دليلك للمعارضة: ترياق للفوضى السياسية(٣)

(هذه سلسلة من المقالات في الشأن العراقي تعود للكاتب مردوخ. أنقلها هنا بطلب منه وخوفا على المحتوى من الضياع. من هو مردوخ ؟محلل سياسي بدون تحفظات، يرفض كل القوالب الإعلامية المحنطة، ويطمح لربط كل خيوط الفوضى العراقية في نموذج مفهوم. كان التهاوي الفاضح لموجة احتجاجات تشرين دافعا لظهوره، لأنه كشف عن فقر فكري مدقع لدى الأنصار والخصوم معا.)

—الجزء الثالث “الأخطاء الاستراتيجية لا تصححها المهارات التكتيكية”

مرحبا يا رفاق! هل هناك من يفتقدني؟ أعلمني احد المراهقين ان له علاقة بفتاة وشرح لي طبيعتها وسألني عن رأيي في العلاقة؛ بما انها وصلت الى مفترق طرق مبكراً. فأخبرته ان لا مستقبل لهما معاً وشرحت له لماذا اعتقد ذلك.

بدأ الرجل مقتنعاً للغاية بكلامي، رغم ذلك إختار الاستمرار معها. وتعرض لانتكاسة نفسية مدمرة فيما بعد [هذا ما يحصل غالباً اذا لم تستمع لكلامي…مزاح].

كانت أسبابي ضد أستمرار علاقتهما بسيطة: البنت لم تكن موفقة اخلاقياً -كما استنتجت شخصياً مما قيل لي- والشاب -نظراً لأني اعرفه- لم يكن من النوع اللعوب وقد كان صادقاً في مشاعره. قلت له ان ارتباطه بها خطأ استراتيجي ومهما قدم وفعل لن يستطيع تصحيح الأمور او السيطرة على مسار العلاقة والأفضل ان يتركها. ولكن…غواية النساء!

في النهاية ليس من الغريب ان يتجاهل مراهق الحقيقة [ اي: الادلة والاحداث ] مدفوعاً بالتوق الى الجنس والمتعة. الجميع أصبح يفعل ذلك ولكن لأسباب مختلفة قليلاً.

في رأيي المتواضع ان اختيار الديمقراطية لبناء الدولة هو “خطأ استراتيجي” مثله مثل الفتاة التي أختارها المراهق. ومشكلة هذا النوع من الأخطاء انه يحطمك تماماً اذا قررت تجاهله والمضيء قدماً بحزمة من الترقيعات التكتيكية. لكن لماذا أعتقد أن الديمقراطية لا يمكن ان تبني دولة؟

(النظرية الهرمية للنظام السياسي)

تأمل معي هذه المعرفة المفصلية في الفهم السياسي : قلت في الجزء الأول من المقال ان [النظام (من نظم ينظم نظما ونظاما) هو: الترتيب والاتساق. لنعرفه ب “طريقة لعمل عدة اشياء او أجزاء في وحدة واحدة.” تعريف بسيط لكن يفي بالغرض الان. من هذا التعريف يتبين ان وظيفة النظام هي ١) تقليل الإنتروبيا (العشوائية) الناتجة عن التقاء الناس وتضارب مصالحهم الخاصة في التجمعات السكانية ليصبح التعاون ممكناً ومن ثم ٢) رفع الإنتاجية البشرية لأقصى حد ممكن، فالدولة في الاساس نشأت كنتيجة مباشرة لتراكم الفائض من الانتاج الزراعي الذي اضطر المستوطنات الزراعية قديماً في وادي الرافدين لتكوين مراكز ادارية]. طبقاً لهذا التعريف وليكون النظام ممكناً “فالشرط الأول” هو السلم بين الناس.

لكن لماذا السلم اولاً؟ النظام السياسي يتطلب استقراراً في الهيكل السياسي وهذا الاستقرار ينعكس في كفاءة وقدرة النظام على فرض نفسه. فمن دون السلم الداخلي الاستقرار السياسي مستحيل ببساطة.

