هل الإعلام سلطة رابعة فعلًا؟

هل الإعلام سلطة رابعة فعلًا؟ ماذا لو قلت لك أنه السلطة الأولى في أهم مراكز القوى العالمية؟ دعك من التقسيمات الرسمية بين السلطات [قضائية، تشريعية، تنفيذية]، فهذه تحف أكاديمية وشكلية جدًا في الواقع. وجودها لا يطابق ولا يمثّل توزيع السلطة الواقعية والتي تغيّر وتسيطر على الرأي العام.
لو افترضنا معًا صحة هذه الفرضية، فيمكننا أن نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن ينقلب توزيع السلطة بهذه الصورة الجذرية؟ [النزاع المستمر بين البوق الإعلامي في دول أوربا، الممول من بروكسل EU، وبين القضاء البولوني أو المجري، مثال سريع وبسيط على ما أذكر].

الجواب باختزال بسيط: الديمقراطية. الجواب المفصّل سيكون كالتالي: ذاكرة الإعلام قصيرة الأمد، وهذه تتناسب طرديًا مع عمق المعرفة التي يتاجر بها في وسائل الميديا بشكل عام. ولن نبالغ إن وصفنا الإعلام بالسلطة الجاهلة، لا الرابعة. ولأن ذاكرتنا في استقبال المعلومات محدودة أيضًا، يكفي لأي جهة متمكّنة أن تشغل حواسنا السمعية والبصرية بتصوّرات وهمية عن الواقع.


وعندما أتكلّم عن الميديا، فأنا لا أقصد الإعلام فقط: حاول أن تبدأ، إن لم تباشر بعد، بفهم دورة حياة ”الحقيقة الديمقراطية“ داخل سلسلة الدولة ـ الأكاديميا ـ والإعلام.
عن هذه العلاقة يكتب ماثيو باتاليولي في ”عواقب المسواة“:

”الدولة، وخاصة الدولة الديمقراطية، بحاجة دائمة لمزيد ومزيد من الدعاية، وهكذا تصبح الدولة مستعدة جدا لتوظيف أعداد هائلة من الأكاديميين للتغلغل في المؤسسات التعليمية للأمة وتوفير تلك الدعاية. وليس هذا فحسب، فما أن يصبح الأكاديمي موظفا لدى الدولة، وبالتالي معتمدا عليها في دخله ومعيشته، سيصبح أشد عرضة لأن يكون منافحا صلبا عن الدولة. ولكن هؤلاء الناس هم بالفعل أميل بشدة لأن يكونوا يساريين سياسيا في العموم. وذلك لأن الأقل تشككا في الأسواق سيجنون رزقهم بالمساهمة فيها: عبر إدارة الأعمال، الاستثمار، و »التوفير« لآخرين. أما الآخرون، وهم الأشد تشككا في الأسواق، فتبدو لهم الأكاديميا خيارا أشد جاذبية للعمل. وذلك تهديدا ثلاثي الرؤوس، حيث تبحث المؤسسات الحكومية عن ناشري الدعاية الأعظم والأفضل للدولة من بين ثلة من الدعائيين الأشد راديكالية أصلا، ومن ثم تعمل على دفعهم لمزيد من الراديكالية عبر توفير كل ما يحتاجون إليه.“

حتى الآن، تبدو العلاقة وكأنها تسير في اتجاه واحد. لكن ما يحدث بعد ذلك ـ ومن هنا يستمد الإعلام وهم حيازة ”المعرفة العلمية“ ـ هو أنه يجسّد دور الرأي العام في نفس الوقت عن طريق أسلوبه المعروف في مخاطبة السياسيين وممارسة الضغوط الإعلامية عليهم وفق الانتماء الحزبي أو جهة التمويل طبعًا. وهذا سلاح انتخابي وثغرة فساد في النظام بحجم ثغرة الأوزون، إن صح التعبير، حبيبي..
فما يسوّق إلى الناخب الديمقراطي بشكل عام هو منتوج واضح نقي وذو خلفية أخلاقية محسومة مسبقًا: فالعلم يصرّح ويركّد كلام الإعلام بدون شك ـ وبشكل مفلتر من آراء العلماء المعارضين وذوي الآراء المعارضة طبعًا، والدولة تطبّق شريعة السماء في دين الإنسانية. يو نيد بگ بولز and بيگ لاك كي تعترض دون أن تصبح مسرحية إعلامية.

وهذا المنتوج يتغير كل يوم ويكفي لأن يشغل حواسك وذاكرتك بصورة مرسومة مسبقًا عن الواقع السياسي دون عناء البحث والتقصّي عن المعلومات بنفسك. وكي لا تنسى، أحب أن أذكرك بكسل البشر عندما يتعلّق الأمر بالتفكير..

ومشكلة هذه الثغرة أنها كبيرة بشكل لا يجعلها تحدد مصير الانتخابات فحسب، بل تحدد ملامح الرؤية الأخلاقية عن النخبة الحاكمة أيضًا، ولا يوجد سياسي ينوي اعتلاء عرش السلطة في بلاده دون تقبيل خاتم الإعلام: أقصد دعم حرية الصحافة والإعلام طبعًا، لا يروح بالك بعيد.

تأثير هذه المنتوجات السريعة والمختزلة جبّار ويمكن أن يدوم لعقود طويلة، لا بل لقرون من الزمن.

البارحة وأنا أتصفّح كتاب The German Way of War مر علي مثال عن العلاقة المتوترة بين الإعلام وبين الحزب النازي في المانيا في بداية الأربعينيات. علاقة متوترة؟ نعم، مع الإعلام الخارجي طبعًا، وفي بعض الأحيان مع ”شطحات“ في إعلام الداخل.
لو أردت اختزال الحرب العالمية الثانية من ناحية حربية، فمصطلح Blitzkrieg يفي بهذا الغرض. وهي معلومة شائعة حتى يومنا هذا. لكن من ناحية تاريخية، فإن هذا المصطلح منتوج إعلامي رفضه قادة الڤيرماخت Wehrmacht بشدّة ولأسباب عسكرية واضحة: فعلى عكس ما روج إليه الإعلام، لم تكن هذه الاستراتيجية جديدة إطلاقًا، وإنما جسّدت الاعتماد على طريقة الحرب الألمانية التقليدية منذ عصر الإمبراطورية الألمانية ووفق تقاليد بروسيا العسكرية. فالمجازفة بالبحث عن ثغرة بين أجنحة العدو ومحاولة حسم الحرب في معركة واحدة، هي استراتيجية بروسية قديمة طبّقها الألمان في حروبهم مع نابوليون وفي الحرب العالمية الأولى أيضًا. هي فقط نجحت بشكل حاسم وباهر في الحرب العالمية الثانية بعد أن تمكّن الألمان من توفير جميع الشروط العسكرية [غطاء جوّي + زحف مركّز لقوّات مدرعة أو آلية]. بل أنه لا توجد أدلة على أن العسكريين الألمان قد استخدموا هذا المصطلح في كتبهم وتقاريرهم العسكرية.

لكن الجهل الإعلامي بتفاصيل وتاريخ التقاليد العسكرية، أعطى للمصطلح شهرة أزعجت القادة الألمان أنفسهم، حتى ذكروا مرارًا أن سر النجاح العسكري لم يكن حصيلة الحنكة العسكرية النازية، بل هو نجاح نابع من تقاليد عسكرية قديمة ومن انضباط صارم. [على الأقل يملك النازيون هذا الكم من الاحترام للذات، يمنعهم من استغلال مديح الصحافة العالمية..].

وأنا هنا لا أكتشف طرق التسويق الإعلامي والإشاعات مجددًا. هذه أمور بديهية. أنا فقط أستدعي أمثلة حيّة من ذاكرة التاريخ، كدليل بسيط على عمق الكذبة التاريخي. إضافة إلى ذلك: معرفتك الجديدة بأصل المصطلح لن تغيّر من أي شيء أصلًا . فالإعلام لا يملك رمزية تمثّله، وبالتالي لا يحتاج لاعتذار وتصحيح رسمي ولا حتى هو مطالب بتحمّل أي مسؤولية أخلاقية.
لاحظ أن الإعلام يطالب دائمًا دون أن يوفر هو أي مقابل. ولعل أجرأ وقاحة سياسية معاصرة هي المطالبة بـ ”حرية الإعلام“. وهم لا يصدق به سوى المغفّل السياسي أو السياسي الذي يريد أن يحتال عليك أو يسوّق إليك بضاعته. وأنا أجد أن أي نقاش جدّي حول مستقبل السلطة في أي رقعة جغرافية، يحتاج إلى ضبط الدور الإعلامي من ناحية المنفعة العامة والمسؤولية الأخلاقية وتبعاتها.


كيف أفسدت ’ما بعد الحداثة‘ مفهوم الحرب

سيف البصري

على مستوى النزاع بين الجموع، فالحرب هي الفيصل؛ وعلى مستوى الأيديولوجيات، تصبح السيطرة على تعريف الحرب وأخلاقياتها بمثابة الانتصار الحقيقي ـ وهنا تحتاج لسلطة رابعة؛ ويفضّل أن تكون عولمية وتؤمن بحقوق الـ … you know the drill.
هيمن على سلطة تعريف العدو وأخلاق الحرب، وستخضع أكثر من ”عدو“ في آن واحد. أي جرّد الحرب من أخلاقياتها الذكورية العنيفة، وستتحول فورًا إلى وسيلة غير مباشرة، تطيل المصيبة، لا تنهيها. وفي عالم ديمقراطي، تصبح الحرب الوسائطية هي طريقة ناجحة لكسب أصوات السذّج. خصوصًا في الشرق الأوسط.

أكتب هذا المقال ونحن في الشهر الخامس من العام الثاني بعد كورونا. وأفترض أن بعضكم قد لبّى نداء التعاضد الاجتماعي وبقي في بيته، في وقت يمرّ فيه الاقتصاد العالمي بركود يقتل حرفيًا. طبعًا هنا لا أقارن وفاة الملايين من الأطفال تحت سن الخامسة بسبب الجوع والفقر وانقطاع المساعدات ببشاعة كورونا وعدد وفياته فوق الـ 3 مليون من كبار السن..

لكن يا ترى، كيف سيبقى المواطن الصالح في بيته وهو معرّض لقصف مستمر بصواريخ أرض ـ أرض، على أرض ملعونة أصلًا؟

”stay the fuck home“ بسبب فشل القبّة الحديدية، أم أن خطر الفايروس أكبر على أعداد البشر هناك؟ تابع الأرقام وقارنها، من باب الإثارة..
وماذا عن الحرب وسط جائحة تصيب الجميع دون استثناء؟ من المذنب وكيف نصف العدو كي نبرر الحرب؟ ما هي اللغة المناسبة لكسب الحرب قبل أن تبدأ؟
فكما تعلم، تحتاج الحروب اليوم لنيل رضا الإعلام العالمي وكسب استحسان الرأي العام قبل كل شيء؛ فسبب الحرب نفسه لم يعد مهمًا أو كافيًا. يكفي أن نفترض المجهول ونجيد تسويقه بالعواطف، كما قال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق رامسفيلد، بضعة أشهر قبل حرب العراق ”There are known knowns … But there are also unknown unknowns“.

وكما تلاحظ، فإن تفاقم الوضع في الشرق الأوسط ـ يا لها من مفاجأة ـ جعلني أتتبعّ ردود الأفعال بدل الأفعال والأحداث نفسها، ولسبب بسيط: إنه الفضول!
الفضول بمراقبة حالة النشاز الإدراكي وردود الأفعال التي ستصدر من عقلية المتعولم وهو يحاول استيعاب الحرب وشرعيتها في ظل هذه الجائحة. ومن هنا تذكّرت أن لتعريف الحرب والأطراف المتنازعة دور مهم في صياغة الفكر في فترات السلام وقبل حدوث أي حرب بين طرفين. الحرب ما قبل الحرب.

