إعادة الضبط الكبرى، الجزء الرابع : راسمالية أصحاب المصلحة المشتركة .

مايكال ركتينولد كتبه في موقع معهد ميزس

ترجمة و اضافة : محمد المشاري

أي نقاش حول ‘رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة Stakeholder Capitalism’ يجب أن يبدأ بمعرفة ما يناقضها: مثل ‘النيوليبرالية Neoliberalism عدوتها اللدود، رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة غير موجودة على هذا النحو . إذ لا يوجد نظام اقتصادي على شاكلة رأسمالية أصحاب المصلحة، كما لا يوجد نظام اقتصادي على شاكلة النيوليبرالية .

هذه التوائم المتناقضة هي أشباح خيالية تحرض على بعضها البعض في صراع لا نهاية له .

 بدلاً من رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة و النيوليبرالية، هنالك مؤلفون يكتبون عن رأسمالية أصحاب المصلحة و النيوليبرالية، و شركات تؤيد بشكل أو بآخر وجهة النظر القائلة بأن الشركات عليها التزامات تجاه أصحاب المصلحة المشتركة بالإضافة إلى المساهمين .  ولكن إذا كان لـ كلاوس شواب و ‘المنتدى الاقتصادي العالمي weforum.org’ طرقهم النظرية، فستكون هنالك للحكومات لوائح و تهديد بفرض الضرائب المرهقة تحثّ بواسطتها الشركات على الاشتراك في إعادة توزيع أصحاب المصلحة المشتركة .

 ولكن من هم الـ Stakeholders أصحاب المصلحة المشتركة ؟

إنّهم يتكونون من ‘العملاء والموردين والموظفين والمجتمعات المحلية’، جنباً إلى جنب مع المساهمين .

 لكن بالنسبة لـ كلاوس شواب والمنتدى الاقتصادي العالمي، فإنّه يجب عولمة إطار ‘رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة’ . 

بمعنى آخر، أنّ صاحب المصلحة هو أي شخص أو أي مجموعة الأشخاص تستفيد أو تخسر من أي سلوك مؤسسي – بخلاف المنافسين .  

 مثلاً: بسبب الذريعة الأساسية لاعادة الضبط الكبرى هي تغيّر المناخ العالمي، فإنّ أيّ شخص يمكن أن يكون معتبراً من أصحاب المصلحة المشتركة .. و يمكن أن يكون معتبراً في حوكمة الشركات .. في أي شركة كبرى .  

و حينها، يجب التخلي عن الشراكات الفيدرالية مع الشركات التي لا تخدم أصحاب المصلحة المشتركة، مثل مشروع Keystone Pipeline مثلاً .. كما سيتم إدخال “المساواة” العرقية، والترويج لأجندات المتحولين جنسياً، وغيرها من سياسات الهوية والسياسات، في خطط مشاركة الشركات .

اذا كان هناك شيء، فإن رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة هذه تمثل كائناً متطفلاً مستهلكاً تم وضعه لاختراق وتفريغ الشركات من الداخل، إلى الدرجة التي تجد فيها الأيديولوجية والتقاليد مُضيَّفين في الهيئات الاعتبارية .  إنها تمثل وسيلة لتصفية الثروة الاشتراكية من داخل المنظمات الرأسمالية نفسها، باستخدام أي عدد من المعايير لإعادة توزيع الفوائد و ‘العوامل الخارجية’ [عوامل خارجية externalities:  في أي نشاط صناعي أو تجاري، تكون هنالك أحياناً تكلفة أو منفعة يسببها المُنتج، لكن لا يتكبد بسببها أو يتلقّى بسببها مالاً مقابلاً، و يمكن أن تكون العوامل الخارجية إيجابية أو سلبية و يمكن أن تنبع من إنتاج أو استهلاك سلعة أو خدمة] .

 لكن لا تأخذ هذا الكلام بشكل جدّي -والكلام لصاحب المقال- خذ مثلاً ديفيد كامبل، الاشتراكي البريطاني -بالرغم من كونه غير ماركسي- ومؤلف كتاب (فشل الماركسية عام 1996)، بعد إعلان فشل الماركسية، بدأ كامبل في الدعوة إلى رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة كوسيلة لتحقيق الغايات الاشتراكية ذاتها . 

تمثل حجته مع الماركسي البريطاني الأرثوذكسي بادي إيرلند نزاعاً داخلياً عن: أفضل الوسائل لتحقيق الاشتراكية .

 لقد كان كامبل ينتقد أيرلند لرفضه رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة . فـ أيرلند كان يعتقد بشكل خاطئ -كما يرى كامبل- أن رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة مستحيلة في النهاية، إذ ليس هنالك من شيء يمكن أن يتدخل لمدة طويلة مع طلب السوق الذي لا يرحم لأجل الربح .. و سوف تطغى قوى السوق حتماً على أي اعتبارات أخلاقية، مثل مصالح أصحاب المصلحة المشتركة .

 تركت ماركسية أيرلند الأكثر تطرفاً كامبل في حيرة من أمره، أ فلمْ يدرك أيرلند أنّ حتمية السوق الخاصة به كانت بالضبط ما أكده المدافعون عن “النيوليبرالية” على أنها الوسيلة الوحيدة المؤكدة و الحتمية لتوزيع الرفاهية الاجتماعية ؟

 كامبل أكّد بحقّ بأنّ :

“الماركسية يمكن تعريفها بالهزْء من ‘الإصلاح الاجتماعي’ على أنها لا تمثل الثورة، بل تعرقلها حتى!”

إن الاشتراكية ليست شيئاً إن لم تكن حركة يتم بموجبها استبدال (الضرورة الطبيعية المزعومة) التي تمثلها (الضرورات الاقتصادية) بقرارات سياسية واعية بشأن تخصيص الموارد .

يقترح كامبل بأن هذه النوع من الاشتراكية السياسيّة، مقابل عبارات ماركس الأرثوذكسية، هو ما قصده ماركس حقاً بالاشتراكية .. لذا يرى كامبل بأنّ رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة هي مجرد: اشتراكية .

 اتفق أيرلند وكامبل على أن فكرة رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة نفسها مستمدة من الشركات التي أصبحت مستقلة نسبياً عن مساهميها .

 تمت معالجة فكرة الاستقلال الإداري و بالتالي استقلالية الشركة أو الشركة لأول مرة من قبل هذه الأسماء : 

أدولف بيرل و غاردنر مينز في (الشركات الكبرى الحديثة و الملكية الخاصة ١٩٣٢) 

و من بعدهم جيمس ابراهام في (الثورة الإدارية ١٩٦٢) .

في كتابه:

Corporate Governance, Stakeholding, and the Company: Towards a Less Degenerate Capitalism

 ‘حوكمة الشركات الكبرى، الحصص، والشركة : نحو رأسمالية أقل انحطاطاً ؟’ 

يكتب أيرلند عن هذا الاستقلال الذاتي المفترض: 

“إن فكرة الشركة المساهمة متجذرة في استقلالية الشركة عن مساهميها، زعمه أن هذا الاستقلال الذاتي .. يمكن استغلاله للتأكد من أن الشركات لا تعمل حصرياً مع مراعاة مصالح مساهميها”

 يجادل أيرلند بأن هذا الاستقلالية الظاهرة للشركة لم تأتِ من التأسيس أو التغييرات القانونية في هيكل الشركة، بل من نمو الرأسمالية الصناعية على نطاق واسع . أدّى هذا النمو في العدد الهائل للأسهم و معه ظهور سوق الأوراق المالية إلى إمكانية بيع السهم بسهولة . أصبحت الأسهم ‘رأس مال نقدي’، يمكن استبدالها بسهولة بنسبة مئوية من الأرباح، وليست مطالبات على أصول الشركة .  في هذه المرحلة، اكتسبت الأسهم استقلالية واضحة عن الشركة و الشركة عن مساهميها .

 فضلاً عن ذلك فإنه مع ظهور هذا السوق ، طورت الأسهم قيمة مستقلة خاصة بها مستقلة تماماً، و غالباً ما تكون مختلفة عن قيمة أصول الشركة .  نشأَ ‘رأس مال وهمي fictitious capital’ كما سمّاه ماركس، وأعيد تعريفه في القانون كشكل مستقل من الملكية المستقلة عن أصول الشركة .  لم يعد يتم تصور ذلك على أنها مصالح عادلة في ممتلكات الشركة، بل باعتبارها حقوق ربح ذات قيمة خاصة بها، حقوق يمكن شراؤها و بيعها بحرية و سهولة في السوق ..

 عند حصولها على استقلالها عن أصول الشركات، ظهرت الأسهم كأشياء قانونية في حد ذاتها، حيث ضاعفت على ما يبدو رأس مال الشركات المساهمة . أصبحت الأصول الآن مملوكة للشركة والشركة وحدها، إما من خلال شركة، أو في حالة كون الشركات غير المسجلة، فمن خلال الأمناء .  من ناحية أخرى، أصبح رأس مال الشركة غير الملموس ملكية حصرية للمساهم . لقد تحوّلا الآن إلى شكلين منفصلين تماماً للملكية . فضلاً عن ذلك، و مع العرف القانوني للسهم كشكل مستقل تماماً للملكية، تم الانتهاء من إخراج المساهم من الشركة بطريقة لم تكن ممكنة من قبل .

 وهكذا، وفقا لأيرلند، ظهر اختلاف في المصالح بين مالكي رأس المال الصناعي و أصحاب رأس المال النقدي، أو بين الشركة و المساهمين .

 ومع ذلك، يؤكد أيرلند أن استقلالية الشركة محددة بضرورة أن يحقق رأس المال الصناعي ربحاً، و يتم تحديد قيمة الأسهم في النهاية من خلال ربحية أصول الشركة المستخدمة، يقول : 

“إن الشركة ستظل دائماً تجسيداً لرأس المال الصناعي، وعلى هذا النحو، تخضع لمتطلبات الربحية و التراكم . و هذه ليس أمراً مفروضاً من الخارج على كيان محايد بلا اتجاه، بل متأصل فيه، و يقع في صميمها “.  

يجادل بادي أيرلند أن هذه الضرورة تحدد حدود رأسمالية أصحاب المصلحة وعدم قدرتها على الحفاظ على نفسها:

  “إن طبيعة الشركة، لذلك، تشير إلى أن هناك حدود صارمة إلى المدى الذي تكون استقلاليتها عن المساهمين تُستغل لصالح العاملون أو بالطبع لأصحاب المصلحة المشتركة الآخرين”.

 هذه نقطة كان من الممكن أن يوافق عليها الاقتصادي النيوليبرالي ميلتون فريدمان و الماركسي بادي أيرلند، على الرغم من إصرار أيرلند على أن استخراج ‘فائض القيمة’ عند نقطة الإنتاج هو السبب . [فائض القيمة suplus value : و هي فكرة كتب عنها ماركس، وملخصها أن الجهد الزائد المبذول من قبل العمّال المميزين، يمكن أن ينتج فائضاً مالياً يفوق بكثير ما يتقاضوه من أجور، و هذا الجهد وفقاً لماركس يجب أن يعاد توزيعه ليشمل هؤلاء العمّال] . و هذا الاتفاق بين فريدمان  و أيرلند هو بالضبط سبب رفض كامبل حجة إيرلند . 

 كما أكّد كامبل بأنّ حتمية السوق هذه تكون ضرورية فقط في ظل الرأسمالية . و أنّ التنبؤات حول كيفية سلوك الشركات في سياق الأسواق ستكون صالحة فقط في ظل ظروف السوق الحالية .

 إنّ تغيير قواعد الشركة بحيث تتعرض ‘الربحية profitability’ للخطر، وإن كان ذلك، من الداخل إلى الخارج، فإنّه هو تعريف الاشتراكية ذاته . إن تغيير الطريقة التي تتصرف بها الشركات في اتجاه رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة هو أمر ثوري في حد ذاته .

 على الرغم من هذا المأزق النيوليبرالي – الماركسي الذي لا يمكن التغلب عليه، فإن فكرة رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة عمرها خمسون عاماً على الأقل . 

تعود النقاشات حول فعالية رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة إلى الثمانينات، إذ أثارهم رفض فريدمان ‘الشركة الكبرى الحنونة soul full corporation’، و التي وصلت إلى ذروتها مع “الأهمية الاجتماعية للشركة الحديثة” لـ كارل كايسن في عام 1957 . اعتبر كايسن الشركة كمؤسسة اجتماعية يجب أن توازن بين الربحية و ما بين مجموعة واسعة و متنامية من المسؤوليات الاجتماعية، يقول : 

“لا يوجد أي إظهار للجشع أو الاستيعاب؛  لا توجد محاولة لدفع العمال أو المجتمع إلى جزء كبير من التكاليف الاجتماعية للمشروع . الشركة الحديثة هي شركة حنونة .”8

 وهكذا، في رأي كايسن، نرى تلميحات لمفهوم لاحق لرأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة .

 على الأرجح، يمكن تتبَع رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة، وإن لم تكن في خط متتابع غير منقطع، إلى ‘commercial idealism المثالية التجارية’ . في أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين، عندما تصور إدوارد بيلامي و كينغ كامب جيليت، من بين آخرين، يوتوبيا اشتراكية مؤسسيّة عن طريق التأسيس . بالنسبة لمثل هؤلاء الاشتراكيين، كانت الوسيلة الرئيسية لتأسيس الاشتراكية من خلال الدمج المستمر لجميع عوامل الإنتاج. مع التأسيس، ستحدث سلسلة من عمليات الاندماج و الاستحواذ حتى اكتمال تشكيل احتكار عالمي واحد، حيث يكون لكل ‘الشعب’ حصص متساوية .  

أعلن جيليت في كتابه ‘المؤسسة العالمية world corporation’ أنّ :

“العقل المتدرب للأعمال والتمويل لا يرى مكاناً لاستيعاب الشركات و نموها، باستثناء الاستيعاب النهائي لجميع الأصول المادية في العالم في هيئة اعتبارية واحدة، تحت السيطرة التوجيهية لشركة واحدة . إن مثل هذا الاحتكار العالمي الفريد سيصبح اشتراكياً عند التوزيع المتساوي للحصص بين السكان . لا ترقى رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة إلى هذا التوزيع المتساوي للأسهم، لكنّها تلتف حوله من خلال توزيع القيمة بواسطة الضغط الاجتماعي و السياسي .”

 ومن المثير للاهتمام، أن الاشتراكي البريطاني كامبل أنهى حجته بشكل غير دوغماتي، بالقول بشكل لا لبس فيه أنه إذا كان فريدمان على حق و : “إذا كانت هذه المقارنات بين رأسمالية المساهمين وأصحاب المصلحة المشتركة- تميل إلى إظهار تعظيم حصري لقيمة المساهم ليكون الطريقة المثلى لتحقيق أقصى قدر من الرفاهية”، ثم : ‘يجب على المرء أن يتخلى عن كونه اشتراكياً’، إذا كان تعظيم الرفاهية الإنسانية هو الهدف حقاً، وثبت أن ‘رأسمالية المساهمين shareholders capitalism أو النيوليبرالية Neoliberalism’ هي أفضل طريقة لتحقيق ذلك، فإن الاشتراكية نفسها،  بما في ذلك رأسمالية أصحاب المصلحة المشتركة، يجب التخلي عنها بالضرورة .

المقال الاصلي : https://mises.org/wire/great-reset-part-iv-stakeholder-capitalism-vs-neoliberalism

مقدمات فكر العودة الجديدة Neoreaction

1.    اليمين محق، واليسار مخطئ.

وهذا من البديهيات عند العوديين. وقد انتشر هذا الوصف على يد إريك فون كينيلت-ليدين الذي يعد، إلى جانب توماس كارلايل ويوليوس إيفولا، جزءا من الأسفار المركزية للفكر العودي. ولو اختلف أحدهم مع هذا الوصف، فقد يكون شخصا لطيفا جدا، شخصا قد أرغب بتناول الشاي معه، لكنه لن يكون عوديا. ويشير مولدباغ لهذا الوصف في مدخله ”رحلتي من ميسز إلى كارلايل.“ وفي ”مقدمة هادئة إلى تحفظات غير مقيدة“ نجده يقول:

من جهة أخرى، من السهل جدا أن نبني نظاما قيميا نظيفا جدا يكون فيه النظام ببساطة خيرا، والفوضى ببساطة شرا. وقد اخترت هذا الطريق. وهو يترك فـجوة واسعة في مؤخر جمجمتي، ويسمح لي بأن أسمي نفسي عوديا. قد يكون هذا، في نظرك، هو الجانب المظلم. ولكن ذلك فقط لأن العلاج لم يكتمل بعد.

كما ترى، فالأمر بسيط. ويقول أيضا:

اليسار هو الفوضى والتخبط، وكلما ازدادت الفوضى لديك، ازداد حـجم السلطة الذي يمكن توزيعه. وكلما ازداد انتظام نظام ما، قل عدد من يصدرون الأوامر. وهذا التفاوت عينه هو السبب في أن الشركات والجيش، حيث يكون نظام السلطة التنفيذية الهرمية منتظما بطبعه، تنحاز إلى اليمين.

2.    الهرمية في الأساس فكرة جيدة.

في العموم، تعزز الهرمية الاستقرار، الانتظام، التوجه، التماسك، وما شابه. يعترض العوديون على الهرميات الصارمة في الأنظمة الكلاّنية totalitarian، التي تحيل البشر إلى تروس في آلة (اقرأ الفاشية من نظرة يمينية ليوليوس إيفولا للاطلاع على نقد عودي للفاشية، أو راجع الفصل الرابع من رجال بين الأطلال.) وإن كانت لديك مشكلة في تمييز الفكر العودي عن الفاشية فاقرأ ذلك الفصل، وإلا فلن تفهم الفرق. وبدلا من تأييد الهرميات الصارمة التي تسحق الحكم الفردي الحر، فالعوديون يدعمون ”الدولة العضوية“ كما يصفها إيفولا:

كل مجتمع يتكون من أفراد، وأفراد البشر هم عنصره الأساس. أي نوع من البشر؟ ليس الأفراد كما تتصورهم الفردانية، كذرات أو كتلة من الذرات، بل الأفراد كأشخاص، ككيانات متمايزة، يتمتع كل منهم بمرتبة مختلفة، بحرية مختلفة، بحق مختلف ضمن الهرمية الاجتماعية القائمة على قيم التكوين، البناء، الطاعة، والأمر. ومع أفراد كهؤلاء يكون من الممكن أن نؤسس الدولة الحقة، أي دولة عضوية، لا ديمقراطية ولا ليبرالية. والفكرة من دولة كهذه هي أولوية الشخص على أي كيان اجتماعي، سياسي، أو قضائي مجرد، لا الشخص بوصفه واقعا تم تحييده وتسويته، مجرد رقم في عالم الاقتراع الكمي الشامل.

إن الهدف من الدولة العضوية هو رعاية ”عملية من التفرد والتمايز المستمر“ للأشخاص، بدلا من ذوقية شاملة مساوية. فبعض الناس قادة بطبعهم وآخرون لا. والأمر لا يعني أن كل العوديين يتخيلون أنهم قادة طبيعيون، قدرهم أن يشغلوا مكانا في سلم القيادة ما أن تأتي الثورة. فالفكرة هي أن نخلق مجتمعا يوفر تمايزا وتفردا طيبا من الأعلى إلى الأسفل. وهناك أسباب، ضمن هذا المجتمع، تجعل أن تكون في الأسفل تجربة أفضل وأغنى مما هي اليوم، لكن ذلك موضوع مختلف تماماً.

3.    الأدوار الجنسية التقليدية في الأساس فكرة جيدة.

