها للتخلص من البرامج الحزبية التي حددت محتوى ملموساً و التي ورثتها من مراحل التطور السابقة غير الشمولية” . 

 عادة ما تتدفق الجماهير على القادة و الحركات الشمولية ، كما تتابع حنّا أرنت ، بسبب حاجتها التي لا يمكن كبتها إلى وعود بالاستقرار السياسي و التماسك الاجتماعي ، و هو أمر لا تستطيع السياسات الحزبية غير المتوقعة تأمينه دائماً .

 ما يثير قلق أرنت بشكل خاص هو الزواج المشؤوم بين الجماهير و النخبة الفكرية .  مستشهدة بأسماء إرنست جونجر ، و لويس- فرديناند سيلين ، و فيلفريدو باريتو ، و جورج سوريل ، و العديد من المفكرين و الكتاب البارزين الآخرين المناهضين للديمقراطية ، تجادل أرندت بأنه بدون “التحالف المؤقّت” للكتّاب مع الغوغاء ، فإن الحركات الشمولية لم يكن لها أن تحقق مثل هذا النجاح الباهر .

في “خيانة الكتّاب” ، ترى أرنت بالمصادفة أكبر جريمة للمثقفين و هروباً من الحرية . من الآن فصاعداً ، و بإسم الأفكار الجديدة التي تضمنت إما الداروينية العلمية الزائفة ، أو عنصرية غوبينو ولابوج ، أو الماركسية العلمية ، استطاعت الغوغاء أن تتعرف على نفسها مع النخبة و تنفذ هذيانها الاستبدادي إلى تأليهها التاريخي .  و هكذا ، استطاع هتلر تبرير أوشفيتز (معسكر اعتقال نازي) بإسم التفوق العنصري و الفكري المزعوم علمياً للآريين ، بنفس الطريقة التي برر بها البلاشفة عمليات التطهير و المعسكرات باسم الماركسية العلمية .  بالنسبة لـ حنّا أرنت ، تدعي جميع الأيديولوجيات أنها علمية ، و أولئك الذين لديهم شكوك حول صدقها يخاطرون بأن يتم رفضهم باعتبارهم منبوذين من الجنس البشري .  

تقول أرنت :

 “تفترض الأيديولوجيات دائماً أن فكرة واحدة كافية لشرح كل شيء في التطور من المقدمة ، و بالتالي لا يمكن لأي خبرة تعليم أي شيء لأن كل شيء يتم فهمه في عملية الاستنتاج المنطقي المتسق هذه ” .

باختصار ، بالنسبة لأرندت ، تحتوي جميع الأيديولوجيات على آثار شمولية ، على الرغم من أنها لا تعمل بشكل كامل إلا في سياق تعزيز حكم الغوغاء .  تجادل أرندت بأن الأيديولوجيا هي الشمولية ، ما هو الماء للصيد ؛  إذا لم تكن هناك أيديولوجية ، فلن تتمكن الحركات الشمولية من الازدهار .

 ومع ذلك ، تلاحظ أرندت ، على المدى الطويل ، من المحتم أن تؤدي الأيديولوجية الشمولية إلى إنتروبيا كاملة – تبدأ أولاً في إلتهام فئة واحدة من الناس ، و ينتهي بها الأمر في النهاية إلى التهام نفسها .  تجادل أرندت أنّه حتى لو نجا النازيون من الحرب و ظلوا في السلطة ، فإنّهم سيوسعون “حلهم النهائي” ليشمل فئات اجتماعية أخرى ، الأمر الذي كان سيؤدي في النهاية إلى تدمير أنفسهم . 

 بنبرة تشاؤمية واضحة ، توصلت حنّا أرنت إلى استنتاج مفاده أن الإحساس الحاد بالغربة الاجتماعية ، و الوحدة ، و العزلة هو أول نذير للظاهرة الشمولية – وهي ظاهرة من غير المرجح أن تختفي من المجتمعات الحديثة .

 و تجدر الإشارة إلى أن ملاحظات آرندت بشأن حكم الغوغاء قد تم تطويرها في وقت سابق من هذا القرن بشكل مقنع من قبل غوستاف لوبون و خوسيه أورتيجا و جاسيت و إلى حد ما لويس روجير – باختصار أولئك المؤلفين الذين يدعي اليمين الجديد أنهم  الأجداد الروحيون .  بينما نمضي قدماً ، سنحاول شرح المواضع التي يتفق فيها اليمين الجديد مع نظريات أرنت و أين يعتقد أنها تبدو ناقصة .

 المؤلف الآخر الذي طور نظرية مميزة عن الشمولية هو جاكوب إل تالمون ، الذي يؤرخ جذور الشمولية في وقت مبكر من التاريخ .  على غرار باريتو و جيرارد والتر ، يتتبع تالمون الأنظمة الشمولية الحديثة إلى اليوتوبيا الألفي ، و المعتقدات الدينية و الشيلية ، و أحفادهم العلمانيين الذين نشأوا في بداية القرن الثامن عشر .  

يكتب تالمون في كتابه أصول الديمقراطية الشمولية :

 أنّ الديموقراطية الشمولية ، بعيدة كل البعد عن أن تكون ظاهرة النمو الحديث ، و خارج التقاليد الغربية، تمتلك جذور مشتركة إلى رصيد أفكار القرن الثامن عشر.  تشعبت كإتجاه منفصل و محدد في سياق الثورة الفرنسية و كان له استمرارية مستمرة منذ ذلك الحين .

 الشمولية ، و لا سيما الشمولية الشيوعية ، هي رد الفعل العكسي المؤسف للموضوع الديمقراطي الذي ظهر في عصر التنوير .  يلاحظ تالمون أنّ الأديان العلمانية الحديثة التي حفزت الشمولية أصبحت مرئية في تعاليم مابلي و كوندورسيه ، و خاصة نظرية روسو عن الإرادة العامة .  يلاحظ تالمون في الواقع الأحداث الشمولية الأولى في الثورة الفرنسية و عهد الإرهاب ، لا سيما عندما أظهر اليعاقبة ، مثل سانت جاست و بابوف ، “مزاجاً شمولياً ومخلصاً” مشابها ، موروثا عن روسو .

بالنسبة لتالمون ، فإن حاكم روسو هو الإرادة العامة الخارجية التي تمثل النظام الطبيعي و المتناغم . و قد كتب أنّه “بالاقتران بهذا المفهوم مع مبدأ السيادة الشعبية و التعبير الشعبي عن الذات ، أدى روسو إلى نشوء ديمقراطية شمولية” . كما يلاحظ تالمون ، فإنّ هذا المفهوم لسيادة الشعب لم يكن مستوحى من الرغبة في منح جميع الناس صوتاً ونصيباً في الحكومة بقدر ما كان مستوحى من الاعتقاد بأنّ السيادة الشعبية ستؤدي إلى المساواة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية الكاملة .

 بعد ذلك ، تطور أحد تلك الموضوعات الديمقراطية التي ظهرت في القرن الثامن عشر إلى ليبرالية كلاسيكية ، في حين اندمج الآخر في الشمولية الديمقراطية أو الشيوعية .  

كما يلاحظ تالمون : “كان المفهوم اليعقوبي و الماركسي عن المدينة الفاضلة الذي كان من المقرر أن ينتهي فيه التاريخ متشابهاً بشكل ملحوظ” . كلاهما كان عليهما اللجوء إلى العنف .  بالنسبة لتالمون ، تصبح الديمقراطية الشمولية في الشيوعية شمولية ضد إرادتها .  في الاتحاد السوفيتي ، تطورت، ليس لأنها رفضت مبادئ التنوير و السعادة البشرية – و لكن على وجه التحديد لأنها تبنّت الكثير من موقف الكمال و “الصبر” تجاه هؤلاء” .

 مبادئ :

 تطورت الديمقراطية الشمولية في وقت مبكر إلى نمط من الإكراه و المركزية ليس لأنها  رفضت قيم الفردانية الليبرالية في القرن الثامن عشر ، و لكن لأنها هي كانت كذلك في الأصل .

 لقد جعلت من الإنسان النقطة المرجعية المطلقة . و يجب التأكيد على أنّ نظرية تالمون عن الشمولية قد استخدمها العديد من المؤلفين المحافظين في تصوير الواقع السياسي للأنظمة الشيوعية ، على الرغم من أنه ، كما سنرى . يتقصى اليمين الجديد أبعد من إرادة روسو العامة و الثورة الفرنسية من أجل الكشف عن  جذور الشمولية .

 قبل دراسة نظرية الشمولية الخاصة باليمين الجديد ، يجدر ذكر اسم ريمون آرون ، و هو كاتب ليبرالي كلاسيكي لا تزال نظرياته الشمولية مستخدمة في تحليل أزمة المجتمع الحديث .  بالنسبة إلى آرون ، كما هو الحال بالنسبة لكارل ج.فريدريك ، فإن الشمولية هي في المقام الأول نتيجة لتضخم الساحة السياسية (السياسة) ، و فرض قيود أيديولوجية من قبل الشرطة أو الحزب الحاكم . أكثر من أي مؤلف آخر ، يرى آرون في المبالغة في تقدير الطابع السياسي و الملزم للأيديولوجيا ، الأصول الرئيسية للشمولية .  

بعبارة أخرى ، المعتقدات السياسية القوية و التعصب الإيديولوجي مدفوعين من حزب واحد ، السبب دائما بالجراثيم الشمولية .

يمكن ملاحظة أنه في تعريف الشمولية إما احتكار الحزب أو ال يمكن اعتبار سيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية أو الإرهاب الأيديولوجي أمراً أساسياً، و تكتمل الظاهرة عندما تتحد كل هذه العناصر و تتحقق بالكامل .

على غرار تالمون و أرندت ، يميز آرون بين الشمولية النازية و الشمولية الشيوعية .  بالنسبة له ، كانت الأولى منحرفة في جوهرها لأنها مجسدة بالفعل في أيديولوجيتها الخاصة .  على النقيض من ذلك ، أصبح الأخير شمولياً باتباع خط الكمال و الطوباوية ، كما أشار تالمون أيضاً .

  في التحليل الأخير ، الشمولية بالنسبة لآرون هي “طوعية” في النازية ، لكنها “غير إرادية” في الشيوعية .  يلاحظ آرون أن “[الشمولية السوفيتية] من أجل خلق ملاك ، تخلق وحشاً .  

بالنسبة إلى العهد النازي: يجب ألّا يحاول الإنسان أن يشبه وحشاً مفترساً، لأنه عندما يفعل ذلك ، يكون ناجحاً للغاية .

 قبل أن ننتقل إلى نظرية الشمولية لليمين الجديد ، من المهم أن نلاحظ أن الفقرات السابقة ليست سوى جزء بسيط مما كتب حول موضوع الشمولية . فضلاً عن ذلك ، لم يلقِ أيٌ من المؤلفين اللوم ، كما يفعل اليمين الجديد ، على اليهودية – المسيحية ( الاديان الابراهيمية) باعتبارها المحرك الرئيسي للشمولية .

 الكاتب المحافظ الجدير بالذكر في مناقشتنا للاستبداد هو كارل بوبر ، الذي ينظر إلى نظرياته عن الشمولية بشكل إيجابي من قبل اليمين الجديد .  على عكس المؤلفين السابقين ، يميز بوبر آثار الشمولية في المثالية المثالية لأفلاطون .  في كتابه الشهير ، تعويذة أفلاطون (المجلد الأول من كتابه المجتمع المفتوح و أعدائه) ،

كتب بوبر أن :

 “برنامج أفلاطون السياسي ، بعيداً عن كونه متفوقاً أخلاقياً على الشمولية ، هو في الأساس متطابقة معها” .

 تصريحات بوبر عن أفلاطون الذي يعتبره عدو الحرية و مبشّر الدولة الشمولية ، تشبه إلى حد بعيد نقد باريتو و سوريل السابق لحالة أفلاطون ، حيث رأى كلاهما تجسيداً لمثالية سياسية مثالية خيالية و شيليالية .

 وفقاً لـ بوبر ، كان أفلاطون يعارض أي تغيير اجتماعي داخل كيانه الهرمي الصارم الذي تم تصميمه ليبقى إلى الأبد .  كان التقسيم الطبقي الاجتماعي داخل دولة أفلاطون ضرورة أخلاقية وكذلك قاطعة بالنسبة للمواطنين الذين كانوا سيعيشون فيها .  

يكتب بوبر :

 أود أن أوضح أنني أؤمن بصدق شمولية أفلاطون.  مطلبه كان الهيمنة المطلقة لطبقة واحدة على البقية بلا هوادة، لكن مثالتيه هذه لم تكن أقصى استغلال للطبقة العاملة من قبل الطبقة العليا ؛  بل كان استقرارية الجميع .

 لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن كتاب بوبر نُشر لأول مرة بعد فترة وجيزة من الحرب و أن وصفه لدولة أفلاطون يذكرنا بشكل غريب بالهيكل التنظيمي و السياسي الحقيقي لألمانيا النازية .  ممّا لا شك فيه أن معظم المؤلفين الذين ناقشوا هنا قد عانوا شخصياً من صدمة النازية ، و بالتالي لا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن نظرياتهم تنتقد الاستبداد النازي أكثر من الاستبداد الشيوعي .

 و مع ذلك ، يبدو أن ميزة بوبر و أرنت و تالمون و غيرهم من المؤلفين تتمثل في الوعي بوجود أشكال مختلفة من الشمولية ، و أن الافتراضات المتسرعة فيما يتعلق بالفرنسية أو البيرونية أو الفاشية الإيطالية أو السلازارية ، كأشكال من الشمولية ، ليست دائماً صحيحة .

اليمين الجديد عن الشمولية :

 بينما لم يرفض مؤلفوا اليمين الجديد نظريات الشمولية هذه تماماً ، فقد قاموا بتعديلها بشكل كبير من خلال إضافة تفسيراتهم الخاصة و كذلك تفسيرات بعض المؤلفين المحافظين الآخرين .  كتب مايكل ووكر ، المؤلف الإنجليزي لليمين الجديد ، أن التفسير الليبرالي للاستبداد يجب أن يعامل بحذر شديد .  على الرغم من أنه يتفق مع العبارة القائلة بأن الشمولية الفاشية و الشيوعية “متطرفة” و غير متسامحة ، إلّا أنه ينبغي ألّا يتبع ذلك أنّ الليبرالية يجب أن تظل دائماً محصنة ضد شموليتها المحلية .  فضلاً عن ملاحظات ووكر ، يتمتع المنظّرون الليبراليون بميزة تاريخية في تقديم تعريفات “موضوعية” للشمولية ، بالنظر إلى حقيقة أن الدول الليبرالية كانت مفيدة في هزيمة النازية .  بالإضافة إلى ذلك ، فإن خصمهم الأيديولوجي الآخر (و لكن أيضاً حليفهم أثناء الحرب) ، الإتحاد السوفيتي ، يتشاطر وجهة نظر نقدية و عدائية بنفس القدر فيما يتعلق بالشمولية النازية مثل البلدان الليبرالية المنتصرة نفسها .  يكتب ووكر :

 “تركت الهزيمة الكاملة للاشتراكية القومية الليبرالية باعتبارها الأيديولوجية السياسية المتماسكة الوحيدة في العالم ضد الماركسية .  لطالما كانت الليبرالية تقليدياً معادية للتأسيس الأديان .. بالنسبة للعديد من المعلقين الليبراليين ، ‘الشمولية’ و ‘الدينية’ تعني نفس الشيء في السياق السياسي .. أكثر الديانات احتقاراً لليبرالية هي الاشتراكية القومية دائماً  و ليس الشيوعية ، لأنه بينما الشيوعية ، من حيث المبدأ على الأقل ، تدعي أنها تعمل من أجلها تحرير الفرد ، الاشتراكي القومي لا يعترف بأيّ وقت في المستقبل عندما يمكن للفرد أن يتحرر من عقائد الحتميات العرقية .  من عند هذه الحقائق هي أن الليبرالي يدافع عن ‘النوايا’ الشيوعية لكنه يدين ‘الأساليب’ ، في حين أن الاشتراكية القومية و الفاشية (يُنظر إليها على أنها متعاونة مع الطرف الأقصى مخافظة ultra-conservative ) تُدان خارج المحكمة !” .

 بالنسبة لمايكل ووكر و مؤلفي اليمين الجديد ، لا يمكن الحكم على الشمولية فقط من خلال الأساليب التي تستخدمها ، مثل إرهاب الشرطة أو المعسكرات أو غرف الغاز ، لأنّ هذه الأساليب لا تفسر الأسباب الأكثر عمقاً التي أدت إلى ظهور الانحرافات الشمولية .  الأهم من ذلك هو ما إذا كان نظام معين يهدف إلى احتضان مجمل وجود الإنسان و كلية الحقيقة ، و التي ، وفقاً لـ ووكر ، هي سمة مشتركة ليس فقط في النازية أو الشيوعية ، و لكن في الليبرالية الحديثة جيداً .  

يستمر ووكر :

 بعبارة أخرى ، توجد ليبرالية شمولية .  إذا ظهر هذا التعبير على أنه ملف تناقض لفظي ، فإنه يوضح إلى أيّ مدى تمّ تدريبنا على فصل الليبرالية عن أي نفحة من الشمولية . معاييرنا للحكم على ما هو شمولي (الأفكار المتطرفة ، معسكرات الاعتقال ، و الشرطة السرية ، التحيّز الذكوري ، و  تبجيل الدولة) ، هذه المعايير و كإنما هي بالصدفة تستبعد بشكل جيد جميع الأساليب الليبرالية المحتملة لممارسة السلطة !

 بعبارة أخرى ، يقترح ووكر ، مثله مثل غيره من منظري اليمين الجديد ، أن الليبرالية تصبح شمولية في الوقت الذي تخضع فيه كل جانب من جوانب الحياة البشرية إلى مجال واحد من النشاط الاجتماعي ، أي الاقتصاد .  في كتابهما الأخير( La soft-idéologie ) كرّر كل من فرانسوا برنارد هويغ و بيير باربيز  هذه النقطة بالقول إنّه بقدر ما يمكن لليبرالية أن تفتخر بالتخلي عن السياسة القوية أو التعصب الأيديولوجي ، فإنها مع ذلك فرضت ‘دينها’ الخاص بـ ‘فتشية السلع’ .  و ‘الأيديولوجية الناعمة’ للنزعة الاستهلاكية ، المليئة بالداروينية الاقتصادية الرهيبة .  تمت ملاحظة حقيقة أن الشمولية الليبرالية لا تضطر بالضرورة إلى اللجوء إلى العنف من أجل تنفيذ طموحاتها في الفصول السابقة و لا تحتاج إلى مزيد من التفصيل .  في الشمولية الليبرالية ، كما يلاحظ اليمين الجديد ، يتم ضمان الامتثال الاجتماعي من خلال التكييف الليّن ، و الابتعاد عن السياسة الطوعية ، و ‘المقنعون الخفيون’ المنتشرون في كل مكان ، كما تنبأ سابقاً أورويل و ألدوس هكسلي .

 لمزيد من المناقشة حول الشمولية ، فإن كلود بولين ، الفيلسوف الفرنسي المحافظ ، له أهمية كبيرة .  يعترض بولين على أن الليبراليين يميلون إلى البحث عن أصول الشمولية في المجتمعات الأوروبية التقليدية الكلية و العضوية ، حيث تظل المعتقدات الشعبية والتعلق بالأساطير و العادات الوطنية أقوى بكثير مما هو عليه في البلدان الأنجلو ساكسونية الليبرالية . تم تطوير وجهة نظر بولين و تأييدها بمزيد من التفصيل من قبل الباحث الفرنسي لويس دومونت ، الذي كتب ، في مقالته “المرض الشامل” ، أن تقاليد الجماعية  في المجتمعات الأوروبية القارية لا تفضي بالضرورة إلى الشمولية .

بالنسبة إلى دومونت ، تحدث الشمولية أساساً عندما تنكسر هذه الهياكل الشمولية ، و عندما تتطور المساواة و الفردانية الجامحة في وقت سابق في الليبرالية ، لم يعد من الممكن احتواؤها .  

 على الرغم من أن ملاحظات بولين و دومونت فيما يتعلق بتأثيرات الشمولية لا تخرج جذرياً عن ملاحظات حنّا أرنت ، إلّا أن هذه النظريات ، مع ذلك ، تلقي باللوم على صعود الشمولية على الاقتصادانية غير المقيدة و الفردية المزعجة التي تعد العوامل الرئيسية في التسبب في الشعور بالفائدة والوحدة .  أما بالنسبة لأصول العناصر الفردية و الاقتصادية للمجتمعات الحديثة ، فتتبعها دومون ، مثل ڤينر سومبارت ، و سبان ، و روجييه ، إلى اليهودية و المسيحية وتفرعها ، البروتستانتية .  هذا التفسير للشمولية تبناه أيضاً مؤلفوا اليمين الجديد .

 بعد دومونت ، حاول دي بنوا الكشف عن جذور الشمولية ليس في تفاقم سياسات القوة السياسية أو التقليدية المكيافيلية ، أو في هذه المسألة في الشراسة الأيديولوجية.  بدلاً من ذلك ، يرى الأصول الأولى للشمولية في الكتاب المقدس و التراث الديني اليهودي ، فإن الشرط المسبق لعالم غير شمولي بالنسبة إلى دي بنوا هو العودة إلى الوثنية الدينية و التخلي عن علم الأخرويّات اليهودي و المسيحي .  بالنسبة له ، التوحيد الكتابي هو بحكم تعريفه دين الكلية ، و الذي يستبعد كل “الحقائق” المتعارضة و جميع الأحكام القيمية المختلفة .  و يترتب على ذلك ، بحسب دي بنوا ، أن جميع البلدان المرتبطة بالكتاب المقدس تظهر  شمولية بدائية كامنة .

توميسلاف سونيتش / ضد الديموقراطية و المساواة .
ترجمة و تلخيص : محمد المشاري .

تحذير للغرب – كيف أطالت الديمقراطيات عمر الشيوعية؟ ج1

قبل مدة طويلة، كنت قد قرأت كتاب (أرخبيل غولاغ) للكاتب الروسي ألكسندر سولجينيتسين، إذ ينقل لنا سولجينيتسين في هذا الكتاب بشاعة الشيوعية التي تجلت في أكمل صورة لها في مخيمات الاعتقال التي أُعتقل سولجينيتسين في أحدها. وقبل أيام قليلة، قرأت اقتباسًا للكاتب جعلني أبحث أكثر في مؤلفاته التي وجدت أنها لم يُترجم منها سوى (أرخبيل غولاغ) وروايتين أخريين. ومن بين أبرز مؤلفات سولجينيستين التي لم تُترجم، وجدت كتابًا بعنوان (warning to the west – تحذير للغرب) الذي يسلط فيه الضوء على صيانة الديمقراطيات الغربية للشيوعية في أعنف حقباتها – الاتحاد السوفيتي – ومساعدتها على البقاء والتمدد. وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه عبارة عن خطابات أرسلها سولجينيستسن وألقاها أمام كل من البرلمان الأمريكي والبريطاني بين عامي 76-1975 بإسلوب واضح ومباشر وصريح، حتى أنه ألقى حججًا وذكر أرقامًا وتواريخ لا يمكن لأحد أن ينكرها. وقد اخترت أن أترجم فصولًا من الكتاب لقصره وسلاسته، وسوف أنشرها تباعًا في سلسلة واحدة.

الخطاب الأول إلى الأمريكان – يونيو 1975

السيدات والسادة، من منا لم يسمع بشعار “يا عمال العالم اتحدوا!” الذي بقي يصدح في أرجاء العالم طوال 125 عام؟ والذي بإمكانكم قراءته اليوم في أي كراس سوفيتي، أو في أي عدد من صحيفة (البرافدا). إلا أن قادة الاتحاد السوفيتي لم يستخدموا هذه الكلمات أبدًا بمعناها الحقيقي أو بإخلاص نقي. إلا أن تراكم الكثير من الأكاذيب على مدى عقود من الزمن يجعلنا ننسى الكذبة الأساسية والجذرية، تلك الكذبة التي تمتد إلى أعماق جذور الشجرة ولا تظهر على أوراقها.
على سبيل المثال، لا يمكن لأحد أن يتذكر أو حتى يصدق التالي: لقد قمت مؤخرًا بإعادة طبع كتيب من عام 1918 يُعد بمثابة إحاطة مفصلة لاجتماع جميع ممثلي المصانع في “بتروغراد” – وهي المدينة المعروفة في بلدنا باسم “مهد الثورة”. ودعوني أكرر: لقد كان ذلك في شهر مارس من عام 1918 – أي بعد أربعة أشهر فقط من اندلاع ثورة أكتوبر، وقد كان جميع ممثلي مصانع بتروغراد ينكرون على الشيوعيين مخالفة جميع وعودهم التي قطعوها لهم. علاوة على ذلك، لم يكتف الشيوعيون بترك بتروغراد تعاني من البرد والجوع، بل فروا بأنفسهم من بتروغراد إلى موسكو، سوى إنهم أصدروا الأوامر بفتح نيران الرشاشات على حشود العمال الذين تجمهروا في ساحات المصانع مطالبين بانتخابات لتشكيل لجان مصانع مستقلة.
اسمحوا لي بتذكيركم مرة أخرى: كان ذلك في شهر مارس من عام 1918. وبالكاد أن يتذكر أي أحد الآن أفعال أخرى مشابهة: سحق إضرابات بتروغراد في عام 1921، وإطلاق النار على العمال في كولبينو في نفس العام…
في بداية الثورة، كان كل من هم في قيادة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي هم من المثقفين المهاجرين، والذين عادوا بعد الاضطرابات التي اندلعت بالفعل في روسيا للقيام بالثورة الشيوعية. لكن أحدهم كان عاملًا حقيقيًا، وهو مشغل مخرطة ماهر للغاية حتى آخر يوم في حياته، إنه “ألكسندر شليبنكوف” – من يعرف هذا الاسم اليوم؟ إلا أنه هو الذي كان يعبر عن المصالح الحقيقية للعمال داخل القيادة الشيوعية. وفي السنوات التي سبقت الثورة، كان شليبنكوف هو الذي يدير الحزب الشيوعي بأكمله في روسيا وليس لينين الذي كان مهاجرا. وفي عام 1921، ترأس المعارضة العمالية التي اتهمت القيادة الشيوعية بخيانة مصالح العمال وسحق واضطهاد البروليتاريا وتحولها إلى بيروقراطية. لقد اختفى شليبنكوف عن الأنظار، حيث تم القبض عليه فيما بعد، ولأنه كان صامدًا ومؤثرًا على الأرض فقد تم إطلاق النار عليه في السجن؛ ربما لا يعرف معظم الناس هنا اسمه اليوم. لكنني أذكركم: قبل الثورة، شليبنكوف هو من كان رئيسًا للحزب الشيوعي الروسي، وليس لينين.
ومنذ ذلك الوقت، لم تتمكن الطبقة العاملة مطلقًا من المطالبة بحقوقها، وعلى العكس من جميع الدول الغربية، فإن طبقتنا العاملة لا تتلقى سوى الصدقات، ولا يمكنها الدفاع عن أبسط مصالحها اليومية، ويُنظر لدينا إلى أبسط إضراب بشأن الأجور أو تحسين الظروف المعيشية على أنه ثورة معادية. وبفضل طبيعة النظام السوفيتي المغلقة، ربما لم تسمعوا أبدًا عن إضرابات عمال النسيج في عام 1930 في إيفانوفو، أو عن الإضطرابات العمالية في عام 1961 في موروم وألكسندروفو، أو عن انتفاضة العمال الكبرى في نوفوتشركاسك عام 1961 – في زمن خروتشوف، بعد فترة الذوبان المزعوم. وسوف أسرد قصة هذه الانتفاضة بالتفصيل في كتابي “أرخبيل غولاغ” – إنها قصة تتحدث عن ذهاب العمال في مظاهرة سلمية إلى مقر الحزب في نوفوتشركاسك، حاملين صور لينين، للمطالبة بتغيير الأوضاع الاقتصادية. حيث تم إطلاق النار عليهم بالرشاشات وتفريقهم بالدبابات، ولم تتمكن أي عائلة حتى من انتشال جرحاها أو موتاها: إذ تم أخذهم جميعًا سرًا من قبل السلطات.
ولست بحاجة لأن أشرح للحاضرين هنا اليوم كيف أن بلدنا لم تحظى بنقابة عمالية حرة مطلقًا منذ أن اندلعت الثورة.
إن قادة النقابات العمالية البريطانية غير مقيدين في ممارسة اللعبة التافهة المتمثلة في القيام بزيارات لنقابات عمالية سوفيتية وهمية، وتلقي زيارات بغيضة في المقابل. بينما لم يستسلم اتحاد العمل الأمريكي أبدًا لمثل هذه الأوهام. كما لم تسمح الحركة العمالية الأمريكية لنفسها أبدًا بأن تكون عمياء وأن تخلط بين الحرية والعبودية. واليوم، نيابة عن جميع أبناء شعبنا المضطهد، أشكركم على هذا!
في عام 1947، عندما كان المفكرون الليبراليون والحكماء في الغرب من الذين نسوا معنى كلمة “حرية”، يقسمون أنه لا توجد معسكرات اعتقال في الاتحاد السوفيتي على الإطلاق، نشر اتحاد العمال الأمريكي خريطة معسكرات الاعتقال لدينا، وبالنيابة عن جميع سجناء تلك الفترات، أود أن أشكر الحركة العمالية الأمريكية على ذلك.
ولكن كما نعد أنفسنا بأننا حلفائكم هنا، يوجد أيضًا تحالف آخر سوف يبدو للوهلة الأولى بأنه تحالف غريب ومدهش، ولكن إذا فكرتم في الأمر، ستجدون أنه تحالف وثيق ويسهل فهمه: إنه التحالف القائم بين قادتنا الشيوعيون وقادتكم الرأسماليون.
إن هذا التحالف ليس بجديد، حيث أن “أرماند هامر” الشهير للغاية، والذي يحتفى به هنا اليوم، هو من وضع الأساس لهذا التحالف عندما قام بأول رحلة استكشافية إلى روسيا السوفيتية في عهد لينين في فترة السنوات الأولى من الثورة. وقد كان ناجحًا للغاية في مهمة الاستطلاع هذه، ومنذ ذلك الحين، ونحن نرى دعمًا مستمرًا وثابتًا يقدمه رجال الأعمال في الغرب للقادة الشيوعيين السوفيت طوال هذه الخمسيت عامًا. إن الاقتصاد السوفيتي الممزق والمتعثر، والذي لم يستطع استدراك صعوباته بمفرده، يتلقى باستمرار المساعدة المادية والتكنولوجية. حيث تم تشييد مشاريع البناء الكبرى في الخطة الخمسية الأولية حصريًا باستخدام المواد والتكنولوجيا الأمريكية. حتى أن ستالين اعترف بأن ثلثي ما كان مطلوبًا تم الحصول عليه من الغرب. وإذا كان الاتحاد السوفيتي اليوم يحظى بقوات عسكرية وبوليسية قوية – في بلد يتضور جوعًا بالمعايير المعاصرة – قوات تُستخدم لسحق حركتنا من أجل الحرية في الاتحاد السوفيتي – فليس أمامنا سوى الرأسمالية الغربية لنشكرها على ذلك أيضًا!
دعوني أذكركم بحادثة وقعت مؤخرًا ربما يكون بعضكم قد قرأ عنها في الصحف، وقد يكون البعض الآخر لم يسمع بها: إن بعضًا من رجال أعمالكم أقاموا بمبادرة منهم معرضًا لتكنولوجيا علم الجريمة في موسكو. وقد عُرضت فيه أحدث التقنيات وأكثرها تفصيلًا، تلك التقنيات التي تُستخدم هنا في بلدكم للإيقاع بالمجرمين، وملاحقتهم، والتجسس عليهم، وتصويرهم، وتتبعهم وتحديد هويتهم. تم عرض كل ذلك في موسكو ليتمكن عملاء المخابرات السوفيتية من دراسته، كما لو أن رجال الأعمال لم يفهموا أي نوع من المجرمين ستطاردهم المخابرات السوفيتية.
لقد سال لعاب الحكومة السوفيتية على هذه التكنولوجيا وقررت شراءها، وقد رغب رجال أعمالكم ببيعها أشد الرغبة. ولولا أن بعض الأصوات الرصينة القليلة هنا تثير بعض الضجة حول تلك الصفقة ويتم الغاؤها، لكانت مرت مرور الكرام. لكنكم يجب أن تدركون مدى ذكاء المخابرات السوفيتية، إذ إن هذه التكنولوجيا لم تكن مضطرة للبقاء أسبوعين أو ثلاثة أسابيع في مبنى سوفيتي تحت الحراسة المشددة، كانت ليلتان أو ثلاث ليال كافية للمخابرات لتقوم باستكشافها ونسخها. وإذ يتم اليوم اصطياد الأشخاص بأفضل وأكثر أنواع التكنولوجيا تقدمًا، فإنني أشكر الرأسماليين الغربيين على ذلك أيضًا!
إن هذا شيء يكاد لا يعقله العقل البشري: إنه جشع شديد للربح يتجاوز كافة الأسباب، وكل ضبط للنفس، وكل ضمير، فقط لجني الأموال!
يجدر بي القول أن لينين كان قد تنبأ بهذه العملية برمتها. لينين، الذي قضى معظم حياته في الغرب وليس في روسيا، والذي كان يعرف الغرب أفضل بكثير من معرفته بروسيا، كتب دائمًا وقال إن الرأسماليين الغربيين سيفعلون أي شيء لتقوية اقتصاد الاتحاد السوفيتي، وسوف يتنافسون مع بعضهم البعض لبيعنا سلعًا أرخص أسرع من بعضهم البعض جتى يشتري السوفيت من بعضهم بدلًا من الآخر. وقد قال: سوف يأتون إلينا بكل شيء دون أن يفكروا في مستقبلهم. وفي لحظة حرجة خلال اجتماع حزبي في موسكو، قال: “أيها الرفاق، لا داعي للذعر، عندما تشتد علينا الأمور للغاية، سوف نمنح البرجوازية حبلًا، وستشنق البرجوازية نفسها”.