كعودي [reactionary]، لا أستطيع المضي قدمًا دون الخروج بتشخيص تاريخي يشرّح تركيبة النظام الأوروبي القائم على حكم القانون الديمقراطي ( ius publicum europaeum democraticum) مبيّنًا آثار التشويه التي وصلت به إلى تركيبته المعاصرة. وتركيزي هنا على ”الأوربي“ نابع من كونه القانون المهيمن والروح العولمية المعاصرة والمؤثّرة على القوانين العالمية، تحت شعار الإنسانوية طبعًا. فحقوق الإنسان والديمقراطية هي قيم تصدّر وتناقش كحقوق مطلقة تنتظر التطبيق فقط وتحظى برعاية أوربية على المستويين، السياسي الدبلوماسي والمالي. وبما أن أوربا قد احتضنت الداء والدواء معًا، يصبح من المعقول والمنطقي أن نتتبّع أبرز الأحداث التاريخية في هذه القارة، صاحبة التأثير الأكبر على الشرق الأوسط.

لكن قبل أن أخوض في تفاصيل هذا التشريح السياسي. دعني أكرر بعض المفاهيم البديهية في اليمين كفلسفة سياسية. في ”الإعادة فائدة“، كما يقول صاحب شركة صناعة لقاحات طبية غير معروف..

قبل اصطياد الماموث

لو حاولنا البحث عن مشتركات في الطبائع والعادات مع أي مجموعة بشرية عاشت قبل 300.000 وحتى قبل 300 عام، سنجد الحرب على رأس القائمة. وربما أقدم بملايين السنين. وأنا أعلم أن مطّ الخط الزمني في رحلتنا هذه نحو ملايين السنين إلى الوراء هو أمر مرهق ومتعب. وإن كان كذلك فعلًا، فربما ستساعدك التحفة الموسيقية لشتراوس An der schönen blauen Donau, Walzer, Op. 314 في الخلفية على هضم بعض هذه السطور، خصوصًا وأننا سنمرّ لاحقًا بالعصور الوسطى.

لكن بما أننا في أجواء ديستوبية كهفية، دعنا نحاول فهم جذور الحرب اجتماعيًا/تطوّريا:
الطبيعة وميكانزم التطوّر يعملان وفق ديناميكية سببية؛ عوامل خلّاقة ومحفّزة مثل الجوع والخوف ستقود حتمًا إلى التغيير والتأقلم. فربما بدأ أسلافنا بالحفر بحثًا عن اليرقات والحشرات، ثم تقدّموا تدريجيًا إلى الاقتيات على الجيفة. ثم طوّروا لاحقًا مذاقًا للحوم وتعلّموا في مرحلة ما استخدام الأسلحة (أحجار، عظام، خشب). ولا أعتقد أنه من الصعب تخيّل أحد أسلافنا المشتركة وهو ينبش الأرض بعظمة ساعد أو ساق شجرة، ثم ينزل عليه الوحي ـ لا آسف، هذا حدث ملايين السنين لاحقًا. وربما قام هذا السلف بالدفاع عن جثث أسقطها مفترس أكبر؟ تدريجيًا، أدرك أن الأشياء التي كانت عديمة الفائدة سابقًا، كالعصي أو العظام، يمكن رميها أو استخدامها بتأثير مميت. ومنذ ذلك الحين ونحن ندافع بأفضل خطّة: الهجوم! ومن في اللحظة ولد الصيّاد في داخلنا..

وهذا انتقال مذهل، برأيي. فعلى الرغم من أن السلاح قد لا يكون الأداة الأولى التي استخدمها أوائل البشر قبل مئات آلاف السنين، إلا أنه يمثل أول نجاح كبير باستخدام الأدوات. فمن هنا تحوّل هذا القرد الصغير إلى كائن  خطر جدًا. وبمجرّد أن بدأ بالصيد، انتقل بسرعة كبيرة إلى لعبة أكبر وأخطر، وبالتالي إلى صيد فرائس تفوقه حجمًا بأضعاف. ولا نستغرب عندما يخبرنا بعض علماء الأنثروبولوجيا أنهم قد لاحظوا آثارا لضربات بأدوات حادة على العديد من الجماجم المكسورة لبقايا أسترالوبيثكوس، مما يشير إلى أنهم قد استخدموا العنف وبحماسة ضد بعضهم البعض.


قد تحلل العقلية النمطية المسالمة هذا السلوك من باب الهمجية الحيوانية (وكأننا لم نعد كذلك)؛ وهو تفسير غريب لو تمعّنت فيه لوهلة: فالعنف هنا فضيلة خلّاقة، لولاه لما أشبعنا بطوننا، ولما حافظنا على بعض اللحوم لأطفالنا ليتجاوزوا جوع اليوم، ولما حافظنا على أرواحنا أصلًا، أو تمكّنا من التعاضد على بناء الأسوار والجدران والتعاون داخل المجموعة. بل أن وجودك اليوم نفسه هو ثمار هذه ”الفضيلة“.

ثم أسأل، أين هي الهمجية في فن البقاء بأي ثمن وتحت أشرس الظروف؟ أنا يمكن أن أصدم البعض وأقول أن العنف هذا هو النظام بحد ذاته. أي استعادة التوازن في السلسلة الغذائية وضمان استمرار الجينات بشكل متناسق وسط ظروف متقلّبة، طقس بارد قارص، حيوانات مفترسة شرهة ومجاميع أخرى تتربّص بك لتنقض عليك وعلى عائلتك في أول لحظات ضعف. والعنف هنا يعني القوة، لا الهمجية. والغاية من الحرب في نهاية المطاف هي تأمين المساواة والتوازن بين الدول، الدفاع عن النفس، الأرض والعائلة. في نفس الوقت كان استنتاج أبرز العلماء آنذاك مطابقًا إلى حد ما مع الموقف الفلسفي من الحرب.

ومع أني لم أتوقّع كتابة مثل هذه النصيحة يومًا ما، لكنك لو بحثت في آراء الكثير من العلماء القدماء حول مواضيع اجتماعية وسياسية مهمة إلى يومنا هذا ـ في عصر ساد فيه الفضول على عقليتهم بعيدًا عن أضواء الشهرة وفساد التمويل ـ فستجد فيها موضوعية ورصانة أكثر من أغلب تلك المعاصرة اليوم، خصوصًا عندما يمس الموضوع بديهيات عولمية بخصوص الحرب والسلام والتعريف السائد منذ معاهدة ڤرساي. ففي الماضي، كان العلماء لا يزالون يتخذون قرارات بصيرة جيدة، وذلك لأنهم ترعرعوا في ثقافة سبقت فساد العِلم من خلال السلطة.

في كتابه ”أصل الانواع“، حاول داروين إعادة قراءة الحرب من زاوية تطوّرية/اجتماعية. ولو طرحت استنتاجه على عدة مفكرين وأكاديميين معاصرين دون ذكر أسمه، لاتهموه بالتطرّف والهرطقة. الحرب كمحرّك رئيسي للتطور الثقافي؟ ماذا عن حرية الاقتراع والمساواة في كل fuckin’ شيء؟! أتكفر بآلهتنا يا داروين؟

من حسن حظه أنه لا يعيش بيننا اليوم، وإلا لكان قد عانى من ”الكاتدرائية“ مثلما عانى مع الكنيسة من قبل.

داروين لم يفهم الحرب كغريزة مغروسة في الفطرة وعلى وتيرة ثابتة، بل فهمها كسلاح طبيعي كان وسيبقى عرضة للتلاعب والتحسين. في رأيه، تساهم كل بدعة عسكرية إلى حد ما في تقوية العقل الجمعي. وإذا كان الاختراع مهمًا، فإن القبيلة ستزداد أعدادًا وتنتشر وتحل محل القبائل الأخرى وتهيمن على أهم المصادر.


وأنا لا أذكر هذه الأمثلة حتى أبدو وكأنني باحث يعمل في متحف للآثار. لكن مطّ الخط الزمني مع كل قراءة لفهم تطوّر التعقيد الاجتماعي، يجعلك قادرًا على استيعاب التالي، وهو أن العنف والصراع والحرب من أجل البقاء والثروات هي أصل كل شيء نسميه اليوم حضارة. وروح الفضيلة التي تتبلور عن هذا الفعل الجماعي هي ذلك الشعور بالمسؤولية على مستوى جمعي. الطريف بالنسبة لي، هو أن بعض العقول الأكاديمية تخرج باستنتاجات مشابهة، لكن ولسبب أجهله، تتوقّف عقولهم عند الإنسان المعاصر ويتعاملون معه وفق عقليته بمعزل عن تاريخه القديم وغرائزه وفطرة الطبيعة داخله.

لكن من أنا لأحكم؟ فعلى ما يبدو لا تنطبق قوانين الطبيعة على الإنسان في بعض الحالات، كما هو الحال عند تصنيف البشر بين ذكر وأنثى؛ حيث يرى بعضهم الفروقات كبدعة اجتماعية.
أو، كما أتخيّل العالم من داخل عقل سارة سلڤرمان، أن السلف المشترك كان متحوّلًا ts جمع بين صفات الجنسين وبالتالي كان سبب استمرار الجنس البشري؟ And why the fuck not؟ Love always wins…

تعريف الحرب = أخلاق الحرب

لو عدنا لأبعد نقطة في التاريخ المدوّن، سنجد أن الحرب هي الروح الخلّاقة للأحداث في المدن على ضفاف الأنهار، بين أودية الجبال أو على سواحل البحار. الجميع حارب، فيما بينهم وضد الآخرين. لكن من أجل ماذا؟

هذا السؤال مهم لأن الإجابة النمطية والشائعة عليه غير كافية. ولكي نفهم طبيعة المؤسسات التي تبلورت عن هذا التكتل والاختلاط بين البشر، علينا أن نفهم تصوّراتهم البدائية عن الوجود، عن الدين وعن اللغز الأكبر والأشد وقعًا على وعيهم: الموت.
يقول المؤرّخ العودي نوما فوستيل دي كولاچ: ”لكي نفهم مؤسسات القدماء، على المرء أن يمعن النظر في معتقداتهم الأولى“.

المشكلة في مثل هذه الانطلاقات التاريخية، وهذا خطأ أحاول أن أتجاوزه قدر الإمكان، هو أن التاريخ طويل جدًا ولا يمكن لأدمغتنا استيعابه بشكل كامل. وعليه لا بد من الانطلاق من نقطة ما، مدركين في نفس الوقت نسبة اللادقة في هذا التعريف الزمني. الفكرة هنا ـ وهذه نصيحة أكررها على كل من يسألني عن المراحل التاريخية التي تستحق القراءة دون غيرها ـ هي أن تبدأ برسم لوحتك الخاصة عن الخط الزمني للتاريخ؛ فبدونها تضيع وسط شساعته وعمق/تباين تفاصيله! وهذا المثال التالي ـ مستوحى من كتاب الرائع فولر توري (سبق وأن ترجمت منه بعض المقاطع) ـ سيساعدك على تتبع التعقيد الاجتماعي والفكري للإنسان بشكل مقتضب:

لو استقرينا زمنيًا على الفترة قبل 150.000 – 100.000 عام، يمكننا أن نفترض وفق المستحاثات المكتشفة في الكهوف، أن الأصداف التي كانت تستخدم، على ما يبدو، لصنع قلادات زخرفية يلبسها أسلافنا حول رقبتهم، تشير إلى أنهم امتلكوا القدرة المعرفية على التفكير بما قد يفكّر به محيطهم حولهم. وهذه علامة للتطوّر المعرفي.
فاكتساب ذاكرة تستوعب السيرة الذاتية بجانب المهارات المعرفية الأخرى، قاد ربما إلى الثورة الزراعية قبل 11.000 عام. هذا التكتّل الاجتماعي في مكان واحد سمح بدفن الموتى بجانب الأحياء؛ وبالتالي، لن نستغرب من أن فكرة عبادة الأسلاف وتقديسهم قد بدأت بعد هذه المرحلة. فمع زيادة عدد السكان، ظهرت التسلسلات الهرمية للأسلاف بشكل لا لبس فيه. وفي مرحلة ما، ربما بين 10.000 و 7.000 سنة مضت، عبر عدد قليل من الأسلاف المهمين للغاية خطاً غير مرئي وارتقوا قصصيًا لمرحلة أشبه بالآلهة.
قبل 6.500 عام، أي مع بداية التدوين وعندما أصبحت السجلات المكتوبة الأولى متاحة، ازداد عدد الآلهة عبر المجتمعات.