هل نحن في حالة حرب اساسًا؟

سقوط النظام ٢٠٠٣ وخسارته المذلة امام التحالف الدولي تركت المجتمع بلا سلطة وعندما يكون المجتمع بلا سلطة يبدأ افراد المجتمع ممن لهم تأثير بطرح الأسئلة. أسئلة خطيرة من قبيل: لماذا لا اكون انا من يحكم ويحوز السلطة؟ في النهاية صدام وقبيلته أشخاص عاديين جداً.

ولو جئت للصدق هذا السؤال مشروع للغاية، فلا تمايز واضح بين الناس، لكن المشكلة تكمن في ان السؤال يخرج من أماكن عديدة في الوقت نفسه وعندما يطرحه العديد من الأشخاص تخرج الأمور عن السيطرة. فكما يستاء الأستاذ وتتصاعد الضوضاء من تكلم خمسة طلاب في الحصة ذاتها وفي الوقت نفسه، تتغلب الفوضى على النظام ويتكتل الأفراد حسب إنتمائهم القبلي او الطائفي او المناطقي في حرب “الكل ضد الكل” ربما تفكر -عزيزي المتابع- في ان هذا الامر هو سبب مباشر في الحرب الطائفية…يا رجل انت عبقري!

لإقامة السلم تقترح الديمقراطية حل بسيط يمكن صياغته بالطريقة الآتية: الصراع على السلطة هو المشكلة. لايقاف الصراع -انعدام السلم- يجب ان يتشارك الجميع بالسلطة.

حل بسيط ويعجب الكثيرين منكم. ولكن اليك المشكلة في هذا النوع التفكير: انتم لستم معنيين بالأمر مثل الذين في السلطة. لم تفهمني؟ سأشرح لك: فيما مضى عرفت عائلة تتكون من ثلاث أخوة وأختين ترك لهم والدهم المتوفي بيت على قطعة ارض لا تتجاوز مساحتها الثلاثمائة متر. وفاة والدهم الذي كان يسكن في هذه الارض مع احد الأخوة جعلت الآخرين يطالبون بالإرث. لكن وجهات النظر كانت متباعدة للغاية فيما بينهم: فاحدهم تحمل الجزء الأكبر في بناء البيت على قطعة الارض ولهذا يريد حصة مضاعفة. والثاني كان يرعى والده طيلة فترة عجزه وتسكن معه اخته غير المتزوجة ولهذا كان يريد اخذ ١٠٠ متر يسكن فيها مع زوجته واخته. اما الثالث فكان في موقع نفوذ ويقترح حرمان الأختين من الإرث خاصة ان إحداهما خرجت من البلد وتزوجت بالضد من إرادة اخوتها وابوها ودون علمهم. فجئة ظهرت هذه الاخت من العدم وطالبت بحصتها ايضاً.

فشل رجل الدين (الشرع) ورجل القانون ووالدي ايضاً في حل مشكلتهم، لان كل واحد من الأخوة كان يرى ان الحق معه وان الاحتكام للمنطق الديني او القانوني او العرفي الوسيط هو تقويض لحقه وانتصار للآخر. تنتهي القصة بشكل مأساوي للغاية وبفاجعة دموية بعد تهور احد الأخوة واحتكامه لمنطق القوة والسلاح.

كانت حلول والدي -بعد ان طلبوا منه التدخل- منطقية لكن المشكلة تكمن في ان كل فرد من هؤلاء الأخوة الثلاثة حمل فكرته الخاصة عن العدالة لا فكرة القانون ولا مقترحات ابي. ذات المشكلة تكمن في الاقتراح الذي تقدمه الديمقراطية عن مشاركة السلطة مع الآخرين: فبما ان القوانين يمكن صناعتها من طرف من يتشاركون في السلطة -ولهذا فهي ليست في موضع الاحترام والتقدير من كافة الأطراف- وكل فرد ذو تأثير في السلطة يحمل عدالته الخاصة ويرى نفسه احق من الآخرين بها، يزداد التوتر ويفشل النموذج الديمقراطي لنعود الى المربع الاول: حرب الكل ضد الكل.