من المرهق أن نتحدث عن ذلك، حيث أن النسويات شديدات الضراوة تجاهه، ولكن العوديين الجدد أساسا يوافقون على الأدوار الجنسية التقليدية. في المجتمعات التقليدية، تكلفت النساء في الواقع بعض الأدوار والوظائف التي ربما تعد مـِهَنا بمعايير اليوم. فهن لم يكن جميعا زوجات ملازمات للبيوت، وحتى حين كنّ كذلك، فقد كنّ مجدّات. ولست متأكدا من سبب أن البقاء في المنزل، خياطة الملابس، الطبخ، البستنة، وتربية الأطفال يعد أقل تمكينا من نشاطات ذكورية كشق السواقي، اللحام، أو الجلوس عند طاولة مكتبية أمام حاسوب طوال النهار.

وبالعكس، فلو اختار رجل أن يجلس في البيت ويربي أطفاله، فسينظر العديد من الرجال له بانتقاص. ولا قدر من الدعاية التقدمية أو مخيمات إعادة التأهيل سيغير من ذلك، لأنه مبني في أدمغتنا عبر ملايين السنين من التطور. فالرجال يحترمون الرجال الذين يخرجون لفعل أمور رجولية. وبالمثل، فإن الضغط نحو انسياق مع أدوار جنسية هو أٌقوى في مدارس الإناث من المدارس المختلطة، مما يحطم خرافة أن الرجال هم من يفرض ويراقب الأدوار الجنسية، بنحو يضر بالنساء. يمكن للناس أن يخلقوا فقاعات وعوالم غرائبية تنقلب فيها هذه الأدوار رأسا على عقب، لكنها غير مستقرة تماما.

النساء أقل سعادة اليوم مما كن عليه قبل أربعين عاما، رغم كل التطورات المدعاة التي أنجزتها النسوية خلال ذلك الوقت. لقد قالت لي إحدى النساء العوديات التي تحدثت معها أن النسوية حركة غير نزيهة من الأساس، لأنها حركة لنساء بلا أطفال، رغم أنها تقدم نفسها كحركة مفيدة لكل النساء. وتقول امرأة أخرى: ”أفضّل أن تدعم المعايير بقوةٍ عوائلَ متماسكة، وعلى كل من يرغب في غير ذلك أن يسبح عكس التيار.“ وفي ذلك تلخيص منصف للموقف العودي.

4.    الليبرتارية معاقة عقلياً.

العديد من العوديين الجدد هم بعد-ليبرتاريين، أي غير ليبرتاريين. وأحد طقوس العبور نحو العودة/العودة الجديدة هو رفض الليبرتارية. لم أكن ليبرتاريا أبدا، ولهذا فقد تطلب الأمر وقتا كي أستوعب كليا العلاقة بين الليبرتارية والعودة الجديدة، لكني أفهمها الآن. فالليبرتاريون يأخذون الحرية الفردية كمسلمة، ويرفضون التأمل في العلاقات السلبية لهذه الحرية مع التراكيب التقليدية كالمجتمع والعائلة. وذلك مرفوض عند العوديين.

لدى العودة الجديدة علاقة وثيقة بالتقليدية، التي تدعم الالتزامات الاجتماعية، الأعراف، ودرجة ما من الانسياق/ التجانس، وهكذا. ولديها أيضا خصال ليبرتارية، كالدعوة لحكومة أصغر وفصل الحكومة عن المساحات الخاصة تقليديا، لكنها ترفض الليبرتارية إجمالا.

ستكون الليبرتارية، لو أمكنها العمل إطلاقا، مناسبة فقط لنسبة من السكان، بين 15-20%، مستعدة لأن تأخذ طريق غالت going Galt وتقفل على نفسها في حصن مجازي ضد العالم. ولو أن مجتمعا ليبرتاريا سيترك الكثير في العراء، فلا يبدو أن الليبرتاريين يهتمون. وبالمقابل، فإن العوديين يرعون المجتمع، العائلة، والتماسك الاجتماعي. قبل عدة أشهر قلت: ”إن ”الاشتراكية“ التي تنادي بها التقليدية هي أن يساعد العوائل والأصدقاء بعضهم بعضا بإرادتهم الحرة.“ ويلخص ذلك الموقف العودي تجاه المعونة المتبادلة، المتوافقة نظريا مع الليبرتارية، لكنها غير متوافقة مع روح ومزاج الليبرتارية كما تعاش وتمارس فعلا. كما يميل العوديون للنظر إلى الليبرتاريين كمفرطين في المادية.

وكقطعة أخيرة من غذاء الفكر في هذه النقطة، قال أحدهم على تويتر: ”لو أخذت الليبرتارية ثم جعلت الوحدة الاجتماعية الأساسية هي العائلة بدلا من الفرد، فستكون على مقربة من ماهية العودية الجديدة.“ مثير للجدل، ولكن ملفت.

5.    الديمقراطية معيبة بلا أمل، وعلينا التخلص منها.

لقد كانت الديمقراطية كارثة. اقرأ الديمقراطية: الإله الذي فشل لتفصيل ذلك. ولو لم تقرأ شيئا من ذلك الكتاب على الأقل فستحس بالضياع. وفي أضعف الإيمان، فإن قراءة شيء منه ستعرض أمامك نقاشا أكاديميا جادا حول فشل الديمقراطية. إن رفضك أي شيء مضاد للديمقراطية بوصفه ”فاشيا“ سيصنفك ببساطة كشخص أبله، يفتقر لأي عمق فكري. فأمثال سكوت ألكسندر على الأقل قادرون على التوغل أعمق، وتوفير دفاع عن الديمقراطية يتجنب الاستشهاد بالبعبع الفاشي.

وفيما يلي بعض مفردات العودة الجديدة أو تصورها لبعض المصطلحات:

أرستقراطية Aristocracy

إيفولا: «الأرستقراطية فكرة غير محددة. وبمعنى حرفي، «فالأفضل» مصطلح نسبي. «الأفضل» بدلالة ماذا، وبالنظر إلى ماذا؟» ولكن أيضا: «لقد كان رجال معينون محورا للأتباع، الطاعة، والتبجيل، لإبدائهم درجة عالية من التحمل، المسؤولية، الوضوح، وعيشهم حياة خطرة، منفتحة، وبطولية لا يطيقها الآخرون؛ وقد كان من الحاسم هنا أن نكون قادرين على التعرف على حق خاص وكرامة خاصة بشكل حرّ. ولم يمثل الاعتماد على قادة كهؤلاء إخضاعا للأفراد بل إعلاءً لهم؛ ولكن هذا بلا معنى في نظر المدافعين عن «المبادئ الخالدة» والداعمين «للكرامة البشرية» بسبب عنادهم.»

جمهورية أرستقراطية Aristocratic republic

كان القصد الأصلي للآباء المؤسسين لأميركا هو جمهورية ذات «أرستقراطية طبيعية» بحكم الواقع، تحولت منذئذ إلى نظام ديموتي (ديمقراطي). الجمهورية الرومانية مثال على جمهورية أرستقراطية ناجحة تحولت في النهاية إلى ملكية. وبعض العوديين ينادون بعودة الولايات المتحدة إلى هذا الشكل من الحكومة. وقد سمى توماس جيفرسون الأرستقراطية الطبيعية «أثمن هبات الطبيعة».

الهيكل the Cathedral

هو الإجماع المنظم ذاتيا للتقدميين والإيديولوجيا التقدمية الذي تمثله الجامعات، الإعلام، والخدمة المدنية. وقد صاغ المصطلح المدون منشيوس مولدباغ. ليس للهيكل أي مدير مركزي، لكنه يمثل إجماعا يتصرف كمجموعة متناسقة تدين الإيديولوجيات الأخرى بوصفها شرا. لقد فصّل الكتّاب المواقف التقدمية بدءاً باقتراع النساء، منع الكحول، إلغاء العبودية، ضريبة الدخل الاتحادية، الانتخاب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، قوانين العمل، إلغاء الفصل العرقي، إشاعة المخدرات، تحطيم المعايير الجنسية التقليدية، مساقات الدراسات الإثنية في الجامعات، إنهاء الاستعمار، وزواج المثليين. إن سمةً فارقة في التقدمية هي أنك «تعتقد بأن سؤال الأخلاق قد حلّ جوهريا، وكل ما بقي هو العمل على التفاصيل». والعوديون يعتبرون الجمهوريين تقدميين، متأخرين 10-20 عاما عن الديمقراطيين في تبنيهم للمعايير التقدمية.

التكاملية Complementarity

إن رؤية أن «الرجال والنساء يكمّلون بعضهم كأجزاء مستقلة تشكل معا كلا مركبا»، تعرف أيضا بالتكاملية. وهي ترتبط بالرؤية التجريبية القائلة بأن لدى الرجال والنساء نفسيات مختلفة ولهذا فهم مناسبون لأدوار مختلفة ومتكاملة في المجتمع. يعد كل من الرجال والنساء مسؤولين عن المساهمة «بتأثير متحضر» في المجتمع ككل، ابتداءً بالوحدة العضوية للمجتمع، أي العائلة. وعند العوديين، ينظر لمعظم فصائل النسوية بوصفها تفاقم في الصراع بين الذكور والإناث، وترهن التماسك الاجتماعي طويل الأمد من أجل العوائد العابرة للتهتك، الإفراط الجنسي، والطفولية. وبنفس المعنى، فإن معاداة النساء، الخيانة، العنف الأسري، غياب المسؤولية الأبوية، والنحيب المستمر «لنشطاء حقوق الرجال» مرفوضة لأنها تحرض نفس الصراعات. يعترف العوديون بأن ضمان دوام المجتمع ومستقبله يعتمد على تنشئة الأطفال في بيئة مستقرة ومراعية فيها أب وأم، وأن الرغبات الأنانية للوالدين ثانوية بالنسبة لهذا الهدف. فمن دون الأطفال، ستقضي الثقافة على نفسها ببساطة. وتعظيم عدم الإنجاب هو شكل من الانتحار الثقافي.

التنوير الحالك Dark Enlightenment

تيار فكري جديد يتكون من مفردات عودية. والعامل الموحد للتنوير الحالك هو انتقاد الديمقراطية، الذي لخصه بيتر تيل بصرامة حين كتب «لم أعد أعتقد بأن الحرية والديمقراطية متوافقان». مصطلح «التنوير الحالك» من صياغة الفيلسوف البريطاني نيك لاند، الذي فصّل هذه الفكرة في سلسلة التنوير الحالك. وهذه السلسلة، إضافة إلى كتابات منشيوس مولدباغ، تمثل الأدبيات المحورية لهذه الحركة. التنوير الحالك هو مشروع عودي يرفض الحداثة، المسكونية Universalism، والديمقراطية لصالح قيم تقليدية، خصوصية، وأرستقراطية. ويستخدم المصطلح أحيانا بالتبادل مع «العودة الجديدة» أو «عودي جديد».

الديموتية Demotism

الحكم باسم الشعب. لقد انتشر هذا المصطلح حديثاً على يد منشيوس مولدباغ، وينظر للديمقراطية والشيوعية كشكلين من الديموتية. يعتبر العوديون الديموتية شكلا من حكم الجموع، حيث يتملق السياسيون لما يعدّونه الإرادة الشعبية، بدلا من صنع قراراتهم الخاصة كقادة مستقلين. إن قولا مجهول النسبة، ظهر لأول مرة في الطبع عام 1951، يلخص الرؤية العودية عن الديموتية: «لا يمكن للديمقراطية أن توجد كشكل دائم من الحكومة. بل يمكنها البقاء فقط حتى تكتشف الأكثرية أن بوسعها التصويت لنفسها على الإثراء من الخزينة العامة. وبعد ذلك، ستصوت الأكثرية دوما على المرشح الذي يعدها بالمنافع الأكثر، والنتيجة أن الديمقراطية ستنهار بفضل السياسة المالية المنحلة التي تتبع ذلك، لتليها دكتاتورية، ثم ملكية». ينظر العوديون لعصر الإرهاب وحملات تطهير ستالين كنتائج كلاسيكية للديموتية. ورغم أن الملكيات قد اضطهدت عبر التاريخ أقليات دينية وإثنية ضمن حدودها، فإن أيا منها لم يسفك الدماء بمستوى الثورات الفرنسية أو الروسية والتطهيرات التي تليها. مقتبسين من إريك فون كينيلت-ليدين: «إن نهضة الديمقراطية مثلت بداية عصر ’G‘—المقاصل، الإبادات، المحابس، المشانق، غرف الغاز، والغولاغ». [المترجم: كل هذه الكلمات تبدأ بحرف G في الإنجليزية.]

يوليوس إيفولا Julius Evola

مفكر سياسي وباطني إيطالي كتب منذ الـ1920ات وحتى وفاته عام 1969. لقد وصف إيفولا بأنه «أرستقراطي، ذكوري، تقليدي، بطولي، وعودي بكل عناد». وقد كتب باحث إيطالي: «يمكن اعتبار فكر إيفولا أحد الأنظمة الأشد راديكاليةً واتساقاً في عدائه للمساواة، الليبرالية، الديمقراطية، والشعبوية في القرن العشرين». يدور فكر إيفولا حول فكرة «الدولة العضوية»، وهي مجتمع هرمي طبيعي يشجع على قدر من الحرية الفردية، الاستقلالية، والازدهار مع إدماجه لأفراد الذكور والإناث في نظام متناسق أكبر يرتقي بهم، يمنح حياتهم معنى، ويجعلهم جزءا من كلّ هادف. وكسائر الأنظمة التقليدية، فإن الدولة العضوية مضادة للديمقراطية، حيث تمنح القرارات السياسية لنخبة أرستقراطية. لقد أكد إيفولا على قيم «روحية» (وهو لفظ يشير فقط إلى قيم أرفع، لا الغيبيات) كالانتماء المدني والإنجاز البطولي فوق الإنجازات المادية حصرا. منطلق جيد لقراءة أعماله هو البدء بكتابه رجال بين الأطلال. ويمكن زيارة تجميعة من الاقتباسات القصيرة عنه في مدونة لمحات تقليدية.

اليسارية Leftism

ينظر اليمين العودي لليسارية كإيديولوجيا تسعى لتمزيق الاستثنائية والبنى التقليدية بحيث يمكن للأوطأ بيننا أن يشبعوا مشاعر الحسد والإيثار المرضي لديهم. فالمجتمع اليساري الرأسمالي يشجع مبدئيا على الإنجازات في مجالين فقط—المال والشهوات—على حساب كل القيم العليا، بما فيها الاستقرار الاجتماعي طويل الأمد. وبدلا من التشجيع على الإنجاز الشخصي، فاليسارية تحركها «آلية مساواة» يلخصها الشعار الوجيز «الجميع يستحقون جوائز». ويعرّف «التقدم» الاجتماعي بدلالة تعظيم الشهوة الفردية قليلة الأمد على حساب الصحة الاجتماعية العامة. وعبر ترويج عقلية «كل شيء يمر»، فالنتيجة النهائية هي غيمة من الأفراد المتشظّين عديمي الملامح، بدلا من أي شيء يشبه التماسك أو القوة الاجتماعية، وينظر «للثقافة» كبنية اجتماعية يمكن الإلقاء بها عفويا واستبدالها ببديل جديد عند أضعف نزوة. والنسبية الأخلاقية والثقافية تحكم: إذ لا يمكن اعتبار أي نظام أفضل من آخر، لئلا يشعر دعاة النظام الأسوأ بالإساءة.

منشيوس مولدباغ Mencius Moldbug

مدون ذو شعبية، نفث روحا جديدة في أقصى اليمين الفكري بأحاديثه المتميزة بطولها وتقلبها عن التاريخ والسياسة، التي كتبت مبدئيا بين 2007-2010. يعد مولدباغ المؤسس الفكري للحركة «العودية الجديدة»، وهو لفظ صاغه في 2008 وأشاعه الاقتصادي آرنولد كلينغ في 2010. إن أهم سلاسل مقالات مولدباغ هي «رسالة مفتوحة إلى تقدميين منفتحين»، «مقدمة لطيفة إلى تحفظات غير مقيدة»، و «البيان الشكلاني»، التي تبلغ إجمالا بضع مئات من الصفحات. والأعمال شبه الكاملة لمولدباغ يبلغ طولها 4.470 صفحة وهي متوفرة ككتاب إلكتروني. قلة نادرة من معجبي مولدباغ قد قرأوا ما يقرب من كل مقالاته؛ لكن قراءة بضع مئات من الصفحات ستعطيك فكرة عن عمله.

الملكية Monarchy

شكل الحكم المفضل عند العوديين. لمناقشات أكاديمية لأسباب كون الملكية فكرة جيدة، اقرأ الديمقراطية: الإله الذي فشل لهانز-هيرمان هوبه وكذلكالحرية أو المساواة لإريك فون كينيلت-ليدين. الملكيات ليبرتارية نسبيا وفق المعايير الحديثة، من حيث أن الحكومة عادة ما تستهلك 2-5% من الناتج الوطني، خلافا للديمقراطيات الاجتماعية التي تستهلك ما بين 40-80% منه. ومن ناحية قانونية، تميل الملكيات لامتلاك قوانين أقل، لكنها تفرضها بصرامة أشد، متبعة حكمة تاسيتوس: «كلما ازداد فساد الدولة، ازدادت قوانينها». والملكيات عموما تضع سلطة أكبر في أيدي الحكومات المحلية. إن حـجة أساسية لصالح الملكية هي أن قادتها يميلون لامتلاك تفضيل زمني أوطأ، بمعنى أن لهم سهماً شخصياً أعلى في صلاح البلد الطويل الأمد، مقارنة بالسياسيين المحترفين الذين يركزون على دورات انتخابية من أربع سنين. وهناك سجال في الوسط العودي حول قواعد الخلافة، إن كانت الخلافة بالتبني أو الوراثة هي المفضلة.

العودة الجديدة Neoreaction

حركة العودة الجديدة التي تطورت بدءاً من 2007. وما العودة الجديدة إلا توجه مجرد وأكثر تحليلا نحو اليمين التقليدي، مقارنة بالعودية التاريخية. يمكن النظر للعودة الجديدة كجزء من العودية عموما، التي تربطها بها علاقة معقدة. وفي النهاية، فالهدف من العودة الجديدة هو توفير هيكل متماسك من النظم الإدارية والسياسية، يمكن استعماله لتشكيل حكومات جديدة.

التقليدية الراديكالية Radical traditionalism

المنظور الفلسفي والرؤية الاجتماعية التي طورها يوليوس إيفولا؛ وكذلك يستخدم هذا الاسم لحركة من الكاثوليك المحافظين. وحيث أن اللفظ يحمل معنى مزدوجا، فقد يحتاج للتوضيح. وفي More Right، فاللفظ يدل على أفكار إيفولا ما لم ينوه بغير ذلك.

عودي Reactionary

من المهم ملاحظة أن لفظ «عودي» صيغ أصلا كشتيمة تشير إلى الملكيين الفرنسيين. وحين يستخدم العوديون المعاصرون هذا المصطلح، فهم لا يدعون بالضرورة للعودة حرفيا إلى الوضع القائم من قبل، بل إلى حركة المجتمع في اتجاه هيئات مبنية على النظام، الجماليات العليا، الهرمية، الاستقرار، السلام، الأرستقراطية، التقاليد، التناغم الثقافي، العائلة، وما شاكل. ويجب على الخطوات في هذا الاتجاه أن تفصّل على زمان ومكان معينين، بناءً على مبادئ خالدة تتوافق مع الطبيعة البشرية، بدلا من إدارة عقارب الساعة حرفيا. وبدلا من «صندوق رمل sandbox» فوضوي من الثقافات المتصادمة التي تتحارب ديمقراطياً بالوكالة، فالعوديون يطمحون إلى مجتمع من «الصفصاف oak» يعزز الثقة بين الأفراد، الثقافة الواحدة، والرؤية الواحدة.