في البداية، تركّزت مسؤولياتهم على القضايا المقدّسة والمحورية في حياة الإنسان القديم: الحياة والموت، وبرأيي الأمر لم يتغيّر كثيرًا.
بطبيعة الحال وفي وقت لم تكن هنالك عائلة بقوة توازي مكانة عائلة تارگاريان (GoT)، أدرك القادة السياسيون فائدة الآلهة وزادوا من تكليفهم بواجبات علمانية أيضًا، مثل إقامة العدل وشن الحرب، وحماية المستضعفين (أو التضحية بهم، كل إله ومزاجه طبعًا)، وطرد الأعداء وحماية الحصيل الزراعي أو الدفاع عنه. ويبدو لي أن مزاج الآلهة في الشرق الأوسط قد تأثّر بدرجات الحرارة العالية في المنطقة. وإلا كيف نبرر غضب كبير الآلهة ورب السماوات والأرض عند السومريين ـ إنليل ـ من البشر ومعاقبتهم بالطوفان، لأن ضجيجهم أزعجه في نومه؟ مع أنني أجد الغرق أكثر رحمة من الغليان في جوهنّم إلى الأبد؛ لو خيّرت طبعًا..

وكما تلاحظ، فإن أخلاق القوم تنعكس على صورة أجدادهم أو آلهتهم؟ لكن ماذا عن أخلاق الحرب؟ أي عادات و سلوك الجماعات والأفراد أثناء الحرب.

أغلب الألواح والمصادر التاريخية في وادي الرافدين، النيل، النهر الأصفر أو نهر السند، تنقل لنا تفاصيلًا عن معارك حدثت عادة من أجل الدفاع عن أو توسيع مصادر الثروة الإنتاجية: المياه والأرض والحيوانات، خصوصًا وأن هذه المجتمعات كانت قائمة على الزراعة بالدرجة الأولى، وهذا ما يجعل الأرض وإمدادات المياه الكافية أمرًا حيويًا لرفاهية مدنهم. حيث قاتل أجدادنا القدماء ـ قبل الأديان التوحيدية ـ من أجل ما هو حيوي وضروري لهم قبل أي دوافع أخرى أقل أهمية مثل التفوّق العرقي أو الحصول على المزيد من الأرض فقط أو الدفاع عن الآلهة نفسها. وعلى ما يبدو ان آلهتهم القديمة كانت غير مهتمة بحرب الفتوحات، حتى جاءت أديان السلام والمحبة وقوس قزح.

ولا تنخدع بالخرائط التاريخية لمساحات الإمبراطوريات وحدودها الطويلة. فالغاية الرئيسية منها هي لتوضيح النفوذ فقط؛ كما ولا يمكن مقارنة الأخير بنفوذ الدولة المعاصرة. في مصر القديمة مثلًا، حكم منتوحوتب الثاني وخلفائه من مدينة طيبة كعاصمة للبلاد ـ أي 800 كم جنوب البحر الأبيض، حيث أقتصر نفوذه على بعض الكيلومترات على ضفاف النيل وبعض الواحات المحيطة.

وحتى عندما وسّع تحتمس الثالث (منتصف الألفية الثانية ق.م.)، أحد أعظم وأشهر فراعنة مصر القديمة، نفوذ الفراعنة نحو الشام وقرب الساحل، فهو كان يقتصر في تأمينه العسكري على طرق التجارة وتأمين وصول الخشب والحجر والبرونز من هناك. انتصاراته العسكرية ومكاسب من لحقه كانت تنتهي عادة ببناء صروح ومعابد تمجّد آمون، لكن في مدنهم، لا في مدن المستعمرات أو المناطق الجديدة. حتى الجدران والخنادق التي كانت تبنى للحماية من الهجمات من الشرق، كانت تبنى على أطراف الدلتا، لا في في صحراء سيناء.

في سومر، لم يكن هناك جيش دائم، رغم أنه ربما كان هناك بعض الجنود المحترفين. وعندما أعلن الملك والكاهن الأكبر ومجلس المدينة الحاجة إلى الحرب، فهم كانوا يدعون جميع المواطنين الذكور والأحرار إلى حمل السلاح.

ليس هذا فحسب، بل كان على كل مواطن إحضار أسلحته الخاصة معه. الأسلحة الشائعة تضمّنت الأقواس والرماح والفؤوس والصولجان والسكاكين وبعض أدوات الزراعة، بينما كانت الدروع الواقية نادرة. فقط الجنود المحترفين يرتدون خوذات من النحاس أو الحديد. ومع أن هذا لا يطابق ما تنقله الصور المنقوشة على الحجر أو المرسومة على الجدران.

تقريبًا لا توجد حرب مذكورة تفاصيلها ومدوّنة تاريخيًا خاضها بشر على سطح هذا الكوكب، بدون تعديلات ومبالغات وفق تصوّرات المنتصر. ومع أن هذا قد يبدو بديهيًا عند البعض، لكن العولمي المعاصر لا يجدها تنطبق على السرد القصصي لما بعد الحرب العالمية الثانية. فنحن نعيش قصة المنتصر ومازلنا داخلها، الكثير منا ينسى ذلك!

حتى أول إمبراطور في العالم، سرجون الأكدي، لم يكن بهذه السذاجة ليوسّع إمبراطوريته دون التفكير بثمن الحفاظ على استقرار مدنه. حيث اقتصر نفوذه على المدن ومحيطها، لا أكثر. ومدة حكمه وحكم حفيده لم تخلو من الانتفاضات والشغب والخيانة داخليًا ـ في النهاية نحن بشر، وهل هنالك لعبة أكثر إثارة من لعبة العرش؟

هنالك ترجمات لقصائد تاريخية عن سرجون ونرام سين، تنقل لنا صورة تؤكّد الغرض الحقيقي من التوسّع الإقليمي. يقال عن هذه السنوات من حكم سرجون على أنها كانت وقت وفرة الطعام والشراب والسلع الخارجية التي جاءت ألى مدينة أكد، ومن بينها “الأفيال الضخمة والقرود وحيوانات من بلاد بعيدة والخيول الكلاب”، وكلهم جابوا، بحسب القصيدة، على طول شوارع أكد. ومع أنه وصف نفسه بفاتح أرض عيلام ومارحاشي، إلا أن جيشه المنظّم بقوام 5.400 محارب لم يكن قادرًا على استيعاب إدارة كل المدن التي انتصر عليها وضمها لإمبراطوريته من أرض عيلام إلى أقصى غرب الفرات. هو عرف كيف يسيطر على المراكز التجارية المهمة؛ وعندما نصّب حاكمًا على مدينة ما لإدارة شؤونها، كان يعيّن شخصًا أكديًا فقط. نفوذه السياسي امتد عبر ثقافات وأديان متعددة، وعندما مجّد نفسه، أقرّ في نفس الوقت بقوة عدوه وبأسه.

حيث خاض ملوك الماضي الحروب وكأنهم يقابلون نظرائهم. حتى نهاية حقبة الساموراي بقيت بعض القيم والأخلاقيات الحربية تمنعهم من غدر العدو وطعنه من الخلف، وإلى فترة ليست بالبعيدة، كانت المواجهة وجهًا لوجه عند أغلب الجيوش هي نوع من استعراض للكرامة والبسالة، رغم قلة العدد أو تضائل فرص الفوز. ومع أن الحروب كانت وحشية وبعنف مباشر لا يقارن بطلقة جندي عن بعد كيلومترات، إلا أنها عرفت النزال الشريف في أشد لحظات الحماس والحقد.

يقول نيتشه: ”إن المساواة مع العدو هي الشرط الأول لنزال شريف، وحيثما يوجد مجال للاحتقار لا يمكن للمرء أن يخوض حربا.“.

كما تلاحظ، فإن التعالي الأخلاقي وفق هذا المفهوم الكلاسيكي يشترط أن ينصف كل طرف الآخر. وإن كان جيش ما يعتبر الحرب من أجل إلهه الأعظم والأكبر مشروعة وواجبة، فهو على الأقل يفاضل بين آلهة وأديان؛ بينما أجد أحقر أنواع المفاضلة هي عند من يحاول احتكار الإنسانية والتظاهر بالعدالة والتفوّق الأخلاقي.

يكتب الجنرال الصيني والفيلسوف صن تسو في ”فن الحرب“:

”إن فن الحرب محكوم بخمسة عوامل ثابتة، يجب أن يتم أخذها بالحسبان عند السعي لمعرفة حالات الفوز بالمعركة. هذه الشروط هي: (1) القانون الأخلاقي (المعنوي)؛ (2) السماء؛ (3) الأرض؛ (4) القائد؛ (5) الطريقة والانضباط. القانون الأخلاقي يجعل الناس في اتفاق كامل مع حاكمهم. لذا سيتبعونه بغض النظر عن أرواحهم، وبدون أية مهابة لأي خطر كان. […] هذه الرؤوس الخمسة يجب أن تكون مألوفة لأي قائد؛ فمن يعرفها سيكون المنتصر، ومن يعرفها لن تطاله الخسارة.“
وهنا تلاحظ أن المنتصر هو من يتقن اللعبة في نزاع عادل، وليس من يكسب الرأي العام أو يهيمن على سلطة تعريف العدو والطعن بهويته. بكلمات أخرى، لا حاجة لسلطة رابعة عندما ينتصر القوي باستحقاق ويحدث التنافس وفق إطار عادل. ويكمل صن تسو:

”من بين الملكين مشبع بالقانون الأخلاقي المعنوي؟ من من بين القائدين يتمتع بالأهلية والقابلية؟ مع من تكمن أفضلية وفوائد السماء والأرض؟ أي جانب لديه الانضباط مفروض بصرامة وقوة؟ أي جيش أقوى؟ أي جانب لديه رجال وضباط مدربون بشكل أكبر؟ أي جيش فيه ثبات أكبر من ناحية المكافئات والعقاب؟ بواسطة هذه الاعتبارات السبعة، يمكنني أن أتنبأ بالربح أو بالخسارة.“

جرّد مفاهيم الحرب من المثاليات، وستخلق حيّزًا يشغله تجّار المعلومات ودعاة المثالية الأخلاقية والإنسانية. فكل تحالف وكل قرار سياسي سيطاوع الرأي العالمي والإقليمي ويحاول كسب عواطف الجموع قبل أن يكسب أي شيء آخر.

ما بعد الحرب العالمية الثانية وإحياء حرب الجهاد الإلهي (الإنساني؟)

كيف أفسدت الحداثة أخلاق الحرب؟
لتشريح المرض وتحديد الفترة الزمنية، لا بد لنا من تحليل تبعات حرب الثلاثين عامًا في أوربا، نهايتها بصلح ڤستفاليا، ثم الحرب العالمية الأولى والثانية وانتصار الحلفاء.

لكن قبل كل شيء: عندما أستخدم فعل ”أفسدت“، فأنا أفضّل بطبيعة الحال جانبًا على آخر ـ أي أخلاق حرب على أخرى، فلسفة قوم على أخرى. ومن هنا أبتعد عن أي موضوعية في الطرح؛ وأنا لست ملزمًا بذلك. ببساطة لأنني لا أسرد التفاصيل، بل أناقش أبعادها الفلسفية السياسية. ولك الحرية بالبحث بنفسك وبناء تصوّرات جديدة.