ترجمة: غسان مازن

الاختراقية ـ مانيفست سياسي للخروج من أزمة الديمقراطية والفوضى ٢/٤

‫تنظير سياسي: الاختراقية ـ مانيفست سياسي للخروج من أزمة الديمقراطية والفوضى


٢/٤ اختراق الأسطورة

قبل أيام قليلة كتبت مقالًا عن موضوع شغل اهتمامي في الآونة الأخيرة لدرجة جعلتني أعيد النظر جذريًا بعلاقتي ككاتب مع القارئ واختياري لأي وسط أو أسلوب [يراعي عامل الزمن] يعالج انحسار شباك الانتباه والاستيعاب عند المتلقّي المعاصر [أي هوموسابينس مرتبط بالإنترنت] في ظل التنافس الشديد للحظي بانتباه ووقت المتلقّي وهذا الصخب الفوضوي والتراكم المعلوماتي الذي لا تسعه قدراتنا الذهنية القديمة تطوّريًا لو قيّمنا هاردويراتنا [أدمغتنا] من جانبها التطوّري والوظيفي. 

أنا بشكل عام لا أكتب للعامة بل للمهتم فقط ـ عقلية أفترضها ذهنيًا، كما ولا أنطلق من افتراض أن أي حل سياسي يجب أن يأتي من الأسفل نحو الأعلى، بل على العكس، وأظن أن هذه بديهيات يتفق عليها أي مفكّر بعقلية فلسفية يمينية عودية. لكن التذكير هو من باب ترتيب العلاقة القصيرة الأمد بيني وبينك خلال الدقائق القادمة، مفترضًا أن القارئ في المتوسّط هو شخص مهتم ويستمد أغلب تركيزه في قراءة مثل هذه المقالات واستثمار وقته ”الثمين“ من رغبة باطنية حقيقية. دوافع هذه الرغبة تتناوب بين المتعة، الفضول، الرغبة بالتسلّح فكريًا وبين الحفاظ على تواصل مستمر مع الأجواء السياسية. 

عالم السياسة واسع جدًا، وله اتجاهات فلسفية مختلفة قد يسعها عقل المطّلع البسيط، لكن العمق الفلسفي السياسي لكل نظرية يوازي أحيانًا أعماق البحار، وحجم الفجوة يكبر مع كل كتاب تقرأه. من باب، هذا يعلّمك التواضع في تفكيرك، لكن من باب آخر، الحياة تستمر وبقساوة وفيها مشاكل وكوراث سياسية تصرخ في وجهك مطالبة بحلول سريعة، واقعية. كما يكشف لك سطحية وركاكة بعض البالونات الفكرية التي تشغل حيزًا تاريخيًا لا تستحقه فعلًا.
جانب من الخبرة التي قد يكسبها المفكّر المهتم وبعمق تفصيلي ممل بالتاريخ والفلسفة السياسية يسمح له بأن ينتقل من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنظير: المعالجة. لكن قبل المباشرة، على من يملك القدرة والرغبة بمعالجة الواقع تجاوز فخّين فكريين:

ـ الخروج من دائرة التنظير الواقعي إلى الطوباوي.
ـ عدم الانصياع لمعادلة توازن القوى وتوزيع السلطة. حيث أن الرجال الذين يشاركون في حركة اجتماعية جديدة وكبيرة يتخيلون دائمًا أن عملهم القادم هو معركة من المؤكد أن تنتصر فيها قضيتهم.


مثل الفرضية العلمية، النموذج السياسي المثالي هو منتج فكري يخرج به المنظّرون بعد ملاحظة ومناقشة ”الحقائق“ المعروفة، ويسعون إلى إنشاء نموذج يمكنهم من خلاله مقارنة المجتمع الحالي وتقييمه من أجل تقدير مقدار الخير والشر، النظام واللانظام الذي يحتويه. تأثير هذه النماذج الطوباوية كان دائمًا العامل الأكبر في توجيه عقول الرجال نحو ”الإصلاحات التي يمكن تحقيقها“ من خلال إصلاح النظام الحالي نفسه.
لو تتبعت الأحداث التاريخية، خصوصًا الإصلاحات السياسية في المجتمعات البشرية في القرنين الأخيرين: سيكون من الصعب جدًا فهم الدوافع خلفها دون مراعاة ديناميكية توزيع السلطة والثروات داخل المجتمع. المحفّزات للتغير والتنظير على المستوى الأكاديمي تستمد شرعيتها من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تهيمن على الشارع وتشغل اهتمام الوسط السياسي. التغيير في قواعد هذه النماذج الإصلاحية ممكن حتى في ظل استخدام العنف كوسط لحل النزاع، وهي قابلة للتعديل والإضافة بشكل عام أو حتى الاحتفاظ ببعض القديم. ولذلك قد تأتي وتطبّق في غضون عقود بسيطة من الزمن وقد تنتهي بشكل سريع نسبيًا. 

الآن، بجانب الفلسفات السياسية أو النماذج الإصلاحية التي تغيّر من معادلة القوى بين الحين والآخر، هنالك نماذج ”إصلاحية“ تتجاوز الواقع والطوباوية حيث لا يمكن سوى تشبيهها بالأسطورة.
وعلى عكس الفرضيات السياسية أو الأنظمة الطوباوية، الأسطورة لا تخضع للتقييم المنطقي ولا لميزان التخطئة بين الصواب الخطأ. فالحقائق لا يمكن أن تثبت أنها خاطئة، ببساطة لأنه لا يمكن دحض الأسطورة وهي مدرّعة بجدار عاطفي لا يخترقه المنطق. الماركسية، الديمقراطية والفكر الثوري هي من هذه الأساطير. طبعًا لا ينبغي لنا أن نحاول تحليل مثل هذه الأساطير والأيديولوجيات بالطريقة التي نحلل بها الشيء إلى عناصره، بل يجب أن نحاول فهمها كقوى تاريخية، كتكتّلات (مظاهرات؟) اجتماعية بشرية بعواطف ونسبة مؤثرة من مصادر السلطة؛ كما ويجب أن نحرص على عدم إجراء أي مقارنة بين التبعات الكارثية في نظرنا لهذه الأحداث وبين الصورة التي تخيّلها الناس عن نفسهم وعن طبيعة المجتمع قبل أن يحدث أي شيء. 

حقيقة ما يهمني هنا هو تأثير ”الفكرة“ وسيطرتها على ذهن الإنسان كحشرة طفيلية تتحكّم بكل جوارحه وكل تصوّراته عن الحاضر وعن المستقبل. ولا نستغرب عندما يكون الشباب الطموح والمثقل بالضغط الاجتماعي والآمال وما زال في بداية صناعة مستقبله هو الضحية الأسهل لأن يهيمن على عقله خيال الأسطورة. فهم الديناميكية خلف تأثير هذه الفكرة يساعد في الكشف عن منافذ أو لا انتظامية داخل النظام نفسه. اختراق هذه المنافذ هو الوسيلة لغاية أكبر: إسقاط النظام نفسه من الداخل وبوسائله.  

بعيدًا عن التصوّرات النظرية، دعنا نعود إلى الواقع: الناس الذين يعيشون في عالم الأساطير هذا هم في مأمن من كل تفنيد ونقد، ولذلك أنظّر ”لاختراق“ هذه الأنظمة بنفس الوسائل التي جاءت بها، من داخل الأسطورة نفسها. وقبل أن أقع في مغالطة تقليدية: شخصيًا لن أراهن على شيء ولا أضمن أن الفكرة ستصل لمن يملك مستلزمات التغيير الشرطية: السلطة والمال والنفوذ.
في تأمّلاته حول العنف (ربما أفضل ما كتب في تحليله لعلاقة العنف والفساد العكسية)، ذكر الفيلسوف الفرنسي الذي غازل الفاشية والماركسية معًا، جورج سورل، أنه لا يوجد فشل يثبت أي شيء ضد الاشتراكية. ببساطة، لأن الاشتراكية [والديمقراطية كذلك] أسطورة أصبحت مرادفًا تحضيريًا للثورة في ذهن الكثير من دعاة دين الإنسانوية ومن الأجيال الجديدة التي لم تذق طعم المر وتجارب الماضي الدموية التي قدّمتها الأنظمة الشيوعية والاشتراكية وما زالت حتى اليوم. أسطورتها تجعلها تستمر إلى اليوم، فحتى إذا تم إخضاعها لميزان التخطئة، فهذا يثبت فقط لهؤلاء أن المحاولة لم تكن كافية أو جادة أو كما بدأنا نسمع مجددًا في الآونة الأخيرة: الفشل في التطبيق لا في النظرية، والاشتراكية لم تجرّب بشكل ”حقيقي“ بعد؛ وعليه، يجب أن يشرع المناضلون في العمل مرة أخرى بمزيد من الشجاعة والمثابرة والثقة أكثر من ذي قبل.

حتى تستمر عبر الأجيال، رغم السجل السياسي والاقتصادي الكارثي عبر التاريخ الحديث، يجب أن تحمل هذه الأسطورة في داخلها على تصوّرات اجتماعية مضادة للنقد، مضادة للتاريخ، أشبه بالطفرات التأقلمية التي تجيد باستمرار تحفيز الوعي الجمعي داخل أمة أو شعب أو طبقة اجتماعية معيّنة وتكون قادرة على إثارة مشاعرهم وتوجيه طاقاتهم نحو صياغة هوية جمعية تقمع الهوية الفردية بشكل ضمني. استيعاب البعد الأسطوري لهذه الأفكار التي تحرّك [الثوريين النشطاء] ورفاقهم بقوة، لا يساعدنا في اختراق هذه الأنظمة فحسب، بل يذكّرنا بأن الحضارة التي لا تحافظ على نفسها ولا تمرر هذه المعرفة إلى الأجيال القادمة، سوف تصبح هي الأخرى ضحية لنفس الأسطورة في المستقبل.


لكن ما الّذي تشترطه الأسطورة، بجانب المناعة التاريخية، قبل أن تصل لهذه المرحلة؟
دعني أصفه بالاختلال الوظيفي. ولأن المصطلح مستوحى من المناخ الفكري في مهنتي، سأعتمد عليه في توضيح الفكرة: الخلايا السرطانية في العادة تحتاج إلى طفرات جينية تمكّنها من تجنّب الموت عند مواجهتها خلايا منظومة الجهاز المناعي، هذه الطفرات قد تحدث في مئات الجينات داخل الخلية حتى تمتلك هذه القدرة. هذه القدرة على الاستمرار وتجنّب الموت الخلوي تأتي دائمًا على حساب الأداء الوظيفي الطبيعي للخلية. الأنظمة الاشتراكية الشيوعية والديمقراطية تطوي في جوفها خللًا وظيفيًا تطفو آثاره إلى السطح بشكل لا يمكن تجاهله لو حللت ديناميكية الحراك الاجتماعي داخل أي نظام ديمقراطي. سأعود لهذه النقطة بعد قليل. 
الخلل الوظيفي هذا وفشل الأنظمة هذه في تطبيق التصوّرات وتحقيق آمال المنظّرين والثوّار قبل اندلاع الثورات يضفي على هذه الأنظمة طابعًا أسطوريًا بجانب مناعتها النقدية ضد التاريخ. لو سألت أشد المعجبين والمدافعين عن الديمقراطية كنظام حكم غير استبدادي عن رأيه في الوضع الديمقراطي الحالي في أبرز الدول التي تصنّف نفسها وفق هذا المعيار، ستجده يقر بأن الأنظمة هذه تحتاج إلى إصلاحات وأنها مهددة دائمًا وفي خطر مستمر. في عام ٢٠١٥ كنت أطالع كتاب ألن ولف ـ ”مستقبل الليبرالية“
وكيف أن الليبرالية بحاجة ماسة على استعادة التوازن السياسي والفكري خصوصًا بعد الكساد الاقتصادي في ٢٠٠٨. يقول ولف: 
”يجب تذكير المجتمعات الديمقراطية الليبرالية باستمرار بأخذ الليبرالية التي تحدد هويتها على محمل الجد؛ كما ويجب أن تفهم النداءات المطالبة بإلغاء القواعد الأخلاقية والقوانين الديمقراطية كفرصة للتذكير بأهمية هذه القواعد ولماذا جاءت في بادئ الأمر.  […]

وكما لا ينبغي لنا أن نتجاهل الليبرالية من النوع المزاجي الطموح والتقدّمي، المنفتح على الشعور بالاكتشاف والتطلّع إلى المستقبل بإثارة والتعامل مع العالم بروح كريمة.

لكنه شيء آخر ومرفوض عندما يتحول اليساريون إلى محافظين مزاجيين، غير مستعدين لرؤية طرق حياتهم تتغير، أو أفكارهم تُتحدى، أو رؤية مزاياهم الاجتماعية وهي تنكشف. فمن غير المرجح أن تحقق الليبرالية مكاسب كبيرة في السياسة إذا استمرت في معاناتها من هذه الخسائر“.


واقعيًا هذا ما يحدث حول العالم، وربما أبرز تبعاته هي فوز ترامب في ٢٠١٦، الضربة الموجعة التي لم يستوعبها اليسار إلى اليوم. 

لكن بعيدًا عن التبرير المعهود والمحاولات الباهتة التي قد تبدر عن أي نورمي يستمد معلوماته السياسية من عناوين البوستات على الفيسبوك وتويتر، الديمقراطية نظام يمكن إثبات خلله الوظيفي بشكل تقني بسيط.
إن لم تقرأ عن تحليل روبرت ميشيلز البارع لديناميكية تحوّل التجمّعات الديمقراطية الحزبية إلى هياكل أوليگارشية، فهنا فرصة للاطلاع على بعض المفاهيم الجوهرية في تحليله الذي جاء في بداية القرن الماضي:

 مع تزايد التنظيم، يتضاءل معيار الديمقراطية ويزداد معيار الأوليگارشية. هذا ”القانون“ يصف التحول من الهياكل الديمقراطية إلى الهياكل الأوليگارشية في المنظمات الاجتماعية عامة، من الجمعيات النقابية وحتى داخل الأحزاب السياسية. يمكن تقسيم القانون إلى ثلاث فرضيات:


ـ تميل البيروقراطية إلى توليد نخبة في السلطة.

ـ المجموعات الكبيرة من الناس تشكّل دائمًا تنظيمات بيروقراطية لأسباب تتعلق بالكفاءة.

ـ الأوليگارشية الناتجة تؤدي بدورها إلى فساد هذه النخبة الحاكمة.

يمكن شرح هذه الأطروحات بالتفصيل على النحو التالي:

الأحزاب المنظمة ديمقراطيًا والشعبية خصوصًا تميل مع زيادة عدد الأعضاء نحو تأسيس جهاز بيروقراطي داخلها ينظّم هذه الكثرة. وهو أمر قد يبدو لك بديهيًا لوهلة، لكن هذه هي ديناميكية محتومة ولا مفر منها، ووراء ذلك تبعات مهمة جدًا يجب أن نضعها في الحسبان.

الهيمنة الجماعية تعني أن لكل عضو في المجموعة صوت وتأثير متساووين في المقدار والسلطة، ويمكنه بالتالي المشاركة في صنع القرار الخاص بالمجموعة بنفس القدر. بمعنى آخر، في قاعة كبيرة تجمع ألف شخص، حتى تناقش قرارًا واحدًا وبمدة دقيقتين لكل عضو، يعني أن النقاش وحده سيستغرق قرابة اليوم والنصف بشكل مستمر! تقنيًا الديمقراطية لا تستطيع تجاوز هذه النقطة، ولذلك لا مفر من الانتقال إلى النيّابية في الحكم لضمان صنع القرار الديمقراطي.

وقبل كل شيء، يجب إيجاد أماكن كبيرة بما يكفي لتوفير مساحة لجميع الأعضاء، وإلا فإن المشاركة في الجمعيات العامة غير ممكنة لجزء كبير من الحزب. ربما يبقى خيار واحد فقط وهو التجمع في الهواء الطلق، *لول*. وحتى هذا الخيار، فهو محدود في قابليته للتطبيق بسبب تنوّع الطقس والمناخ السائد. بالإضافة إلى ذلك، الجماهير الكبيرة تكون في العادة أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية في صنع القرار من المجموعات الأصغر، كما وتكون أكثر عرضة للتذبذبات العاطفية. فيديو بثواني معدودة على تطبيق السمارتفون يمكن أن يغير مزاج شعب كامل في ليلة وضحاها.
ولكي نزيد الطين بلّة، الأحزاب التي يتعين عليها فرض نفسها بسبب التنافس الشديد على السلطة مع الأحزاب الأخرى، تحتاج إلى هيكل هرمي مناسب لتجميع قواها في ”النضال السياسي“. وفقًا لميشيلز، هذا يتوافق مع التسلسل الذي لا يختلف عن التسلسل الهرمي للجيش. مركزية السلطة وبالتالي جعل العمليات والقرارات فعاّلة وسريعة بقدر الإمكان.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التفويض، حيث يتم تعيين المهام لأشخاص أو مجموعات من الأشخاص من أجل حلها بشكل أكثر كفاءة. هذا يعني أن الديمقراطية الفورية تعمل بمساعدة النظام التمثيلي. وهذه هي اللاانتظامية [anomaly] داخل النظام نفسه: استغلال الديناميكية في توزيع السلطة. تادددااا! لو امتلكت زمام السلطة وأردت اختراق النظام الديمقراطي مستقبلًا، فها أنا هنا أقدّم لك المفتاح إلى جبل إيريبور؛ مواجهة سموگ سأتركها لك.


مع تزايد التعقيد الذي يتماشى مع حجم الحزب، يحتاج الممثلون المنتخبون بشكل متزايد إلى الكفاءات من أجل أن يكونوا قادرين على إنجاز المهام الموكّلة إليهم. ويتم اكتساب هذه الكفاءات، من بين أمور أخرى، في الأنظمة التعليمية والتجارب المهنية وربما الشخصية. هذه الكفاءات المكتسبة، والتي تميّز الممثلون مسبقًا عن الأعضاء الآخرين أو الجمهور، تجعلهم يكتسبون وبشكل متزايد فرصًا أكثر وحجمًا أكبر في التأثير على سياسة ومستقبل الحزب والآراء المناسبة فيه ضمن شباك أوڤرتون. إشكالية كبيرة من الناحية الديمقراطية لو تجاهلت إرادة الأغلبية. الآن تأمّل الواقع السياسي الديمقراطي حولك، يا ترى، هل هو أوليگارشي أيضًا؟

يتبع..

الرأي السياسي المعاصر هو قبل كل شيء سلعة، وأنت البائع والمشتري والسلعة في نفس الوقت

الرأي السياسي المعاصر [رأيك أيضًا] هو قبل كل شيء سلعة، وهذا ما تستهدفه الشركات العالمية والتطبيقات التقنية لحظة بلحظة.

الخوارزميات المحفّزة للسلوك الاستهلاكي والتواصل، سواء هنا أو في الإنترنت بشكل عام، تفهم غرائزنا وتنجح في مخاطبة دوافعنا أفضل حتى من أقرب الناس إلينا ولسبب بسيط: سلوكياتنا اللاعقلانية ليست عشوائية وإنما هي منهجية ويمكن التنبؤ بها (.Ariely et al)، فالتشابك العصبي المتشابه داخل أدمغتنا قديم وأنماطه ثابتة ومحكوم بغرائز ووظائف تبلورت عبر ملايين السنين. وما تبرع هذه التطبيقات والمواقع في تطبيقه هو تحفيز ودغدغة أحد أعمق الغرائز البشرية: التواصل الاجتماعي مع الآخرين. لكن مع الآلاف في غضون ثواني ودقائق؟


هذا ما لم تستعد له أدمغتنا من قبل ولم تتدرّب عليه. ببساطة، التقنية أسرع من التطوّر نفسه حتى تتأقلم أدمغتنا معه، وبالتالي نحن ضحية تُفتَرس، انتباهنا ووقتنا القصير والثمين يُستَنزفان باستمرار حتى ندمن. وقدرة الدماغ على الاسترخاء والقراءة الطويلة واستهلاك المعلومات بهدوء لم تعد خيارًا متاحًا، بل عليك أن تعالج نفسك من أجله!
قدرة السوشيال ميديا والـ smart phone وتطبيقاته على تكبيل انتباهنا وجرّنا نحو الإدمان بهذه المهارة جعلتني أعيد النظر بكل الوسائل القديمة في طرح وتبادل المعلومات. السؤال الأهم لم يعد كيف، بل كم من الوقت أملك قبل أن يفقد القارئ، بل وحتى المهتم، صبره ويحفّزه انخفاض دوبامينه على البحث عن استثارة جديدة؟

لو تابعت نمو وانتشار الآراء السياسية منذ بداية الألفية الثالثة وحتى اليوم، قد تصل بنفسك لاستنتاج تسطّحها الفكري وتقويض المنطق فيها من أجل عواطف الجموع وكسب أكبر توافق اجتماعي ممكن. أنه الصراع على العواطف قبل أن يكون على العرش، فالعرش نفسه ديمقراطي، كعكة كبيرة موزّعة بين الجميع.
دعك من الاستنتاج نفسه، استفسر بنفسك [في حالة امتلاكك لوقت كافي] عن المنظمات الحكومية والحزبية والانتخابية حول العالم وكيف تدرس السلوك الانتخابي، الترندات السياسية، الرأي العام: ما هي معاييرهم؟ كيف تتغيّر آراء الجموع من شهر إلى آخر؟ كيف يؤدي تصريح أو حادثة ما إلى انقلاب تام في الأرقام؟

لا أظن أنه سيصعب عليك استيعاب فكرة نجاح التزاوج بين الليبرالية الديمقراطية والرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية. لاحقًا، عندما سقط جدار برلين في نهاية القرن الماضي، لم يكن للحلفاء [الناتو] أي رغبة حقيقية باجتياح ألمانيا الشرقية أو التدخّل العسكري فيها، على عكس ما خشيه القادة البارزين داخل الـ HVA [جهاز الاستخبارات الأجنبية في ألمانيا الشرقية]. في هذه الفترة كانت الثقة في اجتياح الغرب للشرق اقتصاديًا أحد أكبر الكوابيس السياسية التي خشيتها موسكو وبرلين الشرقية، بل تجاوزت حتى مخاوفهم من اندلاع حرب نووية بين الجانبين. لا تستغرب، يمكنك تخيّل الشركات الغربية الرأسمالية وهي تتسابق بأيام قبل سقوط الدولة نهائيًا على الانقضاض على انتباه وغرائز المواطن الشرقي ”المحروم“. الحظي بحقوق الإعلانات كان ومازال الهدف السامي والإبن البار من هذا الزواج الأيديولوجي؛ طبعًا لا ننسى تحت مسميّات تقليدية ناجحة كالحرية والانتخابات الحرة والديمقراطية. أظنك استهلكت هذه السلعة من قبل وتعلم جيدًا مدى تأثيرها في إشباع رغبة المواطن ”الحر“ بالحرية. حرية الاستهلاك المادي والإفتاء الفكري دون ضوابط وبعيدًا عن أي هرميات تفلتر الغثّ من السمين وتحفّز على العناء والتسلّح بالمنطق، لا تقويضه.

الرأي السياسي المعاصر هو قبل كل شيء سلعة: ولأنه لا يحتكم لأصول المنطق، يصبح رهينة للترند والماينستريم والـ Zeitgeist بشكل عام. وعندما تكون لطفلة بـعمر الـ ١٦ سنة تفتقر للتجارب في الحياة والاستيعاب اللازم لمشاكلها القدرة على عرض سلعتها السياسية كما يعرضها المليارات غيرها أونلاين ودون رقابة، وتلاقي هذا التفاعل الكبير [أرقام وklicks]، فهذا يجعلها سلعة برأسمال كبير، سلعة تستقطب المصادر، الانتباه وتحفّز الاستهلاك. ومن هنا نقوّض التجربة والحكمة والكفاءة من أجل إتاحة فرصة الاستهلاك للجميع [قوة شرائية]. الآن أضف إلى الوصفة بعض العواطف الجيّاشة والمغامرات الفنطازية بإنقاذ الكوكب: كل ما تحتاجه هو هاشتاگ، حساب على تويتر أو أي موقع آخر وصحفي يغطّي الخبر حتى يحتفظ بموقعه أو ”يطش، كما يقول العراقيون؛ go viral“.

من بين الكثير من اللغط الذي تركه أدورنو خلفه، إلا أنه أدرك مخاطر هذا الزواج وإن عجز عن أن تشخيص العلاج الصحيح وحاول إعادة اكتشاف العجلة بالعودة إلى هيگل، ماركس وفرويد. سأعود بدوري إلى استنتاجه واربطه بالتشخيص الواقعي.

كما نفهم من أدورنو ومن بعض رواد مدرسة فرانكفورت [مدرسة فلسفية مزجت بين الفرويدية والماركسية والهيگلية في بداية القرن الماضي، ولك أن تتخيل شكل الهجين]، في مجتمع تحكمه الثقافة الشعبية [اليوم: + الترندات] تصبح كل ثقافة سلعة؛ ويُعرَّف الفن بقيمته الاقتصادية، لا بالمعايير الجمالية التي تلعب دورًا في تحليل العمل الفني ودوافعه وأوجهه التعبيرية. وبهذه الطريقة تصبح القيمة الاقتصادية دالة الجمالية نفسها: السلعة.

حيث تظهر الصناعة الثقافية على أنها ضلال يضفي طابعًا طبيعيًا على العلاقات الاجتماعية للسيطرة عليها. التحليل هنا مفهوم ولوحظ في بادئ الامر في الولايات المتحدة وإنگلترا وبقية الدول التي انضمت إلى القطار الصناعي، أبرزها تلك التلي تخلّت عن أنظمتها الهرمية وانصاعت لموجة الدمقرطة.
هذا ”الاسمنت الاجتماعي“ يعمل كوسيلة للهيمنة والتكامل. التكامل فيه يأتي من ملاحظة أن الإنتاج دائمًا ما ينظّم الاستهلاك أيضًا. وهذا ما يجبر ”المثقفين“ أيضًا على إنتاج المعرفة التي تخضع لنسبة فائدة أو تنتج واحدة.
اليوم، وبواسطة تطبيقات كـ تيك توك وإنستگرام وغيرها، صار استهلاك المتع الزائفة والقصيرة ممكنًا بواسطة وسائط الإعلام والتواصل، بل وبالعشرات من المحفّزات في اليوم الواحد، ما يجعل الناس وخصوصًا الصغار في حالة من الانقياد لها بغض النظر عن ظروفهم المادية وقدرتهم الشرائية: وهل هنالك متعة أكبر من تبذير أموال ليست بحوزتنا بعد؟

الخطورة تكمن في أن هذه المحفّزات تستهلك انتباهنا بشراهة وتستنزف وقتنا بشكل محبط وتافه، بل أنها تخلق حاجات نفسية نعجز عن إشباعها إلا من خلال الاستهلاك مجددًا. والأسوا أنها تعطّل القدرة على التأمّل في الأمور والأحداث واتخاذ القرار الصائب وسط الفوضى والضجيج والتسارع التقني. بل تقف كعائق بيني وبينك، فوقتك وانتباهك تدرّبا على الفيديوهات والمقاطع القصيرة، واستهلاك المعلومات الطويلة والأخبار السريعة، ولا يمكن لي أن أنافس أي محفّز دوباميني آخر سيحظى بانتباهك بعد قليل. لا تعلم، ربما تقرأ عنوانًا دون الحاجة لقراءة المقال نفسه ومصدره، وبالتالي تضيف لخزينك السياسي ”معرفة“ جديدة خلال ثواني فقط. صدّق بهذه السرعة وبهذه ”الكفاءة“ يحصد مثقفي اليوم والـ SJW والـ Influencers إرثهم الفكري والمعرفي. لكن على ما يبدو، هذا ما يتطلّبه عصرنا لكي تتثقّف.

مراجعة كتاب تاريخ قصير للبشر الجزء الأول

كتبها : أحمد حمندي

يعد هانز هيرمان هوبه من أبرز الباحثين الليبرتاريين اليمينيين paleo-libertarians في هذا العصر ، حصل على الاستاذية في الاجتماع و الإقتصاد من جامعة ( غوته) ، وله مسيرة اكاديمية باهرة .

يقول هوبه عن كتابه تاريخ قصير للبشر :

ان ما يميز دراساتي هو أنها تفسر وتؤول تاريخ البشر من المنظور الفكري لليبرتارية النمساوية : مع خلفية معرفية في التصرفية ( الاقتصاد ) والليبرتارية ( الأخلاق ) .

يكشف هانز هيرمان هوبه في هذا الكتاب كيف يمكن لدروس الاقتصاد النمساوي ان تستخدم لمساعدتنا على فهم التاريخ .

و كما يقول ليولين روكيل “يمثل هذا العمل مقدمة مثالية لأفكار مفكر اجتماعي عظيم و ليبرتاري رائد . “

عند قراءة هذا الكتاب تشعر أن المؤلف يمسك كاميرا فيديو و يسجل من خلالها التاريخ البشري قبل 50 الف سنة ، ثم يُجزئها إلى ثلاث مراحل :

اولًا : كيف نشأت العائلة و الملكية الخاصة ؟

يجد هوبة ان انسب بداية لقراءة التاريخ البشري قبل حوالي 50 الف سنة حيث تطور فيها الانسان الحديث سلوكيا.

تتضمن هذه الفترة وجود (الصيادين و الجامعين) و لعل أهم ما يميزها كنقطة بداية الدراسة تاريخ الانسان هو إستخدام أدوات متقدمة في الصيد ( كالسهام، النصال، السكاكين ..) بالإضافة إلى صنع القوارب و الادوات الموسيقية من عظام الطيور .

و أبرز ما حدث فيها هي تغيرات جينية قادت إلى ظهور اللغة ؛ إذ يمكن للانسان التواصل و اكتساب المعرفة .