مؤلف عودي Reactionary author

يتضمن المؤلفون العوديون البارزون والأشخاص المساهمون ماديا في الفكر العودي المعاصر إدموند بيرك، نيكولاس غوميز دافيلا، جوزيف دي ميستر، يوليوس إيفولا، كليمنس فون مترنيخ، وليم فوكنر، يوكيو ميشيما، منشيوس مولدباغ، إريك فون كينيلت-ليدين، إيفلين ووه، هانز-هيرمان هوبه، وغيرهم كثير.

تاريخ الهويغ Whig history

شكل من المراجعة التاريخية يسعى لتصوير سير التاريخ كتحسن حتمي وصولا للنظام الحالي، وهو نوع من «التاريخ الذي يكتبه المنتصرون». ومن الواضح أن لدى النظام الحالي كل حافز لتصوير نفسه بوصفه متفوقا على كل الأنظمة الماضية. ويشير العوديون إلى أن الوضع ليس كذلك، ويلاحظون أن المجتمع الحالي فعلا في حالة من التداعي الشديد، مشيرين إلى مستويات عالية تاريخيا من الجريمة، الانتحار، الدَين الحكومي والشخصي، تزايد التفضيل الزمني، ومستويات واطئة من المشاركة المدنية والسعادة المحسوسة ذاتيا كأمثلة قليلة على أزمة ثقافية وتاريخية راهنة. وكذلك يشار إلى الأزمة الديمغرافية في دول العالم الأول كمثال آخر على الانحطاط.

مايكل أنيسيموف – مترجم من قبل حيدر عبدالواحد راشد http://heydar.xyz/

الشمولية

الجزء الأول :

مفهوم الشمولية غامض بشكل غير عادي .  في الخطاب السياسي الحديث، تُستخدم كلمة الشمولية في كثير من الأحيان لتشويه سمعة أو إهانة خصم سياسي أكثر من استخدامها للإشارة في الواقع إلى التوجه السياسي لشخص ما . مما لا شك فيه أن وصف آثار الشمولية أسهل بكثير من وصف أسباب الشمولية .  يتفق غالبية علماء السياسة وعلماء الاجتماع بشكل أو بآخر على أن الشمولية هي مرض اجتماعي خطير ، و مع ذلك فإنّ القليل منهم يتفق تماماً على أسباب انتشارها .

لأسباب مختلفة ، من المستحيل التوصل إلى تعريف مفهوم للشمولية لأن البلدان التي تظهر خصائص شمولية غالباً ما تتباهى بحبها للحرية أو بارتباطها بالمبادئ الديمقراطية . فضلاً عن ذلك ، قد يجادل المرء أيضاً في أن تعريف الشمولية يتوقف بشكل كبير على عالم الاجتماع نفسه .  ليس من الصعب التكهن بأن المثقّف الاشتراكي سيقيّم مفهوم الشمولية بشكل مختلف إلى حد ما عن تقييم المحافظ أو الليبرالي .

المشكلة :

الشمولية ، حسب العديد من المؤلفين ، ليست مجرّد كلٍ بسيط من أشكال الاستبداد ، فإذا كان الأمر كذلك ، فيمكن للمرء أن يجادل في أن أصول الشمولية يمكن إرجاعها إلى مجتمعات القرون الوسطى ، أو أن الشمولية لا تزال تزدهر في العديد من البلدان الاستبدادية المعاصرة . لاحظ بعض علماء السياسة ، مثل زبيغينيو بريجينيسكي Zbigniew Brzezinski و كارل ج.فريديك Carl J.Fredrich ، أنه في سعيهم لتتبع جذور الشمولية ، الديكتاتورية و الأوتوقراطية ، أن ماركس و هيغل ، و نيتشه و هوبز ، و كانط و روسو ، و أفلاطون و أرسطو ، و سانت أوغسطين ، و لوثر ، و كالفن – جميعهم متهمون بتزوير الأفكار التي أصبحت أسلحة في ترسانة الشموليين.

على الرغم من حقيقة أن هناك نظريات مختلفة في الشمولية ، يبدو أن معظم المؤلفين متفقون على أن : 

١- الشمولية تظهر عادة في البلدان الصناعية ، أو في تلك البلدان التي تمر بعملية تطور سريعة .

٢- تعتمد الشمولية عادة على عقيدة أو أيديولوجية لا تتسامح مع أي معارضة .

 ٣- الشمولية التي تهدف إلى شمول جميع المواطنين و وسائل الاتصال و الإذاعة و التلفزيون و ما إلى ذلك ، و إخضاعهم للسيطرة الكاملة و المطلقة للدولة و حزب واحد . و 

٤- من أجل تطبيق الرقابة وضمان الامتثال الاجتماعي ، تلجأ الشمولية إلى الإرهاب ومراقبة الشرطة . 

 بدأ تحقيق رائد في ظاهرة الشمولية من قبل Hannah arendt حنّا أرنت ، الكاتبة التي كتبت أطروحة موجزة و موثّقة جيداً و شاملة عن الشمولية في أوائل الخمسينات من القرن الماضي .  لا جدال في أن نظريات حنّا أرنت لا تزال تحظى بالاحترام بين الباحثين الليبراليّين و المحافظين ، بما في ذلك اليمين الجديد .

 تؤكد حنّا أرنت أن الحركات الشمولية بدأت في الانتشار كرد فعل على تفكك الهياكل الاجتماعية التقليدية في معظم البلدان الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الأولى .  أثار أسوأ تأثير لهذا التفكك الاجتماعي مشاعر الاقتلاع و الازدراء بين الجماهير ، [الذين لسبب أو لآخر اكتسبوا الرغبة في التنظيم السياسي] . 

في محاولة لتوضيح سيكولوجية الجماهير المنبوذة حديثاً، تجادل حنّا أرنت بأن المناخ السياسي الجديد أصبح مهيّئاً للصعود التدريجي لحكم الغوغاء mobocracy ، و الذي بدأت فيه الحركات الشمولية اللاحقة في الازدهار .  

تقول :

 “الحقيقة هي أن الجماهير نشأت من شظايا مجتمع مجزّء للغاية، كان هيكله التنافسي و العزلة المصاحبة للفرد؛ مقيّدة و مراقبة .. إلّا من خلال العضوية في الطبقة . عندما انفجرت هذه الروابط الطبقية و البنى الاجتماعية ، أصبحت الجماهير التي اُقتلعت من جذورها ، بحثاً عن الأمن الاجتماعي و النفسي ، قابلة للأيديولوجيات التي قدمت تفسيراً شاملاً لجميع المشاكل الكونية و الوجودية . تشير حنّا أرنت إلى أن “الحركات الشمولية ، كل على طريقته الخاصة ، بذلت قصارى جهدها للتخلص من البرامج الحزبية التي حددت محتوى ملموساً و التي ورثتها من مراحل التطور السابقة غير الشمولية” . 

 عادة ما تتدفق الجماهير على القادة و الحركات الشمولية ، كما تتابع حنّا أرنت ، بسبب حاجتها التي لا يمكن كبتها إلى وعود بالاستقرار السياسي و التماسك الاجتماعي ، و هو أمر لا تستطيع السياسات الحزبية غير المتوقعة تأمينه دائماً .

 ما يثير قلق أرنت بشكل خاص هو الزواج المشؤوم بين الجماهير و النخبة الفكرية .  مستشهدة بأسماء إرنست جونجر ، و لويس- فرديناند سيلين ، و فيلفريدو باريتو ، و جورج سوريل ، و العديد من المفكرين و الكتاب البارزين الآخرين المناهضين للديمقراطية ، تجادل أرندت بأنه بدون “التحالف المؤقّت” للكتّاب مع الغوغاء ، فإن الحركات الشمولية لم يكن لها أن تحقق مثل هذا النجاح الباهر .

في “خيانة الكتّاب” ، ترى أرنت بالمصادفة أكبر جريمة للمثقفين و هروباً من الحرية . من الآن فصاعداً ، و بإسم الأفكار الجديدة التي تضمنت إما الداروينية العلمية الزائفة ، أو عنصرية غوبينو ولابوج ، أو الماركسية العلمية ، استطاعت الغوغاء أن تتعرف على نفسها مع النخبة و تنفذ هذيانها الاستبدادي إلى تأليهها التاريخي .  و هكذا ، استطاع هتلر تبرير أوشفيتز (معسكر اعتقال نازي) بإسم التفوق العنصري و الفكري المزعوم علمياً للآريين ، بنفس الطريقة التي برر بها البلاشفة عمليات التطهير و المعسكرات باسم الماركسية العلمية .  بالنسبة لـ حنّا أرنت ، تدعي جميع الأيديولوجيات أنها علمية ، و أولئك الذين لديهم شكوك حول صدقها يخاطرون بأن يتم رفضهم باعتبارهم منبوذين من الجنس البشري .  

تقول أرنت :

تفترض الأيديولوجيات دائماً أن فكرة واحدة كافية لشرح كل شيء في التطور من المقدمة ، و بالتالي لا يمكن أن تكون أي خبرة تعليم أي شيء لأن كل شيء يتم فهمه في عملية الاستنتاج المنطقي المتسق هذه ” .

باختصار ، بالنسبة لأرندت ، تحتوي جميع الأيديولوجيات على آثار شمولية ، على الرغم من أنها لا تعمل بشكل كامل إلا في سياق تعزيز حكم الغوغاء . تجادل أرندت بأن الأيديولوجيا هي الشمولية ، ما هو الماء للصيد ؛ إذا لم تكن هناك أيديولوجية ، فلن تتمكن الحركات الشمولية من الازدهار .

ومع ذلك ، تلاحظ أرندت ، على المدى الطويل ، من المحتم أن تؤدي الأيديولوجية الشمولية إلى إنتروبيا كاملة – تبدأ أولاً في إلتهام فئة واحدة من الناس ، و ينتهي بها الأمر في النهاية إلى التهام نفسها . تجادل أرندت أنّه حتى لو نجا النازيون من الحرب و ظلوا في السلطة ، فإنّهم سيوسعون “حلهم النهائي” ليشمل فئات اجتماعية أخرى ، الأمر الذي كان سيؤدي في النهاية إلى تدمير أنفسهم .

 بنبرة تشاؤمية واضحة ، توصلت حنّا أرنت إلى استنتاج مفاده أن الإحساس الحاد بالغربة الاجتماعية ، و الوحدة ، و العزلة هو أول نذير للظاهرة الشمولية – وهي ظاهرة من غير المرجح أن تختفي من المجتمعات الحديثة .

 و تجدر الإشارة إلى أن ملاحظات آرندت بشأن حكم الغوغاء قد تم تطويرها في وقت سابق من هذا القرن بشكل مقنع من قبل غوستاف لوبون و خوسيه أورتيجا و جاسيت و إلى حد ما لويس روجير – باختصار أولئك المؤلفين الذين يدعي اليمين الجديد أنهم  الأجداد الروحيون .  بينما نمضي قدماً ، سنحاول شرح المواضع التي يتفق فيها اليمين الجديد مع نظريات أرنت و أين يعتقد أنها تبدو ناقصة .

 المؤلف الآخر الذي طور نظرية مميزة عن الشمولية هو جاكوب إل تالمون ، الذي يؤرخ جذور الشمولية في وقت مبكر من التاريخ .  على غرار باريتو و جيرارد والتر ، يتتبع تالمون الأنظمة الشمولية الحديثة إلى اليوتوبيا الألفي ، و المعتقدات الدينية و الشيلية ، و أحفادهم العلمانيين الذين نشأوا في بداية القرن الثامن عشر .  

يكتب تالمون في كتابه أصول الديمقراطية الشمولية :

 أنّ الديموقراطية الشمولية ، بعيدة كل البعد عن أن تكون ظاهرة النمو الحديث ، و خارج التقاليد الغربية، تمتلك جذور مشتركة إلى رصيد أفكار القرن الثامن عشر.  تشعبت كإتجاه منفصل و محدد في سياق الثورة الفرنسية و كان له استمرارية مستمرة منذ ذلك الحين .

 الشمولية ، و لا سيما الشمولية الشيوعية ، هي رد الفعل العكسي المؤسف للموضوع الديمقراطي الذي ظهر في عصر التنوير .  يلاحظ تالمون أنّ الأديان العلمانية الحديثة التي حفزت الشمولية أصبحت مرئية في تعاليم مابلي و كوندورسيه ، و خاصة نظرية روسو عن الإرادة العامة .  يلاحظ تالمون في الواقع الأحداث الشمولية الأولى في الثورة الفرنسية و عهد الإرهاب ، لا سيما عندما أظهر اليعاقبة ، مثل سانت جاست و بابوف ، “مزاجاً شمولياً ومخلصاً” مشابها ، موروثا عن روسو .

بالنسبة لتالمون ، فإن حاكم روسو هو الإرادة العامة الخارجية التي تمثل النظام الطبيعي و المتناغم . و قد كتب أنّه “بالاقتران بهذا المفهوم مع مبدأ السيادة الشعبية و التعبير الشعبي عن الذات ، أدى روسو إلى نشوء ديمقراطية شمولية” . كما يلاحظ تالمون ، فإنّ هذا المفهوم لسيادة الشعب لم يكن مستوحى من الرغبة في منح جميع الناس صوتاً ونصيباً في الحكومة بقدر ما كان مستوحى من الاعتقاد بأنّ السيادة الشعبية ستؤدي إلى المساواة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية الكاملة .

 بعد ذلك ، تطور أحد تلك الموضوعات الديمقراطية التي ظهرت في القرن الثامن عشر إلى ليبرالية كلاسيكية ، في حين اندمج الآخر في الشمولية الديمقراطية أو الشيوعية .  

كما يلاحظ تالمون : “كان المفهوم اليعقوبي و الماركسي عن المدينة الفاضلة الذي كان من المقرر أن ينتهي فيه التاريخ متشابهاً بشكل ملحوظ” . كلاهما كان عليهما اللجوء إلى العنف .  بالنسبة لتالمون ، تصبح الديمقراطية الشمولية في الشيوعية شمولية ضد إرادتها .  في الاتحاد السوفيتي ، تطورت، ليس لأنها رفضت مبادئ التنوير و السعادة البشرية – و لكن على وجه التحديد لأنها تبنّت الكثير من موقف الكمال و “الصبر” تجاه هؤلاء” .

 مبادئ :

 تطورت الديمقراطية الشمولية في وقت مبكر إلى نمط من الإكراه و المركزية ليس لأنها  رفضت قيم الفردانية الليبرالية في القرن الثامن عشر ، و لكن لأنها هي كانت كذلك في الأصل .

 لقد جعلت من الإنسان النقطة المرجعية المطلقة . و يجب التأكيد على أنّ نظرية تالمون عن الشمولية قد استخدمها العديد من المؤلفين المحافظين في تصوير الواقع السياسي للأنظمة الشيوعية ، على الرغم من أنه ، كما سنرى . يتقصى اليمين الجديد أبعد من إرادة روسو العامة و الثورة الفرنسية من أجل الكشف عن  جذور الشمولية .

 قبل دراسة نظرية الشمولية الخاصة باليمين الجديد ، يجدر ذكر اسم ريمون آرون ، و هو كاتب ليبرالي كلاسيكي لا تزال نظرياته الشمولية مستخدمة في تحليل أزمة المجتمع الحديث .  بالنسبة إلى آرون ، كما هو الحال بالنسبة لكارل ج.فريدريك ، فإن الشمولية هي في المقام الأول نتيجة لتضخم الساحة السياسية (السياسة) ، و فرض قيود أيديولوجية من قبل الشرطة أو الحزب الحاكم . أكثر من أي مؤلف آخر ، يرى آرون في المبالغة في تقدير الطابع السياسي و الملزم للأيديولوجيا ، الأصول الرئيسية للشمولية .  

بعبارة أخرى ، المعتقدات السياسية القوية و التعصب الإيديولوجي مدفوعين من حزب واحد ، السبب دائما بالجراثيم الشمولية .

يمكن ملاحظة أنه في تعريف الشمولية إما احتكار الحزب أو ال يمكن اعتبار سيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية أو الإرهاب الأيديولوجي أمراً أساسياً، و تكتمل الظاهرة عندما تتحد كل هذه العناصر و تتحقق بالكامل .

على غرار تالمون و أرندت ، يميز آرون بين الشمولية النازية و الشمولية الشيوعية .  بالنسبة له ، كانت الأولى منحرفة في جوهرها لأنها مجسدة بالفعل في أيديولوجيتها الخاصة .  على النقيض من ذلك ، أصبح الأخير شمولياً باتباع خط الكمال و الطوباوية ، كما أشار تالمون أيضاً .

  في التحليل الأخير ، الشمولية بالنسبة لآرون هي “طوعية” في النازية ، لكنها “غير إرادية” في الشيوعية .  يلاحظ آرون أن “[الشمولية السوفيتية] من أجل خلق ملاك ، تخلق وحشاً .  

بالنسبة إلى العهد النازي: يجب ألّا يحاول الإنسان أن يشبه وحشاً مفترساً، لأنه عندما يفعل ذلك ، يكون ناجحاً للغاية .

 قبل أن ننتقل إلى نظرية الشمولية لليمين الجديد ، من المهم أن نلاحظ أن الفقرات السابقة ليست سوى جزء بسيط مما كتب حول موضوع الشمولية . فضلاً عن ذلك ، لم يلقِ أيٌ من المؤلفين اللوم ، كما يفعل اليمين الجديد ، على اليهودية – المسيحية ( الاديان الابراهيمية) باعتبارها المحرك الرئيسي للشمولية .

 الكاتب المحافظ الجدير بالذكر في مناقشتنا للاستبداد هو كارل بوبر ، الذي ينظر إلى نظرياته عن الشمولية بشكل إيجابي من قبل اليمين الجديد .  على عكس المؤلفين السابقين ، يميز بوبر آثار الشمولية في المثالية المثالية لأفلاطون .  في كتابه الشهير ، تعويذة أفلاطون (المجلد الأول من كتابه المجتمع المفتوح و أعدائه) ،

كتب بوبر أن :

 “برنامج أفلاطون السياسي ، بعيداً عن كونه متفوقاً أخلاقياً على الشمولية ، هو في الأساس متطابقة معها” .

 تصريحات بوبر عن أفلاطون الذي يعتبره عدو الحرية و مبشّر الدولة الشمولية ، تشبه إلى حد بعيد نقد باريتو و سوريل السابق لحالة أفلاطون ، حيث رأى كلاهما تجسيداً لمثالية سياسية مثالية خيالية و شيليالية .

 وفقاً لـ بوبر ، كان أفلاطون يعارض أي تغيير اجتماعي داخل كيانه الهرمي الصارم الذي تم تصميمه ليبقى إلى الأبد .  كان التقسيم الطبقي الاجتماعي داخل دولة أفلاطون ضرورة أخلاقية وكذلك قاطعة بالنسبة للمواطنين الذين كانوا سيعيشون فيها .  

يكتب بوبر :

 أود أن أوضح أنني أؤمن بصدق شمولية أفلاطون.  مطلبه كان الهيمنة المطلقة لطبقة واحدة على البقية بلا هوادة، لكن مثالتيه هذه لم تكن أقصى استغلال للطبقة العاملة من قبل الطبقة العليا ؛  بل كان استقرارية الجميع .

 لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن كتاب بوبر نُشر لأول مرة بعد فترة وجيزة من الحرب و أن وصفه لدولة أفلاطون يذكرنا بشكل غريب بالهيكل التنظيمي و السياسي الحقيقي لألمانيا النازية .  ممّا لا شك فيه أن معظم المؤلفين الذين ناقشوا هنا قد عانوا شخصياً من صدمة النازية ، و بالتالي لا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن نظرياتهم تنتقد الاستبداد النازي أكثر من الاستبداد الشيوعي .