ولهذا فالتنافس الاقتصادي جيد للغاية والتنافس السياسي سيء للغاية وينتهي بالحروب الاهلية الطاحنة. فبدل التركيز على التنمية الاقتصادية وتحسين حياة رعاياهم يتحرك الساسة الديمقراطيون في اتجاه اقتصادي واحد: التحضير للحرب مع الخصوم عبر زيادة الإنفاق العام واستهلاك الميزانية العامة وتحشيد الأتباع وسرقة ما يمكن سرقته والسيطرة على ما يمكن السيطرة عليه وهكذا دواليك.

تنهار الأطروحة وتفشل الفرضية في إثبات نفسها عند اول إختبار، فالمناخ الديمقراطي يحتفظ بحالة مزمنة من القلق الذي يصيب الجميع وصولاً الى مرحلة فقدان السيطرة والصدام والذي تلخصه عبارة: (قلق دائم حتى ظهور القائم). ونتيجة لذلك يصبح الانتماء لا على أساس ايديولوجي فكري بل مصلحي ولهذا نشهد صعود “المجتمع الكتلي” الذي يتحشد فيه الناس بناء على مصالحهم الخاصة. [ربما تفكر عزيزي القارئ في ان هذا هو سبب عدم وجود برامج انتخابية اساسًا بل وعود يقدمها المرشح لتحسين الحالة المادية لمن أنتخبه شخصياً…قلت لك من البداية: انت ذكي جداً]

ننتقل الى الشرط الثاني لإقامة النظام السياسي، الأمان: لا يعني الأمان الغياب المطلق للجريمة الاعتيادية فهذا الامر غير قابل للتحقيق لانه لا يمكن استباق الجريمة عالمياً. الأمان يعني ببساطة الغياب التام للجريمة المنظمة فضلاً عن الغياب المطلق “للمقاومة المنهجية” ضد سلطة الدولة من الارهاب الى المليشيات الى العصيان المدني.

ولكن كيف يمكن جعل الأمان هو الحالة السائدة في البلد؟ الإجابة بسيطة ولكنها عنيفة: سحق المقاومة المنهجية لسلطة الدولة. ولتفعل الدولة ذلك تحتاج الى قوة مسلحة ذات كفاءة قادرة على فعل ذلك. ولكن نظرًا لان السلطة متاحة للجميع والقوانين يمكن انتاجها من عدة اطراف في السلطة، والسلم لم يتحقق في المناخ الديمقراطي المشحون بالتوتر، يحمي كل طرف في السلطة جماعته المسلحة (المليشيا) ويحاول إيجاد تبرير قانوني لوجودها تحسباً لحربه القادمة مع الخصوم. نتيجة لذلك تصبح الدولة عاجزة عن فرض الأمان وإيقاف الجريمة المنظمة والمقاومة المنهجية لوجودها. فبدل ان تسحق الدولة معارضيها تتعرض هي للسحق بصورة مخزية ولهذا ولان الدولة ضغيفة وغير قادرة يلجأ الناس للانتماء الى الجماعات المسلحة ويتصاعد العنف والفساد ويعود “المجتمع الكتلي” ليفرض نفسه من جديد.

ينهار النموذج الديمقراطي مرة ثانية وتنحصر خيارات الناس السياسية عند الانتخاب في المصلحة الخاصة والانتماء العقائدي ولهذا لا تصحح الانتخابات المسار الذي أتخذه النظام بل تحفز تراكم الأخطاء القاتلة في جسد مؤسسات الدولة.