يقول هوبة بهذا الصدد

” و لكن حياة الجامعين – الصائدين واجهت تحديا أساسيا دون حل جوهري . فقد عاشوا حياة طفيلية في جوهرها : أي أنهم لم يضيفوا أي شيء إلى موارد السلع التي توفرها الطبيعة ، ولم يؤد ذلك إلا لاستنفادها . ولم ينتجوا ( غير أدوات قليلة ) بل استهلكوا فحسب ، ولم ينموا أو يربوا بل انتظروا من الطبيعة أن تولد وتجدد . وفي أفضل الأحوال ، فإن إنجازهم تمثل بعدم الإفراط في الصيد أو الجمع بحيث لم تمر عملية التجدد الطبيعية بما يقلقها أو يدفعها للتوقف ” ¹

و بسب تزايد حجم السكان فقد قامت مجتمعات الصيد بقتل الأطفال و حرّضت على إجهاض النساء

“فقد ظهرت خیارات ثلاثة فقط للتعامل مع التعداد « الفائض » المستمر بالتزاید . فيمكن للمرء أن يقاتل على مصادر الغذاء المحدودة ، ويمكن أن يهاجر ، ويمكن أن يخترع ويتبنى نمطا جديدا ومتقدما تقنيا للتنظيم الاجتماعي ، يسمح لحجم أكبر من السكان بالبقاء على نفس البقعة ” ²

و بسب سهولة الصيد نتيحة لإختراع أدوات متقدمة كما تم ذكرها آنفًا ؛ أدى ذلك إلى زيادة الموارد ( اللحوم) لكن الطبيعة الاستهلاكية لمجتمع الصيادين كانت ستقضي على المعدل الطبيعي للحيوانات و قد تصل لإنقراضها حتى و إن لم تحدث زيادة في حجم السكان .

و هذا ما يعبر عنه هوبة [ بالمشكلة المالتوسية] .

نتيجة لذلك حدث تحول من نمط حياة طفيلي إلى نمط حياة منتج عبْرَ ما يسمى [ بالثورة النيوليثية ] التي تعتبر أعظم حدث في التاريخ .

و يعني بها التحول من إنتاج الطعام بواسطة الصيد إلى انتاجه عبر تنشئة النباتات و تربية الحيوانات.

بدأت الثورة النيوليثية في منطقة [ الهلال-الخصيب] قبل 11 الف سنة.

” أن الأرض كانت تعد ملكية خاصة في مجتمعات الصيد والجمع . ولكن هل كانت ملكية جماعية ؟ هكذا كان الافتراض عادة في هذه المسألة ، بنحو يصل للبداهة . ولكن السؤال في الواقع أشد تعقيدا ، لأن هناك بديلا ثالثا : أن هذه الأرض لم تكن ملكية خاصة أو جماعية ، بل مثلت جزءا من البيئة أو بنحو أخص الظروف العامة للفعل ، أو ما يسمى أيضا « الملكية المشاع أو بإيجاز المشاعات » ” ³

يعطي هوبة مثالا يوضح كيف تحولت [ الملكية الجماعية] إلى [ ملكية فردية ]

“من المؤكد أن الأعناب المقتطفة من شجيرة تعد ملكية ، ولكن ماذا عن الشجيرة المرتبطة سببيا بالأعناب الملتقطة ؟ ….. أي ما أن تدخل الإنسان بنحو هادف في العملية السببية الطبيعية التي تربط الشجيرة بالأعناب ، عبر سقيها أو تقليم أغصانها كي تنتج حصيلة معينة كإنتاج للأعناب يتجاوز المستوى الذي كان يتوفر طبيعيا . كما أن الشجيرة ما أن أصبحت ملكية عبر تهذيبها أو العناية بها ” ⁴

” بناء على اعتباراتنا السابقة ، يجب أن يعد القطيع طبيعة غير ممتلكة ما دام الإنسان لم يقم بأي شيء يمكن أن يفسر ( وكان يقصده في فكره ) بنحو مرتبط سببيا مع إشباع حاجة معينة . ولم يصبح القطيع ملكية إلا حين شروط التدخل في السلسلة الطبيعية للأحداث لإنتاج نتيجة مرغوبة ما . هكذا كان الموقف مثلا ما أن بدأ الإنسان في رعي الحيوانات ، أي في التحكم فعلا بحركة القطيع . فالراعي عندئذ لم يملك القطيع فحسب ، بل وأصبح مالكا لكل النتاج المستقبلي الذي يتولد طبيعيا عن هذا القطيع ” ⁵

يجيب هوبة على السؤال الأهم متى أصبحت الأرض ملكية ؟

” ولم تصبح الأرض ملكية إلا حين تخلى الرعاة عن الرعي واتجهوا إلى تربية الحيوانات بدلا منها ، أي ما أن أصبحوا يعاملون الأرض كمورد ( نادر ) كي يتحكموا بحركة التحكم بالأرض . ولم يحدث ذلك إلا حين أصبحت الأرض محددة بنحو ما ، عبر تسييجها أو بناء عقبات أخرى ( كالخنادق ) تقيد من الحركة الحرة والطبيعية للحيوانات . وبدلا من كونها مجرد عامل مساهم في إنتاج قطعان الحيوانات ، فقد أصبحت الأرض بهذا عاملا إنتاجيا أصيلا ” ⁶

ان ما جعل تلك الفترة حدث مهما في التاريخ الانسان هي درجة الذكاء التي ساعدت على فكرة زرع المحاصيل و تجميعها مثل ( الحنطة ، الشعير، الزيتون..) بدلا من استهلاكها فقط .

و الأصعب هو رعاية و استيلاد و ترويض الحيوانات مثل ( الحصان ، الكلب ، الاغنام، الخنزير، الابقار ، الماعز ..)

لكن مع كل هذا لم تحل سوى نصف المشكلة لأن الأرض باتت تُستغل بشكل أفضل مما أدى إلى زيادة حجم السكان . و تطلب ذلك حلا آخر للسيطرة على هذا التزايد من خلال مؤسسة إجتماعية عُرفت [ بالعائلة] .

كيف نشأت العائلة ؟

“كان قد سبق مؤسسة العائلة هو الجماع الجنسي الغير مقيد ( الزواج الجماعي ) و يعني كل امرأة كانت تعد شريكا جنسيا محتملا لكل رجل و العكس بالعكس و يعبّر الاشتراكيون عن تلك الفترة [ بالحب الحر ] بل و يمجدوها .. يعلق هوبة في هذا النحو “فإن للحب الحر عواقب ، ألا وهي الحمل والولادة ، وأن للولادة منافع وتكاليف أيضا . وليس ذلك مهما ما دامت المنافع تجاوز التكاليف ، أي ما دام الفرد الإضافي في المجتمع يأتي إليه كمنتج للسلع بأكثر مما يأخذ منه كمستهلك – وقد يكون الحال كذلك لبعض الوقت . لكن قانون العائدات يدلنا على أن هذا الموقف لا يمكن أن يستمر للأبد و بدون قيود . فمن المحتوم أن نصل للنقطة التي تتجاوز فيها تكاليف الذرية الإضافية منافعها . وعندئذ يجب أن يتوقف أي إنجاب لاحق – ويمارس التقييد الأخلاقي – ما لم يرغب المرء في تجربة انخفاض مستمر في مستوى المعيشة المتوسط ” ⁷

و لا اجد ابلغ من تعبير توماس مالتوس في تأسيس الأسرة

” إن أشد القيود طبيعية ووضوحا على السكان تمثل في جعل كل رجل ينفق على أولاده ؛ وسيعمل ذلك بنحو ما كدليل ومعیار لزيادة السكان ، بحيث يتوقع ألا يأتي رجل إلى العالم بكائنات لا يملك لها أي وسيلة للعيش ، ولو حصل ذلك فمن الضروري ، کي يتعظ الآخرون ، أن يكال الخزي والضيق الحقيقان بسلوك كهذا على من يلقي دون حذر بنفسه وبأطفال أبرياء في قاع البؤس والفاقة . – إن مؤسسة الزواج ، أو على الأقل شيء من الالتزام الصريح أو الضمني لكل رجل بإعالة أطفاله ، يبدو أنها التيجة الطبيعية لهذه المداولات في مجتمع يعاني من الصعوبات التي وصفناها “

و بشكل ادق ، يقول هوبه ” ومع تشكل الأسر حصل تفكك للعائلة الواحدة إلى عدة عوائل مستقلة ، وبالتالي تشكل ملكية « متعددة » – أي خاصة – للأرض “

________________________

¹/ ص 32

² /ص 33

³/ ص 55

⁴ /ص 57

⁵/ ص 58

⁶/ ص 69

⁷ /ص 70

التعددية الثقافية و الثقة الاجتماعية

كتبهـا : كيري بولــتون .

ترجمهـــا للعربية : أحمــد سعــدون .
اقتراح و مراجعة : محمد المشـــاري .

أفضت مراجعةٌ ميتا-تحليلية واسعة لتأثير التنوع العرقي على الثقة الاجتماعية إلى أن هناك خطباً جسيماً في استخدام الشعارات من قبل السياسيين والأكاديميين ومسانديهم بخصوص المنافع المزعومة للتنوع العرقي . الدراسة هي : التنوع العرقي والثقة الاجتماعية: مراجعةٌ سردية و ميتا-تحليلية، نُشرَت هذه الدراسة على الإنترنت تمهيداً قبل نشرها في المراجعة السنوية للعلم السياسي

the Annual Review of Political Science :Volume 23, 2020 .

وجد باحثون من جامعة أوكسفورد أن الإنحياز العنصري المُضمَر من الممكن تقليله بإستخدام دواء القلب بروبرانولول Propranolol ‘الذي يقوم بتثبيط الجهاز العصبي اللاإرادي الطرفي و أضاف المؤلف المشارك في هذه الدراسة جوليان سافوليشكو البروفيسور في كلية الفلسفة من جامعة أوكسفورد: “إن مثل هذه الأبحاث تثير الإحتمالية المحيرة بأن سلوكياتنا العنصرية اللاواعية من الممكن تعديلها بإستعمال الأدوية، إحتمالية تتطلب تحليلاً أخلاقياً متأنياً” .

إن ما يصرف النظرَ عنه هؤلاءُ العلماءُ هو إحتمالية أن هذا الإنحياز العنصري المضمر، المتواجد على مستوى اللاوعي، هو آليّةٌ للبقاء على قيد الحياة تطورت على مدى آلاف السنوات . حيث يقترح السير آرثر كييث -عميد علماء الأنثربولوجيا البريطانيين- أن وجود قانون أخلاقي متبادل من الإيثار بين صفوف الجماعة الواحدة، و التشكيك بمن هم غير منتمين للجماعة هو سلوك فِطري لضمان ديمومة وجود هذه الجماعة . في عصرنا الحالي يُقال لنا أن هذه الصفات الأولية ينبغي أن تُمحا بإستخدام الهندسة الاجتماعية و الترسيخ الايدلوجي وحتى الإستعمال الإجباري للأدوية على نطاق واسع . في أيام كييث، كانت العالَميّةUniversalism يُنظَر لها بأنها موجة المستقبل التقدميّة، بمصطلح مشابه لما يسمى حالياً العولمةGlobalization  والوحدتية البشرية .

تشير اختبارات اوكسفورد هذه إلى أن هذه العنصرية المُضمَرة هي فِطرة بايولوجية كما يصفها السير ارثر كييث؛ لذلك فإن ظاهرة عدم الثقة الاجتماعية المنتشرة والراسخة في المجتمعات المتعددة الثقافات، من المرجح أنها منغرسة في الجهاز العصبي اللاإرادي . هذا الإعتلال الخلقي المستمر -كما يرونَه- يمكن معالجته بإضافة كميات كبيرة من البروبرانولول في أنابيب إمدادات المياه العامة كطريقة من طرق العلاج الجَمْعي الإجباري . و بما أن العنصرية تُعتبر سبباً من أسباب الأمراض، لذلك يمكن تبرير علاجها بأنها قضية من قضايا الصحة العامة !

دراسة بوتنام

 من بين الدراسات العديدة التي استُشهِد بها في هذه المراجعة التحليلة، هي التي أجراها عالم العلوم السياسية في جامعة هارفارد الدكتور روبرت د. بوتنام و التي شملت 40 مجتمعاً و30,000 نسمة في الولايات المتحدة، أجريت هذه الدراسة في عام 2007 و أفضت نتائجها إلى أن التنوع العرقي يقلل من الثقة الاجتماعية ويولِّد مشاعراً من الضعف والعزلة .

 بوتنام و علماء اجتماع آخرون لم يتمكنوا مراراً من الحصول على النتائج التي تمنوها، مع ذلك ظلوا متفائلين بأن التنوع العرقي من الممكن إنجاحه من خلال البحث عن الأمثلة في ظروف/ حالات تم ابتداعها، حيث يتم خلق “المصالح المشتركة”؛ بطريقة أقلَّ ما توصف به أنها تتحايل على النتائج في الظروف الطبيعية بصورة مؤقتة أو جزئية، في عالَمٍ يمكن للخراف ان تجالس الوحوش الضارية باطمئنان ! 

أعطى بوتنام نظرة متفائلة -من وجهة نظر ليبرالية- بأن دراسته عن التشرذم الاجتماعي الناتج من التنوع العرقي، يمكن تفاديها من خلال التدقيق في هذه الحالات التي تمّ ابتداعها مثل المؤسسات العسكرية والدينية :

لكن على المدى البعيد، فإن مجتمعات المهاجرين الناجحة قد تغلبت على هذه التفرقة من خلال إنشاء أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي و هويات إجتماعية شاملة أكثر. حيث تُنشَر رسوم عن الإرتياح للتنوع العرقي مقتبسة من الجيش الأمريكي والمؤسسات الدينية و الموجات الأولى من المهاجرين الأمريكيين. “

إن هذه المجتمعات الظرفية Situational Communities قد تأخذ بعضاً من صفات المجتمعات العرقية . فالظرف الذي يتطلب تشكيل مجتمعاً سيخلق بحد ذاته شعوراً بالتضامن مع المنتمين لها و هوية خاصة مقارنة بمن هم خارجها وسِمات هذه المجموعة قد تطغى حتى على سِمات العرق البايولوجي . لذلك فإن أفراد قوات المارينز لهم أخلاقياتهم الخاصة و هيكليتهم و تاريخهم و هدفهم الخاص بغض النظر عن تركيبتهم العرقية مقارنة بمن هم غير منتمين للبحرية؛ كذلك الحال بالنسبة لناسكي الأديرة، الفرق الرياضية، فرق عزف الأوركسترا و أخويّات الكلية .

 من الممكن أن تُبنى ‘أمة’ ما من خلال إندماج عدة جماعات عرقية في جماعات جديدة، إذا كان بناء الأمة والدولة قوياً بما فيه الكفاية بالأخص من ناحية أخلاقيات المنتمين للجماعة مقارنة بمن هم خارجها . فاليهود و اليهودية هي مثال واضح قوي عن هذا المفهوم . مع ذلك فحتى إسرائيل التي تعد ربما أفضل دولة ممكنة تم بناءها على أساس تكوين جماعة معينة عابرةٍ لحدود العنصرية و التي أُسِست على أساس إندماج عدة جماعات عرقية على مدى الاف السنوات وترابطها حول أخلاقيات ومنظومة أساطير قوية، حتى هي بقيت منقسمةً بين السيفاردية والأشكنازية و بيتا إسرائيل !

الوحدة تتحقق في التنوع ؟

هل المجتمعات الظرفية  -كما وصفها بوتنام- بالضرورة قادرة على الحفاظ على استقرارها عند تعرضها للضغوط ؟ يشير بوتنام إلى مجتمع الجيش كمثالٍ عن مجتمعٍ يتمكن من المحافظة على الوَحْدة في طل التنوع ! لكن هل هذا حقاً ممكن ؟

 إن ولاء الجيش عندما يوضع تحت الضغوط كان دائماً مسألة مثيرة للقلق بالنسبة للحكام. ففي ورقة نشرت عن تجربة الجنود السود في فيتنام :

“من أقل جوانب تاريخ حرب أمريكا وفيتنام شهرةً وأكثرها أهمية هو جانب التمرد الداخلي الذي إجتاح الجيش الأمريكي. من سجن بينه في فيتنام الى قاعدة ترافيس الجوية في كاليفورنيا إلى حاملات الطائرات في بحر الصين الجنوبي، كانت القوات المسلحة تواجه مقاومة وإضطرابات واسعة. المعنويات والإنضباط العسكري إنخفض إلى أدنى مستوياته في عموم الجيش. حيث إنتشرت في الخفاء جرائدُ هيئات رافضة للحرب في كل مكان. ومعدلات الغياب غير المرخص وصلت الى مستويات غير مسبوقة: ففي عام 1971 كان هنالك 17 حالة غياب من دون إجازة و7 حالات هروب لكل 100 جندي في الجيش. كما حصلت أشكال أقسى من التمرد من قبيل- إدمان المخدرات، إنتفاضات عنيفة، عصيان للأوامر وحتى إعتداءات ضد القادة. كمحصلة لهذه المقاومة ضمن صفوف الرتب العسكرية كان شرخاً كبيراً في فاعلية الجيش والقدرة القتالية. ففي عام 1969 فَتِئ الجيش عن القيام بوظيفته كقوة قتالية فعّالة و بدأ بالتفكك سريعاً . حيث تحتم إنسحاب القوات المسلحة من إندوتشينا للحفاظ على ديمومتهم ليس إلا. من أكثر الأفراد تمرداً في وقتها كان جنود المشاة السود من بين كل الجنود في حرب فيتنام، كان الجنود السود وبقية الأقليات على الدوام أكثر الجنود فاعلية في مناهضتهم للحرب وللظلم العسكري . إن موجات التمرد التي هزت المدن الأمريكية مثل مدينة واتس ونيوارك وديترويت، إندلعت في مؤسسات كبرى للجيش في السنوات اللاحقة. والنتيجة كانت جيشاً مُزِّق بالتمرد العرقي”

‘تجربة السود’ في الولايات المتحدة الأمريكية كانت أقل من قادرة على غرس قاسم مشترك في نفوس جنود المشاة السود مع رفقائهم البيض في حربهم ضد العدو الظاهري . في الواقع، كان العدو بالنسبة للجندي الأسود هو الجندي الأبيض بينما كان لهم قاسم مشترك مع جيش فيت كونج . إن الإحساس بكونك ‘أمريكياً’ كان أكثر ضبابية من أن يقدِّم قاسماً مشتركاً حتى في هيكلية محكومة بشدة مثل الجيش .

إذا كانت مفاهيم السلطة والهرَميّة والإنضباط العسكري، حتى في وقت مواجهة عدائية مع من هم خارج الجماعة، غير كافية لإدامة شعور الإنتماء لمن هم داخلها، فإلى أي مدى سيلجئ علماء الاجتماع والسياسيون و من معهم إلى الطغيان والإستبداد لتحقيق مآربهم ؟

على الرغم من الأعمال العديدة التي من المفترض أن تُظهِر ‘صفات العنف والإضطهاد التي يتميز بها’ اليمين فإن المهندسين الإجتماعيين في وقتنا الحالي في الأكاديميات والسياسة وعالم الأعمال، هم ورثة اليعقابة و البلاشفة . لم تُراق الدماء على مدى التاريخ مثلما أُريقَت في ظل الدول والأيديولوجيات التي سعت إلى ‘المساواة’ كهدفٍ نهائي .

هذه المراجعةُ تطرح السؤالَ التالي: هل يُضعِفُ التنوع العرقي الثقةَ الاجتماعية؟

هنالك العديد من الدراسات التي بحثت في هذا السؤال على مدى خمس وعشرين سنة، وبنتائج متفاوتة. إن هذه الدراسة الميتا-تحليلية تهدف إلى إيجاد أنماط مشتركة من خلال تحليل البيانات من الدراسات المنشورة والتي شملت 1001 تقديراً من 87 دراسة .

هنالك عدة تعريفات للثقة الاجتماعية تم فحصها:

1- الثقة الاجتماعية العامة ( مع الغرباء) .

2- الثقة بغير المنتمين للجماعة .

3- الثقة بالمنتمين للجماعة .

4- الثقة بالجيران .

أهم النقاشات الدائرة في الدراسات المنشورة : النقاش الأول : لماذا يُضعِفُ التنوعُ العرقي الثقةَ ؟ أي بما معناه لماذا العيش بمقربة ممن هم غير منتمين للجماعة يؤدي إلى عواقب أكثر على صعيد الثقة الاجتماعية ؟

فإذا وظّفت شركةُ تقنياتٍ أمريكية عدداً ملحوظاً من إختصاصيي التقنية الهنود، وتبجحت فيما بعد بالمنافع التي جلبهاالتنوعللشركة، هل يمكننا حقاً أن نقول أن هذه المنافع سببُها التنوعُ العرقي، أو بالأحرى سببها توظيفُ الشركة خصيصاً للأشخاص ذوي الخبرة المتطورة في هذا المجال ؟

في دراسة أجريت عام 2015 من قبل إثنين من مؤلفي هذه المراجعة، دينسين و سونديرسكوف، وجد أن مجرد ‘التعرض لأناس من من خلفيات عرقية مختلفة يُضعِف الثقة الاجتماعية’.  إن هذا مرتبِطٌ بمفهوم النفور من غير المنتمين للجماعة. حيث تلعب ‘الأعراف المشتركة’ وغيرها من العوامل دوراً في ذلك، و أن هذه الأعراف المشتركة تمثل سمةً مميِّزة لما يعرف بالجماعات Ethnos .

وهنا تبرز لنا القرابة الجينية و التي تعد ذاتَ أهمية كبيرة للتيار اليميني، فيما تُعتبَر أقلَّ أهميةً مِن التاريخ المشترك في تكوين الجماعات . سواءً عرّفنا مفهوم الجماعة ككينونة بايولوجية مبنية على أساس التشارك في جينات معينة، أو بأنواع من الحيوية التاريخية Vitalism كما إقترحها يوكي Yockey و شبينجلر Spengler، فذلك لا يُنكِر أنها تعمل على عدة مستويات، الواعية منها واللاواعية .

إن المسعى اليوتوبي إلى إختزال جميع الأفراد في فردٍ عالميٍ غير متمايز عن غيره بإسم ‘الإنسانية’ هو أمر شديد الريبة . فهل إزالة النفور ممن هم غير منتمين للجماعة هو هدف مرغوب فيه حتى ؟ و ما هي العواقب لذلك ؟

قد يشكك البعض بالكليشيهات التي تروج لها كبرى الشركات والوكالات الحكومية بكونها ‘شمولية’ و’متنوعة’، وما توفره لها هذه الصفات من القوة . فإذا وظّفت شركة تقنيات أمريكية عدداً ملحوظاً من إختصاصيي التقنية الهنود، وتبجحت فيما بعد بالمنافع التي جلبها التنوع للشركة، هل يمكننا حقاً أن نقول أن هذه المنافع سببُها التنوعُ العرقي، أو بالأحرى سببها توظيفُ الشركة خصيصاً للأشخاص ذوي الخبرة المتطورة في هذا المجال ؟ فبدلاً من وجود التنوع، سيكون هناك للشركة ثقافةٌ مشترَكة و قيم وأهداف مشترَكة أيضاً، و لكن حتى في مكان العمل، كما سنراه لاحقاً، فإن دينسين قد وجد أن التنوع يُضعِف الثقةَ الاجتماعية .

يشير المؤلفون أيضاً الى إزدياد ‘الثقة بالمنتمين للجماعة’ عندما يدرك المرء بأنه محاطٌ بأفراد من جماعات عرقية مختلفة، كما تشير دراسات أخرى إلى ‘تفضيل الناس الفطري للتفاعل مع الأشخاص المشابهين لهم .

النقاش الثاني: هل يمكن للتواصل أن يقلل من الأثر السلبي للتنوع العرقي ؟ حيث تقترحُ نظرية التواصل بأننا يمكننا جميعاً أن نتعايش معاً في يوتوبيا متعددة الثقافات إذا سعَينا لإمتلاك أصدقاءٍ من أعراق مختلفة، وأن التجارب الإيجابية ستقضي على أي أحكام مسبقة ورثناها من أجيال أباءنا وأجدادنا المتعصبين ؟

نشر عالم الاجتماع جيمس غريغور ورقة بحثية في مجلة يوجينيكس ريفيو Eugenics Review في عام 1961، ناقش فيها ظاهرة ‘التحيز العنصري’ المتواجدة بشكل مستمر في مختلف الثقافات وعلى مدى الاف السنوات . فالصفة التي وضّحها السير ارثر كييث كميكانيكية تطورية للبقاء على قيد الحياة، ناقشها جيمس غريغور من ناحية إجتماعية . فوجود هذا التحيز منذ القِدَم وإنتشاره المستمر يدحضُ كل الأفكار القائلة بأنه نِتاجُ و بناءٌ إجتماعيٌ أبيض، وطريقةٌ تُمكِّنُ الطبقة الحاكمة من تقسيم الطبقة العاملة البروليتاريا. حيث يشير غريغور إلى إن ‘أي شيءٍ يتعدى التواصل البسيط أو المؤقت بين أفراد من أعراق مختلفة تماماً في عصر ما قبل الرأسمالية وفي عصرها، سيتسبب بالتحيز و و نشوء محاولات لاحقة لعقلنة هذه التفضيلات’ . وهذا جزءٌ من الإنسان بوصفه مخلوقاً إجتماعياً، يتجلى هذا الجزء في الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها الجماعات البشرية .

فمثلاً : في المكسيك، قضى السكان الأصليون على صفة البرص لأنها إبتعدت عن العرف الشائع . وفي غينيا الجديدة، كان أفراد القبائل الأصلية Papuans يضعون الأطفال ذوي البشرة الفاتحة على نار من أغصان خضراء حتى تكتسب جلودهم صبغةً داكنة.12 والصينيون يسمّون الأوروبيين بلفظ ‘غويلو’ المسيء والذي يعني ‘شبح’. أما اليونانيون فيعتبرون غير اليونانيين بـ ‘البرابرة’ أي مقارنةً ببقية البشر. ليس من هذه الأمثلة قد تسبب به المجتمع الابيض، ولا الرأسمالية .

ومن المثير للأهتمام، أن مؤلفي هذه الدراسة الميتا-تحليلية يتسائلون فيما إذا كانت الثقة بغير المنتمين للجماعة تقلِّل مِن الثقة بالمنتمين للجماعة !

أيّ أن التنوع العرقي المنسجم يقوض التضامن مع المنتمين للجماعة. هل هذا مرغوب فيه ؟

بالنسبة لمعتنق الليبرالية ومدير الشركة، فإن الجواب هو : نعم .

طبيعة التمييز

تمتلك الشركات سياسة علنية تتضمن الشمولية و التنوع كجزء من مواثيقها، والتي لا تقتصر في الوقت الحالي على العرق، بل تتضمن أيضاً الجندر بأشكاله المتزايدة بإضطراد . يُزعَم أن هذا التنوع يضيف الحيوية للشركة من خلال غرس مفاهيم باسكال زاكاري الموجودة في كتابه ‘global me’، أو مصطلح البشريّ الاقتصادي Homo oeconomicus كما يشير إليه تيار اليمين الجديد بوصفه جانباً من جوانب عملية العولمة . لكن مع ما ذكر سابقاً، هل يمكن أن تكون هذه الظروف المبتدعة هي أمثلة حقيقية للتنوع ؟، أم أنها أمثلةٌ عن مُثاقَفَة acculturation ضمن ثقافة الشركة المهيأةٍ مسبقاً، والتي لا يمكن لأحدٍ الإنضمام لها من دون خلفية مشروطة تطغى على كل الجوانب الأخرى لشخصية الفرد؟ فالشركة تصبح مثل “الجماعة”، وإجراءات الإنتقاء للإنضمام لها ستكون صارمة مثل إجراءات القبول في قبيلة ما. فعملية توظيف الشركة للموظفين هي شكل من أشكال التحيز و التمييز، وستعم الفوضى من دون ذلك . فإلى أي مدى يُمكِن أو ينبغي لمُقدِّم طلب الإنضمام لفرقة أوركسترا أن يستمر من دون إمتلاكه أيَّ خلفيةٍ موسيقية ؟ وهل ينبغي لقزمٍ مصابٍ بشلل سفلي أن يحظى حتى بفرصة لتجارب الأداء في فريق كرة قدم ؟ إن التمييز جزء أساسي من الثقافة والمجتمع .

عدم القدرة على التمييز هي دلالة على تطور غير مكتمل . و الجنة اليوتوبية الليبرالية المتمثلة في طفل أبيض وطفل أسود يلعبان معاً كأصدقاء، هي صورة مُتخلِّفة عندما يُراد تطبيقها بصورة عامة وعالمية مع البالغين . ربما لهذا السبب يمكننا أن نُميز السمة المتخلفة لليبراليين واليساريين عندما يتهسترون في حديثهم مع ‘الفاشيين’، وعدم قدرتهم على التصرف بعقلانية ؟ فالقدرة على التمييز هي جزء من تطور الطفل العقلي . يبدو أن التصرفات المثالية للبالغين كما يراها الليبراليون هي الإنتكاس إلى مرحلة التفكير الصوري من الذكاء العملياتي التي تتواجد طبيعياً في الطفل بعمر السنتين حيث لا يمتلك حتى الان القدرة على التصنيف، وإنما ‘ينظر للأشياء المتشابهة وكأنها متماثلة في تصنيفٍ غير واضح المعالم .

الشخص المثالي للشركة

يصبح الفرد تابعاً للشركة من خلال الإنسلاخ عن خلفيته العرقية، وليس بسبب خلفيته العرقية أو الجندر، ويندمج بعدها في ثقافة الشركة . حيث ينقطع الفرد عن كونه ذكراً، أنثى، قوقازي، أسيوي، أفريقي ويتبنى الصفات المشتركة لتابِع الشركة؛ البشريّ الاقتصادي، ‘أنا العالمي’. هذا ما يريده مخططوا الشركات و أتباعهم السياسيين للعالم كله، والنتيجة هي النقيض من ‘التنوع العرقي’: في ثقافة أحادية شركاتية عالمية، وطبقا لمروجي البروباغاندا لها، فإن الأمم الأكثر ترحيباً بفتح حدودها -الأمر الذي يتحمس له اليساريون بنفس القدر- ستكون الأكثر نجاحاً في عملية العولمة، والأفراد الأكثر نجاحاً في ظل العولمة هم الأشخاص الأكثر تكيفاً مع الثقافة الشركاتية العالمية، والأكثر إنسلاخاً من أي جذور بايولوجية .

عندما يدقق المرء عن قرب في الدوافع الكامنة وراء شجب الأكاديميين للتيار اليميني بوصفه تهديدا إرهابياً، والرفضالعلميلما يسمىالعنصرية، و خلف واجهة الإستقامة الأخلاقية هذه، يمكث الترويج لمصالح العولميين.

وهنا ينبغي للمرء أن يدرك الفرق بين الهوياتية Identitarianism التي يتبناها اليمين و سياسات الهوية Identity politics التي يتبناها اليسار والشركات الداعمة له، على الرغم من الخلط المشوش بينهما، كما يفعل د. جوردان بيترسون . لذلك، فأن أشد أولئك المعارضين لـ ‘خطر’ اليمين و الهوياتية، لكون هذه الأيديولوجية تدعو للتمسك بالروابط الحيوية مثل الجندر الثنائي والتنوع العرقي، يهدفون إلى تفكيك هذه الروابط الحيوية من خلال الإكثار من هويات غير حيوية مبتدَعة، هويات ضبابية ومنكسرة الى الحد الذي لن يكون الناتج النهائي لها تنوعاً صحياً عبر أرجاء العالم، وإنما سينتشر ‘الأنا العالمي’ بصفته نوعاً جديداً من البشرية المعولَمة مصمماً خصيصاً لإقتصاد عالمي .

عندما يدقق المرء عن قرب في الدوافع الكامنة وراء شجب الأكاديميين للتيار اليميني بوصفه تهديداً إرهابياً، والرفض “العلمي” لما يسمى العنصرية، و خلف واجهة الإستقامة الأخلاقية هذه، يمكث الترويج لمصالح العولميين . أحد رموز الأكاديمية البارزين لهذه الحملة هو النيوزلندي د. بول سبوونلي Dr Paul Spoonley، عالم إجتماعٍ إمتطى جوادَ الشهرة من خلال أطروحته المسهبة عن اليمين في نيوزيلندا، و الذي يُقدَم في وسائل الإعلام بوصفه خبيراً كلما إقتضت الحاجة إلى حملة تشويه ضد اليمينيين . فحوى الكلام أن الهجرة مستحسَنة بالنسبة للتجارة من ناحية إستثمارات المهاجرين ومهاراتهم:

“يشكل المهاجرون الماهرون حوالي 60 بالمئة من مجموع المهاجرين. وبوصول هؤلاء سينتج لنا أعمال جديدة، استثمارات جديدة و علاقات جديدة مع أسواق تصدير مهمة. ‘يمكننا حساب ما يمكن أن يساهمون به ونقارنه بما يحتاجونه من ناحية الرعاية الصحية والفوائد،’ صرح سبوونلي. ‘المهاجرون في مدينة أوكلاند يساهمون أكثر في نواحي الضرائب والفوائد الاقتصادية. لذلك، فإن محصلة مساهمتهم هي أعلى من السكان المحليين” .