 و مع ذلك ، يبدو أن ميزة بوبر و أرنت و تالمون و غيرهم من المؤلفين تتمثل في الوعي بوجود أشكال مختلفة من الشمولية ، و أن الافتراضات المتسرعة فيما يتعلق بالفرنسية أو البيرونية أو الفاشية الإيطالية أو السلازارية ، كأشكال من الشمولية ، ليست دائماً صحيحة .

اليمين الجديد عن الشمولية :

 بينما لم يرفض مؤلفوا اليمين الجديد نظريات الشمولية هذه تماماً ، فقد قاموا بتعديلها بشكل كبير من خلال إضافة تفسيراتهم الخاصة و كذلك تفسيرات بعض المؤلفين المحافظين الآخرين .  كتب مايكل ووكر ، المؤلف الإنجليزي لليمين الجديد ، أن التفسير الليبرالي للاستبداد يجب أن يعامل بحذر شديد .  على الرغم من أنه يتفق مع العبارة القائلة بأن الشمولية الفاشية و الشيوعية “متطرفة” و غير متسامحة ، إلّا أنه ينبغي ألّا يتبع ذلك أنّ الليبرالية يجب أن تظل دائماً محصنة ضد شموليتها المحلية .  فضلاً عن ملاحظات ووكر ، يتمتع المنظّرون الليبراليون بميزة تاريخية في تقديم تعريفات “موضوعية” للشمولية ، بالنظر إلى حقيقة أن الدول الليبرالية كانت مفيدة في هزيمة النازية .  بالإضافة إلى ذلك ، فإن خصمهم الأيديولوجي الآخر (و لكن أيضاً حليفهم أثناء الحرب) ، الإتحاد السوفيتي ، يتشاطر وجهة نظر نقدية و عدائية بنفس القدر فيما يتعلق بالشمولية النازية مثل البلدان الليبرالية المنتصرة نفسها .  يكتب ووكر :

 “تركت الهزيمة الكاملة للاشتراكية القومية الليبرالية باعتبارها الأيديولوجية السياسية المتماسكة الوحيدة في العالم ضد الماركسية .  لطالما كانت الليبرالية تقليدياً معادية للتأسيس الأديان .. بالنسبة للعديد من المعلقين الليبراليين ، ‘الشمولية’ و ‘الدينية’ تعني نفس الشيء في السياق السياسي .. أكثر الديانات احتقاراً لليبرالية هي الاشتراكية القومية دائماً  و ليس الشيوعية ، لأنه بينما الشيوعية ، من حيث المبدأ على الأقل ، تدعي أنها تعمل من أجلها تحرير الفرد ، الاشتراكي القومي لا يعترف بأيّ وقت في المستقبل عندما يمكن للفرد أن يتحرر من عقائد الحتميات العرقية .  من عند هذه الحقائق هي أن الليبرالي يدافع عن ‘النوايا’ الشيوعية لكنه يدين ‘الأساليب’ ، في حين أن الاشتراكية القومية و الفاشية (يُنظر إليها على أنها متعاونة مع الطرف الأقصى مخافظة ultra-conservative ) تُدان خارج المحكمة !” .

 بالنسبة لمايكل ووكر و مؤلفي اليمين الجديد ، لا يمكن الحكم على الشمولية فقط من خلال الأساليب التي تستخدمها ، مثل إرهاب الشرطة أو المعسكرات أو غرف الغاز ، لأنّ هذه الأساليب لا تفسر الأسباب الأكثر عمقاً التي أدت إلى ظهور الانحرافات الشمولية .  الأهم من ذلك هو ما إذا كان نظام معين يهدف إلى احتضان مجمل وجود الإنسان و كلية الحقيقة ، و التي ، وفقاً لـ ووكر ، هي سمة مشتركة ليس فقط في النازية أو الشيوعية ، و لكن في الليبرالية الحديثة جيداً .  

يستمر ووكر :

 بعبارة أخرى ، توجد ليبرالية شمولية .  إذا ظهر هذا التعبير على أنه ملف تناقض لفظي ، فإنه يوضح إلى أيّ مدى تمّ تدريبنا على فصل الليبرالية عن أي نفحة من الشمولية . معاييرنا للحكم على ما هو شمولي (الأفكار المتطرفة ، معسكرات الاعتقال ، و الشرطة السرية ، التحيّز الذكوري ، و  تبجيل الدولة) ، هذه المعايير و كإنما هي بالصدفة تستبعد بشكل جيد جميع الأساليب الليبرالية المحتملة لممارسة السلطة !

 بعبارة أخرى ، يقترح ووكر ، مثله مثل غيره من منظري اليمين الجديد ، أن الليبرالية تصبح شمولية في الوقت الذي تخضع فيه كل جانب من جوانب الحياة البشرية إلى مجال واحد من النشاط الاجتماعي ، أي الاقتصاد .  في كتابهما الأخير( La soft-idéologie ) كرّر كل من فرانسوا برنارد هويغ و بيير باربيز  هذه النقطة بالقول إنّه بقدر ما يمكن لليبرالية أن تفتخر بالتخلي عن السياسة القوية أو التعصب الأيديولوجي ، فإنها مع ذلك فرضت ‘دينها’ الخاص بـ ‘فتشية السلع’ .  و ‘الأيديولوجية الناعمة’ للنزعة الاستهلاكية ، المليئة بالداروينية الاقتصادية الرهيبة .  تمت ملاحظة حقيقة أن الشمولية الليبرالية لا تضطر بالضرورة إلى اللجوء إلى العنف من أجل تنفيذ طموحاتها في الفصول السابقة و لا تحتاج إلى مزيد من التفصيل .  في الشمولية الليبرالية ، كما يلاحظ اليمين الجديد ، يتم ضمان الامتثال الاجتماعي من خلال التكييف الليّن ، و الابتعاد عن السياسة الطوعية ، و ‘المقنعون الخفيون’ المنتشرون في كل مكان ، كما تنبأ سابقاً أورويل و ألدوس هكسلي .

 لمزيد من المناقشة حول الشمولية ، فإن كلود بولين ، الفيلسوف الفرنسي المحافظ ، له أهمية كبيرة .  يعترض بولين على أن الليبراليين يميلون إلى البحث عن أصول الشمولية في المجتمعات الأوروبية التقليدية الكلية و العضوية ، حيث تظل المعتقدات الشعبية والتعلق بالأساطير و العادات الوطنية أقوى بكثير مما هو عليه في البلدان الأنجلو ساكسونية الليبرالية . تم تطوير وجهة نظر بولين و تأييدها بمزيد من التفصيل من قبل الباحث الفرنسي لويس دومونت ، الذي كتب ، في مقالته “المرض الشامل” ، أن تقاليد الجماعية  في المجتمعات الأوروبية القارية لا تفضي بالضرورة إلى الشمولية .

بالنسبة إلى دومونت ، تحدث الشمولية أساساً عندما تنكسر هذه الهياكل الشمولية ، و عندما تتطور المساواة و الفردانية الجامحة في وقت سابق في الليبرالية ، لم يعد من الممكن احتواؤها .  

 على الرغم من أن ملاحظات بولين و دومونت فيما يتعلق بتأثيرات الشمولية لا تخرج جذرياً عن ملاحظات حنّا أرنت ، إلّا أن هذه النظريات ، مع ذلك ، تلقي باللوم على صعود الشمولية على الاقتصادانية غير المقيدة و الفردية المزعجة التي تعد العوامل الرئيسية في التسبب في الشعور بالفائدة والوحدة .  أما بالنسبة لأصول العناصر الفردية و الاقتصادية للمجتمعات الحديثة ، فتتبعها دومون ، مثل ڤينر سومبارت ، و سبان ، و روجييه ، إلى اليهودية و المسيحية وتفرعها ، البروتستانتية .  هذا التفسير للشمولية تبناه أيضاً مؤلفوا اليمين الجديد .

 بعد دومونت ، حاول دي بنوا الكشف عن جذور الشمولية ليس في تفاقم سياسات القوة السياسية أو التقليدية المكيافيلية ، أو في هذه المسألة في الشراسة الأيديولوجية.  بدلاً من ذلك ، يرى الأصول الأولى للشمولية في الكتاب المقدس و التراث الديني اليهودي ، فإن الشرط المسبق لعالم غير شمولي بالنسبة إلى دي بنوا هو العودة إلى الوثنية الدينية و التخلي عن علم الأخرويّات اليهودي و المسيحي .  بالنسبة له ، التوحيد الكتابي هو بحكم تعريفه دين الكلية ، و الذي يستبعد كل “الحقائق” المتعارضة و جميع الأحكام القيمية المختلفة .  و يترتب على ذلك ، بحسب دي بنوا ، أن جميع البلدان المرتبطة بالكتاب المقدس تظهر  شمولية بدائية كامنة .

توميسلاف سونيتش / ضد الديموقراطية و المساواة .
ترجمة و تلخيص : محمد المشاري .

مراجعة تاريخ قصير للبشر الجزء الثاني

‘المأزق المالتوسي’

قبل أن نفهم ما هو [ المأزق المالتوسي ] يجب معرفة  [ التفضيل الزمني ] .

يُعرف هوپه التفضيل الزمني كالآتي : “تكون السلع الحاضرة أعلى قيمة دون شك من الآجلة، ونحن لا نقايض الحاضرة بالآجلة إلا لسعرٍ أعلى . و لكن الدرجة التي تفضّل بها السلع الحاضرة على الآجلة، أي الاستعداد للإدخار، يختلف من شخص لآخر و من نقطة زمنية لأخرى . واعتماداً على مدى تفضيلاته الزمنية ” ¹ 

و يعني ذلك، أن الصيّاد عندما أراد أن يصيد أكبر كمية من السمك؛ صنع شبكةً  . و عندما أراد بناء مأوى ؛ صنع فأساً . 

 و بالتالي لا يستطيع صنع ( فأس أو شبكة ) إلّا عن طريق  الإدخار .  فالأمر يتطلب وقتاً كي يبني سلعة منتجة و هنا فضّل الصياد التضحية بالوقت من أجل صُنع ( شبكة ) لأنّه علمَ أنّ قيمة الاستهلاك أكبر في المستقبل . بدلاً من أن يصيد سمكة واحدة كل يوم، استطاع أن يصيد عشرات الاسماك عندما قضى وقتاً طويلاً في بناء شبكة . 

الآن نفترض أن ذلك الصيّاد يرافقه شخص آخر يتفوق عليه بمميزات معينة سيكون الناتج الإجمالي للسلع أعظم ممَّا لو بقي كل منهما منعزل عن الآخر . و هذا المبدأ يعبر عنه هوپه [ المشاركة في توزيع العمل ] .

لكن المشكلة التي تواجههم هي زيادة حجم السكان التي تؤدي إلى انخفاض الدخل الفردي، و إذا انخفض عدد السكان سيقل الدخل أيضاً لأنّ توزيع المهام سيقل . 

الحل يكمن في أن يبقى عدد السكان ثابتاً .

كيف يبقى عدد السكان ثابتاً ؟ 

يقول هوپه ” فالسبيل الوحيد النمو السكان دون تناقص يصاحبه في الدخل الفردي هو استغلال مزید من الأرض ( وربما أرض أفضل ) . ” ²

و هذا هو [ المأزق المالتوسي ]  الذي يصفه لودفيغ ڤون ميزِس ..

 ” إن الضبط الهادف لمعدل الولادات مع موارد الإمكانات المادية للرفاه، يمثل شرطاً ضرورياً للحياة و الفعل البشري، للحضارة ، و لكل تحسّن في الثروة والرفاه … و حين تعيق مستوى المعيشة المتوسط زيادة مفرطة في تعداد السكان، تظهر صراعات مصالح لا حل لها . فيعود كل فرد عدواً لكل الأفراد الآخرين في صراع لأجل البقاء، و تصبح ابادة الأعداء الوسيلة الوحيدة لزيادة الرفاه الشخصي … و في ظلّ الظروف الطبيعية، لا يملك الإنسان غير حرب الكل ضد الكل بلا هوادة، أو التعاون الاجتماعي . و لكن التعاون يصبح محالاً لو أطلق الناس العنان للدوافع الطبيعية للتكاثر . ” ³

إنّ العلاقة طردية بين زيادة حجم السكان و بين الاستحواذ على المزيد من الأرض الزراعية . 

يشرح هوبة هذه العلاقة :

 ” تلك المكاسب  الاقتصادية كانت تستهلك بسرعة بفضل تعداد متنامٍ يكتسح موارد القوت المتوفرة، ويقود للاكتظاظ و ظهور ( عينات زائدة العدد ) لا مكان لها في توزيع العمل، و بالتالي وجب عليها إمّا أن تموت في صمت أو تصبح تهديداً أو  «شراً» اقتصادياً على هيئة متسولين، مشرّدين، نهّابين، قطّاع طرق أو محاربين . 

و لـهذا، و خلال معظم التاريخ البشري، فقد سيطر القانون الحديدي للأجور . حيث ظلت الدخول و الأجور لصيقة بحد الكفاف، بفضل وجود طبقة معتبرة من العينات زائدة العدد ” ⁴

كيف الخروج من [ المأزق المالتوسي ] ؟ 

يقول الليبرتاريون و على رأسهم ميزِس و روثبارد :

 “لابدّ من وجود بعض العوائق المؤسسية، و بالأخص حماية غير كافية لحقوق الملكية الخاصة، هي ما منع من التطور الأسرع” .

يبدو أنّ هذا التفسير كان خاطئاً بالنسبة لهوپه، فقد قدّم تفسيراً بديلاً :

 “لم يخرج البشر من المأزق المالتوسي لأنّ الرجال، كما أشرنا من قبل، لم يستطيعوا ضبط أنفسهم عن الجنس . و لو فعلوا لما وُجد أيّ فائض سكاني . لكن ذلك سيظل جزءاً من الإجابة فقط . ذلك أنّ ضبط السكان يمكن أن يمنع الدخول الواقعية من الهبوط، لكنه لا يستطيع دفعها للصعود ” ⁵ 

بالإضافة إلى ذلك يقول : “فقد كان مهماً للنجاح في الزراعة أن يمتلك المرء درجة ما من الوعي العددي کي يحسب، يقيس، و يقارن . و قد تطلب الأمر ذكاءً للتعرف على ميزات توزيع العمل داخل الأسرة و التخلي عن الاكتفاء الذاتي و قد تطلب قدراً من إجادة الكتابة كي تصمم العقود و تؤسس العلاقة التعاقدية . كما تطلب الأمر بعض المهارة في التدقيق المالي و المحاسبة بهدف النجاح الاقتصادي” ⁶

لم يعد هناك أيّ تطفل كما كان الحال في ظروف الصيد و الجمع  و بسب التفاوت الاجتماعي، أي إختلاف المهارات بين مزارع و آخر و نتيجة الظروف البيئة بين كل منطقة .

يقول : ” فكلما كانت البيئة أشد تحدياً، تزايد الثمن الذي يفرض للذكاء كشرط للنجاح الاقتصادي، و من ثم التكاثري . و لهذا فإن نمو الذكاء البشري يكون أبرز في أقسى المناطق الشمالية إجمالاً، وفقاً للتاريخ التي استوطنها البشر” ⁷

و “بإزاء هذا المخطط العام للبيئة و الجغرافيا البشرية، التي يعدل عليها و يزيدهاً تعقيداً وجود سلاسل الجبال، الأنهار، و المسطحات المائية، يتضح لنا السبب في أن الانتقاء الطبيعي لذكاء أعلى بين الصيادين الجامعين سيكون أبرز كلما اتجه المرء شمالاً ( أو جنوباً ) نحو أبرد مناطق الاستيطان البشري . لا شك في أن قدراً معتبراً من الذكاء كان مطلوباً من البشر كي يعيشوا بنجاح في المنطقة المدارية . ولكن الثبات شبه المتزن للمنطقة المدارية مثل قیدة طبيعية على المزيد من التقدم الذكاء البشري . فلأن كل الأيام كانت تشبه بعضها في المنطقة المدارية، لم تكن هناك حاجة كبيرة لدى أي شخص لأخذ أيّ شيءٍ بالاعتبار في أفعاله عدا محيطه المباشر، أو التخطيط لأيّ شيء أبعد من مستقبله القريب العاجل . و في تضاد واضح، فإن تفاوت الفصول المتزايد في المناطق غير المدارية أنتج بيئةً أشد تحديا للعقل” ⁸

في قرابة 11 الف سنة كان كل تقدم تقني مهم قد ظهر قد ظهر في المناطق الشمالية أي أوربا في المعظم و في حالة الخزف في  اليابان  أمّا الأدوات في المنطقة المدارية ظلت دون تغيير . 

و بتعبير هوپه أنّ التأخير للخروج من المأزق المالتوسي الذي  حدث كل هذا الوقت

  هو : ” أن البشر ببساطة لم يكونوا أذكياء بما يكفي لتحقيق زيادات في الإنتاج تستطيع دوماً أن تتجاوز نمو السكان . فلابدّ من الوصول أولاً لمستوى الذكاء المتوسط و الاستثنائي کي يصبح ذلك ممكناً، فقد استغرق ذلك وقتاً ( حتى قرابة عام 1800 ) حتى «يتولّد» هذا المستوى من الذكاء . و يمكن لهذه النظرية أن تفسر حقيقة مدعمة و معززة جيداً في أبحاث الذكاء، و لو أنّها تظل متجاهلة بإصرار -بسبب الصواب السياسي- أنّ معدل ذكاء الشعوب ينخفض تدريجياً كلما اتجه المرء من الشمال إلى الجنوب (من حوالي 100 نقطة أو أكثر إلى حوالي 70 في أفريقيا جنوبالصحراء ) . وبنحو أخص ، يمكن لهذه النظرية بهذا النحو أن تفسر لماذا ظهرت الثورة الصناعية ثم هيمنت فوراً على بعض المناطق -الشمالية عموماً- لا على غيرها، ولماذا كان هناك دوماً فروق مناطقية ثابتة في الدخل، و لماذا أمكن لهذه الفروق أن تزداد ( و لا تقل ) منذ عصر الثورة الصناعية ” ⁹

ما هي التداعيات التي يواجهها هذا المخطط ؟ 

1- أن نظرية التطور الإجتماعي تنطوي على انتقاد المساواتية و تثبت أن للفروق البشرية مصادر بيولوجية و فطرية على عكس ما يظن باقي الاقتصاديين أنّ هذه الفروق نتيجة الظروف الخارجية المختلفة .

2 -في ظلّ الظروف المالتوسية لا تكون الدولة مهمة جداً . فالدولة الأكثر استغلالية تؤدّي إلى عدد سكان أقل و بالتالي دخل فردي أقل . 

فإن مؤسسة استغلالية كالدولة يمكن أن تنمو باستمرار دون أن تخفض الدخول الفردية و تقلص عدد السكان . و من ثَمَّ ستصبح الدولة عائقاً دائماً للاقتصاد و الدخول الفردية . 

 3- في الظروف المالتوسية ينتج الأنجح اقتصادياً مزيداً من الذرية .

أمّا في الظروف ما بعد مالتوسية، فالمعاقون اقتصادياً ينتجون ذرية أكبر بوصفهم الزبائن الأهم للدولة الديمقراطية و على العكس فالناجح اقتصادياً ينتج ذرية أقل . 