يرتبط مفهوم العدو في الجيوسياسة إلى حد كبير بأخلاق المجتمع الحربية؛ ولكي يصبح السلام بين الأطراف خيارًا بديلًا عن الحرب، يجب أن يحمل العدو تعريفًا سياسيًا يسمح له بأن يجلس كخصم ونظير على الطاولة؛ حيث لا يمكن صنع السلام إلا مع العدو. وهذا الاعتراف الضمني بالآخر هو شرط مهم لإمكانية تحقيق السلام كمرحلة تلحق الحرب. ولك أن تتخيّل بقعة ملعونة على سطح هذا الكوكب حيث تعيق مشكلة انعدام الاعتراف بالآخر، ولادة أي فرصة للسلام.
المشكلة هنا ليست بالأطراف المتنازعة فقط، بل بانعدام البيئة، أو درجة حراراة العنف اللازمة للخروج بمعدن علماني مسالم؛ لا إنساني ـ لا إبراهيمي.

وقد يستغرب البعض من تصنيفي هذا، وهذا جيّد، لأنك بالتالي تعيد امتحان استنتاجاتك، ولا خسارة في ذلك، أليس كذلك؟
بانعدام البيئة اللازمة أقصد انحسار هذه البقعة زمنيًا وفكريًا بين أخلاق الحرب الجهادية المقدّسة على نهج الإبراهيميات وبين أخلاق الحرب الإنسانوية والدمقرطة؛ أي أننا نجحنا بالخروج بفكر رصين، لكننا أضعناه بسهولة وبسرعة نسبة إلى تاريخ البشر المدوّن. السؤال التالي هو: هل تحتاج المدن لتطهير على طراز نهب ماغديبورغ ولدماء 25 ألف روح قبل أن ترضخ آلهة الحروب لقربان السلام؟ 

أسهم لهيب الموت (أرض ـ أرض) غطّت سماء المدينة وأرضها قبل أن يدخلها جيش الكاثوليك من القرى و المدن المجاورة. ومع أن هذه الدماء لم تكفي رب الكنيستين، إلا أنها كانت كافية لإقناع ساكسونيا وبراندنبورگ بالتحالف مع مملكة السويد لغزو المانيا نفسها. وحيثما وجد مجاهد ما، وجدنا مصطلح الغنائم. فأبشع الأحداث، من نهب واغتصاب وقتل وسرقة، في تاريخ حرب الثلاثين عامًا لم تحدث على ساحة المعارك، بل على أيدي الجنود المنقذين، مجاهدي البروتستانت في قرى لوثرية، ومجاهدي فيرديناند الكاثوليك في مدنهم وعلى أرض الـ Imperium Romanum Sacrum.

فعلى نهج الحرب المقدّسة، يصبح خيار السلام زندقة. وإن رضي البشر، هل سيرضى الإله هو أيضًا؟

حتى 1648، طغت فلسفة الحرب المقدّسة على الحروب التي رسمت قوانين الجيوسياسة الأوربية (res publica christiana). فبعد زوال الحضارة الرومانية، هيمنة الكنيسة بطرفيها البيزنطي والكاثوليكي، ولمئات السنين، على صياغة قوانين الحرب وتعريفاتها. فأعداء الله ملعونين للأبد، في زمن لم يكن فيه السلام بين طرفين سوى استثناء للحرب أو لشراء بعض الوقت.
ومصطلح ”حكم الريبوبليكا كريستيانا“ كان مهمًا في سياق الحملات الصليبية، واستخدم في الوثائق البابوية في القرن الخامس عشر من قبل البابا پيوس الثاني وغيره، والذي تبنّى موقفًا ”إنسانيًا“، واستند إليه في الدعوة إلى حملة صليبية بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح؛ محقق نبوءة محمّد بفتح القسطنطينية (لحظة يتبلل فيها لباس الأخ المسلم من الفرح). لكن هذه الفرحة لن تدوم عندما يقرأ عن خوزقة دراكولا ـ آه نعم، ڤلاد الثالث المخوزق ـ الذي خوزق جنود محمد الفاتح قرب نهر الدانوب. (يصلح كقصة فلم رعب إسلامي ـ مسيحي).


المهم، أن تحاول فهم عقلية الحرب عند الأطراف المتنازعة آنذاك: السلام هنا هدنة مؤقتة حتى يحين موعد القضاء على أعداء الله أو اللورد يسوع. وهذا بدوره يقتل أي بادرة وأي فرصة لسلام طويل الأمد.
لكن ما ميّز صلح ڤيستفالن (من الصدف المميزة في حياتي أنني قد ترعرعت في مدينة الصلح هذه Münster بعد أن ولدت في بغداد) هو أن الأطراف المتنازعة ـ فرنسا، السويد، بوهيميا، إسبانيا، هولندا والإمبراطورية الرومانية المقدّسة ـ كانت تبحث، رغم تباين القوى والمصالح، عن السلام بأي ثمن. إضافة إلى ذلك، تعامل كل طرف مع الآخر على كونه عدوًّا من باب ونظيرًا يجب احترامه من باب آخر. بحكم الظروف البشعة طبعًا؛ فالحرب الطويلة استنزفت كل فنون البشاعة عند الجنود والمدنيين واستهلكت كل موارد القرى والمدن، حتى لم يعد هنالك جنود برواتب ولا فلاحين بحصيل زراعي أو دجاجة تبيض. وكأن الجثث المعلّقة في أشجار كل قرية لم تكن كافية، أكمل الطاعون والجوع على بقية من هرب من الحبال.

هذا التعامل مع العدو كخصم، لا كمجرم أو إرهابي، سمح بولادة العلمانية في قلب الاحتقان الطائفي بين البروتستانت والكاثوليك. والجدير بالذكر أن حرب الثلاثين عامًا لم تكن دينية الدوافع فقط، وهذا ما يؤكّده تحالف الفرنسيين الكاثوليك مع مملكة السويد البروتستانتية. لكن هذا بحث آخر.
التعامل مع الآخر حصل وفق التوافق الدبلوماسي والتعامل باحترام شديد رغم ظروف الحرب. ولم يحاول أي طرف من زج مصطلحات رنّانة كـ”الإنسانية” أو التظاهر بالتعالي الأخلاقي أمام الآخر. ومن هنا كانت النقلة من مرحلة حكم اللاهوت المسيحي إلى مرحلة الدبلوماسية السياسية والحرب المشروعة، لا الشرعية. إنها اللحظة التي تم فيها عزل الإله عن مهمة تحديد ثقافة الحرب وترك المهمة هذه لأبرز العقول العسكرية والمفكّرة في ذلك الوقت.

قانون الشعوب هذا أعاد تهذيب بعض القوانين الحربية فيما يخصّ سلوك الجنود وعنفهم تجاه المدنيين والأسرى، احترام مفهوم الحياد السياسي، تأمين أرواح السفراء والرسل، تنظيم خطوات الاستسلام أو فك الحصار وأخيرًا الجلوس على طاولة الحوار ومناقشة معاهدات السلام. في نفس الوقت، لم يتدخّل إله طرف ما أو أي قوانين دولية أخلاقية بشكل مباشر. فهدف الحرب هذه لم يكن تغيير نظام دولة جارة أو دمقرطتها بأي ثمن، بل التنازع حول الأحقية بموارد أو أراض ما. ولكي تكون حربًا عادلة، لا يجب إعلان الحرب رسميًا فحسب، بل يجب أيضًا إعلانها من قبل السلطة صاحبة السيادة. فالسلطة هي ما يميز الحرب عن القتل: وقواعد الحرب هي التي تميّز الجندي من المجرم. حيث يعامل الجندي على أنه أسير حرب وليس مجرماً. والأخير يمارس واجبه تحت سلطة دولة ذات سيادة، وعليه ولا يمكن تحميلهم المسؤولية الفردية عن الأفعال المرتكبة بأوامر من قيادتهم العسكرية. ومن هنا بدأ مفهوم الدولة وسيادتها يزداد أهمية وتأثيرًا في التاريخ.
بينما تجد مفهوم ”شرطي العالم“، كما هو الحال في عصرنا، لم يكن مرغوبًا ولم يملك مبررات فلسفية/دينية. وهذا ما سمح بترسيخ مفهوم سيادة الدولة أمام الطرف الآخر وأمام الكنيسة نفسها! حيث لم تعد الكنيسة قادرة على تبرير الحرب شرعيًا أو الاكتفاء بحجّة الجهاد الديني. وهذا لوحده طفرة سياسية عظيمة.

وبذلك حرر مفهوم شرعية الحرب ومبرّراتها (jus ad bellum) الذي تبلور عن أحداث حرب الثلاثين عامًا وصلح ڤيستفالن، أخلاق الحرب من هيمنة إله التوحيد. في أوربا على الأقل..

ولأننا كبشر بارعون في تهديم وتضييع الإنجازات الحضارية أكثر من المحافظة عليها، شاءت الظروف أن تخلق هجينًا يهوديــبروتستانيًا بقالب اشتراكي وبقناع إنسانوي جديد. تحديدًا المادة 231 من معاهدة ڤرساي المشؤومة ـ أحدِ أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية. إنها اللحظة التي انتهك فيها مفهوم الـ jus ad bellum ، حيث أرغمت ألمانيا وحلفائها على تحمّل مسؤولية الحرب الكاملة تحت عنوان “انتهاك الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات”. وليس من الغريب أن يتمخّض عن هذه الأحداث تأسيس عصبة الأمم وولادة الشرطي العالمي الذي لا يعامل الدول كأطراف تتحارب وتدخل معاهدات سلام فيما بينها، بل يعامل من يبادر بالحرب، لأي سبب وبغضّ النظر عن شرعيته، كمجرم بحق السلام والإنسانية. ولن نبالغ لو سمّينا عصبة ”الأمم“ هذه بتحالف بريطانيا وفرنسا لجمع الأتاوى؛ بل لو تتبعت أسباب تجاهل معاهدة ڤرساي للشرق الأوسط ورغبة الدولتين بتقسيم غنائم الدولة العثمانية بينهما، ستفهم قصدي جيدًا. مع أن الولايات المتحدة كانت متربّصة للأحداث رغم البعد الجغرافي، آملة بفتح أسواق جديدة لبضائع السوق الأمريكي.

قد يكون من وراء استثناء مستعمرات الشرق الأوسط من التوزيع ضمن إطار معاهدة ڤرساي غاية ”إنسانية“ و”أخلاقية“ فعلًا، لكن الفرضية المعاكسة تبدو لي أكثر واقعية:
فانتقال حيازة مستعمرة من دولة إلى أخرى كانت ستعتبر كتعويضات مادية من قبل ألمانيا والدولة العثمانية، وعليه لن يتوجّب عليهما دفع مبالغ cash كبيرة ومكاسب مادية مهمة، خصوصًا وأنت خارج من حرب عالمية واقتصادك مفلس. الحل لهذه المعضلة بسيط وعبقري: كل ما تحتاجه هو مصطلح “سلام” و”مدينة” يتم فيها اللقاء لاحتضان ”معاهدة”. ومن هنا خرجوا بمعاهدة باريس للسلام ـ تاداااا.

لكن الأبرز من بين كل ذلك هو فكرة الانتداب والتي احتاجت لبعض البهارات السياسية: أبراكادابرا: وها قد ولد ”حق“ تقرير المصير. تحت الانتداب طبعًا.
ولكي يكون الأمر مشروعًا من ناحية القانون الدولي، شكّلت عصبة الأمم لجنة للإشراف على حسن إدارة الدولة المنتدبة. وعليه لم تعد هذه المناطق (بما في ذلك فلسطين وإسرائيل) قابلة للتبادل كتعويض، بل وصارت رهينة لقانون جديد يحكم مصير هذه المناطق ويحدد ”حريّتها في تقرير المصير“ وفق مزاج الانتداب والقانون العالمي.

انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لاحقًا، قضى على أي فرصة لاستعادة التوازن السياسي والحربي وسمح لشرطي العالم الإنسانوي بإحكام قبضته على كل تعريفات الحرب وأخلاقها. واحتكار المنتصر للسلطة تحت قناع الإنسانية تجلّى وبسريالية تاريخية في محاكمات نورمبرغ اللاحقة، متناسين أرواح الملايين من المدنيين الذين ماتوا بنيران وقنابل قوات التحالف.