هل يختلف المُحافِظون ذوي مفهوم الأمة الواحدة في طريقة تفكيرهم عن الأكاديميين الليبراليين أمثال د سبوونلي، عندما يكون المعيار للهجرة والحصول على الجنسية هو العمل والإستثمار ودفع الضرائب ؟

كذلك يتضح جلياً خلف هذه السردية الأخلاقية، أن الشغل الشاغل لمنظمة الأمم المتحدة في موضوع الهجرة هو وسائل “استبدال” شعوب الدول ذات البشرة البيضاء لكونها تعاني أزمة ديمغرافية متمثلةً بهبوط معدلات الولادة والتي تتوقع منظمة الأمم المتحدة بأنها ستؤثر بشكل سلبي كبير على الإقتصادات المتطورة . لكن عندما يحذر الهوياتيون والمعترضون اليمينيون من هذه النزعات بكونها علامات على إعتلالات ثقافية أوسع، ويسمون نفس هذه العملية بـ ‘الإستبدال الأعظم’، يُنتَقَدون بشدة على أنهم تهديدات إرهابية !

تقتبس هذه الدراسة الميتا-تحليلية من دراسة نشرت سنة 2019 من قبل دينيسين، سونديرسكوف وثويسن عن علاقة التنوع العرقي والثقة الاجتماعية في أماكن العمل، مع التركيز على الدنمارك بالخصوص لكون الإحصائيات فيها شاملة.18 حيث يصرح دينيسين بأن التنوع الاجتماعي في أماكن العمل، له نفس التأثير السلبي على الثقة الاجتماعية مثل تأثير التنوع العرقي على مستوى الحي السكني. فكلما كان مكان العمل أكثر تنوعاً، إزداد إنعدام الثقة الاجتماعية، مما يدل على أن التنوع العرقي ذو تأثيرٍ سببيٍ على الثقة الاجتماعية . تأخذ هذه الدراسةُ في الحسبان العديد من المتغيرات الأخرى كالمستوى التعليمي وأنواع العمل المختلفة، وكانت نتائجها متوافقة .

تقدير النتيجة النهائية 

بعد أن شرح المؤلفون متغيرات هذه الدراسة، إتجهوا الى شرح منهجية ‘المقاربة الميتا-تحليلية’. فالهدف هنا تجاوز خصوصيات كل دراسة من هذه الدراسات السبع و ثمانين، ‘لتقدير نتيجة نهائية تلخص هذا التأثير’، وكذلك ‘تقدير النتيجة النهائية في العلاقة بين التنوع العرقي والثقة الاجتماعية’.

إن هذا التحليل عبر عدة دراسات، والذي يعد الأول من نوعه، مع أنه يدعم نتائج التحليلات الأخرى التي تعتمد على منهجيات مختلفة، إلا أنه يبين أن ‘تقدير النتيجة النهائية للعلاقة بين التنوع العرقي والثقة الاجتماعية سلبيٌ’. فكلما كان المكان أكثر تنوعاً، كانت الثقة الاجتماعية أقل. ففي معظم الدراسات وليس كلها، كان التأثير السلبي للتنوع على الثقة الاجتماعية ملحوظاً.21

في كل مرة يتم إجراء بحثٍ تُظهر نتائجه أن جانباً من جوانب التنوع العرقي من الممكن إظهاره بكونه يمتلك تأثيراً أقل وطأةً من السلبي، فإن هذا البحث كما يتوقع المرء، سيتم الاحتفال به كمثالٍ لنجاح بعض التجارب متعددة الثقافات، بطريقة معينة وفي سياقٍ معين. وكما أشرنا سابقاً، إلى أن السياقات المبتدَعَة لا تدل على شيءٍ أكثر من كون الهندسة الاجتماعية وترسيخ العقائد والإجبار قد تكون قادرة على تشويه الصورة الطبيعية للعلاقات البشرية. لحسن الحظ، فإن مؤلفي هذه الدراسة بتأكيدهم المستمر على ‘تأثُر الثقة الاجتماعية سلبياً بالتنوع الثقافي’ وأن هذا ينطبق على بدرجات متفاوتة على كل أشكال هذه الثقة، فإنهم يوفرون على القارئ عناءَ الكليشيهات الأخلاقية التي يجد علماءُ الاجتماع أنفسهم ملزمين بإلحاقها بأوراقهم البحثية عندما لا تتوافق الأدلة البحثية المنتشرة مع إنحيازاتهم الشخصية. فعلى سبيل المثال، العالم بوتنام الذي تم الاقتباس منه في هذه الدراسة، ودراساته تمثل جزءاً من الدراسات في هذه الدراسة الميتا-تحليلية، وبالرغم من أن دراساته أشارت إلى أن التنوع الاجتماعي يزيد من إنعدام الثقة الاجتماعية، فإنه يصرح -بكونه متحمساً علانيةً للديمقراطية الليبرالية الأميركية- في ضد هذه الإنتقادات، بأن دراساته على العكس من ذلك تشير الى ‘منافع كبيرة للتنوع العرقي على مجتمعنا’. في عام 2012، تمادى بوتنام الى الحد الذي يرفعُ فيه دعوى قضائية ضد مجموعة من الباحثين ذوي الميول ‘المُحافِظة’ لإستخدامهم ورقتَه البحثية المنشورة في عام 2007 الموسومة ‘ الواحد المنبثق من العديد: التنوعُ والمجتمع في القرن الواحد والعشرين’ في قضيةٍ قانونية تتضمن ‘التمييز الإنعكاسي‘ في التعليم . ويجادل بوتنام بأن التنوع العرقي ليس السبب الوحيد في التأثير السلبي على الثقة الاجتماعية، بل هناك عوامل أخرى فكّر بها مثل دور التكنولوجيا في إضعاف ‘رأس المال الاجتماعي‘ مسببةً الإنعزال و نقصان المساهمة المدنية . كما يؤكد أيضاً أن التنوع يُضعِفُ الثقة الاجتماعية بصورة أساسية في الأحياء السكنية وليست المدارس والكنائس وأماكن العمل. كل مواطن الإعتراض هذه يمكن للناقد اليميني قبولها من دون الخوض في بهلوانيات عقلية متوترة للتقليل من تأثير عامل العرق بصورة ما . فقد أظهر الميتا-تحليل لهذه الدراسات ومن ضمنها دراسة بوتنام، أن مستوى الأحياء السكنية هو أكثر مستوىً أضعَفَ فيه التنوعُ العرقي الثقةَ الاجتماعية؛ لكن على النقيض من تصريح بوتنام الأخير، فالتأثير السلبي للتنوع متواجدٌ في كل أشكال وأماكن الثقة الاجتماعية .

في عام 2015، أُجريَت محاولاتٌ لدحض ورقة بوتنام البحثية عن التنوع العرقي والثقة الاجتماعية في الأحياء السكنية، وقد يعتقد المرءُ بأنه سيكون مسروراً لدحض نتائجه. إستنتجت هذه الورقة البحثية بأن البيض هم أكثر من يشعرون بإنعدام الثقة في الأحياء السكنية وهذا يعني حقاً أن إنعدام الثقة هذا لا يعكس إلا ‘تحيزاً’ أبيض. هذه الدراسة تؤكد بتفاؤل أن “أدلتنا تقترح أن لا علاقة ذات معنى بين التنوع العرقي ومقاييس الثقة والتعاون”. وعندما لا يمكننا إنكار إنعدامِ الثقة الاجتماعية، فإنه يتم اللجوء للعوامل الاقتصادية والإجتماعية . فمؤشرات الحالة الاقتصادية وبالأخص التعليم والرِضا الاقتصادي، تشير إلى إيجابية مقاييس الثقة .

يقوم الميتا-تحليل بتفحص المتغيرات التي تم مناقشتها في دراسة 2015،. حيث يظهر الميتا-تحليل وجود (نمطٍ ثابت من العلاقة السلبية بين التنوع والثقة الاجتماعية) وهذا ما يدعم ما لاحظه بوتنام (عام 2007) من ميكانيكية (العزلة الإجتماعية) متوقِعاً نقصاناً عالمياً في كل أشكال الثقة في الأماكن المتنوعة عرقياً .

 أكثرُ الإكتشافات ثباتاً هو التأثير السلبي للتنوع العرقي في الأحياء السكنية حيث وجِدَ في الولايات المتحدة الأميركية وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا وهولندا والسويد. وكلما كان التواجد أقرب لأناس ينتمون لجماعات أخرى، كان مستوى إنعدام الثقة أعلى . هذا يناقض العقيدة القائلة بإمكانية تحسين العلاقات ما بين الأعراق من خلال التواصل الشخصي مع أفرادٍ غير منتمين للجماعة . أي يدحض تأثير أفكار الإندماج و المشاريع المشتركة المصممة لكسر إنعدام الثقة بغير المنتمين للجماعة . تم مناقشة هذه الفكرة من قبل المؤلفين، لأن عدة دراسات أخرى تزعم أن التواجد على مقربةٍ من غير المنتمين للجماعة سيعزز الثقة الاجتماعية . يشير الباحثون الى أن هذه الدراسات تتشارك بـ ‘تقديراتٍ شخصية منحازة وغير دقيقة في تقدير التواصل’ .

كما راعت هذه الدراسة الميتا-تحليلية الإعتراضات التي ذكرتها ورقة 2015 البحثية تحت عنوان النقاش الثالث: هل إن التنوع العرقي هو دائماً محلٌ للمشاكل الاجتماعية؟ أي هل إن هذا الأمر يتعلق بالعلاقات العرقية بحد ذاتها أو بسبب المشاكل الاجتماعية والجرائم؟ الإجابة عن هذا السؤال في هذه الدراسة تتم من خلال ‘المقارنة إحصائياً لتجنب العوامل المُربِكة المحتَمَلة Confounding factors‘ على الصعيدين العقلي والظرفي . هذا الأمر صعبٌ بسبب المعضلة المستمرة منذ قديم الزمان في التفريق بين النتيجة والسبب؛ أو، كما يصفها المؤلفون، هل هذه العوامل ‘مُربِكة أم وسيطة “في العلاقة بين التنوع العرقي والثقة الاجتماعية؟ من أجل حل هذا الخلاف، سمح المؤلفون بإستخدام المستوى الاجتماعي والمستوى الاقتصادي، ‘الحرمان الاقتصادي-الاجتماعي الظرفي و الجريمة الظرفية”.

الخاتمة

يختم دينيسين و زملاؤه هذه الدراسة بتساؤلهم: ماذا يمكن لصانعي السياسات القيام به للتخفيف من ضعف الثقة الاجتماعية الناتج من التنوع العرقي. وما هي المؤسسات والسياسات العامة المتوفرة لتقليل هذا ‘التأثير السلبي’؟

قد يتسائل البعض فيما إذا كان مؤلفون مثل د. بوتنام وغيره، تم مقتهم لقبولهم بنتائج بحوثهم الخاصة، ولذلك فإنهم بعد كل هذا الجدل العلمي، ينحسرون إلى مُتبَنياتهم الأيديولوجية ؟ وماذا يمكننا أن نفهم من إقتراحهم القائل بأنه من الممكن ‘تطبيقٌ تدريجيٌ لسياسات الإندماج في الدول كتجارب مختلفة ظاهرياً’؟ قد يتسائل المرء لماذا عالِمٌ، أظهرت دراساتُه مراراً وتكراراً أن الإندماج يُضعِف الثقة الاجتماعية، يسانِدُ سياسةَ ‘التدريجية’ كتجربة إجتماعية ؟ هل يقترح المؤلفون أن مقاربةً معدَّلة لنفس السياسات الفاشلة التي تسببت في إنعدام الثقة الاجتماعية، متمنين أو مؤمنين أن النتائج ستكون مختلفة بطريقةٍ ما ؟ هذا مسار كل أيديولوجية فاشلة: لو أن العقيدة تم تطبيقها بطريقة مختلفة، ستكون النتائج مختلفة ايضاً؛ بدلاً من التمحيص فيما إذا كانت العقيدة نفسها معيوبةً بشكل لا يمكن معالجته وأنها ستؤدي إلى نتيجة سلبية مهما كانت طريقة تطبيقها .

العبارة الأخيرة في الدراسة تُبقي السؤال مفتوحاً فيما إذا كان التنوع والإندماج سيزيد أو يقلل من إنعدام الثقة الاجتماعية. على الرغم من الشكوك التي تم تفسيرها فيها ، فإن الميتا-تحليل ودراسة دينيسين اللاحقة بخصوص التنوع في أماكن العمل، تقدم لنا إدوات تجريبية لدحض كليشيهات المتعصبين للتنوع .

المقال الاصلي :

هانز هيرمان هوپا عن الليبرتارية و حركات اليمين البديل :

يتحد الليبرتاريون بالمعتقدات الجوهرية النظرية التي لا يمكن دحضها، و التي هي ببساطة و بشكل مباشر:

{ إذا لم تكن هناك ندرة في العالم ، فسيكون من المستحيل حدوث نزاعات بشرية أو اشتباكات بدنية أكثر دقة . الصراعات بين الأشخاص هي دائما تتعلق بالأشياء النادرة [يريد A بشيء معين ، و يريد B أن يفعل الشيء ذاته]
بسبب هذه الصراعات – ولأننا قادرون على التواصل و الجدل مع بعضنا البعض – نسعى إلى خلق معايير سلوك لتجنب هذه الصراعات .
إذا لم نرغب في تجنب النزاعات ، فسيكون البحث عن هذه المعايير عديم المعنى .
في غياب التناغم التام بين جميع المصالح، لا يمكن تجنب النزاعات المتعلقة بالموارد النادرة إلا إذا تم تعيين جميع الموارد النادرة كممتلكات خاصة و حصرية لبعض الأفراد أو مجموعة معينة من الأفراد. عندها فقط يمكن لـ A أن أن يتصرف بشكل مستقل ، بأشيائه الخاصة ، و أن يفعل
‏ B كذلك ، دون صدام بينهما .
ولكن من يمتلك الموارد النادرة كممتلكاته الخاصة ومن لا يملكها ؟
أولاً: يمتلك كل شخص جسده المادي الذي هو و ليس غيره من يتحكّم به .
وثانياً: فيما يتعلق بالموارد النادرة التي يمكن التحكم فيها بشكل غير مباشر فقط: يتم الحصول على التحكم الحصري [Exclusive control] لـ [الملكية] وتخصيصها لذلك الشخص الذي خصص المورد المعني؛ أولاً .. أو من استحوذ عليها من خلال التبادل الطوعي [الخالي من الصراع] من مالكه السابق .
يمكن فقط للشخص المخصّص الأول للمورد [وجميع المالكين اللاحقين المرتبطين به من خلال سلسلة من التبادلات الطوعية] يمكن اكتسابها والسيطرة عليها دون نزاع ،أي سلمياً .
عدا ذلك، إذا تم تعيين التحكم الحصري بدلاً إلى أناس متأخرين، لن بتم تجنّب الصراع . }
إن الليبرتاريين واضحون بشأن الهدف الذي يريدون تحقيقه، لكن الافكار الليبرتارية لا تعني كثيراً إذا لم تُجب عن السؤالين :
١- كيفية الحفاظ على النظام الليبرتاري بمجرد تحقيقه .
٢- كيفية الوصول إلى نظام ليبرتاري من نقطة انطلاق غير ليبرتارية !
لذا يجب على الليبرتارية :
• أن تصف نقطة البداية هذه بشكل صحيح .
• أن تحدد العقبات التي تم وضعها في طريق الغايات الليبرتارية بنقطة البداية هذه .
و للإجابة على ذاك ، فإنّنا بالإضافة للنظرية نحتاج إلى معرفةٍ بعلم النفس و علم الاجتماع أو على الأقل قدراً من الحس السليم .
العديد من الليبرتاريين والليبرتاريّين المزيفين يجهلون بوضوح علم النفس البشري و علم الاجتماع . فهم على الرغم من جميع الأدلة التجريبية، يتقبلون وجهة نظر مساواتية تخالف الطبيعة البشرية، لجميع الناس وجميع المجتمعات و يتقبلون أيضاً وجهة النظر التي ترى بأن الثقافات متساوية أساساً و قابلة للتبادل .
لذا يمكن وصف الليبرتارية و العديد من الليبرتاريّين تبعاً لذلك، كنظرية و منظرين بلا علم النفس و علم الاجتماع .
كما يمكن وصف الكثير -أو حتى معظم- اليمين البديل بأنه على النقيض من ذلك، افكار بعلم نفس و علم اجتماع لكن بلا نظرية .
لا تشترك حركات اليمين البديل بنظرية واحدة، مع ذلك فإن حركات اليمين البديل متحدة أساساً في وصفها للعالم المعاصر، [الولايات المتحدة و العالم الغربي على وجه الخصوص]، و في تحديد و تشخيص الأمراض الاجتماعية .
ان حركات اليمين البديل متحدة بما هو ضدها أكثر بكثير ممّا هي متحدة فيما بينها .. إنها تمقت بشدّة النخب المسيطرة على الدولة ، MSM ، والأوساط الأكاديمية، لأنها جميعاً تعزز الإنحلال و الأمراض الإجتماعية ..
تعارض حركات اليمين بشدة المساواة، عدم التمييز ، والتعددية الثقافية ، والهجرة الجماعية “الحرة” كوسيلة لتحقيق التعددية الثقافية . بالإضافة إلى ذلك، فإنها تمقت كل شيء يتصف بـ ” أو الغرامشية Gramscianism [نسبة لـ غرامشي] وجميع “الصوابية السياسية”، و ترى أنّه من الحكمة -استرتيجياً- تجاهل جميع التهم بـ : العنصرية، التحيز الجنسي ، النخبوية ، و التفوق ، الهوموفوبيا [معاداة الشوا.ذ]، وكراهية الأجانب ، وما إلى ذلك ..

لكن في غياب أي نظرية موحدة، هناك اتفاق قليل بين حركات اليمين البديل حول الهدف الذي تريد تحقيقه في النهاية .
العديد من روّاد اليمين البديل لهم ميول ليبرتارية بشكل واضح، فمثلاً كان الكثير منهم على دراية بـ موراي روثبارد و عمله، في حين أن أحدث مرشح رئاسي للحزب الليبرتاري الاميركي لم يسمع حتى بإسم روثبارد
و نظراً لعدم وجود أي أساس نظري، لا يمكن اعتبار هذا الانقسام لحركات اليمين البديل إلى فصائل متنافسة أمر مفاجئ .
رغم ذلك، لا ينبغي أن تُضلِل هذه الحقيقة المرءَ بأن يرفض اليمين البديل، لأن اليمين البديل أظهر العديد من الأفكار التي لها أهمية مركزية في التعامل مع الجواب على السؤالين المذكورين آنفاً و دون إجابةٍ من قبل الليبرتارية حول :
• كيفية الحفاظ على نظام اجتماعي ليبرتاري .
• و كيفية الوصول إلى مثل هذا الأمر من الوضع الراهن غير الليبرتاري !
لتوضيح أهمية هذه الأفكار ، دعوني أتناول السؤال الأول الذي لم تم الإجابة عليه أولاً.
يرى العديد من الليبرتاريّين أن كل ما هو مطلوب للحفاظ على النظام الاجتماعي الليبرتاري هو التطبيق الصارم لمبدأ عدم الاعتداء (NAP) . فوفقاً لوجهة النظر هذه: طالما امتنع المرء عن العدوان، يجب أن يكون مبدأ :[عش ودع غيرك يعيش] أمراً ثابتاً، و هذا يبدو جذاباً للمراهقين في التمرد ضد السلطة الأبوية و جميع الأعراف و الرقابة الاجتماعية !
يكفي مثال بسيط لتوضيح هذه النقطة :
افترض أن جاراً جديداً سكن بالقرب منك، لم تظهر من هذا الجار عدوانية مباشرة و لم يهاجمك أو يتعرّض لممتلكاتك بأي شكل من الأشكال، ولكنه جار “سيّء” .. إنه يلقي على ممتلكاته المجاورة الأزبال ويحولها إلى كومة قمامة .
ينخرط في ذبح الحيوانات في العراء، و يحوّل منزله إلى منزل دعارة و قوادة، حيث يأتي العملاء و يذهبون طوال النهار و طوال الليل و أنه لا يقدم يد العون و لا يفي بأي وعد قطعه أبداً و يرفض التحدث إليك بلغتك ، إلخ .. وما إلى ذلك.
تحولت حياتك إلى كابوس، ومع ذلك ، لا يجوز لك استخدام العنف ضده، لأنه لم يهاجمك . ما الذي تستطيع القيام به؟ يمكنك تجنبه ونبذه . لكن جارك لا يهتم، وعلى أي حال معاقبتك له أنت وحدك لا تحدث له أي فرق، فيجب عليك إقناع الجميع أو على الأقل معظم أعضاء مجتمعك للقيام بالمثل وجعل الجار السيّء منبوذاً اجتماعياً، حتى يمارس ما يكفي من الضغط عليه لبيع ممتلكاته و المغادرة .
يمكن أن يكون هناك تعايشاً سلمياً بين الثقافات المختلفة في المناطق البعيدة المنفصلة مادياً، ولكن التعددية الثقافية ، و عدم التجانس الثقافي، لا يمكن أن توجد في نفس المكان و الأرض دون أن تؤدي إلى تناقص الثقة الاجتماعية ، وزيادة التوتر، وفي نهاية المطاف يتم استدعاء “رجل قوي” يهدم أي شيء يشبه النظام الاجتماعي الليبرتاري .
يجب أن يكون النظام الليبرتاري دائماً على أهبة الاستعداد ضد الجيران “السيئين” -حتى لو لم يكونوا عدوانيين- من خلال النبذ الاجتماعي ، أي من خلال ثقافة [غير مرحب بك]، بل ينبغي أن يكون المرء أكثر يقظة، من الجيران الذين ينادون بصراحة الشيوعية أو الاشتراكية أو النقابية أو الديمقراطية بأي شكل أو شكل . وهم بذلك يشكلون بذلك تهديداً مفتوحاً لجميع الممتلكات الخاصة و مالكي العقارات ، يجب ألّا يتم تجنبهم فحسب، بل استخدام طرق العنف و القوّة اذا لزمَ الأمر ، و أن تجبر مثل هذه العناصر على المغادرة إلى أماكن أخرى .. إن عدم فعل ذلك يؤدي حتماً إلى الشيوعية، الاشتراكية ، النقابية ، أو الديمقراطية ، وبالتالي عكس النظام الاجتماعي الليبرتارية .

أنتقل الآن إلى السؤال الأكثر تحدياً حول كيفية الانتقال من هذا الوضع الراهن، إلى هناك .
تحديد ما يمكن أن نسميه “مشكلة الجار السيء” هو مجرد اختصار للمشكلة العامة التي يطرحها التعايش بين ثقافات مختلفة تماماً، دخيلة، مزعجة، مسببة للفوضى، غريبة أو عدائية، فإذا افترضنا -و خلافاً لكل الأدلة التجريبية- أن جميع الناس في كل مكان هم في الأساس الشيء ذاته و إنهم متساوون، فعندئذٍ لا وجود لـ “مشكلة الجوار السيء” !
و بشكل مختصر ينصح الكثير من الليبرتاريّين بنصيحة : [كونوا لطيفين وتحدثوا إلى الجميع – ومن ثم ، على المدى الطويل، ستفوز الحجج الليبرتارية الأفضل ] !
ينبغي على الليبرتاريين و خارج أرض الخيال هذه، أن يكونوا واقعيين قبل كل شيء و أن يعترفوا منذ البداية، كما تفعل حركات اليمين البديل، بأنّ عدم المساواة هي ليست فقط بين الأفراد و لكن أيضاً بين الثقافات المختلفة .. وهي حقائق لا يمكن انكارها في الوجود البشري .
يجب أن ندرك كذلك أن هناك الكثير من أعداء الليبرتارية -كما حدد ذلك الليبرتاريون- و أن هؤلاء الأعداء هم المسؤولون عمّا يحدث في أجزاء كثيرة من العالم المعاصر في السيطرة كاملة على الناس لدرجة أن أفكار الليبرتارية و النظام الاجتماعي الليبرتاري لم يسمع بها عملياً أو لا يمكن التفكير فيها .
إنهم :
أولاً : و قبل كل شيء هم النخب الحاكمة التي تسيطر على جهاز الدولة، ولا سيما “الدولة العميقة” أو ما يسمى بـ [الكاتدرائية العسكرية]، المخابرات ، البنوك المركزية و المحاكم العليا. كما يشمل ذلك قادة المجمع الصناعي العسكري، أي الشركات الخاصة التي تدين بوجودها للدولة بصفتها المشتري الحصري أو المهيمن لمنتجاتها، كما أنها تشمل قادة البنوك التجارية الكبيرة، التي تدين بامتيازها في إنشاء الأموال والائتمان من فراغ إلى وجود البنك المركزي ودوره كملاذ أخير كـ” مقرض” . فهم يشكلون معاً الدولة، والأعمال التجارية الكبرى، و الخدمات المصرفية الكبيرة، حتى لو كان ذلك يمزّق بشكل جماعي الكتلة الكبيرة من دافعي الضرائب و يعيشون وقتاً كبيراً على حسابهم !
ثانياً: المجموعة الثانية الأكبر من الأعداء تتكون من المثقفين والمعلمين و المدربين ، من أعلى المستويات الأكاديمية وصولاً إلى مستوى المدارس الابتدائية و رياض الأطفال . و بتمويل حصري تقريباً ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل الدولة ، فقد أصبحوا بأغلبية ساحقة من الأدوات الناعمة و المنفذين الراغبين في أيدي النخبة الحاكمة و تصميماتها للسلطة المطلقة والسيطرة الكاملة .
ثالثاً: هناك صحفيون من MSM، و هم الفئة الطيّعة المنتجة لنظام التعليم العمومي، و المتلقين المهووسين والمروجين “للمعلومات” الحكومية .
بنفس القدر من الأهمية في تطوير استراتيجية ليبرتارية ، فإن السؤال التالي التالي مباشرة: من هم الضحايا؟
الجواب الليبرتاري المعتاد هو: دافعي الضرائب على عكس مستهلكي الضرائب .
و لكنْ في حين أن هذا صحيح بشكل أساسي، إلا أنه في أفضل الأحوال جزء من الإجابة . يمكن أن يتعلم الليبرتاريون شيئاً في هذا الصدد من اليمين البديل: لأنه بصرف النظر عن الجانب الاقتصادي الضيق، هناك أيضاً جانباً ثقافياً أوسع يجب أن يؤخذ في الاعتبار .
من أجل توسيع وزيادة قوتها، كانت النخب الحاكمة تجري منذ عقود عديدة ما وصفه بات بوكانان -تحدث هيرمان هوپا عنه في كتاب الديموقراطية الإله الذي فشل- بأنها “حرب ثقافة” منهجية، تهدف إلى إعادة تقييم جميع القيم و تدمير كل الطبيعة والروابط في المجتمع العضوي و المؤسسات مثل الأسر و المجموعات العرقية و المرتبطة جينياً بالامم، و ذلك من أجل خلق شعب مفكك بشكل متزايد، و الذي تكون صفته المشتركة و الموحدة الوحيدة هي اعتماده الوجودي المشترك على الدولة .
كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه التي أُتخذت بالفعل قبل نصف قرن أو حتى أكثر من ذلك ، إدخال “الرفاهية العامة” و “الضمان الاجتماعي”. وبالتالي ، تم تحويل الطبقة الدنيا و المسنين إلى معالين من الدولة وتضاءلت قيمة وأهمية الأسرة والمجتمع وإضعافهما. وفي الآونة الأخيرة ، انتشرت خطوات بعيدة المدى في هذا الاتجاه. وقد تم الإعلان عن “ضحية” جديدة والترويج لها. وقد مُنحت النساء ، ولا سيما الأمهات العازبات ، السود ، اللاتين، الشوا.ذ ، المزدوجون و المتحولون جنسياً ، وضع “الضحية” ومنحت امتيازات قانونية من خلال مراسيم عدم التمييز، بالإضافة إلى ذلك ، تم توسيع هذه الامتيازات مؤخراً لتشمل المهاجرين الأجانب ، سواء كانوا قانونيين أو غير شرعيين ، طالما أنهم يقعون في إحدى الفئات المذكورة للتو أو هم أعضاء في ديانات دخيلة مثل : الإسلام ..
ثم يقوم هيرمان هوپا برسم الخطوط العريضة و يقترح عدة نقاط، منها و بشكل ملخّص :

١- يجب إيقاف الهجرات الجماعية، إذ أن موجات المهاجرين حالياً طوفان حلّ في العالم الغربي .. و التي أثقلت كاهله بحشود من طفيليّات الرفاهيّة و الإرهابيين، و زادت من معدلات الجريمة، و أدت إلى انتشار مناطق محظورة، وأسفرت عن عدد لا يحصى من “الجيران السيّئين”، لذا فالهجرة يجب أن تكون عن طريق الدعوة فقط .و يجب على جميع المهاجرين أن يكونوا منتجين و بالتالي، يُمنع المهاجرون من جميع مدفوعات الرفاهية المحلية .

٢- الكف عن مهاجمة و قتل و قصف الشعوب في دول الأجنبية الأخرى، و التي هي من أسباب الهجرات الجماعية، كما هي الحروب التي بدأت و في الشرق الأوسط و أماكن أخرى من قبل النخب الحاكمة في الولايات المتحدة و النخب الغربية التي تتبعهم .
فلتكن أمريكا أولاً! ، إنجلترا أولاً! ، ألمانيا أولاً! إيطاليا أولاً! ، وهكذا ، أي أن كل دولة تتداول مع بعضها البعض و لا حق لأحد التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى .
٣- كشف حقيقة النخب الحاكمة و حراسها الفكريين . و فضح الرواتب الفخمة و المزايا و المعاشات و الصفقات الجانبية و نشرها على نطاق واسع، و رشى الصمت المُستلمة من قبل النخب الحاكمة: من قبل كبار المسؤولين في الحكومة و البيروقراطيّين الحكوميّن في المحاكم العليا، البنوك المركزية، وكالات المخابرات و التجسس .. براسطة السياسيّين و البرلمانيّين و قادة الأحزاب.. الخ، حيث صنعول كلّ مجدهم رفاهيّتهم اللامعة من دافعي الضرائب، وبالتالي يجب الحث على أي شيء يخفض الضرائب: ضرائب الدخل ، ضرائب الممتلكات، ضرائب المبيعات ، إلخ ، إلخ.

٤- إنهاء بنك الاحتياطي الفيدرالي و جميع البنوك المركزية و هو المصدر الثاني لتمويل النخب الحاكمة، إلى جانب الأموال التي أُبتزت من الناس عن طريق الضرائب .
إذ يتم السماح للمصارف المركزية بخلق الاوراق المالية من فراغ، فيقلل ذلك من القدرة الشرائية للمال و يدمر مدخرات الناس، و هذا يمنع المجتمع ككل من أن يكون أكثر ثراء، لكنه في الوقت ذاته يعيد توزيع الدخل و الثروة داخل المجتمع !
تلاعب البنك المركزي في أسعار الفائدة هي سبب دورات ازدهار الكساد . كما يسمح البنك المركز بتراكم “دين عام” أكبر من أي وقت مضى و الذي تحول كـ عبء على دافعي الضرائب في المستقبل . لذا، يجب أن ينتهي هذا الأمر و أن يتم استبداله بنظام مصرفي حر و تنافسي مبني على أساس سلعة حقيقية مثل الذهب أو الفضة .