_______________

1/  ص 81

 2/ ص 83 

3/  ص 83 

4/  ص 90 

5/  ص 92 

6/  ص 97

7/  ص 98 

8/ ص 103

9 / ص 105- 106

مراجعة كتاب تاريخ قصير للبشر الجزء الأول

كتبها : أحمد حمندي

يعد هانز هيرمان هوبه من أبرز الباحثين الليبرتاريين اليمينيين paleo-libertarians في هذا العصر ، حصل على الاستاذية في الاجتماع و الإقتصاد من جامعة ( غوته) ، وله مسيرة اكاديمية باهرة .

يقول هوبه عن كتابه تاريخ قصير للبشر :

ان ما يميز دراساتي هو أنها تفسر وتؤول تاريخ البشر من المنظور الفكري لليبرتارية النمساوية : مع خلفية معرفية في التصرفية ( الاقتصاد ) والليبرتارية ( الأخلاق ) .

يكشف هانز هيرمان هوبه في هذا الكتاب كيف يمكن لدروس الاقتصاد النمساوي ان تستخدم لمساعدتنا على فهم التاريخ .

و كما يقول ليولين روكيل “يمثل هذا العمل مقدمة مثالية لأفكار مفكر اجتماعي عظيم و ليبرتاري رائد . “

عند قراءة هذا الكتاب تشعر أن المؤلف يمسك كاميرا فيديو و يسجل من خلالها التاريخ البشري قبل 50 الف سنة ، ثم يُجزئها إلى ثلاث مراحل :

اولًا : كيف نشأت العائلة و الملكية الخاصة ؟

يجد هوبة ان انسب بداية لقراءة التاريخ البشري قبل حوالي 50 الف سنة حيث تطور فيها الانسان الحديث سلوكيا.

تتضمن هذه الفترة وجود (الصيادين و الجامعين) و لعل أهم ما يميزها كنقطة بداية الدراسة تاريخ الانسان هو إستخدام أدوات متقدمة في الصيد ( كالسهام، النصال، السكاكين ..) بالإضافة إلى صنع القوارب و الادوات الموسيقية من عظام الطيور .

و أبرز ما حدث فيها هي تغيرات جينية قادت إلى ظهور اللغة ؛ إذ يمكن للانسان التواصل و اكتساب المعرفة .

يقول هوبة بهذا الصدد

” و لكن حياة الجامعين – الصائدين واجهت تحديا أساسيا دون حل جوهري . فقد عاشوا حياة طفيلية في جوهرها : أي أنهم لم يضيفوا أي شيء إلى موارد السلع التي توفرها الطبيعة ، ولم يؤد ذلك إلا لاستنفادها . ولم ينتجوا ( غير أدوات قليلة ) بل استهلكوا فحسب ، ولم ينموا أو يربوا بل انتظروا من الطبيعة أن تولد وتجدد . وفي أفضل الأحوال ، فإن إنجازهم تمثل بعدم الإفراط في الصيد أو الجمع بحيث لم تمر عملية التجدد الطبيعية بما يقلقها أو يدفعها للتوقف ” ¹

و بسب تزايد حجم السكان فقد قامت مجتمعات الصيد بقتل الأطفال و حرّضت على إجهاض النساء

“فقد ظهرت خیارات ثلاثة فقط للتعامل مع التعداد « الفائض » المستمر بالتزاید . فيمكن للمرء أن يقاتل على مصادر الغذاء المحدودة ، ويمكن أن يهاجر ، ويمكن أن يخترع ويتبنى نمطا جديدا ومتقدما تقنيا للتنظيم الاجتماعي ، يسمح لحجم أكبر من السكان بالبقاء على نفس البقعة ” ²

و بسب سهولة الصيد نتيحة لإختراع أدوات متقدمة كما تم ذكرها آنفًا ؛ أدى ذلك إلى زيادة الموارد ( اللحوم) لكن الطبيعة الاستهلاكية لمجتمع الصيادين كانت ستقضي على المعدل الطبيعي للحيوانات و قد تصل لإنقراضها حتى و إن لم تحدث زيادة في حجم السكان .

و هذا ما يعبر عنه هوبة [ بالمشكلة المالتوسية] .

نتيجة لذلك حدث تحول من نمط حياة طفيلي إلى نمط حياة منتج عبْرَ ما يسمى [ بالثورة النيوليثية ] التي تعتبر أعظم حدث في التاريخ .

و يعني بها التحول من إنتاج الطعام بواسطة الصيد إلى انتاجه عبر تنشئة النباتات و تربية الحيوانات.

بدأت الثورة النيوليثية في منطقة [ الهلال-الخصيب] قبل 11 الف سنة.

” أن الأرض كانت تعد ملكية خاصة في مجتمعات الصيد والجمع . ولكن هل كانت ملكية جماعية ؟ هكذا كان الافتراض عادة في هذه المسألة ، بنحو يصل للبداهة . ولكن السؤال في الواقع أشد تعقيدا ، لأن هناك بديلا ثالثا : أن هذه الأرض لم تكن ملكية خاصة أو جماعية ، بل مثلت جزءا من البيئة أو بنحو أخص الظروف العامة للفعل ، أو ما يسمى أيضا « الملكية المشاع أو بإيجاز المشاعات » ” ³

يعطي هوبة مثالا يوضح كيف تحولت [ الملكية الجماعية] إلى [ ملكية فردية ]

“من المؤكد أن الأعناب المقتطفة من شجيرة تعد ملكية ، ولكن ماذا عن الشجيرة المرتبطة سببيا بالأعناب الملتقطة ؟ ….. أي ما أن تدخل الإنسان بنحو هادف في العملية السببية الطبيعية التي تربط الشجيرة بالأعناب ، عبر سقيها أو تقليم أغصانها كي تنتج حصيلة معينة كإنتاج للأعناب يتجاوز المستوى الذي كان يتوفر طبيعيا . كما أن الشجيرة ما أن أصبحت ملكية عبر تهذيبها أو العناية بها ” ⁴

” بناء على اعتباراتنا السابقة ، يجب أن يعد القطيع طبيعة غير ممتلكة ما دام الإنسان لم يقم بأي شيء يمكن أن يفسر ( وكان يقصده في فكره ) بنحو مرتبط سببيا مع إشباع حاجة معينة . ولم يصبح القطيع ملكية إلا حين شروط التدخل في السلسلة الطبيعية للأحداث لإنتاج نتيجة مرغوبة ما . هكذا كان الموقف مثلا ما أن بدأ الإنسان في رعي الحيوانات ، أي في التحكم فعلا بحركة القطيع . فالراعي عندئذ لم يملك القطيع فحسب ، بل وأصبح مالكا لكل النتاج المستقبلي الذي يتولد طبيعيا عن هذا القطيع ” ⁵

يجيب هوبة على السؤال الأهم متى أصبحت الأرض ملكية ؟

” ولم تصبح الأرض ملكية إلا حين تخلى الرعاة عن الرعي واتجهوا إلى تربية الحيوانات بدلا منها ، أي ما أن أصبحوا يعاملون الأرض كمورد ( نادر ) كي يتحكموا بحركة التحكم بالأرض . ولم يحدث ذلك إلا حين أصبحت الأرض محددة بنحو ما ، عبر تسييجها أو بناء عقبات أخرى ( كالخنادق ) تقيد من الحركة الحرة والطبيعية للحيوانات . وبدلا من كونها مجرد عامل مساهم في إنتاج قطعان الحيوانات ، فقد أصبحت الأرض بهذا عاملا إنتاجيا أصيلا ” ⁶

ان ما جعل تلك الفترة حدث مهما في التاريخ الانسان هي درجة الذكاء التي ساعدت على فكرة زرع المحاصيل و تجميعها مثل ( الحنطة ، الشعير، الزيتون..) بدلا من استهلاكها فقط .

و الأصعب هو رعاية و استيلاد و ترويض الحيوانات مثل ( الحصان ، الكلب ، الاغنام، الخنزير، الابقار ، الماعز ..)

لكن مع كل هذا لم تحل سوى نصف المشكلة لأن الأرض باتت تُستغل بشكل أفضل مما أدى إلى زيادة حجم السكان . و تطلب ذلك حلا آخر للسيطرة على هذا التزايد من خلال مؤسسة إجتماعية عُرفت [ بالعائلة] .

كيف نشأت العائلة ؟

“كان قد سبق مؤسسة العائلة هو الجماع الجنسي الغير مقيد ( الزواج الجماعي ) و يعني كل امرأة كانت تعد شريكا جنسيا محتملا لكل رجل و العكس بالعكس و يعبّر الاشتراكيون عن تلك الفترة [ بالحب الحر ] بل و يمجدوها .. يعلق هوبة في هذا النحو “فإن للحب الحر عواقب ، ألا وهي الحمل والولادة ، وأن للولادة منافع وتكاليف أيضا . وليس ذلك مهما ما دامت المنافع تجاوز التكاليف ، أي ما دام الفرد الإضافي في المجتمع يأتي إليه كمنتج للسلع بأكثر مما يأخذ منه كمستهلك – وقد يكون الحال كذلك لبعض الوقت . لكن قانون العائدات يدلنا على أن هذا الموقف لا يمكن أن يستمر للأبد و بدون قيود . فمن المحتوم أن نصل للنقطة التي تتجاوز فيها تكاليف الذرية الإضافية منافعها . وعندئذ يجب أن يتوقف أي إنجاب لاحق – ويمارس التقييد الأخلاقي – ما لم يرغب المرء في تجربة انخفاض مستمر في مستوى المعيشة المتوسط ” ⁷

و لا اجد ابلغ من تعبير توماس مالتوس في تأسيس الأسرة

” إن أشد القيود طبيعية ووضوحا على السكان تمثل في جعل كل رجل ينفق على أولاده ؛ وسيعمل ذلك بنحو ما كدليل ومعیار لزيادة السكان ، بحيث يتوقع ألا يأتي رجل إلى العالم بكائنات لا يملك لها أي وسيلة للعيش ، ولو حصل ذلك فمن الضروري ، کي يتعظ الآخرون ، أن يكال الخزي والضيق الحقيقان بسلوك كهذا على من يلقي دون حذر بنفسه وبأطفال أبرياء في قاع البؤس والفاقة . – إن مؤسسة الزواج ، أو على الأقل شيء من الالتزام الصريح أو الضمني لكل رجل بإعالة أطفاله ، يبدو أنها التيجة الطبيعية لهذه المداولات في مجتمع يعاني من الصعوبات التي وصفناها “

و بشكل ادق ، يقول هوبه ” ومع تشكل الأسر حصل تفكك للعائلة الواحدة إلى عدة عوائل مستقلة ، وبالتالي تشكل ملكية « متعددة » – أي خاصة – للأرض “

________________________

¹/ ص 32

² /ص 33

³/ ص 55

⁴ /ص 57

⁵/ ص 58

⁶/ ص 69

⁷ /ص 70

التعددية الثقافية و الثقة الاجتماعية

كتبهـا : كيري بولــتون .

ترجمهـــا للعربية : أحمــد سعــدون .
اقتراح و مراجعة : محمد المشـــاري .

أفضت مراجعةٌ ميتا-تحليلية واسعة لتأثير التنوع العرقي على الثقة الاجتماعية إلى أن هناك خطباً جسيماً في استخدام الشعارات من قبل السياسيين والأكاديميين ومسانديهم بخصوص المنافع المزعومة للتنوع العرقي . الدراسة هي : التنوع العرقي والثقة الاجتماعية: مراجعةٌ سردية و ميتا-تحليلية، نُشرَت هذه الدراسة على الإنترنت تمهيداً قبل نشرها في المراجعة السنوية للعلم السياسي

the Annual Review of Political Science :Volume 23, 2020 .

وجد باحثون من جامعة أوكسفورد أن الإنحياز العنصري المُضمَر من الممكن تقليله بإستخدام دواء القلب بروبرانولول Propranolol ‘الذي يقوم بتثبيط الجهاز العصبي اللاإرادي الطرفي و أضاف المؤلف المشارك في هذه الدراسة جوليان سافوليشكو البروفيسور في كلية الفلسفة من جامعة أوكسفورد: “إن مثل هذه الأبحاث تثير الإحتمالية المحيرة بأن سلوكياتنا العنصرية اللاواعية من الممكن تعديلها بإستعمال الأدوية، إحتمالية تتطلب تحليلاً أخلاقياً متأنياً” .

إن ما يصرف النظرَ عنه هؤلاءُ العلماءُ هو إحتمالية أن هذا الإنحياز العنصري المضمر، المتواجد على مستوى اللاوعي، هو آليّةٌ للبقاء على قيد الحياة تطورت على مدى آلاف السنوات . حيث يقترح السير آرثر كييث -عميد علماء الأنثربولوجيا البريطانيين- أن وجود قانون أخلاقي متبادل من الإيثار بين صفوف الجماعة الواحدة، و التشكيك بمن هم غير منتمين للجماعة هو سلوك فِطري لضمان ديمومة وجود هذه الجماعة . في عصرنا الحالي يُقال لنا أن هذه الصفات الأولية ينبغي أن تُمحا بإستخدام الهندسة الاجتماعية و الترسيخ الايدلوجي وحتى الإستعمال الإجباري للأدوية على نطاق واسع . في أيام كييث، كانت العالَميّةUniversalism يُنظَر لها بأنها موجة المستقبل التقدميّة، بمصطلح مشابه لما يسمى حالياً العولمةGlobalization  والوحدتية البشرية .

تشير اختبارات اوكسفورد هذه إلى أن هذه العنصرية المُضمَرة هي فِطرة بايولوجية كما يصفها السير ارثر كييث؛ لذلك فإن ظاهرة عدم الثقة الاجتماعية المنتشرة والراسخة في المجتمعات المتعددة الثقافات، من المرجح أنها منغرسة في الجهاز العصبي اللاإرادي . هذا الإعتلال الخلقي المستمر -كما يرونَه- يمكن معالجته بإضافة كميات كبيرة من البروبرانولول في أنابيب إمدادات المياه العامة كطريقة من طرق العلاج الجَمْعي الإجباري . و بما أن العنصرية تُعتبر سبباً من أسباب الأمراض، لذلك يمكن تبرير علاجها بأنها قضية من قضايا الصحة العامة !

دراسة بوتنام

 من بين الدراسات العديدة التي استُشهِد بها في هذه المراجعة التحليلة، هي التي أجراها عالم العلوم السياسية في جامعة هارفارد الدكتور روبرت د. بوتنام و التي شملت 40 مجتمعاً و30,000 نسمة في الولايات المتحدة، أجريت هذه الدراسة في عام 2007 و أفضت نتائجها إلى أن التنوع العرقي يقلل من الثقة الاجتماعية ويولِّد مشاعراً من الضعف والعزلة .

 بوتنام و علماء اجتماع آخرون لم يتمكنوا مراراً من الحصول على النتائج التي تمنوها، مع ذلك ظلوا متفائلين بأن التنوع العرقي من الممكن إنجاحه من خلال البحث عن الأمثلة في ظروف/ حالات تم ابتداعها، حيث يتم خلق “المصالح المشتركة”؛ بطريقة أقلَّ ما توصف به أنها تتحايل على النتائج في الظروف الطبيعية بصورة مؤقتة أو جزئية، في عالَمٍ يمكن للخراف ان تجالس الوحوش الضارية باطمئنان ! 

أعطى بوتنام نظرة متفائلة -من وجهة نظر ليبرالية- بأن دراسته عن التشرذم الاجتماعي الناتج من التنوع العرقي، يمكن تفاديها من خلال التدقيق في هذه الحالات التي تمّ ابتداعها مثل المؤسسات العسكرية والدينية :

لكن على المدى البعيد، فإن مجتمعات المهاجرين الناجحة قد تغلبت على هذه التفرقة من خلال إنشاء أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي و هويات إجتماعية شاملة أكثر. حيث تُنشَر رسوم عن الإرتياح للتنوع العرقي مقتبسة من الجيش الأمريكي والمؤسسات الدينية و الموجات الأولى من المهاجرين الأمريكيين. “

إن هذه المجتمعات الظرفية Situational Communities قد تأخذ بعضاً من صفات المجتمعات العرقية . فالظرف الذي يتطلب تشكيل مجتمعاً سيخلق بحد ذاته شعوراً بالتضامن مع المنتمين لها و هوية خاصة مقارنة بمن هم خارجها وسِمات هذه المجموعة قد تطغى حتى على سِمات العرق البايولوجي . لذلك فإن أفراد قوات المارينز لهم أخلاقياتهم الخاصة و هيكليتهم و تاريخهم و هدفهم الخاص بغض النظر عن تركيبتهم العرقية مقارنة بمن هم غير منتمين للبحرية؛ كذلك الحال بالنسبة لناسكي الأديرة، الفرق الرياضية، فرق عزف الأوركسترا و أخويّات الكلية .

 من الممكن أن تُبنى ‘أمة’ ما من خلال إندماج عدة جماعات عرقية في جماعات جديدة، إذا كان بناء الأمة والدولة قوياً بما فيه الكفاية بالأخص من ناحية أخلاقيات المنتمين للجماعة مقارنة بمن هم خارجها . فاليهود و اليهودية هي مثال واضح قوي عن هذا المفهوم . مع ذلك فحتى إسرائيل التي تعد ربما أفضل دولة ممكنة تم بناءها على أساس تكوين جماعة معينة عابرةٍ لحدود العنصرية و التي أُسِست على أساس إندماج عدة جماعات عرقية على مدى الاف السنوات وترابطها حول أخلاقيات ومنظومة أساطير قوية، حتى هي بقيت منقسمةً بين السيفاردية والأشكنازية و بيتا إسرائيل !

الوحدة تتحقق في التنوع ؟

هل المجتمعات الظرفية  -كما وصفها بوتنام- بالضرورة قادرة على الحفاظ على استقرارها عند تعرضها للضغوط ؟ يشير بوتنام إلى مجتمع الجيش كمثالٍ عن مجتمعٍ يتمكن من المحافظة على الوَحْدة في طل التنوع ! لكن هل هذا حقاً ممكن ؟

 إن ولاء الجيش عندما يوضع تحت الضغوط كان دائماً مسألة مثيرة للقلق بالنسبة للحكام. ففي ورقة نشرت عن تجربة الجنود السود في فيتنام :

“من أقل جوانب تاريخ حرب أمريكا وفيتنام شهرةً وأكثرها أهمية هو جانب التمرد الداخلي الذي إجتاح الجيش الأمريكي. من سجن بينه في فيتنام الى قاعدة ترافيس الجوية في كاليفورنيا إلى حاملات الطائرات في بحر الصين الجنوبي، كانت القوات المسلحة تواجه مقاومة وإضطرابات واسعة. المعنويات والإنضباط العسكري إنخفض إلى أدنى مستوياته في عموم الجيش. حيث إنتشرت في الخفاء جرائدُ هيئات رافضة للحرب في كل مكان. ومعدلات الغياب غير المرخص وصلت الى مستويات غير مسبوقة: ففي عام 1971 كان هنالك 17 حالة غياب من دون إجازة و7 حالات هروب لكل 100 جندي في الجيش. كما حصلت أشكال أقسى من التمرد من قبيل- إدمان المخدرات، إنتفاضات عنيفة، عصيان للأوامر وحتى إعتداءات ضد القادة. كمحصلة لهذه المقاومة ضمن صفوف الرتب العسكرية كان شرخاً كبيراً في فاعلية الجيش والقدرة القتالية. ففي عام 1969 فَتِئ الجيش عن القيام بوظيفته كقوة قتالية فعّالة و بدأ بالتفكك سريعاً . حيث تحتم إنسحاب القوات المسلحة من إندوتشينا للحفاظ على ديمومتهم ليس إلا. من أكثر الأفراد تمرداً في وقتها كان جنود المشاة السود من بين كل الجنود في حرب فيتنام، كان الجنود السود وبقية الأقليات على الدوام أكثر الجنود فاعلية في مناهضتهم للحرب وللظلم العسكري . إن موجات التمرد التي هزت المدن الأمريكية مثل مدينة واتس ونيوارك وديترويت، إندلعت في مؤسسات كبرى للجيش في السنوات اللاحقة. والنتيجة كانت جيشاً مُزِّق بالتمرد العرقي”

‘تجربة السود’ في الولايات المتحدة الأمريكية كانت أقل من قادرة على غرس قاسم مشترك في نفوس جنود المشاة السود مع رفقائهم البيض في حربهم ضد العدو الظاهري . في الواقع، كان العدو بالنسبة للجندي الأسود هو الجندي الأبيض بينما كان لهم قاسم مشترك مع جيش فيت كونج . إن الإحساس بكونك ‘أمريكياً’ كان أكثر ضبابية من أن يقدِّم قاسماً مشتركاً حتى في هيكلية محكومة بشدة مثل الجيش .