لكن على ما يبدو، فإن منطق orange man is bad (أو braun/brown man is bad؟) أسهل في التسويق وأشهر بدون منازع..

وبعيدًا عن حروب القرن الماضي: فإن أبشع حروب القرن الحادي والعشرين قد حصلت برعاية الشرطي الكبير وساهمت في إحياء أخلاق الحرب الجهادية مجددًا، حتى صارت واقعًا مخيفًا عشناه بظهور الخرافة الإسلامية في العراق والشام في 2014. من دون ذكر موجات الهجرة وأعداد النازحين والقتلى في الفوضى التي تركتها دمقرطة الدول من قوى السلام والإنسانية.
عارض الرأي العولمي أو اخرج عن إطار نافذة أوڤرتون الدبلوماسية وستتحوّل من دولة ذات سيادة إلى دولة إرهابية/عدوانية. وهذا يجرّدها من السيادة وحق خوض الحرب أو حق الدفاع عن نفسها.

في النهاية، هذه هي لعبة السياسية المعاصرة: and It is a fuckin’ show. لكن أجدادنا وفي فترة ليست بالبعيدة، أجادوا لعبها بشرف وباحترام متبادل..

يوليوس: أسد واحد أم عصبة ضباع؟ حكاية عن السلطة والتفرد.


ربما لم يعرف التاريخ قائدًا عسكريًا وحاكمًا فذًا مثل يوليوس قيصر. إمبراطور روما الأول، فاتح بلاد الغال، والقائد العسكري والسياسي الذي لم يذكر التاريخ مثله ولم تحمل الأرحام سواه. يكفي يوليوس عظيم الشأن أن سُمي شهر “يوليو” باسمه وهو أيضًا الشهر الذي ولد فيه، ولاحقًا سوف يُسمى شهر “أغسطس” على اسم أغسطس الإمبراطور، ابنه بالتبني والذي كان ابنًا في الأصل لأحد أشقائه. فأي رفعة شأن وعظيم مجدٍ نالهم كل من يوليوس وعائلته!
أفترض أنك سمعت باسم يوليوس قيصر عديد المرات في حياتك، أو قد قرأت اسمه في منهاج دراسي أو كتاب كنت تطالعه أو رواية على غرار رواية شكسبير التي حملت اسم يوليوس قيصر. لكن ما لم يخبرك أحدٌ به [ودعني أخمن أنه لن يفعل أحدٌ ذلك]، هو أن يوليوس كان ديكتاتورًا. على الأرجح سوف يصدمك هذا الخبر لأنك لم تسمع به من قبل ولم تتخيله من الأساس. فأي ديكتاتور هذا الذي يُسمى شهرًا في التقويم العالمي على اسمه؟ وأي ديكتاتور هذا الذي يُعد مثالًا يُحتذى به في شتى المجالات التي منها ما ذكرناه وما لم نذكره أكثر؟ بل أن قيصر لم يجعل نفسه ديكتاتورًا من خلال أفعال أو سياسات معينة على غرار الأنماط الديكتاتورية المعاصرة والتي نعرفها، وذهب بدلًا من ذلك إلى إعلان نفسه ديكتاتور (حاكم مطلق) في بيان قرأه أمام أنظار مجلس الشيوخ الروماني. لكن قيصر اختار مدةً محدودة لديكتاتوريته وكان أمدها عشر سنوات، وعلى أي حال فلم يكمل قيصر تلك السنوات العشر لأنه أُغتيل في مجلس الشيوخ على يد مجموعة من السيناتورات الرومان الذين كانوا يرون فيه تهديدًا للديمقراطية وللجمهورية الرومانية التي سوف تتحول بعد فترة وجيزة من اغتيال قيصر إلى إمبراطورية تُسقى بدماء قيصر ومجده.

تمثال رخامي ليوليوس قيصر. إيطاليا.

ربما الآن سوف تقول أن المصير الذي لاقاه قيصر لم يصدمك، فهو إمبراطور أو حاكم ديكتاتوري تم اغتياله حاله حال أقرانه من الديكتاتورات الذين سمعنا عنهم أو شاهدناهم يُقتلون أو يلقون حتفهم بطرق بشعة جزاء لما ارتكبوه من فظائع. لكن الأمر ليس كذلك، فقيصر ليس أي ديكتاتور، وهذا هو بالتحديد سبب عدم علمك بأنه كذلك. لأنك لو علمت بأن قيصر كذلك، من خلال المناهج الدراسية مثلًا، أو من خلال الكتب المطبوعة تحت رقابة الحكومات الحديثة، فسوف تتلاشى الفكرة النمطية المعاصرة عن “الديكتاتور”، وسوف تهبط أسهم الديمقراطية بالنتيجة وربما تعلن إفلاسها. الديمقراطية نفسها التي اغتالت قيصر! نعم، ودعني أكررها.. الديمقراطية هي التي اغتالت قيصر رغم صلاحه واستقامته كحاكم لجمهورية روما.
بعد المعارك العسكرية التي وقعت بين قيصر وجيشه من جهة، وبين “بومبي” وجيوشه متحالفًا مع مجلس الشيوخ والنبلاء من جهة أخرى (حيث أن بومبي كان قنصل روما الرسمي)، خرج قيصر منتصرًا على بومبي الذي كان جيشه يفوق جيش قيصر بثلاثة أضعاف، وذلك في معركة شهيرة وقعت بينهم في اليونان تُعرف باسم (معركة فرسالوس). عندما عاد قيصر إلى روما وشرع بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية وتشييد الصروح والبنى التحتية، عاد معه السيناتورات أيضًا ليمارسوا أعمالهم وواجباتهم في مجلس الشيوخ، كان قيصر قد عفى عنهم لوقوفهم مع بومبي ضده في الحرب، لكن ذلك لم يكن بالمجان. بإزاء ذلك، سوف يوافق مجلس الشيوخ على إعلان قيصر نفسه (حاكمًا مطلقًا) لروما لمدة عشر سنوات، ذلك ليتمكن من القيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية وتشريع القوانين خلال تلك المدة. فالمدة التي كانت متاحة للقنصل (أعلى منصب في الجمهورية الرومانية) هي سنة واحدة، يتم انتخاب قنصل، يصادق عليه مجلس الشيوخ، ويُستبدل بعد سنة واحدة، وهكذا..
لكن هذا لم يكن يكفي قيصر للقيام بإصلاحاته وخططه لتطوير الجمهورية. وبلغة معاصرة، فقد طلب قيصر أن يتم تمديد فترة حكمه لعشر دورات انتخابية بحسب النظام الروماني آنذاك. وافق المجلس على طلب قيصر [لينقذوا رقابهم بلا شك]، لكن السؤال هنا: أما كان يمكن لقيصر أن يقتلع رؤوسهم أو ينفيهم ويفعل ما يحلو له؟ بالطبع يمكنه ذلك. لكنه لم يكن ديكتاتورًا عبثيًا، ولم يكن طاغية مثل نيرون أو كاليغولا. كل ما في الأمر أنه طلب حكمًا مطلقًا لمدة عشر سنوات وبخلاف النظام السائد ذي السنة الواحدة آنذاك، ليتسنى له القيام بما كان يراه مناسبًا لتقوية نفوذ الجمهورية وتطويرها داخليًا. لم يُنقل عن قيصر إنه كان سفاحًا أو طاغية، وذلك ما يعزز نبالة مقصده في طلب الحكم المطلق. لكن خيوط المؤامرة بدأت تُحاك على قيصر منذ إعلانه حكمه المطلق، ومن داخل مجلس الشيوخ تم إعداد الطبخة، وتم اغتيال قيصر في قاعة المجلس نفسه. فهل كان أعضاء المجلس الذين تكالبوا على قيصر يحملون هم الجمهورية ويقصدون إصلاحها؟ أم أن مصالحهم كانت على المحك؟ الجواب هو الأخير بالطبع، فبعد أن كان أعضاء المجلس يعينون من يريدون قنصلا، ويتحكمون به وبالإعانات العسكرية، ويصادقون على شراء شحنات الحبوب وما إلى ذلك من الشؤون الإدارية، فقد رفع قيصر أيديهم عن كل ذلك. فلا غنائم حرب يحصلون عليها ولا نصيب من الصفقات ولا نفوذ يفوق القنصل. وهكذا فليس من المدهش أن يستشري الفساد اليوم في الديمقراطيات التي تحكم شتى بلدان العالم، طالما أن النفوذ بيد مجموعة نخبوية تراعي مصالحها ولا تأبه بالبلد.
في نهاية المطاف، تم اغتيال يوليوس قيصر في قاعة مجلس الشيوخ، نفسهم الشيوخ الذين عفى عنهم قيصر، تآمروا عليه واغتالوه بدافع نصرة الديمقراطية وإسقاط الديكتاتور. فها هو بروتوس (أحد أعضاء المجلس المتآمرين وأقربهم إلى قيصر)، يقول: “لقد قتلت قيصر ليس لقلَة حبي له، بل لأني أحب روما أكثر”. (روما) كانت تعني لبروتوس المصالح، النفوذ، الأموال، الجاه والترف والبذخ. وقيصر كان نقيض كل ذلك وسبب تضائله، فلا عجب إذن أن يقول بروتوس ذلك، لكن السر يكمن في معرفة مرجعية بروتوس التي ينطلق منها لحب روما الذي يجعله يقتل قيصر الذي يحبه أيضًا. وهكذا فعل المجلس فعلته، وأعقب ذلك أعمال شغب واستياء شعبي غضبًا من اغتيال قيصر، ثم تفاقمت الفوضى ليتمخض عنها حربًا أهلية دارت رحاها لما يقرب من عامين. إذن فقد كان بروتوس محقًا في مقولته، لكن من وجهة نظره هو ومن معه بالتأكيد، فالنظام الديمقراطي الذي كان قائمًا قبل قيصر كان يمدهم بالثروة والنفوذ غير المنقطعين، وبمجيئ قيصر انقطع عنهم ذلك وتم تقويض سلطاتهم.
يقول نيكولاس غوميز دافيلا: “كلما ازدادت جدية مشاكلها، ازداد عدد الرجال غير الأكفاء الذين تناديهم الديمقراطية لإصلاحها”. وهذه الشذرة هي تجسيد صارخ لما ارتكبه أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. فبدل أن يفسحوا المجال ليوليوس قيصر ويتركوه ليهتم بشؤون الجمهورية، فقد ارتكبت أيديهم جريمة سوف تحول الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية سبقتها حربًا أهلية طاحنة بسبب اغتيال قيصر. كان الإمبراطور الأول بعد قيصر هو أغسطس، وهو أبن شقيق قيصر وابنه بالتبني، وقد استتب له الحكم بعد أن اقتص ممن اغتالوا قيصر. والعبرة من هذه القصة هي أنه إذا كان هناك ديكتاتور واحد، فيوجد في المقابل شياطين ديمقراطيين. وليس بالضرورة أن يكون الديكتاتور طاغية، فهذه الصورة النمطية العصرية التي تصور كل ديكتاتور بأنه فاحش وسفاح وطاغية هي من تصوير الديمقراطية والمستفيدين من قيامها. ينبغي التذكير بأنني لا أقول أن كل ديكتاتور هو قيصر، ولا العكس أيضًا، ولكن ألا تلاحظ بأن الديكتاتور يصبح شريرًا فقط حين تتضارب مصالحه مع مصالح الديمقراطيين؟ ألم تلاحظ مثلًا أن كيم جونغ إيل، رئيس كوريا الشمالية، كان يشكل تهديدًا على الأمن القومي للولايات المتحدة أكثر من صدام حسين في عام 2003؟ ألم تقارن يومًا بين عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وحسني مبارك لتعرف أيهما كان طاغية وسفاحا؟
في عهد يوليوس، كان النظام السائد هو أن يحكم القنصل لمدة عام واحد، أما الآن فالنظام السائد هو أن يحكم الرئيس أربعة أعوام. في عهد يوليوس، كانت مطالبته بالاستمرار لعشر أعوام في الحكم تضعه في خانة الديكتاتورية، أما اليوم فيحق لأي رئيس أن يتم العشرة أعوام بقضائه دورتين انتخابيتين على سدة الحكم. وهكذا نعرف أن المعايير التي تصنف الديكتاتور مختلفة باختلاف الدهور، وأن الطاغية شيء والديكتاتور شيء آخر. ولكن كما قلنا فإن هذا لم ولن يمر عليك لأنه يتعارض مع المصالح الديمقراطية. ألا تلاحظ تكرار وصف “الطاغية”؟ أعتقد بأن المفاهيم وضحت لديك الآن، وأنك بتَّ تعلم بأن الطاغية هو نقيض الديمقراطية الأكبر، وليس الديكتاتور، وأن الديكتاتور هو مجرد حاكم لن يقوم بتسليم السلطة إلى حين وفاته، ولكن ما الضير أن يبقى الديكتاتور حاكما إذا كان صالحًا ببساطة؟ ديكتاتورًا صالحًا؟ ما هذا الهراء؟ [ربما يمكنني تخيل سماعك وأن تقولها]. لكن سواء أعجبك هذا أم لم يعجبك، فهناك ديكتاتورات صالحين. تبحث عن أمثلة؟ يبدو أنك نسيت يوليوس قيصر! يارجل.. دعنا نتكلم في الحاضر، حكام الخليج أمامك كلهم يعدون ديكتاتورات حسب المفاهيم المعاصرة، هل ثارت عليهم شعوبهم؟ أم هل سمعت أحدًا ينادي بإسقاطهم، أو هل لا تتمنى أنت بأن تصبح أو لو كنت ولدت خليجيًا لتنعم تحت حكمهم؟