٥- إلغاء جميع قوانين “العمل الإيجابي” و “عدم التمييز”. إذ أن جميع هذه القوانين هي انتهاكات صارخ لمبدأ المساواة أمام القانون، على الأقل في الغرب، حيث يتم الشعور بها بشكل حدسي كمبدأ أساسي للعدالة !..
و اغلاق كل الجامعات و الأقسام المخصصة للسود و اللاتين و النساء ، الشواذ، و ما إلى ذلك، لأنها تتعارض مع العلم .
٦- سحق غوغاء حركة [معاداة الفاشية Anti-facist ] . لقد أدّى إعادة تقييم كل القيم في جميع أنحاء الغرب: إلى خلق المزيد من الـ [victim group]، و انتشار برامج “العمل الإيجابي” و “عدم التمييز” ، و الترويج لـ “الصوابية السياسية” ، و قد أدّى كل ذلك لظهور الـ [Anti-Facist] و التي تم دعمها ضمناً و تمويلها بشكل غير مباشر من قبل النخب الحاكمة .
هؤلاء الغوغاء المدعوّين أيضاً بـ [محاربي العدالة الاجتماعية] أخذوا على عاتقهم مهمة تصعيد القتال ضد الامتياز الأبيض -كما يسمّونه- من خلال أعمال إرهابية متعمدة موجهة ضد أي شخص و أي شيء يعتبر : “عنصرياً”، يمينياً، فاشياً، رجعياً و “غير قابل للإصلاح” من وجهة نظرهم، أو”لم يتم إعادة بنائه” !
يتعرض هؤلاء ممّن يم وصفهم بـ “أعداء التقدم” للاعتداء الجسدي من قبل غوغاء الـ Anti-fa ، و تحرق سياراتهم، وتخرب ممتلكاتهم، و يُهدد أرباب عملهم بفصلهم و تدمير حياتهم الوظيفية و غالباً ما تأمر السلطات الشرطة بالتنحّي وعدم التحقيق في الجرائم المرتكبة أو مقاضاة المجرمين ومعاقبتهم .
في ضوء ذلك يجب إثارة الغضب العام و أن يكون هناك صخب على نطاق واسع من أجل إطلاق العنان للشرطة وضرب و سحق هؤلاء الغوغاء و إخضاعهم .
من المؤكد أن الكثير من الليبرتاريّين و إعلام الليبرتارية يعترضون على هذا الطلب، بإعتبار إن الشرطة هم من شرطة الدولة !
و لكن هل تعترض أيضاً، على اعتقال الشرطة القتلة أو المغتصبين ؟
أليست هذه المهام المشروعة تؤديها أيضاً الشرطة الخاصة [شرطة القطاع الخاص التي يقترحها الليبرتاريّون] ؟!

٧- يجب التخلص من جميع الطفيليّات المعتمدة على “الرفاه” [أي المتعمدة على توزيع الإعانات]، إذ تستخدم النخبة الحاكمة هذه الطبقة الدنيا المعتاشة على الإعانات لتدعيم موقفها، و جعلها مصدراً موثوقاً به لدعم الشعبي .
تدّعي طبقة النخبة أن “مساعدتها” للطبقات الدنيا هو للنهوض والانتقال من الطبقة الدنيا ليعتمدوا على أنفسهم! ، و لكن التأثير الحقيقي و المقصود بالفعل لما يسمى [السياسة الاجتماعية] للدولة هو عكس ذلك تماماً، فلقد جعلت حالة الطبقة الدنيا أكثر ديمومة وجعلتها تنمو بشكل مضطرد [و بهذا أيضاً زيادة عدد الممولين من الضرائب] لأنه وفقاً للقانون الاقتصادي الذي لا يرحم، فإن كل إعانة تُمنح بسبب بعض الحاجة أو النقص المزعومَين تنتج أكثر من المشكلة و التي من المفترض أن تخففها أو تلغيها !، وبالتالي، فإن السبب الجذري لحالة الناس في الطبقة الدنيا : هي ضعف [التحكّم بباعث الاندفاع] لديها و [تفضيلها الزمني المرتفع] ، أي رغبتها غير المنضبطة في الإشباع الفوري، و مختلف المظاهر المصاحبة لهذا السبب، مثل البطالة و الفقر و إدمان الكحول و تعاطي المخدرات ، و العنف العائلي ، و الطلاق ، والأسر التي تعيلها امرأة، الولادات خارج إطار الزواج، إساءة معاملة الأطفال، الإهمال، الجرائم الصغيرة، لا يتم تخفيفها أو القضاء عليها و لكن يتم تعزيزها بشكل منهجي .

٩- اخراج الدولة من دعم معظم التعليم أو جميعه .. إنّ الأمراض الاجتماعية التي أُبتلي بها الغرب المعاصر لها جذور مشتركة مع مؤسسة [التعليم العمومي] ..
عندما تم اتخاذ الخطوات الأولى، قبل أكثر من قرنين ، في بروسيا، باستبدال نظام التعليم الخاص السابق بشكلٍ كامل بنظام شامل من التعليم العمومي الإلزامي، كان الوقت الذي يقضيه في المدارس التي تديرها الدولة في معظم الحالات لا تتجاوز أربع سنوات .. اليوم، في جميع أنحاء العالم الغربي بأكمله ، الوقت الذي يتم قضاؤه في مؤسسات “التعليم العمومي” ، كحد أدنى ، حوالي عشر سنوات، أي أن جزءاً كبيراً من الوقت خلال فترة تكوّن شخصية الفرد يتم الإنفاق عليه في المؤسسات التي تمولها الدولة و تشرف عليها، والتي لم يكن هدفها الأساسي منذ البداية تربية “جمهور من المستنيرين” ، بل تدريب الجنود و الموظفين العموميين بشكل مناسب : و ليس ليكونوا مستقلين و ناضجين .
لقد نجح التلقين: كلما طال الوقت الذي يقضيه الشخص في المؤسسات التعليمية العمومية، كلما كان إلتزامه أكثر بأفكار اليسار القائمة على المساواة ، و أجندة “الصوابية السياسية” ..
لذا يجب أن يتم المطالبة بابعاد المدارس والجامعات عن سيطرة الدولة، و إعادة إدارة هذه المؤسسات التعليمية للسلطات المحليّة تمهيداً لخصخصتها بالكامل من أجل استبدال هذا النظام العمومي بنظام يعكس التعدّد و التنوّع الطبيعي في المواهب و الاهتمامات البشرية .

الرجل الذي تكهن بأحداث 2020

 

كتبها: آريس روسينوس، مراسلُ حرب و طالب دكتوراة في العلاقات الدولية

ترجمها للعربية: أحمد سعدون
مراجعة: محمد المشاري

هل لاحظَ أحدُكم كتابَ غيوم فاي على رف مكتبة مايكل غوف؟

بماذا يتشارك كلٌ من مايكل غوف Michael Gove و حركة آزوف الأوكرانية Azov ؟ يتبادر إلى أذهاننا أنه القليل ليس إلّا . بالتأكيد هناك تشابه بسيط جداً بين الأعمال المنشورة لرجل الدولة المحافظ الليبرالي غوف و بين فِكر مجموعة مسلحة -أقرب ما تكون إلى اليمين من أيّ تيارٍ يميني شعبوي و التي تحاول إن تمد جذورها في مؤسسات الدولة الأوكرانية- من ضمن هذا التشابه ، إلمامُهم بأعمال المفكر اليميني المغمور غيوم فاي Guillaume Faye.

 

إن الهستيريا التي اندلعت مؤخراً على منصة تويتر و التي أثارتها سارة فاين Sarah Vine زوجة مايكل غوف بمشاركَتِها صوراً لمكتبة العائلة، ممكن أن تكون مجرد مناوشات عبثية في الحرب الثقافية، لكنها أظهرت بوضوحٍ شديد أن من نَصَّبوا أنفسهم رقيبين على شبكة الإنترنت لا يمتلكون أدنى إلمام بالفكر السياسي الذي يتوقون إلى محوِه من هذا العالم .

 

بِصَبِّ جامِّ غضبهم على غوف لإمتلاكه كتاباً لـ ديفيد إيرفنج David Irving، فإن أوين جونز Owen Jones و غيره من مفكري تقدميّة تويتر الالمعيين قد غَضّوا الطَرْفَ عن كتبٍ مثيرةٍ للإهتمام امتلكها غوف من بينها أعمال غيوم فاي و شريكه في تيار اليمين الفرنسي الجديد آلان دي بنوا Alain de Benoist. قد يعتقد المرء إن الإحتكاك مع الفكر السياسي لأقرب جيراننا الأوروبيين سيكون على الأقل مدعاة لإهتمامهم إن لم يكن قبولهم، لكن هناك القليل مِن الحركات السياسية مَن تُشابِهُ الليبرالية البريطانية المتأخرة في إنعزالها و جمودها الثقافي .

إن اليمين الفرنسي الجديد [بالفرنسية  Nouvelle Droite] بدأ في أواخر الستينات من القرن الماضي كحركة لصياغة مسار جديد للفكر الاوروبي المحافظ، رافضة الهيمنة الثقافية لكلّ من الماركسية حينها و الأطلنطية Atlanticism المتبعة من قبل التيّار اليميني السائِد.

 

كانت مجموعة GRECE [اختصار مجموعة البحث و الدراسة في الحضارة الأوروبية بالعربية] بوصفها مجمع التفكير لليمين الفرنسي الجديد قد وضعت لنفسها، و لو لفترة من الزمن، موطئ قدم مؤثر على المسرح السياسي الفرنسي متأثرةً بكل من الثورة المحافِظة في ألمانيا ما قبل الحرب، بالأخص فلسفة التشاؤمية الحضارية  لـ أوزوالد سبينجلر Oswald Spengler، أعمال كارل شميت

Carl Schmit المتضَمِنة نقداً بلا هوادة للديمقراطية الليبرالية و بكتابات إيرنست يونجر Ernst Junger المعقدة و صعبة الوضع في قالب معين.

 

لكن في سنة ١٩٧٩ تم إلغاء مجموعة GRECE بتأثير حملة شعواء من النقد اللاذع في صحيفة Le Monde الليبرالية الفرنسية التي إتهمت المجموعة بكونها مجموعة دخيلة تهدف إلى التغلغل في أوساط المؤسسات المحافِظة بالأخص صحيفة Le Figaro، بغية حرفها عن مسارها إلّا أنها بالرغم من هامشيتها في السياسات الانتخابية، فقد استحوذت مجموعة GRECE على نفوذ في وسط الميتا-سياسة Meta-Politics بما يسمى اليمين الغرامشي Gramscian Right [نسبةً الى الفيلسوف الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي Antonio Gramsci]، منطلِقةً من فِهمِها للسياسة بكونها تجري مَجرى الثقافة، فإن حركة اليمين الفرنسي الجديد سعت للتأثير على جيل جديد من مفكري اليمين لرفض الفكرة الشائعة عن الفكر المحافِظ و الفكر الليبرالي من وجهة نظر بعيدة تماماً عن تقسيمات اليمين-اليسار المعتادة .

ان حركة اليمين الفرنسي الجديد قد رفضت هيمنةَ بما وصفته بالإمبريالية الأمريكية على القارة الأوروبية؛ التي نشرت الرأسمالية و الليبرالية عبر أرجاء العالم من خلال الجمع المبتذل و البلطجي بين القوة الصلبة و القوة الناعمة، مدمِرةً المجتمعاتِ الفردانية و مُحوِّلةً العالمَ إلى مزيج هلامي/ غامض من الأفراد المستهلكين المنقطعين عن ثقافاتهم .

بتحمّسهم المبكِّر لأعمال كريستوفر لاش Christopher Lasch، و نقدهم لطبقةِ النُخب العولميّة الناشئة، فإن اليمين الفرنسي الجديد و بطريقة ما قد تنبأ بالنزعة الحالية نحو أفكار ما بعد ليبرالية في كلٍ من الولايات المتحدة و أوروبا، على الرغم من أنهم إتبعوا خطاً فكرياً في إتجاه آخر تماماً .

 بدعم فعّال لحركات التحرير الوطنية في دول العالم الثالث و استنكارٍ للعولمة لما فيها من تأثيرات التجانس الثقافي [التجانس الثقافي هو أحد جوانب العولمة و يعني إلغاء الحواجز الثقافية] و إطلاق التحذيرات العاجلة من الإنهيار البيئي الوشيك؛ تنبّأ دي بنوا و فاي بهذه الحركة المضادة للعولمة التي انتشرت في هذه الألفية، قبل أن تتحول لاحتجاج سلعي- مزيّف .

 

و بصورة مماثلة فقد تكهنوا أيضاً بقِسم كبير من خِطاب اليمين الشعبوي هذه الأيام، محذِّرين من أن الهجرة الكبيرة إلى أوروبا ستؤدي حتماً إلى صراع عرقي و هجماتٍ إرهابية مخلفة ضحايا كثر و كذلك من خلال شجبهم للأفلاس الأخلاقي و الروحاني للعولمة و الكونية cosmopolitanism، إلّا أنهم كانوا يدْعون بإتجاه توحيد أوروبا و روسيا في قوة حضارية عظمى واحدة رافضين علناً لما كانوا يرونه: فكراً قومياً ضيّق الأفق .

ولسوء حظ مراقبي الانترنت، هنالك القليل من الأدلة على تأثّر أفكار غوف السياسية الشخصية باليمين الفرنسي الجديد لكونه معادياً في العلن للأميركا، للرأسمالية و للعولمة، و مسانداً لتوحيد قارة أوروبا، في الحقيقة يمكن تتبع العديد من آثار الفكرية لليمين الفرنسي الجديد بصورة أكثر تجلياً في سياسيين أوروبيين مثل ماكرون و أوربان أكثرَ من أي شخصية بريطانية .

من الممكن تتبع مخاوف اليمين الفرنسي الجديد بخصوص الارهاب الاسلامي الناتج من الهجرة إلى اوروبا في كتاب غوف سيليسيوس ٧/٧ إلّا أن هنالك اختلافاً كبيراً بكون هذا الكتاب يقارِن بين الجهاديّة العالمية و التقاليد الليبرالية الغربية التي يحثنا غوڤ على الدفاع عنها، بينما يرى مفكروا اليمين الفرنسي الجديد أن الليبرالية هي أصل المشكلة، و الجهاديّة -كطبيعة- هي استجابة و رد فعل هؤلاء الدخلاء ثقافياً للقيم الليبرالية .

 

و على العكس من غوف و كتابه القائم على بشكل راسخ على التقاليد الليبرالية الغربية، فإن غيوم فاي يحاكي الايدلوجيّات الإسلامية  في إعتقادها المؤكِّد على أن صعودَ تيارِ الاسلام المتطرِّف هو رد فعلٍ عنيف لما يُراد فرضُه من كونية حداثيّة على بقية بقاع العالم من قَبِيل: الفردانية الإلحادية و ثقافة الماديّة و ضياع القيم الروحانية و طغيان العروض و المناظر .

 

من بين كتابي غيوم فاي المتواجدان على مكتبة غوف و كلاهما تم نشره من قبل دار اركتوسArktos للنشر في لندن و التي تعد من أهم ناشري الفكر اليميني المتطرف في اوروبا، يبرُزُ جلياً كتاب المستقبَليّة-العتيقة Archaeofuturism و هي مجموعة مقالات نشرت في أواخر التسعينات من القرن الماضي وتم إعادة نشرها ككتاب، حيث تَبنَّى فاي نظرةً متشائمةً عن عصرنا الحالي [و هو ما تحقق الآن] في حين كانت الايدلوجيا الليبرالية تعلنُ خاتمة التأريخ و يُطمئِن السياسيون ناخبِيهم بأن العولمة ستؤدي إلى فترة لامتناهية من الوئام و الإزدهار العالمي .

 

فاي توقع أنه بحلول عام ٢٠٢٠ و نتيجةً للهشاشة المتأصلة في النظام السياسي و المالي العولمي، ستصاب الحضارة بمجموعة متسلسِلة من الأزمات المترابطة  فيما بينها على شكل موجات من الجوائح المَرَضية و الاضطرابات السياسية و سقوط الدول في الشرق الأوسط و أفريقيا و انهيارات اقتصادية و بيئية، مؤديةً بمجموعها إلى زيادة الضغوط على النظام العالمي المُشَكَّل في أواخر القرن العشرين إلى الحد الذي تستحيل إدامته.

 

و يقول فاي في كتابه : “سلاسل من الأحداث الدرامية تجري الآن بإتجاهٍ متقارب كالروافِد التي تصبُّ في نهر واحد و ستجتمع بإنتظام تام نهاية المطاف في نقطة الانهيار بين عامي ٢٠١٠ و ٢٠٢٠ حيث ينغمس العالم في فوضىً ذاتِ تأثير مريعٍ على العالَمِ بأجمعه و منها سينبثقُ نظامٌ جديد ( المستقبلية-القدمية Achaeofuturism) كفكرةٍ عن العالم في عصر ما بعد الكارثة.”

 

إن مخاوفَ فاي هذه بخصوص “تجمع الكوارث” كما سمّاها، تبدو في وقت كتابتها غريبة و بعيدة عن الشائع -مقارنةً بوضعنا الحالي حيث اثبتت صحتها- لأن كتابه هذا صَدرَ قبل أحداث ١١ من أيلول و قبل الضائقة المالية العالمية الأخيرة و الحروب الدموية التي رافقت الربيع العربي و جائحة كوفيد-١٩ لكن الوعي باحتمالية الكوارث العالمية قد ازداد منذ مطلع القرن الحالي و بدأ يتسلل إلى الفكر الاستراتيجي المنتشر، غالِباً بوجود التغيُّر المناخي في الواجهة بينما مخاوف فاي الأخرى رُكِنت خلفها كعواقب ثانوية.

وفي ورقة بحثية بعنوان عصر العواقب Age of Consequenses  نُشِرت في عام ٢٠٠٧ بجهود مشتركة بين مركز الدراسات الاستراتيجية و الدولية و المركز الأمريكي لمجمع التفكير في الامن الأمريكي الجديد، أُعيد ذكرُ تحذيرات فاي- بحذافيرها- والتي تَحمِل طابعَ نهاية العالم محذرين من ان التغير المناخي الشديد سيقود قسرياً مئات الملايين إن لم يكن المليارات من البشر للانتقال من المناطق الأكثر تضرراً و بالتالي انهيار الديمقراطية الليبرالية في بقيةِ أرجاء العالم، كذلك الانتشارُ الجامِح للجوائح و الإرهاب الجهاديّ و اندلاع الحروبِ داخل الدول و ما بينها في وقت إنهيار النظام العالمي .

 

هذا التقرير يحذر “ان في خِضَم هذا السيناريو سيجتاح الأممَ قدرٌ هائل من التغييرات و التحدّيات المضرة مثل جوائح الأمراض بينما التماسك المجتمعي الداخلي للأمم -من ضمنها الولايات المتحدة- سيكون تحت وطأة ضغط شديد نتيجة الزيادة المضطردة للهجرة و التغيُّرات في أنماط الزراعة ووفرة المياه إضافةً إلى غمر المجتمعات الساحلية بالتحديد في هولندا ، الولايات المتحدة، جنوب آسيا و الصين سيكون من شأنه ضعضعة الهويات المناطقية و الوطنية.و الصراع الأمَمي المسلح على الموارد مثل نهر النيل و روافده محتملٌ و الحروب النووية أيضًا واردة الحدوث ، أضف إلى ذلك التبعات الاجتماعية التي تتراوح ما بين الإحتِدام الديني و الفوضى العارمة. في ظل هذا السيناريو فإن التغيُّر المناخي سيُنتج تغيُّراً مستديمًا في علاقة الجنس البشري بالطبيعة.”

 

يكرر التقرير تحذيرات فاي “إن في هيكل النظام العالمي المُستَجِدّ، سيكون التنبوء و التفكير مستحيلاً بكل جوانب الحياة الوطنية و العالمية التي ستتأثر به لا محالة، كما أشار أحد المشاركين بقوله “ان التغيُّر المناخي الجامِح سيجعل من العالم مشابهاً لما صَوَّرَه ماكس المجنون Mad Max : أشدَّ حرارةً و من دون شواطئ بل حتى أكثرُ اضطراباً” .

 

قد يبدو هذا الوصف متطرِّفاً لكن التمحيص المتأني و الدقيق في كل العواقب المحتملة المرافقة لتغير المناخ العالمي سيكون مثيراً للهلع بشكل كبير . هذا الانهيار و الفوضى المصاحبة لتغيُّر مناخي شديد سيضعضع كلَ جانبٍ من جوانب الحياة المعاصرة من الناحية النظرية و التجربة الوحيدة التي يُمكِن المقارنةُ بها للعديد من أعضاء هذه المجموعة هي ما تمَّ التفكير به كأعقابٍ للحرب النووية بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي فيما لو حدثت إبانَ توتُّراتِ الحرب الباردة” .

 

و في السنة الماضية ليس إلّا، حيث حذر متنبِّئ استرالي معروف من انه إلى حد هذه اللحظة، فإن نهاية العالم في المستقبل القريب شبه حتمية، واصفاً بَحثَه بكونه “لمحة عن عالم الفوضى العارمة على طريقٍ ينتهي بهَلاك الحضارة البشرية و المجتمع الحديث كما عهدناه، حيث ستكون التحديات من أجل أمنٍ عالمي -ببساطة- ساحقةً و يصبح الإضطرابُ و الذعر السياسي هو السائد” .

 

هذا و قد كُتِبت تكهناتٌ من قبل متنبئي الاستراتيجيات التابعين لوزارة الدفاع و البنتاغون، تشترك مع تكهنات فاي بكونها فظيعةً متشائمة مكتوبَةً بلغةِ قاتمة بلا رتوش و باستنتاجات تحذيرية ستُفْضي بقارئها إلى القلق .

 

وعلى صَعيد متصِل فإن الاتحاد الاوروبي قد رَبَط أيضاً بين التغيُّر المناخي و مجموعة متسلسلة من التحديات بخصوص الأمن العالمي التي ستهدِد بشِدّة كُلاً من النظامين العالمي و الاوروبي. ففي ورقة “الاستراتيجية العالمية لسياسة الأمن و السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي” لعام ٢٠١٦ و هي ورقة شاملة تتضمن مقارَبَة الإتحادِ القارّي للمستقبل القريب، حيث يؤكِّد استراتيجيو الاتحاد الاوروبي : ” نحن نعيش في وقت الأزمات الوجودية داخل الاتحاد و خارجه. إتحادُنا أصبَحَ تحتَ وطأة التهديد و مشروعنا الاوروبي ،الذي أفضى إلى سلام و ازدهار و ديمقراطية غير مسبوقين ، تتم مساءلته و التشكيك به. ففي الشرق ، انتُهِك نظام الأمن الاوروبي بينما ينتشر الارهاب و العنف في أرجاءَ شمال افريقيا و الشرق الأوسط و حتى في أوروبا نفسِها. النمو الاقتصادي لم يجاري تِعداد السكان في إفريقيا الى حد الآن و تتصاعد التوتراتُ الأمنية في آسيا بينما يسبب التغيُّر المناخي إضطراباً متزايداً” .

وفي الأسبوع المنصرم كتب رئيس وزراء بولندا و بروفيسور علم الإجتماع بيوتر غلينسكيPiotr Glinski في صحيفة وول ستريت جورنال مقالا من صفحتين حذَّرَ فيه من أن أزمة جائحة كوفيد هي لمحة عن مستقبلِ الانهيار الحضاري، مُشَبِّهاً بصراحةٍ عالمَ الغَربِ الحديث بالامبراطورية الرومانية في أواخر عصورها .

 

بينما كان التاريخ الذي حدده فاي بخصوص نهاية العالم هو بعقدٍ او عقدين من الزمن أبْكَرَ من التحذيرات العقلانية هذه إلا انه -ولسوء حظنا- يَتم التفكير برؤيته المتشائمة للمستقبل من قبل أعلى إستراتيجيي اميركا و اوروبا مرتبة .

 

ولعل الأكثر إثارةً للاهتمام هو حل فاي المقترح [المستقبلية- القِدَميّة] في كتابه الذي يحمل ذات العنوان ، و ليس تواجد الكتاب في مكتبة وزيرٍ محنكٍ في الحكومة البريطانية،حيث يقترح فاي بشكلٍ غير مُقنِعٍ -متأثرًا بالمُنَظِّر السياسي الأمريكي صامويل ب. هنتغتونSamuel P. Huntington – أن نظام العالم الحالي سيندمج في عدة تكتلات حضارية واضحة المعالِم: تكتل تسيطر عليه الصين، تكتل أمريكا الشمالية، تكتل أفريقيا جنوب الصحراء، وحدةاورو-سيبيرية، عالَم إسلامي كبير، أما بقية العالم فستتجمع في تكتل للمحيط الهادئ غير معلومة حدوده .

 

و ما إن يتحقق ذلك، سيكون العالم مهيأً لإعادة تنظيم شاملة للحضارات وفقاً  لـ “نموذج ثوري مبنيٍّ على اقتصادي اناني غير مساواتي Inegalitarian، سيُفرَض علينا بناءً على أسس تاريخية، لكن يمكن التنبؤ به و التخطيط له سَلَفاً .

 

يبدي فاي رأيه الذي يشاركه فيه الآن عددٌ كبير من الناس :” ان يوتوبيا التنمية و التطور بوجود عشرة مليارات من البشر هي غير مستدامة بيئيًا ” مقترِحاً نظامًا رهيباً لإعادة ترتيب العالم من الجدير ذكره هنا رغم طوله: “في البداية ستعود معظم البشرية الى إقتصاد العيش ما قبل التقنية معتمدين على الزراعة و الحِرَف و بتصميم

ديموغرافي يعود لنا من العصور الوسطى حيث ستسيطر حياة القَبَليّة و الجماعاتية Communitarian حتى في البلدان الصناعية مثل الهند و روسيا و البرازيل و اندونيسيا و الأرجنتين … الخ بالتالي عودة جزء كبير من السكان الى العيش في ظل هذا النظام الاقتصادي و الاجتماعي العتيق.”

و يؤكد فاي: ” هناك أقليةٌ من البشرية ستستمر بالعيش طِبقاً لنظامٍ اقتصادي علمي متطور مدعوم بالابتكار و مبنيٍّ على اساس ‘شبكة تبادل عالمية’ متكونةً من مليار نسمةٍ تقريبا.”

“وفي النهاية فأن هذه التكتلات الاقتصادية العتيقة-المجددة الهائلة ستكون ممتدةً على مستوى قارة واحدة او عدة قارات و من دون تبادل مشترك بينما سيكون القسم العلمي المتطور من البشرية هو الوحيد الذي لديه إمكانية الوصول للتبادل العالمي ، مُنتِجاً لنا عالماً ذا مُستوَين إثنين يجمع بين القِدَميّةArchaism و المستقبليّةFuturism . هذا القسم العلمي المتطور من البشرية لن يكون له الحق في التدخل بشؤون المجتمعات العتيقة-المُجَدّدَة التي ستشكِّل غالبية البشرية و الأهم من ذلك أنه لن يكون مُلزَماً بمساعَدَتِهم بأي شكل من الأشكال.”

يرسم فاي، في قصة قصيرة يذكرها في نهاية كتابه، صورةً حيةً -ان لم تكن غريبة- عن هذا المستقبل المقترَح حيث مجموعة صغيرة من نخبة العالَم التكنوقراطية تسعى جاهدةً وراء اكتشافات تكنلوجيّة و علمية بينما بقية سكان العالم تعيش في مجتمعات زراعية بمستوى تقنيات يمكن القول أنها مساوية لتقنيات العصور المظلمة .

 

و في سلسلة من قصص الخيال العلمي القصيرة واسعة الخيال التي يمكن عدّها جزءاً ثانياً لكتابه بعنوان المستقبليّة-القدمية ٢  Archaeofuturism 2.0 ، يُوسِّع فاي أفكاره بما يُضْفي إسوِداداً اكثر  على رؤيته للمستقبل حيث ستنجو بعض المجتمعات لمدة معينة من خلال التصدي للفوضى المنتشرة، محافظةً على التكنلوجيا البدائية من مطلع القرن العشرين لكن الظلام سينتشر بمرور الزمن و يُقضى على البشرية بأجمعها .

 

تكتبُ ستيفاني فرنسوا Stephane Francois مقدمةً أكاديمية رائعة عن حياة فاي و كتاباته في كتابها الصادر مؤخراً بعنوان أهمُّ مُفكِّري اليمين الراديكالي Key Thinkers of the Radical Right ، حيث تَذْكُر بأن كتاب المستقبليّة-القدمية يتضمن : “نبذ الحداثة الناشئة من التنوير و نبذ الفكر المحافظ، لأن الحداثة تنطوي على علامات واضحة من الانكسار بينما لا يؤدي الفكر المحافظ إلى شيء يذكر” . وتلخص فرنسوا فكرة فاي بقولها: “لتَجنُّب الانهيار الحضاري و البيئي فإنه -أي فاي-يقترِح نظاماً مستبداً يرعاه “قائد فِطري” ، دكتاتور صالِح يعرِف كيف يوجِّه شعبَه و يحمي هويتهم و جذور أسلافهم ” .

 

ربما يكون هذا هو سبباً من أسباب شعبيّة أعمال فاي بين صفوف حركة آزوف اليمينية المتطرفة في أوكرانيا بوصفها لواءً مسلحاً مناهضاً لروسيا في المناطق المتنازع عليها من شرق أوكرانيا و منضويةً تحت مظلة وزارة الداخلية الاوكرانية، كذلك توفر حفظ الأمن رسمياً بمباركة الحكومة و بصورة غير رسمية كمنافِسةٍ للدولة في مدن غرب البلاد .

 

في العام الماضي، بعد بفترة وجيزة من وفاة فاي، قمتُ بمقابلةٍ مع السكرتيرة الدولية لحركة آزوف أولينا سومينياكاOlenya Somenyaka في مقر قيادة الحركة القريب من الساحة الشهيرة في كييف ساحة الميدان الرئيسي. حيث أكَّدت سومينياكا على الدور الرئيسي لأعمال فاي في تطوير رؤيتها للعالم و هي محاطة برفوفٍ مملوءة بأعمال كُتّابٍ يمينيّين متطرفين من Ultra-Right لاقت رواجاً جديداً بين صفوف المحافِظين الاوروبييين المستائين . وفقاً للعالم الذي تراه سومينياكا و حركة آزوف، فإن أوكرانيا ستلعب دوراً مهماً كمنصة إنطلاق لإستعادة أوروبا مما تراه هي نظاماً تحررياً متهالكاً حيث ستقود أوكرانيا القارةَ نحو فجر وثني مستقبليّ-قدمي جديد Neo-pagan Archaeofuturist .

 

ربما يكون سببُ وجودِ كُتُبِ فاي على رف كتب مايكل غوف هو إكتسابها شهرةً غير مسبوقة بين صفوف مجموعة مسلحة قوية تتحدى الديمقراطية الليبرالية في أوكرانيا و وجود هذه الكتب جنباً إلى جنب مع الكتب الاكاديمية عن أوكرانيا المعاصرة .. يبدو أنّه يشير إلى إهتمام هذا السياسيّ بالتطورات الاجتماعية و السياسية في أوكرانيا، نظراً لنشر قواتٍ بريطانيةٍ هناك .

 

إن أكثر تحذيرات فاي سوداويةً لاقت بالفعل صدىً في السياسات البرلمانية البريطانية و لكن فقط من قبل حزب الخُضْر و بالتحديد من أكثر أعضاءه حنكةً، بروفيسور الفلسفة في جامعة إنجليا الشرقية و المتحدث بإسم حركة تمرد ضد الانقراض Extinction Rebellion  روبرت ريد Rupert Read الذي حذرَ بقوله: “نحتاج إلى التفكير بما سيحدث بعد الانهيار المتوقَع لهذه الحضارة و التخطيط تبعاً لذلك . بالتأكيد هناك احتمالات متفرعة في خضم هذا المستقبل الوارد حدوثه ، بعضها مروعٌ للغاية. فمن الممكن على سبيل المثال أن تكون الحضارة اللاحقة محكومةً إلى حد كبير من قبل أمراء حربٍ شديديّ العنف . يجب علينا ان نحاول قدر ما نستطيع تحضير أحفادنا للنجاة و ترجيح كفةِ أحدِ الإحتمالات الأفضل لهم” .

لكن من غير الواضح سبب وجود أعمال فاي على فهرس المعرفة المحظورة لكُتّاب أعمدة صحيفة الغارديان The Guardian حتى لو تقبلنا ان لهم حَقاً في تحديد ما يمكن و ما لا يمكن قراءتُه من الكتب، فعلى النقيض من ذلك، نَجِدُ أن قراءة سياسيينا المحنكين كتبًا سياسية مغمورة غير مألوفة أمراً مشجعاً بالنظر للزمن الذي نعيش فيه.