إذا كانت مفاهيم السلطة والهرَميّة والإنضباط العسكري، حتى في وقت مواجهة عدائية مع من هم خارج الجماعة، غير كافية لإدامة شعور الإنتماء لمن هم داخلها، فإلى أي مدى سيلجئ علماء الاجتماع والسياسيون و من معهم إلى الطغيان والإستبداد لتحقيق مآربهم ؟

على الرغم من الأعمال العديدة التي من المفترض أن تُظهِر ‘صفات العنف والإضطهاد التي يتميز بها’ اليمين فإن المهندسين الإجتماعيين في وقتنا الحالي في الأكاديميات والسياسة وعالم الأعمال، هم ورثة اليعقابة و البلاشفة . لم تُراق الدماء على مدى التاريخ مثلما أُريقَت في ظل الدول والأيديولوجيات التي سعت إلى ‘المساواة’ كهدفٍ نهائي .

هذه المراجعةُ تطرح السؤالَ التالي: هل يُضعِفُ التنوع العرقي الثقةَ الاجتماعية؟

هنالك العديد من الدراسات التي بحثت في هذا السؤال على مدى خمس وعشرين سنة، وبنتائج متفاوتة. إن هذه الدراسة الميتا-تحليلية تهدف إلى إيجاد أنماط مشتركة من خلال تحليل البيانات من الدراسات المنشورة والتي شملت 1001 تقديراً من 87 دراسة .

هنالك عدة تعريفات للثقة الاجتماعية تم فحصها:

1- الثقة الاجتماعية العامة ( مع الغرباء) .

2- الثقة بغير المنتمين للجماعة .

3- الثقة بالمنتمين للجماعة .

4- الثقة بالجيران .

أهم النقاشات الدائرة في الدراسات المنشورة : النقاش الأول : لماذا يُضعِفُ التنوعُ العرقي الثقةَ ؟ أي بما معناه لماذا العيش بمقربة ممن هم غير منتمين للجماعة يؤدي إلى عواقب أكثر على صعيد الثقة الاجتماعية ؟

فإذا وظّفت شركةُ تقنياتٍ أمريكية عدداً ملحوظاً من إختصاصيي التقنية الهنود، وتبجحت فيما بعد بالمنافع التي جلبهاالتنوعللشركة، هل يمكننا حقاً أن نقول أن هذه المنافع سببُها التنوعُ العرقي، أو بالأحرى سببها توظيفُ الشركة خصيصاً للأشخاص ذوي الخبرة المتطورة في هذا المجال ؟

في دراسة أجريت عام 2015 من قبل إثنين من مؤلفي هذه المراجعة، دينسين و سونديرسكوف، وجد أن مجرد ‘التعرض لأناس من من خلفيات عرقية مختلفة يُضعِف الثقة الاجتماعية’.  إن هذا مرتبِطٌ بمفهوم النفور من غير المنتمين للجماعة. حيث تلعب ‘الأعراف المشتركة’ وغيرها من العوامل دوراً في ذلك، و أن هذه الأعراف المشتركة تمثل سمةً مميِّزة لما يعرف بالجماعات Ethnos .

وهنا تبرز لنا القرابة الجينية و التي تعد ذاتَ أهمية كبيرة للتيار اليميني، فيما تُعتبَر أقلَّ أهميةً مِن التاريخ المشترك في تكوين الجماعات . سواءً عرّفنا مفهوم الجماعة ككينونة بايولوجية مبنية على أساس التشارك في جينات معينة، أو بأنواع من الحيوية التاريخية Vitalism كما إقترحها يوكي Yockey و شبينجلر Spengler، فذلك لا يُنكِر أنها تعمل على عدة مستويات، الواعية منها واللاواعية .

إن المسعى اليوتوبي إلى إختزال جميع الأفراد في فردٍ عالميٍ غير متمايز عن غيره بإسم ‘الإنسانية’ هو أمر شديد الريبة . فهل إزالة النفور ممن هم غير منتمين للجماعة هو هدف مرغوب فيه حتى ؟ و ما هي العواقب لذلك ؟

قد يشكك البعض بالكليشيهات التي تروج لها كبرى الشركات والوكالات الحكومية بكونها ‘شمولية’ و’متنوعة’، وما توفره لها هذه الصفات من القوة . فإذا وظّفت شركة تقنيات أمريكية عدداً ملحوظاً من إختصاصيي التقنية الهنود، وتبجحت فيما بعد بالمنافع التي جلبها التنوع للشركة، هل يمكننا حقاً أن نقول أن هذه المنافع سببُها التنوعُ العرقي، أو بالأحرى سببها توظيفُ الشركة خصيصاً للأشخاص ذوي الخبرة المتطورة في هذا المجال ؟ فبدلاً من وجود التنوع، سيكون هناك للشركة ثقافةٌ مشترَكة و قيم وأهداف مشترَكة أيضاً، و لكن حتى في مكان العمل، كما سنراه لاحقاً، فإن دينسين قد وجد أن التنوع يُضعِف الثقةَ الاجتماعية .

يشير المؤلفون أيضاً الى إزدياد ‘الثقة بالمنتمين للجماعة’ عندما يدرك المرء بأنه محاطٌ بأفراد من جماعات عرقية مختلفة، كما تشير دراسات أخرى إلى ‘تفضيل الناس الفطري للتفاعل مع الأشخاص المشابهين لهم .

النقاش الثاني: هل يمكن للتواصل أن يقلل من الأثر السلبي للتنوع العرقي ؟ حيث تقترحُ نظرية التواصل بأننا يمكننا جميعاً أن نتعايش معاً في يوتوبيا متعددة الثقافات إذا سعَينا لإمتلاك أصدقاءٍ من أعراق مختلفة، وأن التجارب الإيجابية ستقضي على أي أحكام مسبقة ورثناها من أجيال أباءنا وأجدادنا المتعصبين ؟

نشر عالم الاجتماع جيمس غريغور ورقة بحثية في مجلة يوجينيكس ريفيو Eugenics Review في عام 1961، ناقش فيها ظاهرة ‘التحيز العنصري’ المتواجدة بشكل مستمر في مختلف الثقافات وعلى مدى الاف السنوات . فالصفة التي وضّحها السير ارثر كييث كميكانيكية تطورية للبقاء على قيد الحياة، ناقشها جيمس غريغور من ناحية إجتماعية . فوجود هذا التحيز منذ القِدَم وإنتشاره المستمر يدحضُ كل الأفكار القائلة بأنه نِتاجُ و بناءٌ إجتماعيٌ أبيض، وطريقةٌ تُمكِّنُ الطبقة الحاكمة من تقسيم الطبقة العاملة البروليتاريا. حيث يشير غريغور إلى إن ‘أي شيءٍ يتعدى التواصل البسيط أو المؤقت بين أفراد من أعراق مختلفة تماماً في عصر ما قبل الرأسمالية وفي عصرها، سيتسبب بالتحيز و و نشوء محاولات لاحقة لعقلنة هذه التفضيلات’ . وهذا جزءٌ من الإنسان بوصفه مخلوقاً إجتماعياً، يتجلى هذا الجزء في الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها الجماعات البشرية .

فمثلاً : في المكسيك، قضى السكان الأصليون على صفة البرص لأنها إبتعدت عن العرف الشائع . وفي غينيا الجديدة، كان أفراد القبائل الأصلية Papuans يضعون الأطفال ذوي البشرة الفاتحة على نار من أغصان خضراء حتى تكتسب جلودهم صبغةً داكنة.12 والصينيون يسمّون الأوروبيين بلفظ ‘غويلو’ المسيء والذي يعني ‘شبح’. أما اليونانيون فيعتبرون غير اليونانيين بـ ‘البرابرة’ أي مقارنةً ببقية البشر. ليس من هذه الأمثلة قد تسبب به المجتمع الابيض، ولا الرأسمالية .

ومن المثير للأهتمام، أن مؤلفي هذه الدراسة الميتا-تحليلية يتسائلون فيما إذا كانت الثقة بغير المنتمين للجماعة تقلِّل مِن الثقة بالمنتمين للجماعة !

أيّ أن التنوع العرقي المنسجم يقوض التضامن مع المنتمين للجماعة. هل هذا مرغوب فيه ؟

بالنسبة لمعتنق الليبرالية ومدير الشركة، فإن الجواب هو : نعم .

طبيعة التمييز

تمتلك الشركات سياسة علنية تتضمن الشمولية و التنوع كجزء من مواثيقها، والتي لا تقتصر في الوقت الحالي على العرق، بل تتضمن أيضاً الجندر بأشكاله المتزايدة بإضطراد . يُزعَم أن هذا التنوع يضيف الحيوية للشركة من خلال غرس مفاهيم باسكال زاكاري الموجودة في كتابه ‘global me’، أو مصطلح البشريّ الاقتصادي Homo oeconomicus كما يشير إليه تيار اليمين الجديد بوصفه جانباً من جوانب عملية العولمة . لكن مع ما ذكر سابقاً، هل يمكن أن تكون هذه الظروف المبتدعة هي أمثلة حقيقية للتنوع ؟، أم أنها أمثلةٌ عن مُثاقَفَة acculturation ضمن ثقافة الشركة المهيأةٍ مسبقاً، والتي لا يمكن لأحدٍ الإنضمام لها من دون خلفية مشروطة تطغى على كل الجوانب الأخرى لشخصية الفرد؟ فالشركة تصبح مثل “الجماعة”، وإجراءات الإنتقاء للإنضمام لها ستكون صارمة مثل إجراءات القبول في قبيلة ما. فعملية توظيف الشركة للموظفين هي شكل من أشكال التحيز و التمييز، وستعم الفوضى من دون ذلك . فإلى أي مدى يُمكِن أو ينبغي لمُقدِّم طلب الإنضمام لفرقة أوركسترا أن يستمر من دون إمتلاكه أيَّ خلفيةٍ موسيقية ؟ وهل ينبغي لقزمٍ مصابٍ بشلل سفلي أن يحظى حتى بفرصة لتجارب الأداء في فريق كرة قدم ؟ إن التمييز جزء أساسي من الثقافة والمجتمع .

عدم القدرة على التمييز هي دلالة على تطور غير مكتمل . و الجنة اليوتوبية الليبرالية المتمثلة في طفل أبيض وطفل أسود يلعبان معاً كأصدقاء، هي صورة مُتخلِّفة عندما يُراد تطبيقها بصورة عامة وعالمية مع البالغين . ربما لهذا السبب يمكننا أن نُميز السمة المتخلفة لليبراليين واليساريين عندما يتهسترون في حديثهم مع ‘الفاشيين’، وعدم قدرتهم على التصرف بعقلانية ؟ فالقدرة على التمييز هي جزء من تطور الطفل العقلي . يبدو أن التصرفات المثالية للبالغين كما يراها الليبراليون هي الإنتكاس إلى مرحلة التفكير الصوري من الذكاء العملياتي التي تتواجد طبيعياً في الطفل بعمر السنتين حيث لا يمتلك حتى الان القدرة على التصنيف، وإنما ‘ينظر للأشياء المتشابهة وكأنها متماثلة في تصنيفٍ غير واضح المعالم .

الشخص المثالي للشركة

يصبح الفرد تابعاً للشركة من خلال الإنسلاخ عن خلفيته العرقية، وليس بسبب خلفيته العرقية أو الجندر، ويندمج بعدها في ثقافة الشركة . حيث ينقطع الفرد عن كونه ذكراً، أنثى، قوقازي، أسيوي، أفريقي ويتبنى الصفات المشتركة لتابِع الشركة؛ البشريّ الاقتصادي، ‘أنا العالمي’. هذا ما يريده مخططوا الشركات و أتباعهم السياسيين للعالم كله، والنتيجة هي النقيض من ‘التنوع العرقي’: في ثقافة أحادية شركاتية عالمية، وطبقا لمروجي البروباغاندا لها، فإن الأمم الأكثر ترحيباً بفتح حدودها -الأمر الذي يتحمس له اليساريون بنفس القدر- ستكون الأكثر نجاحاً في عملية العولمة، والأفراد الأكثر نجاحاً في ظل العولمة هم الأشخاص الأكثر تكيفاً مع الثقافة الشركاتية العالمية، والأكثر إنسلاخاً من أي جذور بايولوجية .

عندما يدقق المرء عن قرب في الدوافع الكامنة وراء شجب الأكاديميين للتيار اليميني بوصفه تهديدا إرهابياً، والرفضالعلميلما يسمىالعنصرية، و خلف واجهة الإستقامة الأخلاقية هذه، يمكث الترويج لمصالح العولميين.

وهنا ينبغي للمرء أن يدرك الفرق بين الهوياتية Identitarianism التي يتبناها اليمين و سياسات الهوية Identity politics التي يتبناها اليسار والشركات الداعمة له، على الرغم من الخلط المشوش بينهما، كما يفعل د. جوردان بيترسون . لذلك، فأن أشد أولئك المعارضين لـ ‘خطر’ اليمين و الهوياتية، لكون هذه الأيديولوجية تدعو للتمسك بالروابط الحيوية مثل الجندر الثنائي والتنوع العرقي، يهدفون إلى تفكيك هذه الروابط الحيوية من خلال الإكثار من هويات غير حيوية مبتدَعة، هويات ضبابية ومنكسرة الى الحد الذي لن يكون الناتج النهائي لها تنوعاً صحياً عبر أرجاء العالم، وإنما سينتشر ‘الأنا العالمي’ بصفته نوعاً جديداً من البشرية المعولَمة مصمماً خصيصاً لإقتصاد عالمي .

عندما يدقق المرء عن قرب في الدوافع الكامنة وراء شجب الأكاديميين للتيار اليميني بوصفه تهديداً إرهابياً، والرفض “العلمي” لما يسمى العنصرية، و خلف واجهة الإستقامة الأخلاقية هذه، يمكث الترويج لمصالح العولميين . أحد رموز الأكاديمية البارزين لهذه الحملة هو النيوزلندي د. بول سبوونلي Dr Paul Spoonley، عالم إجتماعٍ إمتطى جوادَ الشهرة من خلال أطروحته المسهبة عن اليمين في نيوزيلندا، و الذي يُقدَم في وسائل الإعلام بوصفه خبيراً كلما إقتضت الحاجة إلى حملة تشويه ضد اليمينيين . فحوى الكلام أن الهجرة مستحسَنة بالنسبة للتجارة من ناحية إستثمارات المهاجرين ومهاراتهم:

“يشكل المهاجرون الماهرون حوالي 60 بالمئة من مجموع المهاجرين. وبوصول هؤلاء سينتج لنا أعمال جديدة، استثمارات جديدة و علاقات جديدة مع أسواق تصدير مهمة. ‘يمكننا حساب ما يمكن أن يساهمون به ونقارنه بما يحتاجونه من ناحية الرعاية الصحية والفوائد،’ صرح سبوونلي. ‘المهاجرون في مدينة أوكلاند يساهمون أكثر في نواحي الضرائب والفوائد الاقتصادية. لذلك، فإن محصلة مساهمتهم هي أعلى من السكان المحليين” .

هل يختلف المُحافِظون ذوي مفهوم الأمة الواحدة في طريقة تفكيرهم عن الأكاديميين الليبراليين أمثال د سبوونلي، عندما يكون المعيار للهجرة والحصول على الجنسية هو العمل والإستثمار ودفع الضرائب ؟

كذلك يتضح جلياً خلف هذه السردية الأخلاقية، أن الشغل الشاغل لمنظمة الأمم المتحدة في موضوع الهجرة هو وسائل “استبدال” شعوب الدول ذات البشرة البيضاء لكونها تعاني أزمة ديمغرافية متمثلةً بهبوط معدلات الولادة والتي تتوقع منظمة الأمم المتحدة بأنها ستؤثر بشكل سلبي كبير على الإقتصادات المتطورة . لكن عندما يحذر الهوياتيون والمعترضون اليمينيون من هذه النزعات بكونها علامات على إعتلالات ثقافية أوسع، ويسمون نفس هذه العملية بـ ‘الإستبدال الأعظم’، يُنتَقَدون بشدة على أنهم تهديدات إرهابية !

تقتبس هذه الدراسة الميتا-تحليلية من دراسة نشرت سنة 2019 من قبل دينيسين، سونديرسكوف وثويسن عن علاقة التنوع العرقي والثقة الاجتماعية في أماكن العمل، مع التركيز على الدنمارك بالخصوص لكون الإحصائيات فيها شاملة.18 حيث يصرح دينيسين بأن التنوع الاجتماعي في أماكن العمل، له نفس التأثير السلبي على الثقة الاجتماعية مثل تأثير التنوع العرقي على مستوى الحي السكني. فكلما كان مكان العمل أكثر تنوعاً، إزداد إنعدام الثقة الاجتماعية، مما يدل على أن التنوع العرقي ذو تأثيرٍ سببيٍ على الثقة الاجتماعية . تأخذ هذه الدراسةُ في الحسبان العديد من المتغيرات الأخرى كالمستوى التعليمي وأنواع العمل المختلفة، وكانت نتائجها متوافقة .

تقدير النتيجة النهائية 

بعد أن شرح المؤلفون متغيرات هذه الدراسة، إتجهوا الى شرح منهجية ‘المقاربة الميتا-تحليلية’. فالهدف هنا تجاوز خصوصيات كل دراسة من هذه الدراسات السبع و ثمانين، ‘لتقدير نتيجة نهائية تلخص هذا التأثير’، وكذلك ‘تقدير النتيجة النهائية في العلاقة بين التنوع العرقي والثقة الاجتماعية’.