في النهاية أود أن أنصح بقراءة كتاب “الديمقراطية، الإله الذي فشل” للمؤلف هانز هيرمان هوبه. والكتاب مترجم ومتوفر بصيغتيه الورقية والإلكترونية، وقد بذل المؤلف جهدًا حثيثًا عليه ليثبت أن الديمقراطية هي أسوأ نظام يمكن أن يحكمك، لأن شياطينها كثيرين، وطواغيتها الذين يختبئون خلف الستائر هم أخطر أنواع الطواغيت. وإذا كان الديكتاتور أو السفاح الفاسد يمكن استبداله بقطرة سم أو طعنة خنجر أو رصاصة صغيرة، فإن في الديمقراطية حلقات من هؤلاء لا يمكن إسقاطها ولا الإحاطة بها لتقويضها أو القضاء عليها.\

لا تنسَ: الدكتاتور واحد، وفي الديمقراطية شياطين.

الأكاذيب حول الحرب العالمية الثانية

پول كريگ روبرتس⎮ترجمة: سيف البصري

لا يمكن كتابة التاريخ في أعقاب الحرب. فالجانب الخاسر لا يملك من ينطق عن لسانه، والمؤرّخون من الجانب المنتصر مقيدون بسنوات من الدعاية الحربية التي شيطنت العدو وحجبت جرائم المنتصر. وكالعادة، يريد الناس أن يستمتعوا ويشعروا بالرضا تجاه انتصارهم على “الشر”، لا أن يسمعوا عن حقيقة أن جانبهم كان مسؤولًا عن الحرب أو أنه كان من الممكن تجنّبها لولا أجنّدة زعمائهم الخفية التي حالت دون ذلك. أضف إلى ذلك، أن المؤرخين مقيّدون أيضًا بعدم توفّر المعلومات والمصادر دائمًا. فلإخفاء الأخطاء والفساد والجرائم، تقوم الحكومات بحجب المستندات لعدة عقود. مذكّرات عديدة لمن عاصر وشهد على الأحداث عن كثب تضيع أو تحجب خوفًا من الانتقام. يمكنك أن تتخيّل أن البحث عن الشهود وتحديد مكانهم يعدّ أمرًا مكلفًا ويستغرق وقتًا طويلاً، خاصة أولئك المحسوبين على الجانب الخاسر. دون ذكر العناء والجهد لإقناعهم بالإجابة على الأسئلة الحساسة.

أي قراءة تاريخية تتحدّى “القراءة السعيدة” تتطلب قدراً كبيراً من التأكيد والبراهين من الوثائق الرسمية والمقابلات والرسائل والمذكرّات، وحتى هذا لن يكون كافيًا. بالنسبة لتاريخ الحرب العالمية الثانية في أوروبا، يمكن لهذه الوثائق أن تنشر من نيوزيلندا وأستراليا عبر كندا والولايات المتحدة عبر بريطانيا العظمى وأوروبا وإلى روسيا. هنا يواجه المؤرّخ الساعي في مسار الحقيقة سنوات طويلة من التحقيق المضني وتطوير الفطنة للحكم واستيعاب الأدلّة التي اكتشفها وإعادة رسمها في صورة صادقة وأقرب ما يمكن من الوصف لما حدث فعلًا. الحقيقة دائمًا ما تكون مختلفة كثيرًا عن الدعاية التي يروّج لها المنتصر.

كما ذكرت مؤخراً، كان هاري إلمر بارنز هو أول مؤرّخ أمريكي يقدّم تاريخًا للحرب العالمية الأولى استند إلى مصادر أوّلية، فرواياته الصادقة تختلف بشكل كبير عن الدعاية الحربية للحلفاء لدرجة أنه كان يسمّي كل شخص نقل أو كتب عنه في الكتاب.

ديڤد إيرڤينگ، بلا شك أفضل مؤرّخ للجانب الأوروبي من الحرب العالمية الثانية، تعلّم وبثمن باهض أن تحدّي الخرافات لا يمر دون عواقب. ومع ذلك، ثابر إيرڤينگ في المضي قدمًا ومواجهة رأي المنتصر. إذا كنت ترغب في الهروب من الأكاذيب المتعلّقة بالحرب العالمية الثانية والتي لا تزال توجّه مسارنا الكارثي المعاصر، فأنت تحتاج فقط إلى دراسة كتابين من تأليف ديفيد إيرڤينگ “حرب هتلر” والمجلّد الأول من سيرة تشرشل الذاتية “حرب تشرشل ـ الصراع من أجل السلطة“.

إيرڤينگ هو المؤرّخ الذي قضى عقودًا من الزمن في تتبع مذكّرات الناجين والمطالبة بإصدار الوثائق الرسمية. هو المؤرّخ الذي عثر على مذكرّات روميل وگوبلز ، والمؤرّخ الذي دخل في الأرشيف السوفيتي، وهلم جرا. إيرڤينگ شخص على دراية بالحقائق الفعلية حول الحرب العالمية الثانية أكثر من بقية المؤرّخين مجتمعين. كتب المؤرّخ العسكري البريطاني الشهير السير جون كيجان في ملحق التايمز الأدبي: “كتابان يبرزان في أدب الحرب العالمية الثانية: كتاب تشيستر ويلموت “الصراع من أجل أوروبا” والذي نشر في عام 1952، وكتاب “حرب هتلر” لـ ديڤد إيرڤينگ.

وعلى الرغم من العديد من الجوائز التي نالها، فإن إيرڤينگ يعد اليوم مؤرّخ شرير ومنبوذ، ويضطر لنشر كتبه الخاصة بنفسه، بسبب رفض وخوف المطابع.

قد أتجنب ذكر لماذا ومن وراء كل ذلك، لكن نعم، تخمينك للأمر صائب: الصهاينة. بكل بساطة يستحيل قول أي شيء يغيّر صورتها الدعائية للتاريخ، الصورة المهيمنة في عقول البشر المعاصر.

في ما يلي، سأقدّم ما هو انطباعي بعد قراءة هذين العملين. إيرڤينگ نفسه نادرًا ما يستطرد في الآراء. هو يقدّم الحقائق من الوثائق الرسمية فقط، والاعتراضات المسجلّة، واليوميات، والرسائل والمقابلات.

الحرب العالمية الثانية كانت حرب تشرشل وليست حرب هتلر.  إيرڤينگ يقدّم حقائق موثّقة لا يمكن للقارئ تجنّب هذا الاستنتاج منها. فتشرشل قد حصل على حربه التي اشتاق إليها بسبب معاهدة فرساي التي جرّدت ألمانيا من الأراضي الألمانية وفرضت الإذلال بشكل غير عادل وغير مسؤول.

هتلر وألمانيا الاشتراكية القومية (يرمز مصطلح النازي [ناتسي Nazi] إلى حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني Nationalsozialismus) هما أكثر الكيانات التي شيطنها التاريخ المعاصر. أي شخص يجد أي خير في هتلر أو ألمانيا يصبح بطبيعة الحال شيطانًا على الفور، ومن بعدها منبوذًا بغضّ النظر عن الحقائق التي قد يقدّمها. إيرڤينگ أدرك هذا جيدًا. ففي كل مرة يبدأ تقريره الواقعي عن هتلر في عرض شخص مختلف كثيرًا عن الصورة الشيطانية في عقل المتلقّي، يبادر إيرڤينگ بالتعقيب بلغة سلبية عن هتلر.

وبالمثل في ما يخص وينستون تشرشل، ففي كل مرة يعرض فيها تقريره شخصًا مختلفًا تمامًا عن الأيقونة التي يقدّسها الكثير، يبادر إيرڤينگ بلغة تقديرية في وصفه.

وهذا ما يتعين على المؤرّخ فعله للبقاء على قيد الحياة عند قول الحقيقة.

لكي أكون واضحًا، أنا فقط أعرض لك كقارئ ما يبدو لي أنه الاستنتاج الأمثل من الحقائق الموثّقة المقدّمة في هذين الكتابين. أنا أنقل ما توصّلت إليه أبحاث إيرڤينگ من نتائج. نصيحتي لك هي أن تقرأ الكتابين بنفسك وتصل إلى استنتاجك الخاص.

بدأت الحرب العالمية الثانية بإعلان الحرب البريطاني والفرنسي على ألمانيا، وليس بحرب خاطفة [حرب البرق Blitzkrieg] من جانب ألمانيا كما يروّج له. فقد كانت الهزيمة المطلقة للجيشين البريطاني والفرنسي نتيجةً لانهيار بريطانيا التي أعلنت حربًا لم تكن هي مستعدة لها، والفرنسيون من جانبهم حصروا أنفسهم كالمغفّلين بمعاهدة مع البريطانيين الذين هجروا حليفهم الفرنسي بسرعة تاركين فرنسا في رحمة ألمانيا.

كانت رحمة ألمانيا كبيرة فعلًا. فقد ترك هتلر جزءًا كبيرًا من فرنسا والمستعمرات الفرنسية آمنة من الحرب في ظل حكومة شبه مستقلة تحت حكم فيليب بيتان. حُكِم على الأخير بالإعدام من قبل شارل ديغول بعد الحرب لتعاونه مع ألمانيا، وهي تهمة غير عادلة بحق من حاول الحفاظ على نوع من الاستقلالية رغم الموقف المنهزم.

في بريطانيا، كان تشرشل خارج السلطة الفعلية في البلاد. ولذلك اعتقد أن الحرب ستعيده حتمًا إلى السلطة، خصوصًا وأنه لم يتمكن وقتها أي بريطاني من مضاهاة خطابه وبلاغته السياسية أو العزم الذي كان يشعّه في خطبه. ببساطة طمع تشرشل بالسلطة، وأراد أن يعيد تكرار المآثر العسكرية المذهلة لسلفه المتميز، الدوق مارلبورو، الذي كتب سيرة حياته تشرشل نفسه. ولعل أبرز انتصارات الدوق هي هزيمته لملك فرنسا لويس الرابع عشر، بعد سنوات من الكفاح العسكري.