 

سواءً للأفضل أم للأسوأ، فإننا نعيش في عصر ربيع الأيديولوجيات (عصر المسوخ كما يصفه الفيلسوف الايطالي غرامشي) حيث تتكاثر المعتقدات السياسية الغريبة المفاجِئة على منصة تويتر كتكاثر الهويات الجنسية على منصة تمبلر . ومهما كانت إحتمالية سَير مجتمعاتنا على خطى رؤية فاي المستقبليّة-القدمية ( يُفترَضُ أنها بعيدة الاحتمال) ففي الحالتين، من المستبعَد أن نعود الى عالَم الماضي القريب .

 

نظام العالم الذي أنشأته السيطرة الأمريكية ما بعد الحرب قد ولّى إلى غير رجعة و كُتُب السيرة الذاتية للسياسيين الوسطيين الأمريكيين التي تهيمن على رفوف مكتبة غوف، تُمثِّل عالَمًا بنفس درجة الضياع و عدم القابلية للإسترجاع الموجودة في سِيَر سُلالات المَلَكيّة المطلقة لأوروبا كما يمكن ان تبدو قبل قرن من الزمن .

 

إذا قَبِلْنا أن ايديولوجيا الليبرالية قد استنفذت قواها، مُهَشَّمَةً بإستجابتها الضعيفة لأحداث الواقع -كما قبل بذلك مفكروا ما بعد-الليبرالية و مفكرون من أقصى اليسار و أقصى اليمين أيضاً- إذن يجب علينا القبول بظهور أيديولوجية لاحِقَة معيَّنة ستحِلُّ محل الليبرالية في آخر الأمر . أياً كانت هذه الأيديولوجية -من المرجح أنها موجودة بالفعل- ستكون مشابِهَةً للشيوعية قبل قرن من الزمن بكونها فكرةً مغمورةً هامِشيّة تنتظر حلول الأزمة حتى تُرسي قواعد وجودها فيها.

 

في الولايات المتحدة، حيث تنتشر النقاشات بخصوص محاسن فكر التكاملية الكاثوليكية Catholic Integralism إذ تحتدم بين التيار المحافظ، رغمَ الامكانية الضئيلة لإعادة ترتيب الدولة الأمريكية على هذا النحو . كذلك في بريطانيا و القارة الأوروبية أيضا حيث الناس يُذبَحون من قبل معتنقي السلفية الجهادية و هذا تحدٍ راديكالي آخر للأيدلوجيا الليبرالية التي تطرح نفسها كأيديولوجيا ناجحة .

 

إن عِماد الفكر السياسي هي المحاسِن و التحديات التي تطرحها أيديولوجيات هامشية كالمذكورة سلفاً، و ليست المخاوف البائسة الناتجة من المنافسة الحزبية، بل إنها مؤشرٌ يدعو للإطمئنان و ليس مثاراً للقلق كما يلاحظها نوابنا المنتخَبون .

 

الذين حلّلوا بصوتهم العالي صورةَ رفوف مكتبة غوف على تويتر، بعضهم قد أفنى سنوات من حياته يُطَبِّلُ للنجاح السياسي الذي حققه أتباعُ أيديولوجية دموية هامشية في القرن العشرين، نفس الأيديولوجية التي تم نبذها إلى حطام التأريخ . دار نشر فيرسو Verso ذات التوجه اليساري المتطرف -أقرب ما تكون لليسار منه الى الفكر الوَسَطي كقُرْب فاي لليمين، لكن أكثر قبولاً إجتماعياً- قامت في السنوات الأخيرة بنشر كل أنواع المنشورات و البيانات الغريبة و غير المحببة في السنوات السابقة، من مطالبتهم بهدم مؤسسة الأسرة إلى كتابٍ يؤكدون فيه إمكانية العيش في عالم لانهائيِّ النموِ و الاستهلاك من خلال التنقيب في الكويكبات .

 

إن كِلا الفكرتين عبثية لكن بينما نحن ممتنون للإنتخابات الأخيرة التي شهدت إقصاء دعاتها بشكل تام عن السلطة السياسية، بيد أن الكتابين ينبغي ألّا يُمنَعَا من النشر و إنما التمحيص في جودةِ كلٍ منهما و من ثم السخرية منه. مع ذلك، فإن وجود أعمال غريبة الأطوار كهذه ، يُعدُّ بشكلٍ عام أمرًا إيجابي لكونه يُظهِر الناس يعطون اعتباراً جدياً فيما يمكن أن يحلَّ محل الإطار الفكري و السياسي المتهالك حولنا .

ينبغي لنا أن نكون راضين عن إطلاع ممثلينا السياسيين على أفكارٍ غير عادية، ليس بالضرورة لأنهم يُصَدِّقون بها و إنما لأنها تمثل الإهتياجَ الثقافي و السياسي في مطلع القرن الواحد و العشرين حيث أن الفكرة القائلة بعدم وجود بديل للإجماع النيوليبرالي Neoliberal قد إندثرت منذ وقت بعيد، بينما العديد من البدائل ( إن وُجِدَت) تُمثِّل مستقبَلاً على نفس الدرجة من الخطورة و الإثارة .

 

فبالإضافة للإطلاع على كتابات فاي، ينبغي ل غوف و بقية السياسيين البريطانيين ان يتَحَرَّوا عن طيف واسع من المفكرين الراديكاليين من اليسار و اليمين، من الكتب ما بعد الفوضوية لموراي بوكتشين Murray Bookchin إلى النقد الثقافي الماركسي المتفرد لمارك فيشر Mark Fisher، النقد الكاثوليكي للديمقراطية الليبرالية للكاتبين باتريك دينيين و ريشارد ليغوتكو Patrick Deneen and Ryszard Legutko، رفض الحداثة المكتوب كخيال من قبل مايكل هوليبيك وباول كينغسوورثMichel Houellebecq and Paul Kingsnorth و غيرها من أيّ إستجابةٍ منتشرةٍ حالياً -لما نسميه أزمة القرن الواحد و العشرين- في السوق الحر للأفكار .

ففي النهاية وكما دَوَّن فاي بكياسَةٍ في كتابه المستقبليّة-القدمية Archaeofuturism: ” إن الحداثة تنتمي إلى ماضٍ قد إنتهى بالفعل” .

وجـوب فـشـل الاشـتـراكـيـة

وجوب فشـــــــــــل الاشْتِراكِيَّة
هانز هيرمان هوبه – ٢٠١٩/٧/٨
ترجمة: بهـــــــــاء محمد نوري

تقدم الاشْتِراكِيَّة والرأسمالية حلولاً مختلفة جذرياً لمشكلة النُدْرَة: لا يمكن لأيْ شخص الحصول على كل ما يشتهي أنى اشتها، فكيف إذن يمكننا أن نقرر بشكل فَعّال من الذي سيملك الموارد التي لدينا ويتصرف بها؟ الحل المختار له آثار بَلِيغة. يمكن أن يعني الفرق بين الازدهار والإفْقار، التبادل الطوعي والإكراه السياسي، وحتى بين الشمولية والحرية.

يحل النظام الرأسمالي مشكلة النُدْرَة من خلال الاعتراف بحق المِلْكِيَّة الخاصة. أول من يستخدم السلعة هو صاحبها. يمكن للآخرين الحصول عليها فقط من خلال العقود التجارية والطوعية. ولكن حتى يقرر مالك المِلْكِيَّة إبرام عقد للمتاجرة في ممتلكاته، يمكنه أن يفعل ما يشاء بها، طالما أنه لا يتدخل في الممتلكات المملوكة للآخرين أو يتعدى عليها بالضرر.

بينما يحاول النظام الاشْتِراكِي حل مشكلة المِلْكِيَّة بطريقة مختلفة تماماً. كما هو الحال في الرأسمالية، يمكن للناس امتلاك منتجات استهلاكية. ولكن في الاشْتِراكِيَّة، المِلْكِيَّة التي تستخدم كوسيلة للإنتاج هي المِلْكِيَّة جماعية. لا يمكن لأيْ شخص امتلاك الآلات والموارد الأخرى التي تتضمن في إنتاج السِلَع الاستهلاكية. البشر، إذا جاز التعبير، يمتلكونها. إذا استخدم الناس وسائل الإنتاج، فلا يمكنهم القيام بذلك إلا كأمناء على المجتمع بأكملِهِ.

يضمن القانون الاقتصادي أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية الضارة ستتبع دائماً تأميم وسائل الإنتاج. وستتوسم التجربة الاشْتِراكِيَّة بالفشل أبدا.

أولاً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى استثمار أقل، وادخار أقل، ومستوى معيشي متدني. عندما تُفْرَض الاشْتِراكِيَّة في البدء، يجب إعادة توزيع المِلْكِيَّة. يتم أخذ وسائل الإنتاج من المستخدمين والمنتجين الحاليين وتعطى للأمناء على المجتمع. على الرغم من أن مالكي ومستخدمي وسائل الإنتاج حصلوا عليها من خلال الموافقة المتبادلة من المستخدمين السابقين، إلا أنها تُنْقَل إلى أشخاص أصبحوا، في أفضل الأحوال، مستخدمين ومنتجين لأشياء لم يمتلكوها سَلَفَاً.

بموجب هذا النظام، يعاقب المالكون السابقون لصالح المالكين الجدد. يتم تفضيل غير المستخدمين وغير المنتجين وغير المتعاقدين لوسائل الإنتاج من خلال ترقيتهم إلى رتبة أمين على مِلْكِيَّة لم يسبق لهم استخدامها أو إنتاجها أو التعاقد على استخدامها. وبالتالي يرتفع دخل غير المستخدمين وغير المنتجين وغير المتعاقدين. والأمر يتماثل بالنسبة لغير المدخرين الذين ينتفعون على حساب المدخرين الذين تتم مصادرة الممتلكات المحفوظة منهم.

من الواضح، إذن، أنه إذا كانت الاشْتِراكِيَّة تفضل غير المستخدمين وغير المنتجين وغير المتعاقدين وغير المدخرين، فإنها ترفع التكاليف التي يجب أن يتحملها المستخدمون والمنتجون والمتقاعدون والمدخرون. من السهل معرفة سبب انخفاض عدد الأشخاص في هذه الأدوار الأخيرة. سيكون هناك تخصيص أولي أقل للموارد الطبيعية، وإنتاج أقل لعوامل الإنتاج الجديدة، وتعاقد أقل. وسيكون هناك استعداد أقل للمستقبل لأن منابيع الاستثمار لدى الجميع تجف. سيكون هناك ادخار أقل واستهلاك أكثر، وعمل أقل وراحَة أكثر.

وهذا يعني عدداً أقل من السلع الاستهلاكية المتاحة للتبادل، مما يُقَلَّل من مستوى معيشة الجميع. إذا كان الناس على استعداد للمخاطرة، فسيتعين عليهم تَجَوَّل باطن الأرض للتعويض عن هذه الخسائر.

ثانياً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى انعدام الكفاءة ونقص وتبذير هائل. هذه هي نظرة لودفيغ فون ميزس الذي اكتشف أن الحساب الاقتصادي العقلاني مستحيل في ظل الاشْتِراكِيَّة. وأوضح أن السلع الرأسمالية في ظل الاشْتِراكِيَّة تُستخدم في أحسن الأحوال في إنتاج احتياجات من الدرجة الثانية، وفي أسوأ الأحوال، في إنتاج لا يلبي أيْ احتياجات على الإطلاق.

إن نظرة ميزس بسيطة ولكنها مهمة للغاية: لأنه لا يمكن بيع وسائل الإنتاج في ظل الاشْتِراكِيَّة، فلا توجد أسعار سوقية لها. لا يمكن للراعي الاشْتِراكِي تحديد التكاليف المالية المترتبة على استخدام الموارد أو في إجراء تعديلات على مسار عمليات الإنتاج. ولا يمكنه مقارنة هذه التكاليف بالدخل النقدي من المبيعات. لا يُسمح له بأخذ عروض من الآخرين الذين يرغبون في استخدام وسائل إنتاجه، لذلك لا يمكنه كُنْه فرصه الضائعة. فمن دون معرفة الفرص الضائعة، لا يمكنه معرفة تكاليفه. ولا يمكنه حتى معرفة ما إذا كانت الطريقة التي ينتج بِها فَعّالة أم لا، مرغوبة أم لا، عقلانية أم لا. ولا يمكنه معرفة ما إذا كان يلبي احتياجات أقل أم أكثر إلحاحاً للمستهلكين.

في الرأسمالية، توفر أسعار النقود والأسواق الحرة هذه المعلومات للمُنْتِج. لكن في الاشْتِراكِيَّة، لا توجد أسعار للسلع الرأسمالية ولا فرص للتبادل. الراعي متروك في العتمة. ولأنه لا يسعه معرفة حالة استراتيجيته الحالية للإنتاج، لا يمكنه معرفة كيف يُحَسّنها. وكلما قل عدد المنتجين القادرين على الحساب والانخراط في التحسن، زاد احتمال حدوث مخلفات ونقص. في اقتصاد حيث السوق الاستهلاكية لمنتجاته كبيرة جداً، تكون معضلة المُنْتِج أسوأ. ولا حاجة للإشارة إلى أنه: عندما لا يكون هناك حساب اقتصادي عقلاني، سيغرق المجتمع في حالة فقر متفاقم تدريجياً.

ثالثاً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى الإفراط في استخدام عوامل الإنتاج حتى تتدهور وتصبح مُخَرّبة. يحق للمالك الخاص في ظل الرأسمالية أن يبيع عامل إنتاجه في أيْ وقت والحفاظ على الإيرادات المتأتية من البيع. ولذا فمن مصلحته تجنب تخفيض قيمته الرأسمالية. ولأنه يمتلكها، فإن هدفه هو تعظيم قيمة العامل المسؤول عن إنتاج السلع والخدمات التي يبيعها.

بينما حال الوصي الاشْتِراكِي مختلف تماماً. لا يمكنه بيع عامل إنتاجه الخاص، لذا ليس لديه حافز كبير أو لا يملك أيْ باعِث لضمان احتفاظه بقيمته. وبدلاً من ذلك، سيكون حافزه هو زيادة ناتج عامل إنتاجه بغض النظر عن قيمته المتضائلة. وهناك أيضاً احتمال أنه إذا أدرك الوصي فرصاً لاستخدام وسائل الإنتاج لأغراض خاصة – كصنع سلع للسوق السوداء – فسَيتشجع على زيادة الانتاج على حساب القيم الرأسمالية. بغض النظر عن الطريقة التي تنظر بها إليها، في ظل الاشْتِراكِيَّة دون مِلْكِيَّة خاصة وأسواق حرة، يميل المنتجون إلى استهلاك قيم رأس المال من خلال الإفراط في استخدامها. واستهلاك رأس المال يقود إلى الفقر.

رابعاً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى انخفاض جودة السلع والخدمات المتاحة للمستهلك. في ظل الرأسمالية، لا يمكن لرجل أعمال فردي الحفاظ على شركته وتوسيعها إلا إذا استرد تكاليف إنتاجه. وبما أن الطلب على منتجات الشركة يعتمد على تقييمات المستهلكين للسعر والجودة (السعر هو أحد معايير الجودة)، يجب أن تكون جودة المنتج مبعث قلق دائم للمنتجين. هذا ممكن فقط بوجود مِلْكِيَّة خاصة وتبادل سوقي.

الأمور تختلف كُليَّاً في ظل الاشْتِراكِيَّة. ليست وسائل الإنتاج مملوكة بشكل جماعي فحسب، بل أيضاً الدخل المستمد من بيع الناتج. وهذه طريقة أخرى للقول إن دخل المُنْتِج لا صلة له بتقييم المستهلك لعمل المُنْتِج. وهذه الحقيقة، بالطبع، معروفة لكل مُنْتِج.

ليس للمُنْتِج باعث كي يبذل جهد خاص لتحسين جودة منتجه. وبدلاً من ذلك سيكرس وقتاً وجهداً أقل نسبياً لإنتاج ما يريده المستهلكون ويقضي وقتاً أطول في فعل ما يريد. الاشْتِراكِيَّة نظام يُحَرِض المُنْتِج على الكسل.

خامساً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى تَسْيِيس المجتمع. وهو اسوأ نازلة بإنتاج الثروة. تقول الاشْتِراكِيَّة، على الأقل بنسختها الماركسية، أن هدفها هو المساواة الكاملة. يلاحظ الماركسيون أنه بمجرد السماح بالمِلْكِيَّة الخاصة في وسائل الإنتاج، فإنك تسمح بالتَفَاوَت. إذا كنت أملك المورد أ، فأنت لا تملكه وتصبح علاقتنا تجاه المورد أ مختلفة وغير متساوية. يقول الماركسيون من خلال إلغاء المِلْكِيَّة الخاصة في وسائل الإنتاج بضربة واحدة، يصبح الجميع مشاركين في مِلْكِيَّة كل شيء. هذا يعكس مكانة الجميع المتساوية كبشر.

الواقع يختلف كثيراً. إن إعلان كل شخص مالكاً مشتركاً لكل شيء يحل اختلافات المِلْكِيَّة بشكل رمزي فقط. لا يحل المشكلة الأساسية الحقيقية: لا تزال هناك اختلافات في القدرة على التحكم فيّما يتم عمله بالموارد.

في ظل الرأسمالية، يمكن للشخص الذي يملك مورداً ان يتحكم فيّما يتم استخدامه أيضاً. في الاقتصاد المؤمم، لا يوجد هذا الشيء لأنه لم يعد هناك مالك. مع ذلك تبقى مشكلة السيطرة. من سيقرر ما يجب فعله بماذا؟ في ظل الاشْتِراكِيَّة، هناك طريقة واحدة فقط: يقوم الناس بتسوية خلافاتهم حول السيطرة على المِلْكِيَّة من خلال فرض إرادة على أخرى. وطالما كانت هناك خلافات، فسوف يقوم الناس بتسويتها بالوسائل السياسية.

إذا كان يريد الأشخاص تحسين دخلهم في ظل الاشْتِراكِيَّة، فعليهم أن يرتقوا مرتقى ذي قيمة عالية في التسلسل الهرمي للأمناء. وهذا يتطلب مواهب سياسية. في ظل نظام كهذا، سيضطر الناس إلى قضاء وقت وجهد أقل لتطوير مهاراتهم الإنتاجية ووقت وجهد أكثر لتحسين مواهبهم السياسية.

مع تحويل الناس لأدوارهم كمنتجين ومستخدمين للموارد، نجد أن شخصياتهم تتغير. لم يعودوا يهَذّبون قدرتهم على توقع حالات النُدْرَة، اغتنام الفرص الإنتاجية، الوعي بالإمكانيات التكنولوجية، توقع التغيرات في طلب المستهلكين، وتطوير استراتيجيات التسويق. لم يعد عليهم أن يكونوا قادرين على الاستهلال والعمل والاستجابة لاحتياجات الآخرين.

وبدلاً من ذلك، يطور الناس القدرة على حَشَد الدعم العام لموقفهم ورأيهم الخاص من خلال وسائل الإقناع، والديماغوجية، والمؤامرات، ومن خلال الوعود والرشاوى والتهديدات. يرتقي أُناس مُتَفَاوِتين إلى القمة في ظل الاشْتِراكِيَّة من الرأسمالية. كلما ارتفع مستوى التسلسل الهرمي الاشْتِراكِي الذي تنظر إليه، كلما وجدت أشخاصاً غير أكفاء بالمرة للقيام بالمهمة التي يُفْتَرَض أن يؤدوها. لا عائق في مهنة الوصي السياسي أن كان غبياً، بطيئاً، غير كفؤ، وغير مكترث. كل ما يحتاجه هو مهارات سياسية متفوقة فقط. وهذا يقود إلى إفْقار المجتمع.
إن الولايات المتحدة ليست مُأممة بالكامل، لكننا نرى بالفعل الآثار الكارثية لمجتمع مسيّس حيث يواصل سياسيونا التعدي على حقوق أصحاب المِلْكِيَّة الخاصة. جميع آثار الاشْتِراكِيَّة المُفْقِرة معنا في الولايات المتحدة: انخفاض مستويات الاستثمار والادخار، سوء تخصيص الموارد، الاستخدام المفرط وتخريب عوامل الإنتاج، والجودة الرديئة للمنتجات والخدمات. وهذه ليست سوى مقبلات لحياة في ظل الاشْتِراكِيَّة الكاملة.

*مُقْتَطَف من كتاب مُطالِع السوق الحرة (The Free Market Reader).

لمـاذا تـكافئ الديـمقراطيـة أبـشع البـشر؟

لماذا تكافئ الديمقراطية أبشع البشر،
هانز هيرمان هوبه – ٦/١٠/٢٠١٦
ترجمة: بهـــــــــاء محمد نوري.

أحد أكثر الآراء مقبولية على نطاق واسع بين الاقتصاديين السياسيين هو: إن كل اِحْتِكَار سيء من وجهة نظر المستهلك. يُفهم الاِحْتِكَار بمعناه الكلاسيكي على أنه امتياز حصري يُمْنَح لمُنْتِج واحد لسلعة أو خدمة، أيْ، كغياب الدخول الحر إلى خط إنتاج معين. ,بعبارة أخرى، وَكَالَة واحدة فقط، أ، تنتج سلعة معينة، س. أيْ مُحْتَكِر على هذا النهج سيء للمستهلكين لأنه، محمياً من الدُخَلاء الجُدد المحتملين في مجال إنتاجه، وسيكون سعر مُنْتَج المُحْتَكِر س عالي وجودةْ س هَابِطة.

كثيراً ما تم التذرع بهذه الحقيقة الأولية كحجة لصالح الحكومة الديمقراطية بدلاً من الحكومة الكلاسيكية أو المَلَكِيَّة أو الأميرية. وذلك لأن الدخول إلى الجهاز الحكومي في ظل الديمقراطية اخْتِيَارِي — يمكن لأيْ شخص أن يصبح رئيساً للوزراء أو رئيساً للدولة — بينما في ظل النظام المَلَكِيّ يقتصر على الملك ووريثهِ.

ومع ذلك، فإن هذه الحجة لصالح الديمقراطية معيبة مُهْلِكة. فالدخول الاخْتِيَارِي ليس بالجيد دائماً. الدخول الاخْتِيَارِي والمنافسة في إنتاج السلع أمر مُستَحّسن، ولكن المنافسة الحرة في إنتاج السيئات ليست كذلك. الدخول الاخْتِيَارِي في أعمال تعذيب الأبرياء وقتلهم، أو المنافسة الحرة في التزييف أو الخِداع، على سبيل المثال، ليست جيدة؛ إنها أسوأ من السوء. إذن أيْ نوع من “الأعمال” هي الحكومة؟ الجواب: إنها ليست مُنْتَجاً اعتيادي للسلع المُباعة للمستهلكين الطوعيين. بل هي “أعمال” مُنْشَغِلة بالسَطْو والمُصَادَرَة — عن طريق الضرائب والتَزْوِير — وتسييج السلع المسروقة. وبالتالي، فإن الدخول الاخْتِيَارِي إلى الحكومة لا يُحَسّن شيئاً جيدًا. في الواقع، إنه يزيد الطين بِلَّة، أيْ أنه يُحَسّن الشر.

بما أن الإنسان إنسان فإن له طبيعة، وفي كل مجتمع هناك أشخاص يطمعون في ممتلكات الآخرين. ويعاني بعض الأشخاص من هذه الخالِجَة أكثر من غيرهم، لكن الأشخاص عادةً ما يتعلمون عدم التصرف بناءاً على هذه الخوالِج أو حتى ينتابهم خجل الاختلاف إليها. بشكل عام، لا يتمكن سوى عدد قليل من الأفراد من كَبْح طمعهم في ممتلكات الآخرين بنجاح، ويتم معاملتهم كمجرمين من قبل جِنْسهم من الرجال ويتم كَبْحهم عن طريق تهديهم بالعقاب الجسدي. في ظل الحكم الأميري، يمكن لشخص واحد فقط — الأمير — أن يتصرف قانونياً بناءاً على الرغبة في ملكية شخص آخر، وهذا ما يجعله خطراً محتملاً و”سيئاً”.

ومع ذلك، فإن الأمير مقيد في رغباته في إعادة التوزيع لأن جميع أفراد المجتمع تعلموا اعتبار أخذ وإعادة توزيع ممتلكات رجل آخر أمراً مُخْزياً ولاأخلاقياً. وبناءاً على ذلك، فإنهم يرصدون كل عمل يقوم به الأمير بريبة بالغة. في تناقض واضح، عند فتح باب الدخول إلى الحكومة، يُسمح لأيْ شخص بالتعبير بحرية عن رغبتهِ في ممتلكات الآخرين. ما كان يُنظر إليه سَلَفَاً على أنه غير أخلاقي وبالتالي يتم كَبْحَه يُعتبر الآن خالِجة مشروعة. يمكن لأيْ شخص أن يطمع علانية في ممتلكات أيْ شخص باسم الديمقراطية؛ ويمكن لأيْ شخص أن يتصرف بناءاً على هذه الخالِجة في ملكية شخص آخر، ما أن يجد دخول في حكومة. وبالتالي، في ظل الديمقراطية يصبح كل شخص تهديداً.

وبالتالي، في ظل الظروف الديمقراطية، يتم تعزيز الرغبة الشعبية، وإن كانت غير أخلاقية ومعادية للمجتمع، بالاستيلاء على ممتلكات رجل آخر بشكل منهجي. كل مطلب مشروع إذ ما تمت المطالبة به علناً تحت الحماية الخاصة لـ “حرية التعبير”. يمكن التصريح والمطالبة بكل شيء، وكل شيء مُباح الاستيلاء عليه. ولا يُعفى حتى حقوق الملكية الخاصة التي يبدو أنها الأكثر أمناً من طلبات إعادة التوزيع. والأسوأ من ذلك، رهناً بالانتخابات الجماعية، سوف يميل أولئك الأفراد من المجتمع الذين لديهم القليل أو لا موانع من الاستيلاء على ممتلكات شخص آخر، أيْ أولئك الأخلاقيون المعتادون الموهوبون في تجميع الأغلبية من العديد من المطالب الشعبية الشَهْوانِيَّة غير المتوافقة مع بعضها البعض (ديماغوجيون حاذِقون) إلى الدخول والارتقاء إلى قمة الحكومة. وبالتالي، يصبح الوضع السيئ أسوأ.

تاريخياً، كان اختيار الأمير يكون رهن مُصَادَفَة ولادته النبيلة، وكانت مؤهلاته الشخصية الوحيدة عادةً نشأته كأمير مستقبلي وحافظ للسُلالة ومكانتها وممتلكاتها. هذا لم يؤكد أن الأمير لن يكون سيئاً وخطيراً بالطبع. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن أيْ أمير فشل في واجبه الأساسي في الحفاظ على الأسرة الحاكمة — الذي دمر البلاد، أو تسبب في اضطرابات مدنية، واضطراب وصراع، أو عَرَّضَ مكانة الأسرة للخطر — واجه خطراً مباشراً إما بعزله أو اغتياله من قِبَل فرد آخر من عائلتهِ. على أيْ حال، حتى لو لم تَسْتَبْعِد مُصَادَفَة الولادة وتربيته أن الأمير قد يكون سيئاً وخطيراً، وفي الوقت نفسه فإن مُصَادَفَة الولادة النبيلة والتعليم الأميري لم يمنع أيضاً من أن يكون هاوِ غير مؤذي أو حتى شخص أخلاقي حسن.

في المقابل، فإن اختيار حكام الحكومة عن طريق الانتخابات الشعبية يجعل من المستحيل تقريباً أن يرتقي شخص حسن أو غير ضار إلى القمة. حيث يتم اختيار رؤساء الوزراء والرؤساء الدول لكفاءتهم المؤكدة باعتبارهم ديماغوجيين شَهْوانِيَّين غير أخلاقيين. وهكذا، فإن الديمقراطية تؤكد عملياً أن الرجال السيئين والخطرين فقط هم من سيرتقون إلى قمة الحكومة. وفي الواقع، نتيجة للمنافسة السياسية والاختيار الحر، سيصبح أولئك الذين يرتقون أفراداً سيئين وخطرين بشكل متزايد، ومع ذلك بوصفهم أَوصَياء مؤقتون وقابلون للتبديل، نادراً ما يتم اغتيالهم.

لا يسعني هنا إلا أن أقتبس هنري لويس منكن في هذا الصدد. يلاحظ بذكائه المميز أن “السياسيين نادراً ما يدخلون [في مناصب عامة] بالاستحقاق وحده، على الأقل في الدول الديمقراطية. في بعض الأحيان، يحدث ذلك بالتأكيد، ولكن بمعجزة فقط. فهم يُخْتارون بشكل طبيعي لأسباب مختلفة كُلْيَّاً، وأهمها قدرتهم على اسْتَهْوَاء المحرومين فكرياً وإبهارهم… هل يغامر أيْ منهم بقول الحقيقة الحقة والحقيقة الكاملة ولا شيء سوى الحقيقة حول وضع البلد، خارجياً أو محلياً؟ هل سيمتنع أيْ منهم عن صب الوعود التي يعرف أنه لا يستطيع الوفاء بها — التي لا يمكن لأيْ إنسان الوفاء بها؟ هل سيقول أيْ منهم كلمة، مهما كانت جَلِيَّة، من شأنها أن تنذر أو تنفر أيْ من شِرْذِمَة البُلَداء الجَسْيمة من الذين يتجمعون في الساحات العامة، ويَمَرَّغ في التفاهة التي تزداد نحافة ونحافة، آملاً بما لا أمل فيه؟ الجواب: ربما في الأسابيع القليلة في البداية… ولكن ليس بعد أن يكون لهم موضع قدم، والصراع مستمر بجدية… سوف يوعدون كل رجل وامرأة وطفل في البلد في كل ما يريده/ا. سيجوبون جميعاً الأرض بحثاً عن فرص لجعل الأغنياء فقراء، ومعالجة ما لا يُعالج، وإغَاثة ما لا يُغاث، وإصلاح ما لا يَصلُح، واطابة ما لا يُطَيَّب. سيعالجون الثآليل بصب الكلمات عليها، وسيُسَددون الدين القومي بالمال الذي لن يضطر أحد إلى كسبه. عندما يثبت أحدهم أن ٢ + ٢ هي خمسة، سيثبت آخر أنها ستة، ستة ونصف، عشرة، عشرون، إلى ما لا نهاية. بالمجمل، سوف يتملصون من شخصيتهم كرجال عاقلين، صريحين، صادقين، ويصبحون ببساطة مرشحين للمنصب، لاهثين خلف الأصوات فقط. سيعرفون جميعاً بحلول ذلك الوقت، حتى لو اُفْتُرِضَ أن بعضهم لا يعرفون ذلك حتى الآن، أن الأصوات تُجْمَع في ظل الديمقراطية، لا عن طريق الخطاب الحصيف، بل الخطاب السخيف، وسوف يتقنون دورهم بإتقان متعالي. معظمهم، قبل أن ينتهي الهرج والمرج، سيقنعون أنفسهم. وسيكون المنتصر هو من يَعْد بأكبر قدر ممكن ويفي بأقل قدر ممكن”.

يوليوس: أسد واحد أم عصبة ضباع؟ حكاية عن السلطة والتفرد.