إن هذا التحليل عبر عدة دراسات، والذي يعد الأول من نوعه، مع أنه يدعم نتائج التحليلات الأخرى التي تعتمد على منهجيات مختلفة، إلا أنه يبين أن ‘تقدير النتيجة النهائية للعلاقة بين التنوع العرقي والثقة الاجتماعية سلبيٌ’. فكلما كان المكان أكثر تنوعاً، كانت الثقة الاجتماعية أقل. ففي معظم الدراسات وليس كلها، كان التأثير السلبي للتنوع على الثقة الاجتماعية ملحوظاً.21

في كل مرة يتم إجراء بحثٍ تُظهر نتائجه أن جانباً من جوانب التنوع العرقي من الممكن إظهاره بكونه يمتلك تأثيراً أقل وطأةً من السلبي، فإن هذا البحث كما يتوقع المرء، سيتم الاحتفال به كمثالٍ لنجاح بعض التجارب متعددة الثقافات، بطريقة معينة وفي سياقٍ معين. وكما أشرنا سابقاً، إلى أن السياقات المبتدَعَة لا تدل على شيءٍ أكثر من كون الهندسة الاجتماعية وترسيخ العقائد والإجبار قد تكون قادرة على تشويه الصورة الطبيعية للعلاقات البشرية. لحسن الحظ، فإن مؤلفي هذه الدراسة بتأكيدهم المستمر على ‘تأثُر الثقة الاجتماعية سلبياً بالتنوع الثقافي’ وأن هذا ينطبق على بدرجات متفاوتة على كل أشكال هذه الثقة، فإنهم يوفرون على القارئ عناءَ الكليشيهات الأخلاقية التي يجد علماءُ الاجتماع أنفسهم ملزمين بإلحاقها بأوراقهم البحثية عندما لا تتوافق الأدلة البحثية المنتشرة مع إنحيازاتهم الشخصية. فعلى سبيل المثال، العالم بوتنام الذي تم الاقتباس منه في هذه الدراسة، ودراساته تمثل جزءاً من الدراسات في هذه الدراسة الميتا-تحليلية، وبالرغم من أن دراساته أشارت إلى أن التنوع الاجتماعي يزيد من إنعدام الثقة الاجتماعية، فإنه يصرح -بكونه متحمساً علانيةً للديمقراطية الليبرالية الأميركية- في ضد هذه الإنتقادات، بأن دراساته على العكس من ذلك تشير الى ‘منافع كبيرة للتنوع العرقي على مجتمعنا’. في عام 2012، تمادى بوتنام الى الحد الذي يرفعُ فيه دعوى قضائية ضد مجموعة من الباحثين ذوي الميول ‘المُحافِظة’ لإستخدامهم ورقتَه البحثية المنشورة في عام 2007 الموسومة ‘ الواحد المنبثق من العديد: التنوعُ والمجتمع في القرن الواحد والعشرين’ في قضيةٍ قانونية تتضمن ‘التمييز الإنعكاسي‘ في التعليم . ويجادل بوتنام بأن التنوع العرقي ليس السبب الوحيد في التأثير السلبي على الثقة الاجتماعية، بل هناك عوامل أخرى فكّر بها مثل دور التكنولوجيا في إضعاف ‘رأس المال الاجتماعي‘ مسببةً الإنعزال و نقصان المساهمة المدنية . كما يؤكد أيضاً أن التنوع يُضعِفُ الثقة الاجتماعية بصورة أساسية في الأحياء السكنية وليست المدارس والكنائس وأماكن العمل. كل مواطن الإعتراض هذه يمكن للناقد اليميني قبولها من دون الخوض في بهلوانيات عقلية متوترة للتقليل من تأثير عامل العرق بصورة ما . فقد أظهر الميتا-تحليل لهذه الدراسات ومن ضمنها دراسة بوتنام، أن مستوى الأحياء السكنية هو أكثر مستوىً أضعَفَ فيه التنوعُ العرقي الثقةَ الاجتماعية؛ لكن على النقيض من تصريح بوتنام الأخير، فالتأثير السلبي للتنوع متواجدٌ في كل أشكال وأماكن الثقة الاجتماعية .

في عام 2015، أُجريَت محاولاتٌ لدحض ورقة بوتنام البحثية عن التنوع العرقي والثقة الاجتماعية في الأحياء السكنية، وقد يعتقد المرءُ بأنه سيكون مسروراً لدحض نتائجه. إستنتجت هذه الورقة البحثية بأن البيض هم أكثر من يشعرون بإنعدام الثقة في الأحياء السكنية وهذا يعني حقاً أن إنعدام الثقة هذا لا يعكس إلا ‘تحيزاً’ أبيض. هذه الدراسة تؤكد بتفاؤل أن “أدلتنا تقترح أن لا علاقة ذات معنى بين التنوع العرقي ومقاييس الثقة والتعاون”. وعندما لا يمكننا إنكار إنعدامِ الثقة الاجتماعية، فإنه يتم اللجوء للعوامل الاقتصادية والإجتماعية . فمؤشرات الحالة الاقتصادية وبالأخص التعليم والرِضا الاقتصادي، تشير إلى إيجابية مقاييس الثقة .

يقوم الميتا-تحليل بتفحص المتغيرات التي تم مناقشتها في دراسة 2015،. حيث يظهر الميتا-تحليل وجود (نمطٍ ثابت من العلاقة السلبية بين التنوع والثقة الاجتماعية) وهذا ما يدعم ما لاحظه بوتنام (عام 2007) من ميكانيكية (العزلة الإجتماعية) متوقِعاً نقصاناً عالمياً في كل أشكال الثقة في الأماكن المتنوعة عرقياً .

 أكثرُ الإكتشافات ثباتاً هو التأثير السلبي للتنوع العرقي في الأحياء السكنية حيث وجِدَ في الولايات المتحدة الأميركية وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا وهولندا والسويد. وكلما كان التواجد أقرب لأناس ينتمون لجماعات أخرى، كان مستوى إنعدام الثقة أعلى . هذا يناقض العقيدة القائلة بإمكانية تحسين العلاقات ما بين الأعراق من خلال التواصل الشخصي مع أفرادٍ غير منتمين للجماعة . أي يدحض تأثير أفكار الإندماج و المشاريع المشتركة المصممة لكسر إنعدام الثقة بغير المنتمين للجماعة . تم مناقشة هذه الفكرة من قبل المؤلفين، لأن عدة دراسات أخرى تزعم أن التواجد على مقربةٍ من غير المنتمين للجماعة سيعزز الثقة الاجتماعية . يشير الباحثون الى أن هذه الدراسات تتشارك بـ ‘تقديراتٍ شخصية منحازة وغير دقيقة في تقدير التواصل’ .

كما راعت هذه الدراسة الميتا-تحليلية الإعتراضات التي ذكرتها ورقة 2015 البحثية تحت عنوان النقاش الثالث: هل إن التنوع العرقي هو دائماً محلٌ للمشاكل الاجتماعية؟ أي هل إن هذا الأمر يتعلق بالعلاقات العرقية بحد ذاتها أو بسبب المشاكل الاجتماعية والجرائم؟ الإجابة عن هذا السؤال في هذه الدراسة تتم من خلال ‘المقارنة إحصائياً لتجنب العوامل المُربِكة المحتَمَلة Confounding factors‘ على الصعيدين العقلي والظرفي . هذا الأمر صعبٌ بسبب المعضلة المستمرة منذ قديم الزمان في التفريق بين النتيجة والسبب؛ أو، كما يصفها المؤلفون، هل هذه العوامل ‘مُربِكة أم وسيطة “في العلاقة بين التنوع العرقي والثقة الاجتماعية؟ من أجل حل هذا الخلاف، سمح المؤلفون بإستخدام المستوى الاجتماعي والمستوى الاقتصادي، ‘الحرمان الاقتصادي-الاجتماعي الظرفي و الجريمة الظرفية”.

الخاتمة

يختم دينيسين و زملاؤه هذه الدراسة بتساؤلهم: ماذا يمكن لصانعي السياسات القيام به للتخفيف من ضعف الثقة الاجتماعية الناتج من التنوع العرقي. وما هي المؤسسات والسياسات العامة المتوفرة لتقليل هذا ‘التأثير السلبي’؟

قد يتسائل البعض فيما إذا كان مؤلفون مثل د. بوتنام وغيره، تم مقتهم لقبولهم بنتائج بحوثهم الخاصة، ولذلك فإنهم بعد كل هذا الجدل العلمي، ينحسرون إلى مُتبَنياتهم الأيديولوجية ؟ وماذا يمكننا أن نفهم من إقتراحهم القائل بأنه من الممكن ‘تطبيقٌ تدريجيٌ لسياسات الإندماج في الدول كتجارب مختلفة ظاهرياً’؟ قد يتسائل المرء لماذا عالِمٌ، أظهرت دراساتُه مراراً وتكراراً أن الإندماج يُضعِف الثقة الاجتماعية، يسانِدُ سياسةَ ‘التدريجية’ كتجربة إجتماعية ؟ هل يقترح المؤلفون أن مقاربةً معدَّلة لنفس السياسات الفاشلة التي تسببت في إنعدام الثقة الاجتماعية، متمنين أو مؤمنين أن النتائج ستكون مختلفة بطريقةٍ ما ؟ هذا مسار كل أيديولوجية فاشلة: لو أن العقيدة تم تطبيقها بطريقة مختلفة، ستكون النتائج مختلفة ايضاً؛ بدلاً من التمحيص فيما إذا كانت العقيدة نفسها معيوبةً بشكل لا يمكن معالجته وأنها ستؤدي إلى نتيجة سلبية مهما كانت طريقة تطبيقها .

العبارة الأخيرة في الدراسة تُبقي السؤال مفتوحاً فيما إذا كان التنوع والإندماج سيزيد أو يقلل من إنعدام الثقة الاجتماعية. على الرغم من الشكوك التي تم تفسيرها فيها ، فإن الميتا-تحليل ودراسة دينيسين اللاحقة بخصوص التنوع في أماكن العمل، تقدم لنا إدوات تجريبية لدحض كليشيهات المتعصبين للتنوع .

المقال الاصلي :

هانز هيرمان هوپا عن الليبرتارية و حركات اليمين البديل :

يتحد الليبرتاريون بالمعتقدات الجوهرية النظرية التي لا يمكن دحضها، و التي هي ببساطة و بشكل مباشر:

{ إذا لم تكن هناك ندرة في العالم ، فسيكون من المستحيل حدوث نزاعات بشرية أو اشتباكات بدنية أكثر دقة . الصراعات بين الأشخاص هي دائما تتعلق بالأشياء النادرة [يريد A بشيء معين ، و يريد B أن يفعل الشيء ذاته]
بسبب هذه الصراعات – ولأننا قادرون على التواصل و الجدل مع بعضنا البعض – نسعى إلى خلق معايير سلوك لتجنب هذه الصراعات .
إذا لم نرغب في تجنب النزاعات ، فسيكون البحث عن هذه المعايير عديم المعنى .
في غياب التناغم التام بين جميع المصالح، لا يمكن تجنب النزاعات المتعلقة بالموارد النادرة إلا إذا تم تعيين جميع الموارد النادرة كممتلكات خاصة و حصرية لبعض الأفراد أو مجموعة معينة من الأفراد. عندها فقط يمكن لـ A أن أن يتصرف بشكل مستقل ، بأشيائه الخاصة ، و أن يفعل
‏ B كذلك ، دون صدام بينهما .
ولكن من يمتلك الموارد النادرة كممتلكاته الخاصة ومن لا يملكها ؟
أولاً: يمتلك كل شخص جسده المادي الذي هو و ليس غيره من يتحكّم به .
وثانياً: فيما يتعلق بالموارد النادرة التي يمكن التحكم فيها بشكل غير مباشر فقط: يتم الحصول على التحكم الحصري [Exclusive control] لـ [الملكية] وتخصيصها لذلك الشخص الذي خصص المورد المعني؛ أولاً .. أو من استحوذ عليها من خلال التبادل الطوعي [الخالي من الصراع] من مالكه السابق .
يمكن فقط للشخص المخصّص الأول للمورد [وجميع المالكين اللاحقين المرتبطين به من خلال سلسلة من التبادلات الطوعية] يمكن اكتسابها والسيطرة عليها دون نزاع ،أي سلمياً .
عدا ذلك، إذا تم تعيين التحكم الحصري بدلاً إلى أناس متأخرين، لن بتم تجنّب الصراع . }
إن الليبرتاريين واضحون بشأن الهدف الذي يريدون تحقيقه، لكن الافكار الليبرتارية لا تعني كثيراً إذا لم تُجب عن السؤالين :
١- كيفية الحفاظ على النظام الليبرتاري بمجرد تحقيقه .
٢- كيفية الوصول إلى نظام ليبرتاري من نقطة انطلاق غير ليبرتارية !
لذا يجب على الليبرتارية :
• أن تصف نقطة البداية هذه بشكل صحيح .
• أن تحدد العقبات التي تم وضعها في طريق الغايات الليبرتارية بنقطة البداية هذه .
و للإجابة على ذاك ، فإنّنا بالإضافة للنظرية نحتاج إلى معرفةٍ بعلم النفس و علم الاجتماع أو على الأقل قدراً من الحس السليم .
العديد من الليبرتاريين والليبرتاريّين المزيفين يجهلون بوضوح علم النفس البشري و علم الاجتماع . فهم على الرغم من جميع الأدلة التجريبية، يتقبلون وجهة نظر مساواتية تخالف الطبيعة البشرية، لجميع الناس وجميع المجتمعات و يتقبلون أيضاً وجهة النظر التي ترى بأن الثقافات متساوية أساساً و قابلة للتبادل .
لذا يمكن وصف الليبرتارية و العديد من الليبرتاريّين تبعاً لذلك، كنظرية و منظرين بلا علم النفس و علم الاجتماع .
كما يمكن وصف الكثير -أو حتى معظم- اليمين البديل بأنه على النقيض من ذلك، افكار بعلم نفس و علم اجتماع لكن بلا نظرية .
لا تشترك حركات اليمين البديل بنظرية واحدة، مع ذلك فإن حركات اليمين البديل متحدة أساساً في وصفها للعالم المعاصر، [الولايات المتحدة و العالم الغربي على وجه الخصوص]، و في تحديد و تشخيص الأمراض الاجتماعية .
ان حركات اليمين البديل متحدة بما هو ضدها أكثر بكثير ممّا هي متحدة فيما بينها .. إنها تمقت بشدّة النخب المسيطرة على الدولة ، MSM ، والأوساط الأكاديمية، لأنها جميعاً تعزز الإنحلال و الأمراض الإجتماعية ..
تعارض حركات اليمين بشدة المساواة، عدم التمييز ، والتعددية الثقافية ، والهجرة الجماعية “الحرة” كوسيلة لتحقيق التعددية الثقافية . بالإضافة إلى ذلك، فإنها تمقت كل شيء يتصف بـ ” أو الغرامشية Gramscianism [نسبة لـ غرامشي] وجميع “الصوابية السياسية”، و ترى أنّه من الحكمة -استرتيجياً- تجاهل جميع التهم بـ : العنصرية، التحيز الجنسي ، النخبوية ، و التفوق ، الهوموفوبيا [معاداة الشوا.ذ]، وكراهية الأجانب ، وما إلى ذلك ..

لكن في غياب أي نظرية موحدة، هناك اتفاق قليل بين حركات اليمين البديل حول الهدف الذي تريد تحقيقه في النهاية .
العديد من روّاد اليمين البديل لهم ميول ليبرتارية بشكل واضح، فمثلاً كان الكثير منهم على دراية بـ موراي روثبارد و عمله، في حين أن أحدث مرشح رئاسي للحزب الليبرتاري الاميركي لم يسمع حتى بإسم روثبارد
و نظراً لعدم وجود أي أساس نظري، لا يمكن اعتبار هذا الانقسام لحركات اليمين البديل إلى فصائل متنافسة أمر مفاجئ .
رغم ذلك، لا ينبغي أن تُضلِل هذه الحقيقة المرءَ بأن يرفض اليمين البديل، لأن اليمين البديل أظهر العديد من الأفكار التي لها أهمية مركزية في التعامل مع الجواب على السؤالين المذكورين آنفاً و دون إجابةٍ من قبل الليبرتارية حول :
• كيفية الحفاظ على نظام اجتماعي ليبرتاري .
• و كيفية الوصول إلى مثل هذا الأمر من الوضع الراهن غير الليبرتاري !
لتوضيح أهمية هذه الأفكار ، دعوني أتناول السؤال الأول الذي لم تم الإجابة عليه أولاً.
يرى العديد من الليبرتاريّين أن كل ما هو مطلوب للحفاظ على النظام الاجتماعي الليبرتاري هو التطبيق الصارم لمبدأ عدم الاعتداء (NAP) . فوفقاً لوجهة النظر هذه: طالما امتنع المرء عن العدوان، يجب أن يكون مبدأ :[عش ودع غيرك يعيش] أمراً ثابتاً، و هذا يبدو جذاباً للمراهقين في التمرد ضد السلطة الأبوية و جميع الأعراف و الرقابة الاجتماعية !
يكفي مثال بسيط لتوضيح هذه النقطة :
افترض أن جاراً جديداً سكن بالقرب منك، لم تظهر من هذا الجار عدوانية مباشرة و لم يهاجمك أو يتعرّض لممتلكاتك بأي شكل من الأشكال، ولكنه جار “سيّء” .. إنه يلقي على ممتلكاته المجاورة الأزبال ويحولها إلى كومة قمامة .
ينخرط في ذبح الحيوانات في العراء، و يحوّل منزله إلى منزل دعارة و قوادة، حيث يأتي العملاء و يذهبون طوال النهار و طوال الليل و أنه لا يقدم يد العون و لا يفي بأي وعد قطعه أبداً و يرفض التحدث إليك بلغتك ، إلخ .. وما إلى ذلك.
تحولت حياتك إلى كابوس، ومع ذلك ، لا يجوز لك استخدام العنف ضده، لأنه لم يهاجمك . ما الذي تستطيع القيام به؟ يمكنك تجنبه ونبذه . لكن جارك لا يهتم، وعلى أي حال معاقبتك له أنت وحدك لا تحدث له أي فرق، فيجب عليك إقناع الجميع أو على الأقل معظم أعضاء مجتمعك للقيام بالمثل وجعل الجار السيّء منبوذاً اجتماعياً، حتى يمارس ما يكفي من الضغط عليه لبيع ممتلكاته و المغادرة .
يمكن أن يكون هناك تعايشاً سلمياً بين الثقافات المختلفة في المناطق البعيدة المنفصلة مادياً، ولكن التعددية الثقافية ، و عدم التجانس الثقافي، لا يمكن أن توجد في نفس المكان و الأرض دون أن تؤدي إلى تناقص الثقة الاجتماعية ، وزيادة التوتر، وفي نهاية المطاف يتم استدعاء “رجل قوي” يهدم أي شيء يشبه النظام الاجتماعي الليبرتاري .
يجب أن يكون النظام الليبرتاري دائماً على أهبة الاستعداد ضد الجيران “السيئين” -حتى لو لم يكونوا عدوانيين- من خلال النبذ الاجتماعي ، أي من خلال ثقافة [غير مرحب بك]، بل ينبغي أن يكون المرء أكثر يقظة، من الجيران الذين ينادون بصراحة الشيوعية أو الاشتراكية أو النقابية أو الديمقراطية بأي شكل أو شكل . وهم بذلك يشكلون بذلك تهديداً مفتوحاً لجميع الممتلكات الخاصة و مالكي العقارات ، يجب ألّا يتم تجنبهم فحسب، بل استخدام طرق العنف و القوّة اذا لزمَ الأمر ، و أن تجبر مثل هذه العناصر على المغادرة إلى أماكن أخرى .. إن عدم فعل ذلك يؤدي حتماً إلى الشيوعية، الاشتراكية ، النقابية ، أو الديمقراطية ، وبالتالي عكس النظام الاجتماعي الليبرتارية .