على عكس الأرستقراطي البريطاني، كان هتلر رجلًا من الشعب، وقدّم نفسه كشخص جاء من أجل الشعب الألماني. كانت معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى قد قطّعت ألمانيا وأنهكتها اقتصاديًا وأهانتها دوليًا. فقد تمت مصادرة أجزاء من أراضي ألمانيا وضمّها إلى فرنسا وبلجيكا والدنمارك وبولندا وتشيكوسلوفاكيا. حينها خسرت ألمانيا ما يقارب الـ 7 ملايين ألماني إلى بولندا وتشيكوسلوفاكيا، حيث تعرض الألمان هنالك للإيذاء والتمييز، وهذه لم تكن نتيجة عادلة إطلاقًا.

كان برنامج هتلر هو إعادة أراضي ألمانيا مرة أخرى ولملمة ما تفكك جراء المعاهدة. ولقد نجح في تحقيق ذلك دون حرب حتى وصل إلى بولندا. حيث كانت مطالب هتلر نزيهة وواقعية، لكن تشرشل، الذي تموّله مجموعة فوكاس بالمال اليهودي والتي أسسها عالم الاجتماع اليهودي روبرت ك. ميرتون، مارس ضغوطًا على رئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين حتى تدخّل في المفاوضات البولندية الألمانية وأصدر ضمانًا بريطانيًا للديكتاتورية العسكرية البولندية إذا رفضت بولندا التخلّي عن الأراضي الألمانية والسكان فيها.

واقعيًا لم يكن لدى البريطانيين أي وسيلة للوفاء بهذا الضمان، لكن الديكتاتورية العسكرية البولندية كانت تفتقر في نفس الوقت إلى الذكاء الكافي لإدراك ذلك. وبالتالي، رفضت الديكتاتورية البولندية طلب ألمانيا.

من هذا الخطأ الذي ارتكبه تشامبرلين والدكتاتورية البولندية الغبية، جاء اتفاق ريبنتروب / مولوتوف بأن ألمانيا والاتحاد السوفيتي سوف يقسّمان بولندا بينهما ويلتزمان الحياد في حالة تعرّض أحد الطرفين لهجوم من طرف ثالث. وعندما هاجم هتلر بولندا، أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا بسبب الضمان البريطاني غير القابل للتنفيذ. لكن البريطانيين والفرنسيين كانوا حريصين على عدم إعلان الحرب على الاتحاد السوفيتي وإن احتلّ النصف الشرقي من بولندا.

وهكذا كانت بريطانيا مسؤولة عن الحرب العالمية الثانية، أوّلًا بالتدخّل بغباء في المفاوضات الألمانية البولندية، والثانية بإعلان الحرب على ألمانيا.

كان تشرشل من جانبه يركّز على الحرب مع ألمانيا؛ الحرب التي كان ينويها لسنوات سابقة. لكن هتلر لم يكن يريد أي حرب مع بريطانيا أو مع فرنسا، ولم يقصد قط غزو بريطانيا. فكرة التهديد بالغزو من قبل النازيين كانت بمثابة خطّة واعدة استحضرها تشرشل لتوحيد إنجلترا خلفه. مع أن هتلر سبق وأن أعرب عن رأيه بأن الإمبراطورية البريطانية ضرورية للحفاظ على النظام في العالم، وأن الأوروبيين في غيابها سيفقدون تفوّقهم على العالم. وحتى بعد هزيمة ألمانيا للجيوش الفرنسية والبريطانية، عرض هتلر معاهدة سلام غير عادية الامتيازات إلى بريطانيا. وقال إنه لا يريد شيئًا من بريطانيا سوى عودة المستعمرات الألمانية. بل ألزم الجيش الألماني بالدفاع عن الإمبراطورية البريطانية، وقال إنه سيعيد تشكيل كل من الدولتين البولندية والتشيكية ويتركهما تحدددان مصيرهما، وأخبر مساعديه أن هزيمة الإمبراطورية البريطانية لن تجني شيئًا لألمانيا ولكن كل شيء للبلاشفة في روسيا واليابان.

ونستون تشرشل من جانبه أبقى عروض هتلر للسلام سراً قدر المستطاع ونجح في جهوده الرامية إلى عرقلة أي بوادر سلام. تشرشل أراد الحرب، وعلى ما يبدو وإلى حد كبير، لمجده الخاص.

فرانكلين روزفلت شجّع تشرشل في حربه ولكن دون تقديم أي التزام عسكري نيابة عن بريطانيا. فقد أدرك روزفلت أن الحرب ستحقق هدفه الخاص بإفلاس بريطانيا وتدمير الإمبراطورية البريطانية، وأن الدولار الأمريكي سيرث الموقف القوي أمام الجنيه البريطاني لكونه عملة الاحتياط في العالم. وبمجرّد أن حشر تشرشل بريطانيا في حرب لم تستطع كسبها بمفردها، بدأ روزفلت بتوزيع قطع من المساعدات في مقابل أسعار مرتفعة للغاية – على سبيل المثال توزيع 60 مدمرة أمريكية قديمة وغير مجدية إلى حد كبير لقواعد بحرية بريطانية في المحيط الأطلسي. شرّعت بريطانيا حينها قانون الإعارة والتأجير Lend – Lease Act وتفاقمت الأسعار حتى قامت بريطانيا اليائسة بتسليم 22.000 مليون دولار من الذهب البريطاني بالإضافة إلى 42 مليون دولار من الذهب الذي حصلت عليه بريطانيا في جنوب إفريقيا إلى الولايات المتحدة. ثم بدأت عمليات البيع القسري للاستثمارات البريطانية الخارجية.

على سبيل المثال، شركة Viscose Company المملوكة لبريطانيا، والتي بلغت قيمتها 125 مليون دولارًا في عام 1940، لم تكن عليها ديون ولديها 40 مليون دولار من السندات الحكومية، وقد تم بيعها إلى House of Morgan مقابل 37 مليون دولارًا.

لقد كان فعلًا لا يختلف عن السرقة، حيث اضطر البريطانيون إلى بيعها بحوالي ثلثي قيمة الشركة وتسليمها إلى واشنطن مقابل ذخائر الحرب. كانت المساعدات الأمريكية أيضًا مشروطة بتفكيك بريطانيا لنظام التفضيل الإمبراطوري المرتكز في اتفاقية أوتاوا لعام 1932. بالنسبة إلى كورديل هال، وزير الخارجية الأمريكي بين 1933 ـ 1944، كانت المساعدات الأمريكية “سكّينا لفتح ذلك المحّار، الإمبراطورية”.

أدرك تشرشل هذا الثمن إلا أنه كان غارقًا في الحرب بشكل جعله يضطر قبول التماس مع روزفلت والخضوع لمطالبه: وكتب حينها لروزفلت أنه “من الخطأ إذا تم تجريد بريطانيا العظمى من جميع الممتلكات القابلة للبيع، بحيث، بعد الانتصار بالدم وإنقاذ الحضارة، نقف مكتوفي الأيدي ومجرّدين من كل شيء”.

يمكن كتابة مقال طويل حول كيف أن روزفلت قد جرّد بريطانيا من أصولها وقوتها العالمية. يكتب إيرڤينگ أنه في عصر رجال عصابات الدولة، لم يكن تشرشل في مكانة تنافس روزفلت أصلًا. حتى أن بقاء الإمبراطورية البريطانية لم يكن من أولويات روزفلت. فقد اعتبر تشرشل بمثابة مهمّة سهلة – لا يمكن الاعتماد عليها في معظم الأوقات. يكمل إيرڤينگ أن سياسة روزفلت كانت داعمة لتشرشل بشكل أشبه بـ “نوع الدعم الذي يقدّمه الحبل لرجل على وشك شنق نفسه”. تابع روزفلت تخريبه للإمبراطورية طوال الحرب. وفي النهاية أدرك تشرشل أن واشنطن كانت في حالة حرب مع بريطانيا أكثر شراسة من تلك مع هتلر. المفارقة العظيمة هي أن هتلر قد عرض على تشرشل السلام وبقاء الإمبراطورية في أكثر من مرة. وعندما فات الأوان، توصّل تشرشل إلى نفس استنتاج هتلر بأن الصراع مع ألمانيا كان حربًا “غير ضرورية”. 

هتلر نهى في الواقع عن قصف المناطق المدنية بالمدن البريطانية. لقد كان تشرشل هو من بدأ جريمة الحرب هذه، والتي احتذى بها الأمريكيون لاحقًا. بل تفادى وأخفى تشرشل حقيقة القصف البريطاني للمدنيين الألمان وأبقاه سرًّا عن الشعب البريطاني وعمل على منع الصليب الأحمر من مراقبة الغارات الجوية حتى لا يعلم أحد أنه يقصف المناطق السكنية المدنية. كان الغرض من تفجير تشرشل – أول قنابل حارقة لإشعال كل شيء ثم المتفجّرات الشديدة ومنع رجال الإطفاء من السيطرة على الحرائق – هو استفزاز هجوم ألماني على لندن، والذي اعتقد تشرشل آنذاك أنه سيربط الشعب البريطاني به ويجذب التعاطف في الولايات المتحدة مع لبريطانيا بشكل كافي لجر أمريكا إلى الحرب. قتلت غارة بريطانية من سلاح الجو 50 ألف من المدنيين في مدينة هامبورغ وحدها، وحصد هجوم لاحق 40 ألف قتيل مدني آخر. كما أمر تشرشل باستخدام الغاز السام وقصف المناطق السكنية المدنية الألمانية بالقنابل النارية وحتى تحويل روما إلى رماد. لكن سلاح الجو البريطاني رفض كلا الأمرين. في نهاية الحرب، دمّر البريطانيون والأمريكيون مدينة دريسدن الجميلة الباروكية، وقاموا بحرق وخنق 100.000 من سكّانها في الهجوم على المدينة. وبعد أشهر من الهجمات بالقنابل الحارقة على ألمانيا، بما في ذلك برلين، استسلم هتلر لجنرالاته وأجاب بالمثل. وبالتالي نجح تشرشل من كسب غايته وأصبح الجلّاد هو الضحية.
 

كما هو حال هتلر في ألمانيا، تولّى تشرشل زمام أمور الحرب بشكل مباشر وعمل كدكتاتور تجاهل القوّات المسلحة رغم كونه رئيس وزراء تنصحه القادة العسكر في البلاد وليس العكس. ربما كان كلا الزعيمين محقّين في تقييمهما للقادة العسكريين، لكن هتلر كان استراتيجي حرب أفضل بكثير من تشرشل الذي لم ينجح في أي شيء على الإطلاق [تذكّر أن من أوقف ألمانيا هو التحالف ضدها]. في مغامرة تشرشل WW I Gallipoli أبان الحرب العالمية الأولى [٦٠ ألف قتيل و٢٠٠,٠٠٠ جريح بسبب قرارات تشرتشل العسكرية الخاطئة]، زجّ بإلقوّات البريطانية إلى كارثة تضاف إلى قرارات خاطئة أخرى تكررت في النرويج واليونان وكريتا وسوريا و داكار. حتى حلفاؤه الفرنسيين لم يسلموا منه، حيث دفعه الخوف المفرط، والذي لا توجد إلى اليوم أدلّة عسكرية تبرره، إلى تدمير أسطول فرنسي في معركة المرسى الكبير والتضحية بحياة 1600 بحّار فرنسي بين قتيل وجريح خوفًا من أن هتلر قد ينتهك معاهدته مع الفرنسيين ويستولي على الأسطول. كل خطأ فادح من هذه كان يمكن أن يؤدّي إلى تصويت بحجب الثقة عنه، ولكن مع تشامبرلين وهاليفاكس لم تكن هناك قيادة بديلة. في الواقع، الافتقار إلى القيادة هو السبب في عدم قدرة الحكومة أو الجيش على مواجهة قائد ذو تصميم حديدي كتشرشل آنذاك.