ربما لم يعرف التاريخ قائدًا عسكريًا وحاكمًا فذًا مثل يوليوس قيصر. إمبراطور روما الأول، فاتح بلاد الغال، والقائد العسكري والسياسي الذي لم يذكر التاريخ مثله ولم تحمل الأرحام سواه. يكفي يوليوس عظيم الشأن أن سُمي شهر “يوليو” باسمه وهو أيضًا الشهر الذي ولد فيه، ولاحقًا سوف يُسمى شهر “أغسطس” على اسم أغسطس الإمبراطور، ابنه بالتبني والذي كان ابنًا في الأصل لأحد أشقائه. فأي رفعة شأن وعظيم مجدٍ نالهم كل من يوليوس وعائلته!
أفترض أنك سمعت باسم يوليوس قيصر عديد المرات في حياتك، أو قد قرأت اسمه في منهاج دراسي أو كتاب كنت تطالعه أو رواية على غرار رواية شكسبير التي حملت اسم يوليوس قيصر. لكن ما لم يخبرك أحدٌ به [ودعني أخمن أنه لن يفعل أحدٌ ذلك]، هو أن يوليوس كان ديكتاتورًا. على الأرجح سوف يصدمك هذا الخبر لأنك لم تسمع به من قبل ولم تتخيله من الأساس. فأي ديكتاتور هذا الذي يُسمى شهرًا في التقويم العالمي على اسمه؟ وأي ديكتاتور هذا الذي يُعد مثالًا يُحتذى به في شتى المجالات التي منها ما ذكرناه وما لم نذكره أكثر؟ بل أن قيصر لم يجعل نفسه ديكتاتورًا من خلال أفعال أو سياسات معينة على غرار الأنماط الديكتاتورية المعاصرة والتي نعرفها، وذهب بدلًا من ذلك إلى إعلان نفسه ديكتاتور (حاكم مطلق) في بيان قرأه أمام أنظار مجلس الشيوخ الروماني. لكن قيصر اختار مدةً محدودة لديكتاتوريته وكان أمدها عشر سنوات، وعلى أي حال فلم يكمل قيصر تلك السنوات العشر لأنه أُغتيل في مجلس الشيوخ على يد مجموعة من السيناتورات الرومان الذين كانوا يرون فيه تهديدًا للديمقراطية وللجمهورية الرومانية التي سوف تتحول بعد فترة وجيزة من اغتيال قيصر إلى إمبراطورية تُسقى بدماء قيصر ومجده.

تمثال رخامي ليوليوس قيصر. إيطاليا.

ربما الآن سوف تقول أن المصير الذي لاقاه قيصر لم يصدمك، فهو إمبراطور أو حاكم ديكتاتوري تم اغتياله حاله حال أقرانه من الديكتاتورات الذين سمعنا عنهم أو شاهدناهم يُقتلون أو يلقون حتفهم بطرق بشعة جزاء لما ارتكبوه من فظائع. لكن الأمر ليس كذلك، فقيصر ليس أي ديكتاتور، وهذا هو بالتحديد سبب عدم علمك بأنه كذلك. لأنك لو علمت بأن قيصر كذلك، من خلال المناهج الدراسية مثلًا، أو من خلال الكتب المطبوعة تحت رقابة الحكومات الحديثة، فسوف تتلاشى الفكرة النمطية المعاصرة عن “الديكتاتور”، وسوف تهبط أسهم الديمقراطية بالنتيجة وربما تعلن إفلاسها. الديمقراطية نفسها التي اغتالت قيصر! نعم، ودعني أكررها.. الديمقراطية هي التي اغتالت قيصر رغم صلاحه واستقامته كحاكم لجمهورية روما.
بعد المعارك العسكرية التي وقعت بين قيصر وجيشه من جهة، وبين “بومبي” وجيوشه متحالفًا مع مجلس الشيوخ والنبلاء من جهة أخرى (حيث أن بومبي كان قنصل روما الرسمي)، خرج قيصر منتصرًا على بومبي الذي كان جيشه يفوق جيش قيصر بثلاثة أضعاف، وذلك في معركة شهيرة وقعت بينهم في اليونان تُعرف باسم (معركة فرسالوس). عندما عاد قيصر إلى روما وشرع بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية وتشييد الصروح والبنى التحتية، عاد معه السيناتورات أيضًا ليمارسوا أعمالهم وواجباتهم في مجلس الشيوخ، كان قيصر قد عفى عنهم لوقوفهم مع بومبي ضده في الحرب، لكن ذلك لم يكن بالمجان. بإزاء ذلك، سوف يوافق مجلس الشيوخ على إعلان قيصر نفسه (حاكمًا مطلقًا) لروما لمدة عشر سنوات، ذلك ليتمكن من القيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية وتشريع القوانين خلال تلك المدة. فالمدة التي كانت متاحة للقنصل (أعلى منصب في الجمهورية الرومانية) هي سنة واحدة، يتم انتخاب قنصل، يصادق عليه مجلس الشيوخ، ويُستبدل بعد سنة واحدة، وهكذا..
لكن هذا لم يكن يكفي قيصر للقيام بإصلاحاته وخططه لتطوير الجمهورية. وبلغة معاصرة، فقد طلب قيصر أن يتم تمديد فترة حكمه لعشر دورات انتخابية بحسب النظام الروماني آنذاك. وافق المجلس على طلب قيصر [لينقذوا رقابهم بلا شك]، لكن السؤال هنا: أما كان يمكن لقيصر أن يقتلع رؤوسهم أو ينفيهم ويفعل ما يحلو له؟ بالطبع يمكنه ذلك. لكنه لم يكن ديكتاتورًا عبثيًا، ولم يكن طاغية مثل نيرون أو كاليغولا. كل ما في الأمر أنه طلب حكمًا مطلقًا لمدة عشر سنوات وبخلاف النظام السائد ذي السنة الواحدة آنذاك، ليتسنى له القيام بما كان يراه مناسبًا لتقوية نفوذ الجمهورية وتطويرها داخليًا. لم يُنقل عن قيصر إنه كان سفاحًا أو طاغية، وذلك ما يعزز نبالة مقصده في طلب الحكم المطلق. لكن خيوط المؤامرة بدأت تُحاك على قيصر منذ إعلانه حكمه المطلق، ومن داخل مجلس الشيوخ تم إعداد الطبخة، وتم اغتيال قيصر في قاعة المجلس نفسه. فهل كان أعضاء المجلس الذين تكالبوا على قيصر يحملون هم الجمهورية ويقصدون إصلاحها؟ أم أن مصالحهم كانت على المحك؟ الجواب هو الأخير بالطبع، فبعد أن كان أعضاء المجلس يعينون من يريدون قنصلا، ويتحكمون به وبالإعانات العسكرية، ويصادقون على شراء شحنات الحبوب وما إلى ذلك من الشؤون الإدارية، فقد رفع قيصر أيديهم عن كل ذلك. فلا غنائم حرب يحصلون عليها ولا نصيب من الصفقات ولا نفوذ يفوق القنصل. وهكذا فليس من المدهش أن يستشري الفساد اليوم في الديمقراطيات التي تحكم شتى بلدان العالم، طالما أن النفوذ بيد مجموعة نخبوية تراعي مصالحها ولا تأبه بالبلد.
في نهاية المطاف، تم اغتيال يوليوس قيصر في قاعة مجلس الشيوخ، نفسهم الشيوخ الذين عفى عنهم قيصر، تآمروا عليه واغتالوه بدافع نصرة الديمقراطية وإسقاط الديكتاتور. فها هو بروتوس (أحد أعضاء المجلس المتآمرين وأقربهم إلى قيصر)، يقول: “لقد قتلت قيصر ليس لقلَة حبي له، بل لأني أحب روما أكثر”. (روما) كانت تعني لبروتوس المصالح، النفوذ، الأموال، الجاه والترف والبذخ. وقيصر كان نقيض كل ذلك وسبب تضائله، فلا عجب إذن أن يقول بروتوس ذلك، لكن السر يكمن في معرفة مرجعية بروتوس التي ينطلق منها لحب روما الذي يجعله يقتل قيصر الذي يحبه أيضًا. وهكذا فعل المجلس فعلته، وأعقب ذلك أعمال شغب واستياء شعبي غضبًا من اغتيال قيصر، ثم تفاقمت الفوضى ليتمخض عنها حربًا أهلية دارت رحاها لما يقرب من عامين. إذن فقد كان بروتوس محقًا في مقولته، لكن من وجهة نظره هو ومن معه بالتأكيد، فالنظام الديمقراطي الذي كان قائمًا قبل قيصر كان يمدهم بالثروة والنفوذ غير المنقطعين، وبمجيئ قيصر انقطع عنهم ذلك وتم تقويض سلطاتهم.
يقول نيكولاس غوميز دافيلا: “كلما ازدادت جدية مشاكلها، ازداد عدد الرجال غير الأكفاء الذين تناديهم الديمقراطية لإصلاحها”. وهذه الشذرة هي تجسيد صارخ لما ارتكبه أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. فبدل أن يفسحوا المجال ليوليوس قيصر ويتركوه ليهتم بشؤون الجمهورية، فقد ارتكبت أيديهم جريمة سوف تحول الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية سبقتها حربًا أهلية طاحنة بسبب اغتيال قيصر. كان الإمبراطور الأول بعد قيصر هو أغسطس، وهو أبن شقيق قيصر وابنه بالتبني، وقد استتب له الحكم بعد أن اقتص ممن اغتالوا قيصر. والعبرة من هذه القصة هي أنه إذا كان هناك ديكتاتور واحد، فيوجد في المقابل شياطين ديمقراطيين. وليس بالضرورة أن يكون الديكتاتور طاغية، فهذه الصورة النمطية العصرية التي تصور كل ديكتاتور بأنه فاحش وسفاح وطاغية هي من تصوير الديمقراطية والمستفيدين من قيامها. ينبغي التذكير بأنني لا أقول أن كل ديكتاتور هو قيصر، ولا العكس أيضًا، ولكن ألا تلاحظ بأن الديكتاتور يصبح شريرًا فقط حين تتضارب مصالحه مع مصالح الديمقراطيين؟ ألم تلاحظ مثلًا أن كيم جونغ إيل، رئيس كوريا الشمالية، كان يشكل تهديدًا على الأمن القومي للولايات المتحدة أكثر من صدام حسين في عام 2003؟ ألم تقارن يومًا بين عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وحسني مبارك لتعرف أيهما كان طاغية وسفاحا؟
في عهد يوليوس، كان النظام السائد هو أن يحكم القنصل لمدة عام واحد، أما الآن فالنظام السائد هو أن يحكم الرئيس أربعة أعوام. في عهد يوليوس، كانت مطالبته بالاستمرار لعشر أعوام في الحكم تضعه في خانة الديكتاتورية، أما اليوم فيحق لأي رئيس أن يتم العشرة أعوام بقضائه دورتين انتخابيتين على سدة الحكم. وهكذا نعرف أن المعايير التي تصنف الديكتاتور مختلفة باختلاف الدهور، وأن الطاغية شيء والديكتاتور شيء آخر. ولكن كما قلنا فإن هذا لم ولن يمر عليك لأنه يتعارض مع المصالح الديمقراطية. ألا تلاحظ تكرار وصف “الطاغية”؟ أعتقد بأن المفاهيم وضحت لديك الآن، وأنك بتَّ تعلم بأن الطاغية هو نقيض الديمقراطية الأكبر، وليس الديكتاتور، وأن الديكتاتور هو مجرد حاكم لن يقوم بتسليم السلطة إلى حين وفاته، ولكن ما الضير أن يبقى الديكتاتور حاكما إذا كان صالحًا ببساطة؟ ديكتاتورًا صالحًا؟ ما هذا الهراء؟ [ربما يمكنني تخيل سماعك وأن تقولها]. لكن سواء أعجبك هذا أم لم يعجبك، فهناك ديكتاتورات صالحين. تبحث عن أمثلة؟ يبدو أنك نسيت يوليوس قيصر! يارجل.. دعنا نتكلم في الحاضر، حكام الخليج أمامك كلهم يعدون ديكتاتورات حسب المفاهيم المعاصرة، هل ثارت عليهم شعوبهم؟ أم هل سمعت أحدًا ينادي بإسقاطهم، أو هل لا تتمنى أنت بأن تصبح أو لو كنت ولدت خليجيًا لتنعم تحت حكمهم؟

في النهاية أود أن أنصح بقراءة كتاب “الديمقراطية، الإله الذي فشل” للمؤلف هانز هيرمان هوبه. والكتاب مترجم ومتوفر بصيغتيه الورقية والإلكترونية، وقد بذل المؤلف جهدًا حثيثًا عليه ليثبت أن الديمقراطية هي أسوأ نظام يمكن أن يحكمك، لأن شياطينها كثيرين، وطواغيتها الذين يختبئون خلف الستائر هم أخطر أنواع الطواغيت. وإذا كان الديكتاتور أو السفاح الفاسد يمكن استبداله بقطرة سم أو طعنة خنجر أو رصاصة صغيرة، فإن في الديمقراطية حلقات من هؤلاء لا يمكن إسقاطها ولا الإحاطة بها لتقويضها أو القضاء عليها.\

لا تنسَ: الدكتاتور واحد، وفي الديمقراطية شياطين.

مراجعتي للفصل الأول من كتاب “Understanding Islam” للراحل غيوم فاي.

من هو فاي؟

غيوم فاي، صحفي فرنسي وكاتب معروف في أوساط اليمين الجديد.

فيما يلي مراجعتي للفصل الأول -ركزت فيها على الأفكار المهمة فقط- من كتابه “فهم الإسلام” او “Understanding Islam”

•تناقضات القرآن – دين مقفل

وفقاً للسرديات الإسلامية فإنّ نبي الإسلام “محمد” قد توفي في عام 632 م ولم يكن القرآن قد أخذ شكله المتداول حالياً، بل يختلف اختلافاً كبيراً . وبحسب هذه السرديات أيضاً فإنّ النبي كان أمياً، والقرآن يتألّف فقط من مجموعة من النصوص التي تمّ جمعها بشكل عشوائي من قبل أتباعه .. نصوص تم جمعها بطريقة غير منظمة إلى حد ما؛ نظراً لطريقة النقل الشفوية، لكن ذلك لم يكن ذا أهمية، لأن القرآن هو كلمة الله وفقاً للعقيدة الإسلامية .

في الواقع، تتناقض السور مع بعضها البعض، فبعضها سلميّ وروحي، ومنها حربي وغير متسامح. يعود الأول إلى الفترة التي كان فيها محمد في مكة، و يعود الثاني إلى الفترة التي كان فيها محمد في المدينة. باختصار هناك تضارب يمكن ملاحظته بين السور .. وتفسير ذلك هو أنّ محمداً ألقى خطبه وفقاً لمتغيّرات الوضع السياسي. تدعو بعض السور إلى القتل و التعصب، و يدعو الآخر للسلام. بشكل عام يتميز المحتوى القرآني بعدم التناسق العقلاني .

و مع ذلك، تبقى الحقيقة بشكل عام: أن القرآن الذي يستهدف السكان الأميّين و أشباه المتعلمين [ربما حتى بعض المثقفين المفتونين]، فإنه يتمتع بجاذبية كبيرة بالنسبة لهم، و يوفر حلولاً لكل شيء ويمنع الناس من التفكير بأنفسهم. إن قوة القرآن تكمن في طابعه الشعري المقنع بلا منازع، وهو مكتوب بشكل جميل باللغة العربية الفصحى، ممّا يجعله واحد من المعالم الأدبية البشرية إلى جانب أعمال هوميروس، الكتاب المقدس العبري والأناجيل المسيحية. في حين يكمن ضعفه هو أنه مجرد قوانين لعقيدة تسحق أي حرية فكرية فردية …كتاب ثيوقراطي و أيديولوجي يدعو للشمولية .

• عقول مغلقة:

إذا زرت مناطقاً في الشرق الأوسط أو شبه القارة الهندية فأنّ ما يمكن ملاحظته هو أنّ السكان الذين نشأوا في ثقافة مختلفة عن الإسلام ليسوا أكثر كفاءة من المسلمين فحسب بل أقل عدوانية وأكثر انفتاحاً في سلوكهم اليومي أيضاً. يرجع تفسير ذلك إلى الطبيعة العقائدية للتعليم الإسلامي، فالتعاليم الإسلامية تؤدي في النهاية إلى استبدال نمط التفكير الشخصي الحر بالعقيدة، و هذا ما يرادف انحسار الذكاء والإبداع .

بشكل عام، لا يصعب على المرء ملاحظة أن الإسلام موجّه للعقول البسيطة، و لهذا تجد أنّ الإسلام يشجع تكاثر الطبقات الدنيا؛ أولئك الذين لا يستطيعون تقييم النفع من الضرر و الأشخاص الذين يفتقرون للانضباط الذاتي ولذلك يحتاجون إلى منظومة بسيطة تصنف الأشياء في الحياة إلى حلال و حرام. هذا النوع من التبسيط لا يشجع على التفكير.

• شكل عدواني من الجماعية:

كل البشر مستهدفون إما بالتحول للإسلام أو بالخضوع للعنف، ممّا يجعل الدين الإسلامي مشابهاً للشيوعية الماركسية. بسبب النظرة الخيالية في توحيد الإنسانية في ظل قانون و نظام واحد، يتبع كل من الإسلام و الماركسية نفس المنطق الجماعي. و لكن في حين أن الماركسية وبدائلها الاشتراكية أيديولوجيات مساواتية، و لأسباب تتعلق بالغباء الأيديولوجي، تؤدي إلى امتيازات طبقية متفاوتة – فمثلاً حال ستالين لم يكن مثل حال معظم مواطني الاتحاد السوفييتي- فإن الإسلام يتجاوز هذه المرحلة وفقاً لشريعته ويكرس عدم المساواة و يجعل الأفضلية بالتقوى .

يدرك المرء و بشكل بدهي أن هذه اللامساواة ليست قائمة على الاعتراف بالتباين بالقدرات المختلفة للناس. اذ يصبح التمييز بواسطة القهْر و الإقصاء على شكلِ : مسلمون-كفار .. أحرار – عبيد .

إن هذا النوع من من اللا مساواة في الإسلام يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً حتى بالنسبة للمسلمين أنفسهم. لأنها غير انتقائية للصفات المرغوبة بل تمييزية، و بالتالي تقلل من قيمة الرعايا و تؤدي الى حرمان الإسلام لنفسه من النخب. هذه الظلامية تعوّق توسع الإسلام لأنّها تجلب نفور الناس.

• الإسلام و الشمولية:

كلمة الشمولية صاغها الفاشيون الإيطاليون لوصف نظام ٍ -بشمل إيجابي- تشكل فيه الدولة والمجتمع جسد واحد.

نظام خالي من الأحزاب و صراعاتها و مخصّص لخدمة إرادة مشتركة. الشعب و الدولة في كيان واحد، يسعيان نحو نفس الهدف و تغذيهما نفس العقيدة.

حنة آرندت، التي اختارت على غرار العديد من الفلاسفة، تجاهل التاريخ و الاعتماد على تجريد أفكارها و أخذ الحاضر بلا أي اعتبارات مسبقة، ارتكبت خطأً فادحاً باعتقادها أن الشمولية كانت مفهوماً حديثاً ينطبق فقط على الفاشية والأنظمة و الاشتراكية الوطنية والشيوعية. افترضت على نحو غريب أن الشمولية ظاهرة تقتصر على الأنظمة السياسية في القرن العشرين فقط، بالتالي خلطت بين الكلمة وما تعنيه . فالشمولية تمثل سمة بارزة في الإسلام منذ ولادته حتى لو لم يكن هنالك مصطلح “الشمولية” قد وُجد لوصفه.

ما لم تذكره آرندت هو أن الإسلام يقدم نموذجاً مثالياً للتفكير الشمولي في تعاليمه و ممارساته السياسية، و هو أكثر خطورة من أي نوع أخر من التفكير الشمولي لأنه من عند “الله” لا من العقل التاريخي الهيجلي -غير المتسق- الذي ألهم ماركس و الشيوعية و فشل على المدى الطويل.

يستطيع المرء أن يلاحظ بوضوح أن الإسلام :

1. دين إلزامي يفرض على منطقة معينة [ كما فعلت الشيوعية، النازية والفاشية، مقروناً بحظر العقائد والآراء المختلفة ].

2. دمج الإيمان بالقانون في الشريعة الإسلامية وهو ما يعادل تسييس القوانين لصالح الأيديولوجية الرسمية و تجريم و حظر أي سلوك يخالفها .

3. نية تحويل و/أو السيطرة على البشرية جمعاء من خلال الجهاد، أي فرض رؤية كونية [مثل الشيوعية، وخاصة التروتسكية منها، التي تهدف إلى فرض نظامها على العالم كله، بينما تطمح الاشتراكية الوطنية -النازية- إلى السيطرة الجرمانية على العالم] .

4. إنّ حظر جميع الملاحظات والخطابات المكتوبة والبحوث التي تتعارض مع الحقيقة القرآنية تجعل ذهنك يتذكر على الفور “الليسينكووية” ..

5. وجود رئيس أو خليفة يحتكر كلّاً من السلطة السياسية و الدينية متبعاً النبي “محمد” في ذلك [في حين يمثل الولي الفقيه -في النسخة الشيعية- رئيس الدولة والذي يتولّى فعلياً كل مقاليد السلطة] .

6. وجود كتاب مقدس، يستخدم كمرجع مطلق [مثل رأس المال لماركس، إلى جانب أعمال كل من أنجلز و لينين و ماو] .

و لكن الفرق بين الشمولية الإسلامية و الأنظمة الثلاثة الأخرى -الشيوعية، الفاشية، النازية- هو أنّ الشريعة تمثل قانون الله، و هو قانون مكرّس في القرآن و الأحاديث . في حين أن الشيوعية سواء كانت ستالينية أو صينية أو غيرها، لا تحترم الدستور الخاص، لأن الحزب الحاكم و زعيمه يتصرفون وفقاً لمصالحهم الخاصة، منتهكين قوانين مختلفة أو يفسرونها حسب الرغبة. وفي الفاشية والنازية، يحكم الديكتاتور من خلال المراسيم، دون أي مخاوف دستورية أو تشريعية؛ لا يتم حتى إلغاء القانون الدستوري، و لكن ببساطة يتم تجاهله فحسب .

في الواقع الشمولية الإسلامية أقوى و أكثر تعصباً بكثير من الشمولية السياسية التي ظهرت خلال القرن العشرين، لأنها تستند إلى رؤية دينية.

• الشيوعية و الإسلام:

إنّ التشابه بين الإسلام و الماركسية / الشيوعية أمر لافت، لأن كلهما ينبع من نفس العقلية، إذ يشتركان في اليقين المطلق في اعتقاداتهم، و كونهم على حق على جميع المستويات و لديهم الحلول الصحيحة و الوحيدة في كل مجال يتحدثون عنه.

فهم لا يتسامحون أبداً مع أي معارضة أو انشقاق، ولا يمارسون أي إقناع في اللحظة التي تميل فيها موازين السلطة لصالحهم، لأنّ فهمهم للسلطة يقتصر على شكله غير المقسم، دون أي انفصال أو معارضة مضادة . [يتضح هذا في ثورة خميني حيث قام بإعدام الشيوعيين اليساريين فور وصوله للسلطة مع أنّهم كانوا حلفاءً قبل ذلك] .

في حين المادية الجدلية يمكن دحضها بسهولة بإستخدام الحقائق -الأدلة و الأحداث- .. حيث ظهرت للناس و بشكلٍ واضح مدى حماقة التنبؤات الشيوعية الاجتماعية والاقتصادية مع مرور الزمن.

و حيث أنّ القرآن يعرض نفسه كـ [كلمة الله النهائية] ، فبالتالي يستحيل على أحد دحضه، ليس لأنّه متماسكاً منطقياً بالطبع ولكن لأنّه غير قابل للجدل [مثل أي عقيدة دينية أخرى] ومعفي من تقديم أدلة تدعّم إدعاءاته.

ومع ذلك، كِلا النظامين يخنقان كل دافع إبداعي محتمل وأي مبادرة، نقاش أو فكر نقدي، و تحلّ الجماعية في محل التفكير الشخصي/ الفردي كما أن كثرة المحظورات والقيود تعوق المجتمعات التي تخضع للإسلام أو الشيوعية وهذا ما يسبب الاضطرابات الاجتماعية.

كانت فكرة الشيوعية هي حكم “الجماهير” بمعزل عن الهوية الوطنية أو القومية أو حتى الفردية . والحال ذاته في الخلافة الإسلامية، فهي لا تعترف بالهوية وتلغي -بشكل مزدوج- للهوية الفردية و الوطنية .

• الإسلام عبر العصور – ارتباط جذري بالماضي:

أحد الاختلافات الرئيسية بين الإسلاموية من جهة، و الشيوعية و النازية و الفاشية و جميع الديانات و الأيديولوجيات الأخرى من جهة أخرى هي علاقتها بالزمن، على عكس الحضارة الغربية التي تأثرت باليهودية و المسيحية، فالإسلام ليس لديه رؤية خطية و تقدمية للوقت ولا حتى تصور دوري لها. على سبيل المثال سعت الشيوعية و الفاشية والنازية و الثورة الفرنسية -خلال عهد الإرهاب- إلى خلق “إنسان جديد” من خلال المساعي الثورية التي اعتنقوها و رؤاهم التقدمية الزائفة. كانت أفعالهم تركّز على المستقبل وتحاول شطب كلٍ من الحاضر و الماضي.

في حين أن ما يسعى إليه الإسلام هو العودة إلى الجهود المحمدية في القرنين السابع والثامن، والتي تهدف إلى إنشاء مجتمع عالمي من المؤمنين تحكمه منظومة أخلاقية ثابتة وخالدة .

هذا ما أثار إعجاب منذ فترة طويلة العديد من التقليديين [traditionalists] أو المتحمسين الإيڤوليّين [الذين قرأوا إيڤولا و لكنّهم أساءوا فهم كلماته] فنظراً لحالة الارتباك الفكري الشديد، يُنظر إلى الإسلام بين بعض المجموعات على أنه بطل التقليد ضد الإنحطاط . لا يخجل الإسلاميون [و غيرهم أيضاً] من المقارنة بين المنظومة الإسلامية والانحطاط الغربي، الذي تكون رموزه غالباً أنشطة المثليين و الحركة النسوية و ما شابه .

قد يكون هذا الخطاب مؤثراً في بعض الدوائر التقليدية و لكنه يظل بالغ السذاجة ..

أعني أن “التقليد” الذي يروج له الإسلام هو العودة الى الإسلام الأساسي [الأولي] ولا علاقة له بأيّ نوع من التقليدية المعروفة.

«طبيعة العالِم الليبرالي»

ترجمة : أحمد رضا

لطالما حيّرني السبب الذي يجعل العلماء، من بين كل الناس، الفئة الأشد تحمساً في تأييد المساواة وإنكار فروق الأعراق.

تنتشر هذه الظاهرة بين متخصصي العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل أكبر، رغم أن كثيراً منا قد يكون لديه رأي آخر في إدراج تلك التخصصات تحت مصطلح «علوم». إلا أن ذلك صحيح حتى في العلوم البحتة، حيث نجد الإنكار المذهل للأسس البيولوجية والوراثية للفروق العرقية والجنسية في الذكاء والسلوك. ورغم كل شيء، فإن المرء إذا تقبّل مبادئ البيولوجيا التطورية ووراثيات الشعوب، وإذا أخذ في اعتباره أن الدماغ مجرد عضو آخر يخضع لقوانين البيولوجيا، فلا يجب أن يكون صعباً أن يستنتج أن كون الشعوب المختلفة تقيم ببيئات مختلفة، وبالتالي تخضع لضغوط تطورية مختلفة لعشرات الآلاف من السنين، يستوجب أن تتطور أدمغتهم بشكلٍ مختلفٍ أيضاً، الأمر الذي يقود إلى اختلافات جينية محددة في الذكاء والسمات السلوكية بما يناسب التكيف الأمثل مع بيئات أسلافهم.

إن التخريب اليهودي للأكاديميا بكل تأكيد مشكلة بارزة لعبت دوراً حاسماً في إنكار فروق الأعراق، وحتى فروق الجنس مؤخراً. ورغم ذلك، فإن اليهود ليسوا منتشرين بكثرة في كليات العلوم البيولوجية كما هم في العلوم الإنسانية. ولو كانت هناك إرادة كافية لدى علماء البيولوجيا غير اليهود، لكان من السهل مجابهة وتحطيم السفسطة الواهية المناهضة لفروق الأعراق التي يتبناها أمثال ستيفين جاي غولد وريتشارد ليوونتن. وبالتالي فإن ذلك يدل على أن هنالك رغبة في القبول بالفلسفة المساواتية من قِبل أغلب علماء البيولوجيا والوراثة البيض، هذا على الرغم من كل ما بين أيديهم من بيانات مخالفة لذلك.

لكي يتسنى لنا أن نفهم ظاهرة إنكار فروق الأعراق والجنس المحيرة هذه، فإنه يتوجب علينا أن نبحث عن حلول في نطاق اللاوعي، أي أن نعرف السبب الذي يجعل أغلبهم يميلون غريزياً إلى إنكار هذه الحقائق الغير سارة.

رغم كل ما تدّعيه فلسفة التنوير، فإن اتخاذ القرارات والتمسك بنظرة كونية محددة يتضمن في المقام الأول دوافع لاواعية بدلاً من إجراء تقييم موضوعي للأدلة. ولذلك فإن البشر لا يختلفون في هذه النقطة الأساسية عن الحيوانات. ففي معظم الحالات، تخدم معرفتنا وجدالاتنا العقلانية بشكل أساسي معتقداتنا الموجودة مسبقاً، والتي بدورها تتشكل من خلال دوافعنا ونزعاتنا اللاواعية، بدلاً من تغييرها أو استبدالها بمعتقدات أخرى جديدة.

لذلك، فمن أجل أن نفهم طبيعة إنكار فروق الأعراق بين العلماء، ينبغي أن نفهم أي نوع من الدوافع اللاوعية تلك التي ترتبط بالرغبة في دراسة العلوم و/أو تولي مهنة أكاديمية ما.

بإمكان نيتشه أن يقدم لنا لمحة عن جذور هذه المشكلة، حيث يذكر أن أولئك الذين يميلون إلى تنظيم ومحاولة فهم ظاهرة طبيعية يجدون صعوبات في أن يكونوا جزءا منها، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالطبيعة البشرية. ويدّعي نيتشه أن اندفاع أولئك الذين يحاولون فهم الظواهر بشكل منهجي يعزى إلى افتقارهم لتلك الفحولة الطبيعية الغريزية في المقام الأول. ينتج عن ذلك إذاً، على الأقل في العصر الحديث، أن أولئك الذين يميلون إلى اختيار التخصصات العلمية يميلون بشكل غريزي أيضاً إلى رفض الهرمية الطبيعية واللامساواة، ورغم تواجد أدلة مهولة وأسباب عقلانية، من المفترض بهم أن يتمسكوا بها، فإنها لا تكون كافية للتأثير عليهم.

يفترض ذلك أن نسبة التستوستيرون منخفضة بين العلماء، وبالأخذ في الاعتبار أن العقلية الليبرالية ترتبط مع دماغٍ أكثر أنوثة، فبإمكان ذلك أن يفسر السبب الذي يجعل معظم العلماء يتمسكون بالليبرالية رغم كل الأدلة المضادة لها، والتي ينبغي لها أن تكون كافية لفضح زيف رؤيتهم الكونية تلك. ومع ذلك، فمازلنا نحتاج المزيد لتفسير هذه الظاهرة. فرغم كل شيء، حتى وقت قريب وفي وقتنا الحالي أيضاً هنالك علماء يستكشفون ويؤيدون بشكل منهجي فروق الأعراق والجنس الفطرية من حيث الذكاء وسمات السلوك أيضاً. فحتى إذا افترضنا انخفاض مستويات التستوستيرون بين الأكاديميين، فإنها لاتزال كافية لكي تسمح بالإثبات الموضوعي للنظام الطبيعي والنظرة الكونية الوراثية.

حتى وقت قريب، كان من الصعب أن يصبح المرء عالماً، وتضمّن قرار مزاولة مهنة علمية ما الاستعداد للتخلي عن العديد من الرفاهيات الدنيوية من أجل التنقيب عن الحقيقة وتفسير أحاجي الكون، بما فيها ما يخص الدماغ البشري. ولذلك كان الأشخاص الذين يختارون مهنة أكاديمية أفراداً متفانين للغاية لا تثنيهم خشونة العيش والصعوبات، وكان محركهم الأساسي إيجاد الحقيقة المجردة. ومثل هذه السمات الشخصية تستلزم كمية لائقة من التستوستيرون في الجسد ودماغ ذكوري بما يكفي.