أنتقل الآن إلى السؤال الأكثر تحدياً حول كيفية الانتقال من هذا الوضع الراهن، إلى هناك .
تحديد ما يمكن أن نسميه “مشكلة الجار السيء” هو مجرد اختصار للمشكلة العامة التي يطرحها التعايش بين ثقافات مختلفة تماماً، دخيلة، مزعجة، مسببة للفوضى، غريبة أو عدائية، فإذا افترضنا -و خلافاً لكل الأدلة التجريبية- أن جميع الناس في كل مكان هم في الأساس الشيء ذاته و إنهم متساوون، فعندئذٍ لا وجود لـ “مشكلة الجوار السيء” !
و بشكل مختصر ينصح الكثير من الليبرتاريّين بنصيحة : [كونوا لطيفين وتحدثوا إلى الجميع – ومن ثم ، على المدى الطويل، ستفوز الحجج الليبرتارية الأفضل ] !
ينبغي على الليبرتاريين و خارج أرض الخيال هذه، أن يكونوا واقعيين قبل كل شيء و أن يعترفوا منذ البداية، كما تفعل حركات اليمين البديل، بأنّ عدم المساواة هي ليست فقط بين الأفراد و لكن أيضاً بين الثقافات المختلفة .. وهي حقائق لا يمكن انكارها في الوجود البشري .
يجب أن ندرك كذلك أن هناك الكثير من أعداء الليبرتارية -كما حدد ذلك الليبرتاريون- و أن هؤلاء الأعداء هم المسؤولون عمّا يحدث في أجزاء كثيرة من العالم المعاصر في السيطرة كاملة على الناس لدرجة أن أفكار الليبرتارية و النظام الاجتماعي الليبرتاري لم يسمع بها عملياً أو لا يمكن التفكير فيها .
إنهم :
أولاً : و قبل كل شيء هم النخب الحاكمة التي تسيطر على جهاز الدولة، ولا سيما “الدولة العميقة” أو ما يسمى بـ [الكاتدرائية العسكرية]، المخابرات ، البنوك المركزية و المحاكم العليا. كما يشمل ذلك قادة المجمع الصناعي العسكري، أي الشركات الخاصة التي تدين بوجودها للدولة بصفتها المشتري الحصري أو المهيمن لمنتجاتها، كما أنها تشمل قادة البنوك التجارية الكبيرة، التي تدين بامتيازها في إنشاء الأموال والائتمان من فراغ إلى وجود البنك المركزي ودوره كملاذ أخير كـ” مقرض” . فهم يشكلون معاً الدولة، والأعمال التجارية الكبرى، و الخدمات المصرفية الكبيرة، حتى لو كان ذلك يمزّق بشكل جماعي الكتلة الكبيرة من دافعي الضرائب و يعيشون وقتاً كبيراً على حسابهم !
ثانياً: المجموعة الثانية الأكبر من الأعداء تتكون من المثقفين والمعلمين و المدربين ، من أعلى المستويات الأكاديمية وصولاً إلى مستوى المدارس الابتدائية و رياض الأطفال . و بتمويل حصري تقريباً ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل الدولة ، فقد أصبحوا بأغلبية ساحقة من الأدوات الناعمة و المنفذين الراغبين في أيدي النخبة الحاكمة و تصميماتها للسلطة المطلقة والسيطرة الكاملة .
ثالثاً: هناك صحفيون من MSM، و هم الفئة الطيّعة المنتجة لنظام التعليم العمومي، و المتلقين المهووسين والمروجين “للمعلومات” الحكومية .
بنفس القدر من الأهمية في تطوير استراتيجية ليبرتارية ، فإن السؤال التالي التالي مباشرة: من هم الضحايا؟
الجواب الليبرتاري المعتاد هو: دافعي الضرائب على عكس مستهلكي الضرائب .
و لكنْ في حين أن هذا صحيح بشكل أساسي، إلا أنه في أفضل الأحوال جزء من الإجابة . يمكن أن يتعلم الليبرتاريون شيئاً في هذا الصدد من اليمين البديل: لأنه بصرف النظر عن الجانب الاقتصادي الضيق، هناك أيضاً جانباً ثقافياً أوسع يجب أن يؤخذ في الاعتبار .
من أجل توسيع وزيادة قوتها، كانت النخب الحاكمة تجري منذ عقود عديدة ما وصفه بات بوكانان -تحدث هيرمان هوپا عنه في كتاب الديموقراطية الإله الذي فشل- بأنها “حرب ثقافة” منهجية، تهدف إلى إعادة تقييم جميع القيم و تدمير كل الطبيعة والروابط في المجتمع العضوي و المؤسسات مثل الأسر و المجموعات العرقية و المرتبطة جينياً بالامم، و ذلك من أجل خلق شعب مفكك بشكل متزايد، و الذي تكون صفته المشتركة و الموحدة الوحيدة هي اعتماده الوجودي المشترك على الدولة .
كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه التي أُتخذت بالفعل قبل نصف قرن أو حتى أكثر من ذلك ، إدخال “الرفاهية العامة” و “الضمان الاجتماعي”. وبالتالي ، تم تحويل الطبقة الدنيا و المسنين إلى معالين من الدولة وتضاءلت قيمة وأهمية الأسرة والمجتمع وإضعافهما. وفي الآونة الأخيرة ، انتشرت خطوات بعيدة المدى في هذا الاتجاه. وقد تم الإعلان عن “ضحية” جديدة والترويج لها. وقد مُنحت النساء ، ولا سيما الأمهات العازبات ، السود ، اللاتين، الشوا.ذ ، المزدوجون و المتحولون جنسياً ، وضع “الضحية” ومنحت امتيازات قانونية من خلال مراسيم عدم التمييز، بالإضافة إلى ذلك ، تم توسيع هذه الامتيازات مؤخراً لتشمل المهاجرين الأجانب ، سواء كانوا قانونيين أو غير شرعيين ، طالما أنهم يقعون في إحدى الفئات المذكورة للتو أو هم أعضاء في ديانات دخيلة مثل : الإسلام ..
ثم يقوم هيرمان هوپا برسم الخطوط العريضة و يقترح عدة نقاط، منها و بشكل ملخّص :

١- يجب إيقاف الهجرات الجماعية، إذ أن موجات المهاجرين حالياً طوفان حلّ في العالم الغربي .. و التي أثقلت كاهله بحشود من طفيليّات الرفاهيّة و الإرهابيين، و زادت من معدلات الجريمة، و أدت إلى انتشار مناطق محظورة، وأسفرت عن عدد لا يحصى من “الجيران السيّئين”، لذا فالهجرة يجب أن تكون عن طريق الدعوة فقط .و يجب على جميع المهاجرين أن يكونوا منتجين و بالتالي، يُمنع المهاجرون من جميع مدفوعات الرفاهية المحلية .

٢- الكف عن مهاجمة و قتل و قصف الشعوب في دول الأجنبية الأخرى، و التي هي من أسباب الهجرات الجماعية، كما هي الحروب التي بدأت و في الشرق الأوسط و أماكن أخرى من قبل النخب الحاكمة في الولايات المتحدة و النخب الغربية التي تتبعهم .
فلتكن أمريكا أولاً! ، إنجلترا أولاً! ، ألمانيا أولاً! إيطاليا أولاً! ، وهكذا ، أي أن كل دولة تتداول مع بعضها البعض و لا حق لأحد التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى .
٣- كشف حقيقة النخب الحاكمة و حراسها الفكريين . و فضح الرواتب الفخمة و المزايا و المعاشات و الصفقات الجانبية و نشرها على نطاق واسع، و رشى الصمت المُستلمة من قبل النخب الحاكمة: من قبل كبار المسؤولين في الحكومة و البيروقراطيّين الحكوميّن في المحاكم العليا، البنوك المركزية، وكالات المخابرات و التجسس .. براسطة السياسيّين و البرلمانيّين و قادة الأحزاب.. الخ، حيث صنعول كلّ مجدهم رفاهيّتهم اللامعة من دافعي الضرائب، وبالتالي يجب الحث على أي شيء يخفض الضرائب: ضرائب الدخل ، ضرائب الممتلكات، ضرائب المبيعات ، إلخ ، إلخ.

٤- إنهاء بنك الاحتياطي الفيدرالي و جميع البنوك المركزية و هو المصدر الثاني لتمويل النخب الحاكمة، إلى جانب الأموال التي أُبتزت من الناس عن طريق الضرائب .
إذ يتم السماح للمصارف المركزية بخلق الاوراق المالية من فراغ، فيقلل ذلك من القدرة الشرائية للمال و يدمر مدخرات الناس، و هذا يمنع المجتمع ككل من أن يكون أكثر ثراء، لكنه في الوقت ذاته يعيد توزيع الدخل و الثروة داخل المجتمع !
تلاعب البنك المركزي في أسعار الفائدة هي سبب دورات ازدهار الكساد . كما يسمح البنك المركز بتراكم “دين عام” أكبر من أي وقت مضى و الذي تحول كـ عبء على دافعي الضرائب في المستقبل . لذا، يجب أن ينتهي هذا الأمر و أن يتم استبداله بنظام مصرفي حر و تنافسي مبني على أساس سلعة حقيقية مثل الذهب أو الفضة .

٥- إلغاء جميع قوانين “العمل الإيجابي” و “عدم التمييز”. إذ أن جميع هذه القوانين هي انتهاكات صارخ لمبدأ المساواة أمام القانون، على الأقل في الغرب، حيث يتم الشعور بها بشكل حدسي كمبدأ أساسي للعدالة !..
و اغلاق كل الجامعات و الأقسام المخصصة للسود و اللاتين و النساء ، الشواذ، و ما إلى ذلك، لأنها تتعارض مع العلم .
٦- سحق غوغاء حركة [معاداة الفاشية Anti-facist ] . لقد أدّى إعادة تقييم كل القيم في جميع أنحاء الغرب: إلى خلق المزيد من الـ [victim group]، و انتشار برامج “العمل الإيجابي” و “عدم التمييز” ، و الترويج لـ “الصوابية السياسية” ، و قد أدّى كل ذلك لظهور الـ [Anti-Facist] و التي تم دعمها ضمناً و تمويلها بشكل غير مباشر من قبل النخب الحاكمة .
هؤلاء الغوغاء المدعوّين أيضاً بـ [محاربي العدالة الاجتماعية] أخذوا على عاتقهم مهمة تصعيد القتال ضد الامتياز الأبيض -كما يسمّونه- من خلال أعمال إرهابية متعمدة موجهة ضد أي شخص و أي شيء يعتبر : “عنصرياً”، يمينياً، فاشياً، رجعياً و “غير قابل للإصلاح” من وجهة نظرهم، أو”لم يتم إعادة بنائه” !
يتعرض هؤلاء ممّن يم وصفهم بـ “أعداء التقدم” للاعتداء الجسدي من قبل غوغاء الـ Anti-fa ، و تحرق سياراتهم، وتخرب ممتلكاتهم، و يُهدد أرباب عملهم بفصلهم و تدمير حياتهم الوظيفية و غالباً ما تأمر السلطات الشرطة بالتنحّي وعدم التحقيق في الجرائم المرتكبة أو مقاضاة المجرمين ومعاقبتهم .
في ضوء ذلك يجب إثارة الغضب العام و أن يكون هناك صخب على نطاق واسع من أجل إطلاق العنان للشرطة وضرب و سحق هؤلاء الغوغاء و إخضاعهم .
من المؤكد أن الكثير من الليبرتاريّين و إعلام الليبرتارية يعترضون على هذا الطلب، بإعتبار إن الشرطة هم من شرطة الدولة !
و لكن هل تعترض أيضاً، على اعتقال الشرطة القتلة أو المغتصبين ؟
أليست هذه المهام المشروعة تؤديها أيضاً الشرطة الخاصة [شرطة القطاع الخاص التي يقترحها الليبرتاريّون] ؟!

٧- يجب التخلص من جميع الطفيليّات المعتمدة على “الرفاه” [أي المتعمدة على توزيع الإعانات]، إذ تستخدم النخبة الحاكمة هذه الطبقة الدنيا المعتاشة على الإعانات لتدعيم موقفها، و جعلها مصدراً موثوقاً به لدعم الشعبي .
تدّعي طبقة النخبة أن “مساعدتها” للطبقات الدنيا هو للنهوض والانتقال من الطبقة الدنيا ليعتمدوا على أنفسهم! ، و لكن التأثير الحقيقي و المقصود بالفعل لما يسمى [السياسة الاجتماعية] للدولة هو عكس ذلك تماماً، فلقد جعلت حالة الطبقة الدنيا أكثر ديمومة وجعلتها تنمو بشكل مضطرد [و بهذا أيضاً زيادة عدد الممولين من الضرائب] لأنه وفقاً للقانون الاقتصادي الذي لا يرحم، فإن كل إعانة تُمنح بسبب بعض الحاجة أو النقص المزعومَين تنتج أكثر من المشكلة و التي من المفترض أن تخففها أو تلغيها !، وبالتالي، فإن السبب الجذري لحالة الناس في الطبقة الدنيا : هي ضعف [التحكّم بباعث الاندفاع] لديها و [تفضيلها الزمني المرتفع] ، أي رغبتها غير المنضبطة في الإشباع الفوري، و مختلف المظاهر المصاحبة لهذا السبب، مثل البطالة و الفقر و إدمان الكحول و تعاطي المخدرات ، و العنف العائلي ، و الطلاق ، والأسر التي تعيلها امرأة، الولادات خارج إطار الزواج، إساءة معاملة الأطفال، الإهمال، الجرائم الصغيرة، لا يتم تخفيفها أو القضاء عليها و لكن يتم تعزيزها بشكل منهجي .

٩- اخراج الدولة من دعم معظم التعليم أو جميعه .. إنّ الأمراض الاجتماعية التي أُبتلي بها الغرب المعاصر لها جذور مشتركة مع مؤسسة [التعليم العمومي] ..
عندما تم اتخاذ الخطوات الأولى، قبل أكثر من قرنين ، في بروسيا، باستبدال نظام التعليم الخاص السابق بشكلٍ كامل بنظام شامل من التعليم العمومي الإلزامي، كان الوقت الذي يقضيه في المدارس التي تديرها الدولة في معظم الحالات لا تتجاوز أربع سنوات .. اليوم، في جميع أنحاء العالم الغربي بأكمله ، الوقت الذي يتم قضاؤه في مؤسسات “التعليم العمومي” ، كحد أدنى ، حوالي عشر سنوات، أي أن جزءاً كبيراً من الوقت خلال فترة تكوّن شخصية الفرد يتم الإنفاق عليه في المؤسسات التي تمولها الدولة و تشرف عليها، والتي لم يكن هدفها الأساسي منذ البداية تربية “جمهور من المستنيرين” ، بل تدريب الجنود و الموظفين العموميين بشكل مناسب : و ليس ليكونوا مستقلين و ناضجين .
لقد نجح التلقين: كلما طال الوقت الذي يقضيه الشخص في المؤسسات التعليمية العمومية، كلما كان إلتزامه أكثر بأفكار اليسار القائمة على المساواة ، و أجندة “الصوابية السياسية” ..
لذا يجب أن يتم المطالبة بابعاد المدارس والجامعات عن سيطرة الدولة، و إعادة إدارة هذه المؤسسات التعليمية للسلطات المحليّة تمهيداً لخصخصتها بالكامل من أجل استبدال هذا النظام العمومي بنظام يعكس التعدّد و التنوّع الطبيعي في المواهب و الاهتمامات البشرية .

هل أظهر وباء كورونا صحة ما نظّرت إليه الماركسية في الصراع الطبقي ؟ وأظهر عيوب الرأسمالية ؟

ترى المـاركسية أنَّ الصراع الطبقي كان القوة الدافعة النهائية في المجتمعـات الحديثة، و ترى أنّ تطبيق الاشتراكية بأجندة مساواتية من وجهة النظر هذه -الماركسية- سيكون في نهاية هذا الصراع .
لذا، يعتقد العديد من الماركسيين أن ما يمر به العالم اليوم هي نقطة التحول في الصراع الطبقي، و أنّ العالم عرف حقاً نتيجةً لذلك ما نظّر إليه ماركس و أنجلز .
و الجواب سيكون من عدة أوجه :
الوجه الأول: لا يُنكر أن التاريخ البشري تميّز بالعديد من الصراعات الجماعية و أنها غالباً ما كانت لها أهمية كبيرة في رسم مسار الأحداث .. و لكن لم تكن الصراعات الجماعية و لا يمكن أن تكون هي العناصر الأساسية للحياة البشرية . السؤال الأهم هو كيف يمكن لأيِّ جماعة أن تنشأ في المقام الأول ؟!
كان عليهم أولاً أن يشرحوا كيفية تشكّل المجموعات/الطبقات قبل أن يتمكنوا من تفسير الصراع بينها ..
ليس من الصعب اكتشاف سبب هذه الغفلة، فمن المستحيل إثبات [مبدأ الارتباط] الموجود داخل مجموعة/ طبقة مجتمعية في النهاية، فإذا كانت الحرب و الصراعات هي القوة الدافعة لكل التنمية الاجتماعية، فلماذا يجب أن يكون ذلك صحيحاً للطبقات و الأعراق و الأمم فقط، و ليس دافعاً للحرب و الصراعات بين جميع الأفراد ؟!
إذا أخذنا سيسيولوجيا الحرب هذه إلى نهايتها المنطقية، فلن نصل إلى أي مذهب اجتماعي على الإطلاق، بل سنصل إلى نظرية [عدم ارتباط] بين الافراد و تصبح نظرية نشوء جماعة/ طبقة غير ممكنة أساساً .

الوجه الثاني : أن الإشتراكية الماركسية تعاني من عيوب خطيرة أهمها :
• ينخرط البشر في التبادل الحر الطوعي لأن كل طرف للمعاملة التجارية يرى نفسه في حالٍ أفضل بسببها، بيما تقلل الاشتراكية التي تتدخل في التبادل الحر، من المنافع البشرية التي تولدها عملية التبادل .
• الإنتاج عملية معقدة، يمكن إنتاج أي عدد من الأشياء، وبأي عدد من الطرق، و دون إرشاد/ تحديد في الأسعار الذي يبين مقدار ندرة الأشياء، لكن الاشتراكية لا تملك سبيلاً لحساب أي من المدخلات و المخرجات ما يستحق أن يبذل فيه و يُنتج .
• في الاشتراكية تكون الأصول الإنتاجية مملوكة للشعب، و لا تباع أو تشترى إطلاقاً، و من ثم لا تتحدد أي أسعار لها، وهو ما يؤدي إلى إساءة الحسابات و الإهدار .. ودون إغراءٍ في الربح لا يوجد ما يحفز على التحسين في الانتاج كماً و نوعاً .
تبعاً لذلك فإنَّ [الاشتراكية في وسائل الإنتاج] ستؤدي دائماً إلى إنتاجٍ أقل ممّا هو مقرر للتوزيع مهما كانت طرق التوزيع .. و قد ثبت ذلك عملياً .
لقد أدّت كل التجارب الشيوعية و محاولات تطبيق الرؤى الماركسية إلى مشاكل، نشوء مجاعات و أنظمة ديكتاتورية فاسدة، فكيف يمكن أن يتخيل دعاة الماركسية أن تكون التجارب الماركسية ناجحةً أثناء الكوارث و تفشي الأوبئة ؟!

الوجه الثالث: يمثل النمط العولمي الحالي للرأسمالية: الإتجاه النيوليبرالي Neoliberalism، الذي تمثّله مدرسة شيكاغو و منهم میلتون فریدمان، متأثرين بفريدريتش هايك؛ الاقتصادي المعروف . هذا النمط له تأثيرات سلبية و مدمرة على المدى البعيد؛ بتشجيعه للثقافة الاستهلاكية و لتبنّيه للعولمة . تدعو النيوليبرالية لحكومات مصغرة و لتشريعات أقل، و لكنها تعتبر في ذات الوقت الديموقراطية شكلاً مفضلاً لأنظمة الحكم!، و ترى أنه من الممكن أن يكون للدولة و الحكومة -المنتخبة ديموقراطياً- دوراً حاسماً يمكن توظيفه للعمل في تحقيق المبادئ [مثل حرية السوق]؛ كما يرى هايك، و هي بذلك تدخل بتناقض واضح .

* مختارنا في أنظمة الحكم -كـ يمين- هي الأنظمة التي تتصف بالهرمية و القائمة على أساس مجتمع راسخ و حفظ حقوق الملكية الخاصة كـ [المَلَكيات]، النقطة الأهم في الملكيات و التي تتميّز بها عن الأنظمة التمثيلية و المساواتية أنها أقل قوانياً و أكثر صرامة في التطبيق .