هتلر هو الآخر كان شخصًا ذو تصميم صلد، وهذا ما قاده وألمانيا إلى الهزيمة. هو لم يكن يريد الحرب مع إنجلترا وفرنسا، بل تشرشل هو من أراد هذه الحرب. ومثل تشرشل الذي كان وراءه الشعب البريطاني، كان وراء هتلر الشعب الألماني أيضًا في هذه الحرب، لأنه أعاد بناء ألمانيا واسترد مكانتها بعد الاغتصاب والخراب بسبب معاهدة فرساي.

لكن هتلر ليس أرستقراطيًا مثل تشرشل، بل ذو أصول بسيطة وعادية، لم يكن له ولاء العديد من الضبّاط العسكريين البروسيين، الذين ميّزتهم من الـ “فون von” [بن، بن آل..] التي تسبق أسمائهم. لقد كان محاطًا بالخونة في محاور الدفاع، مخابراته العسكرية، بما في ذلك مديرها الأدميرال ڤيلهلم كاناريس. على الجبهة الروسية في العام الأخير من الحرب، تعرّض هتلر للخيانة من قبل بعض الجنرالات الذين فتحوا سبلاً للروس للتوغّل نحو برلين.

كانت أسوأ أخطاء هتلر هي تحالفه مع إيطاليا وقراره بغزو روسيا. لقد كان مخطئًا أيضًا في السماح للبريطانيين بالذهاب إلى دونكيرك. حيث سمح لهم بالرحيل لأنه لم يرغب بالتفريط بفرصة إنهاء الحرب عن طريق إذلال البريطانيين بفقدان جيشهم بأكمله. لكن مع تشرشل لم تكن هناك فرصة للسلام. فمن خلال عدم تدمير الجيش البريطاني، عزز هتلر موقف تشرشل الشعبي والذي حوّل عمليات الإخلاء من فرنسا إلى سواحل إنجلترا إلى بطولات بريطانية قوّت من استعدادهم للقتال.

من غير الواضح لماذا غزا هتلر روسيا. أحد الأسباب المحتملة هو المعلومات الرديئة أو الخادعة المتعمّدة من جنرالات الدفاع الخائنة حول القدرة العسكرية الروسية. قال هتلر في وقت لاحق لمعاونيه إنه لم يكن ليغزو روسيا أبدًا لو كان قد علم بالحجم الهائل للجيش الروسي والقدرة الاستثنائية للسوفييت على إنتاج الدبابات والطائرات. استنتج بعض المؤرّخين أن السبب وراء غزو هتلر لروسيا هو أنه أدرك أن البريطانيين لن يوافقوا على إنهاء الحرب لأنهم توقّعوا أن تدخل روسيا الحرب إلى جانب بريطانيا. وعليه، قرر هتلر قهر هذا الاحتمال عن طريق قهر روسيا.

كتب مؤرّخ روسي أن هتلر هاجم من جبهة الشرق لأن ستالين نفسه كان يستعد لمهاجمة ألمانيا. كانت لدى ستالين قوى كبيرة، ومن المنطقي أن ينتظر ستالين حتى يلتهم الغرب نفسه في سفك الدماء المتبادل، ويتدخّل بعد ذلك ويسيطر على الموقف بقوّة. أو ربما كان ستالين في موقع يمكّنه من احتلال جزء من أوروبا الشرقية كي يوسّع المساحة الجغرافية العازلة بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا.

مهما كان سبب الغزو، فإن ما هزم هتلر هو في الواقع أوّل شتاء روسي طويل منذ 30 عامًا. لقد أجهض كل شيء قبل أن يكتمل التطويق الألماني الذي خطط له. وبالتالي أعطى فصل الشتاء القاسي والذي جمّد زحف وحراك الألمان المزيد من الوقت لستالين للتعافي.

بسبب تحالف هتلر مع موسوليني، والذي كان يفتقر إلى قوة قتالية فعّالة ، تم استنزاف الموارد اللازمة على الجبهة الروسية من أجل إنقاذ إيطاليا. وبسبب سوء قيادة موسوليني، اضطر هتلر إلى سحب الكثير من القوّات والدبابات والطائرات من جبهة روسيا لإنقاذ إيطاليا في اليونان وشمال إفريقيا واحتلال جزيرة كريت. لقد ارتكب هتلر هذا الخطأ بسبب ولائه لموسوليني. في وقت لاحق من الحرب، عندما كانت الهجمات الروسية المضادة تدفع الألمان خارج روسيا، كان على هتلر تحويل الموارد العسكرية الثمينة لإنقاذ موسوليني من الاعتقال واحتلال إيطاليا لمنع استسلامها. ألمانيا افتقرت ببساطة إلى القوى البشرية والموارد العسكرية للقتال على جبهة تبلغ مساحتها ألف ميل [1600 كم] مع روسيا، وكذلك في اليونان وشمال إفريقيا، وهي مازالت تحتل جزءًا من فرنسا، وتقاتل في جبهة الغزو الأمريكي/البريطاني للنورماندي وإيطاليا.

كان الجيش الألماني قوة عسكرية قتالية مدهشة آنذاك، لكنه كان غارقًا في العديد من الجبهات، ومعدّاته قليلة جدًا. لم يدرك الألمان أبدًا، على الرغم من الأدلةّ الكثيرة، أن البريطانيين تمكّنوا من فك تشفير اتصالاتهم. وبالتالي، تم منع الجهود المبذولة لتزويد رومل في شمال أفريقيا بالدعم من قبل البحرية البريطانية.

إيرڤنگ لا يتناول في كتابيه المحرقة بشكل مباشر. هو يوثّق مذبحة العديد من اليهود، لكن الصورة التي تنبثق من الأدلة الواقعية هي أن محرقة اليهود كانت مختلفة تمامًا عن القصة الصهيونية الرسمية.

لم يتم العثور على أي خطط ألمانية أو أوامر من هتلر أو من هيملر أو أي شخص آخر بالمباشرة بعمليات حرق منظّمة عن طريق الغاز وحرق اليهود جميعًا. مثل هكذا قرار غير عادي يتطلّب الاستخدام المكثّف للموارد والنقل ويتطلّب تنظيمًا ضخمًا وميزانيات وموارد كبيرة. ما تظهره الوثائق هو خطة هتلر لنقل اليهود الأوروبيين إلى مدغشقر بعد نهاية الحرب. لكن مع النجاح المبكّر للغزو الروسي، تم تغيير هذه الخطة إلى إرسال اليهود الأوروبيين إلى جانب اليهود البلاشفة في الجزء الشرقي من روسيا والذي كان هتلر سيغادره بكل الأحوال. قال هتلر مرارًا وتكرارًا أن “المشكلة اليهودية” سيتم تسويتها بعد الحرب.

يبدو أن معظم مذابح اليهود ارتكبها المسؤولون السياسيون الألمان في الأراضي المحتلة في الشرق، وهم اليهود الذين تم إرسالهم من ألمانيا وفرنسا إلى مكان آخر. لكن بدلاً من التعامل معهم بجهد، اصطفّهم بعض المسؤولين العسكريين من وحدات الـ SS وأطلقوا عليهم النار في خنادق مفتوحة. وقع اليهود الآخرون ضحية غضب القرويين الروس الذين عانوا لفترة طويلة في عهد المسؤولين البلشفيين اليهود.

“معسكرات الموت” كانت في الواقع معسكرات عمل. معسكر أوسشڤيتس، على سبيل المثال ـ اليوم متحف الهولوكوست ـ كان مصنعًا مهمًا للمطاط الصناعي في ألمانيا. وألمانيا كانت يائسة بسبب قلة وجود أيدي عاملة. فأغلب القوى العاملة انخرطت بأعداد كبيرة في الجيش لسد الثغرات الموجودة في الخطوط الألمانية على الجبهة الروسية. كانت مواقع الإنتاج الحربي، مثل أوسشڤيتس، بمثابة قوة عاملة  اجبرت على العمل. احتاجت ألمانيا بشدّة إلى أي يد عاملة يمكن الحصول عليها.

كما كان في كل معسكر محارق. لم يكن الغرض منها إبادة السكان بل التخلّص من الوفيات الناجمة عن آفة التيفوس والوفيات الطبيعية وغيرها من الأمراض. كان اللاجئون والمعتقلون هنالك من كل مكان، وأحضروا معهم بطبيعة الحال الأمراض والجراثيم. إن الصور المروعة لأتلال الجثث الشبيهة بالهيكل العظمي التي قيل أنها دليل على الإبادة المنظّمة لليهود هي في الواقع نزلاء المعسكر والمعتقلين الذين ماتوا من التيفوس والمجاعة في الأيام الأخيرة من الحرب عندما كانت ألمانيا غير منظّمة وخالية من الأدوية والمواد الغذائية في معسكرات العمل. لقد قصف المنتصرون الغربيون النبيلون أنفسهم معسكرات العمل وساهموا في مقتل السجناء، لكن لا أحد يتكلّم عن هذه الوقائع.

بلغ مجموع الكتابين اللذين أنقل عنهما هنا 1663 صفحة، وهناك مجلّدان آخران عن سيرة تشرشل. ويبدو أن هذه المعلومات التاريخية الهائلة والموثّقة من المحتمل أن يكون مصيرها النسيان والضياع، لأنها لا تتسق مع الموقف الغربي الذي يدّعي امتلاكه للحقيقة التاريخية ولا مع موقف أغلب المؤرّخين المتسيّسين في هذه الحقبة. الحقائق باهظة الثمن للغاية. لكن المثير للانتباه أن بعض المؤرخين قد بدأوا بإضافة الكثير من المعلومات التي كشفها إيرڤينگ إلى تقاريرهم الخاصة.

يتطلب الأمر مؤرّخًا شجاعًا ليمتدحه، لكن بدلاً من ذلك، يقتصر أغلبهم على الاستشهاد به أو سرقة مصادره.

إنه لأمر مدهش أن تعي مقدار القوة التي حصلت عليها الحركة الصهيونية من المحرقة. الأستاذ الجامعي الأمريكي اليهودي والمتخصص في العلوم السياسية نورمان فينكلشتاين يسمّيها “صناعة المحرقة”. هناك أدلة كثيرة على أن اليهود مع آخرين كثيرين عانوا، لكن الصهاينة يصرّون على أنها كانت تجربة فريدة تقتصر على اليهود فقط.

في مقدّمة كتابه “حرب هتلر”، يذكر إيرڤينگ أنه على الرغم من المبيعات الواسعة لكتابه، والثناء من المؤرخين البارزين وحقيقة أن الكتاب كان مطلوبًا ومرغوبًا للقراءة في الأكاديميات العسكرية من ساندهيرست إلى ويست بوينت، “إلا أن البلطجية قد حطّموا منزلي في أكثر من فرصة، أرعبوا عائلتي، شوّهوا اسمي، هاجموا المطبعة التي نشرت كتبي، وألقي القبض علي ونفيت من النمسا الديمقراطية الصغيرة، حيث أن إنكار الهولوكوست يعتبر جريمة هنالك [حتى في المانيا اليوم]، وقضت محاكمهم بمعاقبة “المذنبين” بناءً على طلب الأكاديميين الساخطين والمواطنين المؤثّرين [الصهاينة]. في السنوات اللاحقة، تم ترحيلي من كندا (في عام 1992)، ورفضت من الدخول إلى أستراليا ونيوزيلندا وإيطاليا وجنوب إفريقيا ودول “حضارية” أخرى حول العالم. قامت مجموعات تابعة على المستوى الدولي بتوزيع الرسائل على المكتبيين والمطابع، مطالبة بإخراج هذا الكتاب من أرففهم.”

قليل يذكر عن “الفكر الحر والحقيقة” في العالم الغربي. حريّة التعبير وأهمية الحقيقة في الغرب لا تحظى بقيمة كما يعتقد البعض. في الغرب يتم التحّكم في التفسيرات من أجل دفع أجنّدة ومصالح المجموعات الحاكمة. وكما تعلّم ديڤيد إيرڤينگ، سيلاقي الويل كل من يعيق ذلك.