لقد تغيرت الأمور منذ أصبح التعليم متاحاً للجميع أكثر فأكثر، ومنذ بدأ اعتباره «حقاً» للجميع وعلامة على منزلة عالية. فأصبح المزيد والمزيد من الأشخاص يختارون التخصصات العلمية، ليس بشكل رئيسي لأنهم مهتمون حقاً بفهم الطبيعة البشرية، بل لأن ذلك يعطيهم حساً بالتفوق على أقرانهم الأقل تعليماً ولكي يتباهوا بدرجاتهم الأكاديمية. وسريعاً، في الأكاديميا، طغت أعداد الذين يرون الأمر فرصة للتأكيد على قيمتهم الذاتية على الذين يبحثون عن المعرفة بصدق. أصبح التعليم سهل التحصل، وبوجود كميات وفيرة من التمويل والمنح الدراسية المتاحة، لم يعد يتضمن أن يصبح المرء عالماً أي مشاق.

أدى ذلك، بما لا يمكن تجنبه، إلى تأنيث متوسط دماغ العلماء، وذلك بمصاحبة الغزو الليبرالي للبيئة الأكاديمية. وبتفاقم هذا الاتجاه، تزايدت مشاركة الإناث في كليات العلوم من خلال كوتا التمييز الإيجابي.

إن تفسير نيتشه لعقلية العالِم ملائم في يومنا هذا أكثر مما كان في عصره، رغم أن الاتجاه ذاته كان موجوداً وقتها. فالعالم العادي اليوم كائنٌ حقود، ممتلئ بالحقد تجاه عوام شعبه ، تجاه من يشعر أنه مخول لكي يشعر بالتفوق عليهم لأنه يملك شهادات معينة ولأنه «متعلم». يجلب ذلك معه الرغبة في إنكار المعتقدات والعادات طويلة الأمد لأنها غير عقلانية وغير مدعومة بالحقائق كما يزعمون.

إذاً فانخفاض مستوى التستوستيرون وعقدة النقص والحقد الناجم عنها يؤديان إلى نمو الرغبة في تفكيك المعتقدات، الرؤية الكونية، والعادات لدى عامة الشعب. وحتى وقت قريب، لم يكن هنالك ما يعارض تلك الرغبة، حيث لم تكن هنالك بيانات تؤيد صحة الاعتقادات المشتركة وأهميتها التطورية، والتي تنتقل من ذرية إلى ذرية بشكل غريزي، دون أن يتم التشكيك في صحتها.

في جوهرها، لم تكن محاولة حركة التنوير لرفض التقاليد طويلة الأمد مدفوعة بالوعي المجرد بأنها ليست متفقة مع التفكير العقلاني، بل كانت مدفوعة برغبة غريزية لاواعية لإنكار وتفكيك ما كان عزيزاً على عامة الشعب، وذلك لأن أولئك الذين يحاولون تفكيكها فشلوا هم أنفسهم في أن يشاركوا فيها. إن ادعاء العقلانية والتمسك بالحقائق المجرد هما في واقع الأمر عباءة تستر خلفها محاولة تبرير لاواعية، تنشأ بدورها من كراهية عميقة للتقاليد وللرجل العادي الذي يتمسك بها.

وكما ذكرنا، فحتى وقت قريب، لم تكن هذه الرغبة تؤدي إلى أي تنافر أو نفاق، نظراً للافتقار إلى البيانات التي تؤكد فائدة التمسك بالعادات والانحيازات طويلة الأمد. ورغم ذلك، فخلال العقود الأخيرة، بدأت البيولوجيا في التفسير، وبشكل مرعب للأكاديميات اليسارية، أكدت بشكل عقلاني ما تم اعتباره غير عقلاني من قبل. فعلى سبيل المثال، في يومنا هذا، نعلم أن التقاليد لها فائدة تطورية كبيرة تحمي الفرد والجماعة من اتخاذ قرارات طائشة قد تضر باستمراريتهم. نعلم أن الزواج، العائلة، وتقسيم الأدوار التقليدي ليست أنظمة اعتباطية يتم فرضها على المجتمع لكي تقمع الضعفاء، بل لأن لها فائدة عظيمة مبررة بيولوجياً، وهي أيضاً مناسبة بشكل مثالي لكي تضمن الاستقرار المجتمعي وتضمن أيضاً استمرار المجتمع. نعلم أيضاً أن الأسباب التي تؤدي إلى تباين النجاح بين مختلف الأعراق والإثنيات ليس لأن بعضاً منها يتعرض للقمع التعسفي من قبل الآخرين، بل بسبب التباين في متوسطات مستويات الصفات المعرفية والسلوكية من مجموعة لأخرى، والتي يمكن قياسها بصرامة.

وبطبيعة الحال، لم يظن من شنوا الهجوم على عامة الشعب وحاولوا تفكيك طرق معيشتهم أن مثلهم العليا المعلنة، بعبارة أخرى «العقلانية والدلائل المجردة»، قد ينتهي بها الحال مؤيدة لانحيازات وتقاليد «البؤساء». وهنا تكمن جذور نفاق العالم الليبرالي. فمن يعلنون أن العقلانية هي المثل الأعلى، من يطلقون «مسيرات من أجل العلم» ومن «يحبون العلوم بقوة»، ليسوا في الواقع يبحثون عن الحقيقة، بل يستخدمون العلم من أجل التأنق الأخلاقي، تلك الحاجة النابعة من عقدة النقص لديهم. وهم أكثر من مستعدين للتخلي عن الحقائق المجردة بمجرد أن يُصادف أنها تؤيد التقاليد والانحيازات طويلة الأمد لدى المجتمع.

رغم كل ذلك، ليس العالِم الحقيقي من يحتقر جذوره وعامة شعبه، بل هو من يرعاهم ويؤيدهم بفهمه العميق للطبيعة البشرية. وكل التطورات الأخيرة في العلوم البيولوجية تنذر بالفعل بظهور هذا النوع من العلماء في المستقبل.

لقد اقتربنا من حالة التشبع، حيث لم يعد بالإمكان أن يتواجد التظاهر بالعقلانية والتمسك بالأدلة جنباً إلى جنب مع الرؤية الليبرالية المساواتية. وخلال هذه العملية، سنشهد بالتدريج رحيل هذه الأنواع الحقودة، قليلة التستوستيرون تلك من حقول العلوم، حيث لن تستمر العلوم في عناق غرورهم وأمانيهم في الشعور بالتفوق بعد الآن.

وسيقف اليمين البديل عند تقاطع هذا التحول، ومع بزوغ فجره وانتصاره الأخير في الغرب يبزغ فجر فهمٍ جديدٍ للطبيعة البشرية لم يشبهه مثيل في التاريخ.

في البداية، كانت العادات تُتبع غريزياً دون استجواب. وبظهور التنوير، ظهر التحليل العقلاني، وبما أن البيانات لم تكن كافية في ذلك الوقت لكي تؤكد صحة التمسك بتلك العادات، تم رفضها. والآن وقد وصلنا إلى مستوى جديد تماماً من الوجود، حيث عدنا إلى الاعتزاز بتلك العادات والانحيازات، لكن هذه المرة عدنا بالمعرفة والفهم العقلاني لفائدتها. وخلال هذه العملية، فإن كل الأكاديميات الليبرالية المذكورة أعلاه، والذين يرفضون الاعتراف بهذه الحقائق وتغيير رؤيتهم وفقاً لها، سينتهي بهم المطاف إلى مزبلة التاريخ.

كيف تنتصر بكل نقاش تخوضه؟

حيدر الوائلي

إن النقاش كما تعلم يا صديقي هو أهم وسيلة تملكها لنشر أفكارك وتنظيم علاقاتك مع الناس، وإنك كلما ازددت تعلما واطلاعا زادت حججك قوة ودقة، ولكن عليك أن تعلم أن قوة الحجج ومنطقيتها لا تكفيان وحدهما للفوز بالنقاشات، فطريقة عرضك لحججك وأسلوبك في التعامل مع خصمك لهما من الأهمية ما يوازي أهمية الحجج نفسها.

أما بالنسبة للحجج القوية، فلا توجد طرق مختصرة للحصول عليها، إذ إنها لا تأتي إلا بالقراءة والانتباه والتجربة، وهذه أشياء لا يمكن لأحد أن يساعدك فيها أكثر مما تستطيع مساعدة نفسك أنت، ولكن طريقة عرضك لحججك وأسلوبك في النقاش يوجد فيهما الكثير مما يمكن أن تتعلمه.

فهنالك عدة قواعد يمكنك باتباعها إتقان فن النقاش، ولكن الإلمام بها كلها ومحاولة تطبيقها فضلا عن كونه صعبا جدا فهو غير عملي، فمراعاة الكثير من القواعد الصارمة عند التكلم يشتت التركيز ويحول المتكلم إلى روبوت بلا حياة. لذلك فلابد من طريقة أخرى لإتقان فن النقاش، ولحسن الحظ هنالك طريقة أخرى، إذ توجد بعض الأفكار إذا اعتنقتها وتذكرتها بشكل دائم ستجعلك ملتزما بكل قواعد فن النقاش بشكل تلقائي ودون أن تعلم حتى. دعونا نستكشف هذه الأفكار.

الفكرة الأولى: إن وجهة نظرك ليست جزءا من جسمك، بل هي فكرة أخذتها من شخص أو كتاب أو محاضرة، لذلك يمكنك التخلي عنها بأي وقت دون أن تخسر شيئا.

الفكرة الثانية: إن خصمك مهما كان غبيا في نظرك، أو سطحيا أو مجنونا، فإن وجهة نظره يمكن أن تكون صحيحة.

هاتان الفكرتان اللتان تبدوان بديهيتان بالنسبة لك الآن، دائما ما تنساهما أنت وخصمك أثناء النقاش، فليس من السهل أبدا تجاهل غرورك وكبريائك الذان يريدان منك أقصى عناد ممكن من أجل حماية وجهة نظرك، لذلك فإن تذكرك لهاتين الفكرتين قبل وأثناء كل نقاش تخوضه كفيل بإبعاد العواطف عن كلامك وجعلك مناقشا أمهر، أنت ربما تتسائل الان، كيف يمكن أن تجعلني فكرتين بسيطتين مناقشا أفضل؟

إن اعتقادك باحتمالية صحة حجة خصمك، يجعلك تصغي باهتمام وتركيز لما يقوله، والإصغاء هو الجندي المجهول في الفوز بالنقاشات، فعن طريقه وحده يمكنك فهم وجهة نظر خصمك، فإن كانت خاطئة تمكنت من مهاجمتها بشكل دقيق وحاسم، وإن كانت صائبة ستستطيع اعتناقها وترك وجهة نظرك قبل أن تتخذ مواقفا دفاعية وتحول الموضوع إلى معركة عاطفية. يجب الإشارة هنا إلى أن الإصغاء لحجة خصمك بهدف اكتشاف الأخطاء فيها ليس إصغاء، بل هو مضيعة للوقت، فإن لم تصغ لخصمك بهدف فهم كلامه لا تفنيده لن تستطيع أن تفهم كلامه.

وأيضا فإن تذكرك الدائم لاحتمالية خطأ وجهة نظرك سيظهر بشكل واضح في تصرفاتك ولغة جسدك، إذ ستظهر بمظهر المستعد دائما لتغيير وجهة نظره، وإن لهذا المظهر تأثير كبير على خصمك، فبعد أن يراك موضوعيا ومنطقيا سيكون أكثر استعدادا لتقبل أفكارك وتغيير رأيه.

الفكرة الثالثة: إن الهدف الأساسي من النقاش ليس إقناع خصمك، بل هو تبادل وجهات النظر.

فخصمك قد يكون في كثير من الأحيان أحمقا لا يفكر أصلا بتغيير رأيه، أو قد يكون خبيثا دخل في النقاش من أجل استفزازك أو السخرية منك، لذلك فإنك بمجرد استمرارك بمحاولة إقناع هذا النوع من الخصوم أنت تعلن خسارتك للنقاش، لأن خصمك في هذه الحالة لا يريد أن يناقش أفكارك، بل إن كل ما يريده هو استفزازك وجرك لجدال لا طائل منه، لهذا السبب يجب عليك في كل النقاشات التي تخوضها أن تكتفي بطرح وجهة نظرك وتترك لخصمك حرية الاقتناع أو الرفض دون محاولة إقناعه، بذلك ستستطيع تجنب الجدالات العقيمة مع الحمقى والخبثاء.

ولكن تجنب الحمقى ليس الفائدة الوحيدة لهذه الفكرة، فإنك عندما لا تضع إقناع خصمك كهدف أساسي من النقاش، وتكتفي بطرح وجهة نظرك أمامه ليقبلها أو يرفضها، سيتجلى ذلك بكلماتك وأسلوبك ولغة جسدك، وسيجعلك تبدو أكثر ثقة وأقوى شخصية، وسيزيد من ثقة خصمك بك وبالتالي احتمالية تغييره لرأيه. إن لهذه الفكرة فوائد عديدة.

الفكرة الرابعة: إن الصمت خيار متاح دائما، بل هو الخيار الأول ما لم يثبت عدم جدواه.

أنت يا صديقي دائما ما تنسى أنك يمكن أن تصمت ولا تجيب خصمك بأي شيء، ففي الكثير من الأحيان لا يوجد أبلغ من السكوت جوابا، مثلا عندما تجد خصمك يحاول استفزازك أو السخرية منك، فسكوتك سيعريه ويكشف نواياه ويحبط خططه، أو عندما يصر خصمك على رأيه دون تفكير، فسكوتك هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تجعله يفكر، إن الصمت سلاح فتاك يملكه الجميع ولا يستخدمه أحد.

فإذا تسلحت يا صديقي بهذه الأفكار الأربعة، وتذكرتها قبل وأثناء نقاشاتك، ستتحسن مهاراتك بالنقاش بشكل كبير جدا، وستزداد ثقتك بنفسك وقوة شخصيتك بشكل واضح لك ولرفاقك، ولكن من واجبي أن أخبرك أن هذه المهمة ليست سهلة مثلما تبدو، فغرائزك وشهواتك ستقاوم كل محاولة لعقلنة كلامك أثناء النقاش، لذلك عليك دائما أن تذكر نفسك بهذه الأفكار وتروّض غرائزك..

حظا سعيدا لك في نقاشاتك القادمة!

خرافة الإرادة الشعبية .. وماذا جنينا منها؟

في البدء دعنا نطرح السؤال التالي: ما هو مقدار الصلاح الذي جنته بلدان الربيع العربي جراء تفتح أزهار الإرادة الشعبية في مقابل نسبة الخراب والدمار والإنهيار؟ هذا إذا سلمنا بوجود نسبة صلاح على الأرض أساسًا. من ثم ينبغي تقييم مستوى صواب الإرادة الشعبية انطلاقًا من هذا المعيار.

فلنأخذ مثالًا صارخًا على ضحالة الإرادة الشعبية وهو المثال المصري المتجسد في ثورة 25 ينايرالتي طالبت الإرادة الشعبية من خلالها بتغيير النظام، وقد حصل. فما هو البديل الذي قدمته الإرادة الشعبية؟ وكم لبث في الحكم؟
لم يكن غريبًا على إرادة المسحوقين – كما يخبرنا التاريخ وهو خير مخبر – أن تختار بين اثنين: إما شيوعي/اشتراكي أو إسلامي. وفي مصر كان الخيار واضحًا، فبعد أن قام الضباط الأحرار بالإطاحة بوثن الشيوعية قبل أن يكتمل تشييده في مصر، برز قطبي الإخوان المسلمين والعسكر ليتصدروا المشهد السياسي المصري. بيد أن حماقات الإخوان وجرائمهم التي ارتكبوها لم تترك مجالًا أمام خصومهم لتمكينهم من مصر، بدءًا من عمليات الاغتيال التي طالت أحمد ماهر باشا، وأحمد الخازندار، والنقراشي، وليس انتهاءً بفرج فودة وآخرون. ولن نمر على التفجيرات والعمليات الإرهابية لأنها أكثر من أن تُحصى وتُذكر في معرض حديثنا هذا.
كانت القنوات الإعلامية الإخوانية قد دأبت إبان الثورة على تصوير المؤسسة العسكرية بوصفها “مؤسسة مبارك” التي لا تنتمي إلى الشعب أكثر منها إلى الحاكم – وهكذا تم أدلجة الإرادة الشعبية على صراع بين الخير والشر، بين الدكتاتور والعادل، وبين الظالم والمظلوم. لكن أقلام وعدسات الإعلام الإخواني ظلت مركزة طوال فترة قيام الثورة على إبراز جانب الشر المتمثل في نظام مبارك عمومًا، ولم تفصح عن الطرف الآخر إلا بعد تنحي مبارك. وقد كانت هذه لعبة رابحة أجاد إعلام الإخوان تأديتها. فبعد تنحي مبارك وخلو الساحة من الخصوم السياسيين، تم طرح الإخوان بوصفهم ترياقًا لضعف المسحوقين، إلى جانب سردية سحق الإخوان نفسهم في وقت سابق، والتي مكنتهم من اللعب على وتر المظلومية واستغلال عاطفة الإرادة الشعبية – التي ليس بحوزتها ما يمكن استغلاله غير ذلك – وضف على ذلك بهارات دينية لتخرج بفطيرة إخوانية تُسيل لعاب الإرادة الشعبية. هناك عامل إعلامي آخر مهم، وهو الإلحاح على تغطية كل شاردة وواردة عن الثورة بواسطة إعلام الإخوان، وهو ما جعلهم – في نظر العامة – ترياقًا لضعفهم.
بيد أن هذا البديل، أي خيار الإرادة الشعبية، لم يلبث أن تمكن من الحكم حتى عاود عزف لحنه المعهود: سحق الفن، تطويع الصحافة والإعلام، تصدير نفسه نموذجًا للخلافة. إلى جانب التظاهرات التي خرجت ضد حكم الإخوان بعد ما ضاقت مصر بهم ذرعا بعد أقل من عام على توليهم للسلطة – والتي وصفها إعلام الإخوان وقياداته بأنها “خروج على الحاكم”، بينما كان يصف مظاهرات الخروج على مبارك بأنها “جهاد واجب” – فربما كانت قضايا ترهيب الفنانين هي النقطة الأبرز التي ساهمت بالاطاحة بنظام الإخوان، إذ يعلم الجميع بأن بوابة مصر العربية هي فنها بكافة صنوفه، وبينما قام الإخوان بشن حملة هوجاء لتدمير هذه البوابة – من منطلق إسلامي- والشروع بغرز أيديولوجية إسلامية لإحياء جناح الإخوان السياسي بوصفه قوة لا تُقهر،وبداية حقبة من تقويض الدين لصالح السياسة إيذانًا لبداية حكم الخلافة، نتج عن ذلك استحواذًا عسكريًا على السلطة جنّب مصر كابوسًا ما كانت لتستيقظ منه. إذ يمكننا تخيل تشكيل ميليشيات إخوانية لتنفيذ الاغتيالات والاعتقالات والترهيب – بما أن المؤسسة العسكرية لم تكن مخترقة بما فيه الكفاية على غرار المؤسسة الإعلامية لتطويعها بيدهم. ويمكننا تخيل سيناريو تخوض فيه مصر حربًا بالنيابة لتثبيت أرجل كرسي الخلافة. ويمكننا – بحسب التجارب التاريخية – تخيل نشوب حربٍ أهلية تسحق مصر ومن فيها، وفتاوى تكفيرية وجهادية وتحريضية تتخطى إطار الدولة متحصنة بالمقدس الديني.
وهكذا فأنت ترى نتائج الخضوع للإرادة الشعبية، فلا صلاحٌ تحقق، ولا حكمٌ دام، ولا وخارطة طريق واضحة وضعت ليسير عليها البلد. ربما يمكننا القول بأن ألطاف القدر قد وهبت مصر رجالًا استطاعوا تجنيبها هذا الكابوس الناتج عن التنويم المغناطيسي للإرادة الشعبية، فمصر المستقرة والناهضة حاليًا ليست من صنع الإرادة الشعبية، بل من صنع هؤلاء الرجال الذين وهبتهم لها ألطاف القدر. ورغم ذلك فإن الإرادة الشعبية لم تُعجب بهذا وراحت تطلق العبرات على حكم الإخوان الزائل. وهكذا فقد تعلمنا درسًا في عدم التعويل على تلك الإرادة التي تتحكم بها العاطفة والإيديولوجيات التي تبث عبر الإعلام، والتي لا تتحلى بأي بعد نظر سياسي أو حنكة قيادية لإدارة الأزمات، بل هي التي تخلق الأزمات وتذهب ببلدها إلى الهاوية.

إن الأزمات الناتجة عن قصور الإرادة الشعبية كثيرة عبر التاريخ، لكن لنبقى في دائرة الربيع العربي وننتقل هذه المرة إلى سوريا، حيث أن سياق الأحداث فيها كان مشابهًا لأحداث مصر، لكن الطبخة قد اكتملت هذه المرة. احتجاجات شعبية – بقيادة الإرادة الشعبية – من ثم استغلال إسلامي/إخواني، ومن ثم خرابًا مأساويا. وربما يدور سؤالاً في خلد القارئ عن سبب ضلوع الإخوان المفرط في دوامة الصراعات والأزمات السياسية الناتجة عن حماقة الإرادة الشعبية: ذلك أن الإخوان يريدون بلدًا ليقيموا فيه دولة للخلافة، ولا يهم أيما كانت هذه البلد، وهناك بغلة جاهزة ليركبوها في سبيل غايتهم، ألا وهي الإرادة الشعبية. وهذا ما يفسر ظاهرة ركوب الإخوان لأمواج الثوَران الشعبي مسخرين كافة إمكاناتهم في خدمة ذلك.
دعني أخمن بأنك قارئ معاصر وشاهد على الأزمة السورية منذ بدياتها، وتحسبًا لذلك فأنني لن أسهب كثيرًا في هذا الشأن. لكن دعنا نلقي نظرة فاحصة على أطلال الإرادة الشعبية:
– ثورة شعبية = أزمة أمنية وخرق تام للقانون= استغلال إرهابي للأزمة بسبب الواضع المواتي لبروز الحواضن الإرهابية= دعم إخواني وغربي/يساري لهؤلاء الإرهابيين بحجة مقاومتهم لقوات النظام -لاحظ أن دعم الإرهاب أصبح مشروعًا ورسميًا- = انشقاق بين هؤلاء الإرهابيين نتج عنه إقامة دولة الخلافة في العراق والشام متسلحًا بهبات الإخوان والغرب= أزمة إنسانية وعرقية وإثنية راح ضحيتها الآلاف من البشر، والمئات من الثروات والمواقع الأثرية والصروح الحضارية. من ثم:
– بحسب البنك الدولي في عام 2018؛ فقد بلغت خسائر سوريا 226 مليار دولار خلال سبع سنوات فقط.
– تدمير وضرر 27% من الوحدات السكنية في سوريا.
– 6 من بين كل 10 سوريين يعانون من الفقر – كم كانت هذه النسبة قبل الأزمة؟
– تعرض قطاع الصناعة السوري لنسبة تدمير بلغت 67%.
– أضرار القطاع الزراعي بلغت 25 مليار دولار.
– أضرار القطاع السياحي بلغت 14 مليار دولار.
– إلى جانب استنزاف 70% من الأطباء الذين تعرضوا للتهجير أو القتل أو الاختطاف، فقد بلغت أضرار القطاع الصحي 12 مليار دولار إلى جانب تدمير 38 مستشفى و 450 مركزًا صحيًا.
-بحسب الجهات المختصة ومن ضمنها رقابة حقوق الإنسان، فقد بلغ عدد الضحايا 400.000 قتيل، إلى جانب 5.000.000 مليون لاجئ و 6.000.000 نازح و 540.000 محاصر في ساحة الحرب.
– 2.8 مليون طفل أصبحوا بلا دراسة. 6.000 مدرسة خارج الخدمة. 400 مليون دولار خسائر قطاع التعليم.

إن أضرار الإرادة الشعبية في سوريا لم تكن محلية فقط، وإنما إقليمية ودولية أيضًا، وإذا صح تخميني بأنك شاهدٌ معاصر، فينبغي أنك شاهدٌ على انبثاق الفصائل الإرهابية المسلحة من صلب الثورة السورية، والتي انتقلت بدورها للعراق وأدخلته في صراع بالنيابة عن العالم ضد أعتى تنظيم إرهابي مسلح شهده العصر الحديث، وذلك ما أعطى الشرعية لانبثاق فصائل وميليشيات دينية مضادة سوف تصبح عما قريب أذرعًا إقليمية لتنفيذ تعليمات ومخططات ولاية الفقيه، ونخر الدولة العراقية وترهيب المدنيين وإرساء شريعة الغاب رسميًا.

فكيف بربك بلدًا ضارب عمق التاريخ بحضاراته يصبح رهنًا بعمامة جيرانه؟
وكيف تتحول سوريا من حاضنة للترفيه والترويح إلى بلد يقترن اسمه بالموت والتشرد والترهيب والترويع؟
وكيف يتحول اليمن السعيد تعيسًا؟
وكيف تتحول تونس الخضراء يباسا؟
وكيف يتمكن سرطان الخلافة مرةً واحدة من هذه البلدان مجتمعة ليحولها إلى ساحات قتال تغص بجند الخلافة؟
أوليس وقوع هذا هو إدانة للإرادة الشعبية التي يدغدغها وقع كلمة “ثورة”؟ فشكرًا أيتها الإرادة الشعبية!

إن الإرادة الشعبية هي مجموعة المطالب والغايات التي تبتغيها العامة بدافع حسدها لمنازل الخاصة، وأن قوام إرادتها وصواب بغيتها هو محض خرافة، ومهما بذلت لها الأجندة الإعلامية من دعم ونصرة، وإجلال وحفاوة، فذلك ابتذال لا يعول عليه في صنع خارطة طريق مستقبلية ليسير عليها بلدًا يمني النفس بدولة ذات مؤسسات ورخاء واستقرار.

في نقد الحياد

نظرا لتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى منابر ومنتديات للرأي لا يوجد ما يشبهها في الواقع (وخاصة الفيسبوك الذي يسمح بنشر نصوص طويلة وخوض نقاشات متداخلة حولها)، فقد بتنا في حاجة إلى استكشاف أخلاق الحوار الرقمي وكذلك خارطة الآراء والمواقف، سواء كانت دينية أو أخلاقية أو سياسية.

وهو أمر مرهق ومتطلب بلا شك، لأن جيلنا الآن يجابه فيضانا مذهلا من المعلومات وجيوشا مجندة من الخطابات والسرديات المتعارضة، بنحو لم يسبق لأي جيل مضى في مجتمعاتنا العربية.

لا عجب إذن أن يكون خيار أكثر المتعرضين لهذا الطوفان هو اللجوء لأقل الوجهات تكلفة من ناحية إدراكية: أي التشبع التام بالخطاب الذي يستميله أو يداعب مسلّماته الراسخة أصلا، دون أن يتعب قشرته الرمادية بالتمحيص أو التفلية.

لكن هناك خيارا آخر لا يقل راحة لكنه يتذرع ببعض السمو الأخلاقي، ألا وهو ادعاء أن كل الخيارات المتاحة معطوبة، ولهذا لا يمكن القبول بأي منها. وفي القاموس العصري المحدود لأذهان معظم الناس، يسمى هذا الادعاء خطأ بالحياد.

الحياد — يا رعاك الله — له مقامان لا ثالث لهما: فض المخاصمات، والبحث العلمي. فأنت حين تمر بنزاع مع شخص آخر (وليكن شريكا أو زوجة أو رب عمل) تحتاج إلى رأي شخص ثالث لا يمت لأي منكما بصلة، لكنه يعاملكما باحترام متكافئ وينظر في الحجج بمعزل عن قيمة أي منكما في نظره. وكلما كان عنكما أبعد، كانت ثقتكما في إنصافه أكثر. (وهي علاقة محيّرة لو قورنت بالصداقة أو الحب، لكن هذا حال البشر!)

كما أنك حين تبحث في أي باب من أبواب الطبيعة، فمقصدك النهائي يفترض أن يكون التوصل إلى الواقع بغض النظر عن كرامة أو تقدير من سبقك، التي يفترض البعض أنها ينبغي أن تنسحب على آرائهم أيضا.

يقول أبو بكر الرازي: “وأما من لامني وجهّلني في استخراج هذه الشكوك [= الاعتراضات على جالينوس] والكلام فيها، فإني لا أرتفع [= أعتزّ] به ولا أعده فيلسوفا، إذ كان قد نبذ سنّة الفلاسفة وراء ظهره، وتمسك بسنة الرعاع: من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم. فإنه لم تزل سنة المتفلسفين جارية بإعلاء الرؤساء، والتشدد في شدّة المطالبة وترك المساهلة.”

ويقول كارل ساغان “كثيرا ما يحدث في العلم أن يقول العلماء ’أتعلم؟ هذه حجة جيدة حقا، وموقفي كان مخطئا‘ ثم يغيرون رأيهم بعدها حقا ولا تعود تسمع برأيهم السابق. قد لا يحدث ذلك بالكثرة المرجوّة، لأن العلماء بشر والتغيير مؤلم أحيانا. لكن ذلك يحدث كل يوم. لكني لا أذكر آخر مرة حدث فيها ذلك مع السياسة أو الدين.”

لكن هناك مجالات لا يجدر فيها ادعاء الحياد، لأسباب منطقية أولا واجتماعية ثانيا: وذلك كالاقتصاد والسياسة.

فالأشكال التنظيمية المتاحة في الواقع لتنسيق المجتمع البشري معدودة منحصرة، لا يمكن الفرار من أحدها إلا إلى آخر — على اختلاف الأسباب.

والتظاهر بأنك لا تميل إلى أي منها أمر يصعب تصديقه بالنظر إلى واقع الحال، حيث أنك لا تعدو أن تكون راضيا بالظروف التي تعيش فيها، أو ناقما عليها وراغبا عنها، أو ساعيا لتحسينها وإخراج الأفضل فيها. ولا بد لهذه النوازع في داخلك من صورة عقلية مثلى تصاحبها، هي ما يجعلك تحب أو تكره أوضاعك، وترغب في شيء وتنفر عما سواه.

هذه الصورة الشبحية لو سلطت عليها مصباح الذهن، وضوء القريحة، فلعلك تفاجأ بأنها لا تخلو من أحد الأشكال القائمة سلفا، سواء في كتب النظرية السياسية أو بنى الحكم السائدة في العالم.

لا ينتظر منك أحد أن تكون حكما على آراء مفكرين ومدارس كبرى، فأنت — على أغلب الظن — لست مستعدا لذلك من الأساس. وتظاهرك بالارتقاء عن ذلك ليس مما يزينك أو يشرفك. “كل من ادعى بما ليس فيه .. كذبته شواهد الامتحان!”

فأكثر الناس (وليس في ذلك استصغار) مؤهلون لإدارة أمورهم اليومية وشؤونهم الشخصية، ولا يملكون من خزين المعرفة أو بريق الذكاء ما يمكنهم من تصور نماذج لإدارة المدن أو تسيير الأمور.

ولعلك تستغرب من كلامي هذا، فأقول: هوّن عليك، أيستطيع صاحب سوق للخضار أن يدير محطة إسالة للماء؟ هل يتمكن الكهربائي من بناء المنازل؟ إن كانت هذه المهن الأساسية في حياتنا غير قابلة للتبادل لأن كلا منها يتطلب مهارات مختلفة وخبرات متباينة، أنى لنا إذن أن نظن بأنفسنا جميعا القدرة على هندسة الدنيا والفتيا في السياسة؟

لا شك في أن الثقافة طموح مشروع، وللكلام البليغ رنة أخاذة، ولإصغاء الناس إليك وتأمينهم على كلامك لذة خفية في النفوس. ولكن: ليكن لديك رصيد كاف يبرر لك كل ذلك!

اقرأ واسأل، وباحث وتعلم، فكل العلماء يقرأون ويستزيدون حتى آخر نفس. غرفة قراءة روجر سكروتون، الفيلسوف والأخلاقي البريطاني المرموق، كانت قبل وفاته زاخرة بأكداس الكتب القريبة من كرسيه وطاولته.

وقديما سئل ابن حنبل عن حمله المحبرة والقلم إلى مجاليس الحديث بعدما احتفى به الناس وأحاط به التلاميذ، فقال “المحبرة.. إلى المقبرة!”

آية العلم المخلص أن يزيدك تواضعا، وينمي بصيرتك، ويجعلك أصدق مع نفسك والغير. أما ما سوى ذلك فلا يخلو من شائبة في الضمير أو في المحتوى.