ننتقل الأن إلى الخطوة الثالثة في النظام السياسي: القانون. بمجرد ان تسحق الدولة كل مقاومة مضادة لإرادتها تبدأ في جعل أفعالها متسقة وقابلة للتنبؤ. فالنظام هو الترتيب ومن ثم “الاتساق” والمسؤول عن هذا الامر هي المؤسسات القانونية بطبيعة الحال. فإذا كانت القوانين واضحة ومعيارية وتنطبق على الجميع، يتفادى الناس خرقها فيتعزز السلم والأمان وبالتالي تزداد صلابة النظام. ولكن نظرًا لان الدولة فشلت في تحقيق السلم والأمان يفشل القانون في تحقيق سيادته على الجميع وعندما يحدث ذلك تنهار سلطة الدولة فالقانون الذي لا يطبق على الجميع لا يمكن تسميته قانون. عطفاً على ذلك تنهار الفرضية مرة أخرى، وتصبح الفوضى والعشوائية وكل أنواع التجاوزات المجتمعية مقبولة وشرعية الى حد ما.

الخطوة (الرابعة) التي تأتي بعد فرض القانون هي منح الحريات للرعايا. وبهذا يتحول النظام القسري الى تلقائي دون خوف او خشية من ان تصبح الحرية اضطراب. لكن المشكلة تكمن في السلم منعدم والأمان غائب والقانون ضبابي ولهذا تحولت الحرية الى اضطراب شديد يقوض من سلطة الدولة باستمرار.

تقترح الديمقراطية ترتيب بديل لأوليات النظام السياسي يمكن صياغته بالشكل التالي: حرية > قانون > أمان > سلم.

مشكلة هذا الترتيب أنه يقلب الهرم رأساً على عقب فالحرية السياسية تنتج فوضى قانونية وصراع سياسي والصراع السياسي يدمر الأمان وبانعدام الأمان ينهار السلم الاجتماعي. ولهذا السبب لم نشهد تجربة سياسية واحدة ناجحة في بناء دولة منهارة حتى الان.

يجادل بعضكم بأن الديمقراطية تعمل في انجح دول العالم -وهو ادعاء غير صحيح فالاحصائيات تظهر ارتفاع البطالة وانخفاض الاجور وارتفع الدين العام الى مستويات فلكية مع تزايد مطرد في معدل الجرائم والتفكك الاسري والانحلال الثقافي وتفاقم معدلات الطلاق والاطفال غير الشرعيين والاجهاض- ولكن حتى لو كنت محقاً فدول العالم الأول لم تتحول الى ديمقراطية الا بعد تحقيق النظام لثلاث اولويات سياسية على الأقل: السلم > الأمن > القانون.

ولتصبح الحجة اكثر وضوحاً تخيل الامر على النحو الآتي: الديمقراطية فيزياء نيوتونية (نسبة الى نيوتن) يمكن ان تفسر حركة الأجسام الكبيرة ولكنها بلا ريب عاجزة عن تقديم تفسير مقبول لحركة الأجسام الذرية وما دون الذرية….حان وقت تقديم البديل السياسي يا أولاد! هل سمعتم بالفيزياء الكموميّة؟

يتبع..

دليلك للمعارضة: ترياق للفوضى السياسية(٢)

(هذه سلسلة من المقالات في الشأن العراقي تعود للكاتب مردوخ. أنقلها هنا بطلب منه وخوفا على المحتوى من الضياع. من هو مردوخ ؟محلل سياسي بدون تحفظات، يرفض كل القوالب الإعلامية المحنطة، ويطمح لربط كل خيوط الفوضى العراقية في نموذج مفهوم. كان التهاوي الفاضح لموجة احتجاجات تشرين دافعا لظهوره، لأنه كشف عن فقر فكري مدقع لدى الأنصار والخصوم معا.)

—الجزء الثاني (مكونات النظام)

في كثير من النزاعات الأسرية والاجتماعية نجد بعض العناصر التي تنشر للعامة أو تقدم للقضاء، لكنها لا تتناسب مع حجم التوتر أو التمادي الذي وصلت إليه القضية. وفي المقابل، هناك عناصر أخرى أبرز وأهم ولكن لا يشار إليها إلا همسا ومن طرف خفي، ويصدق عليها وصف ( الفيل في الغرفة elephant in the room ). وبالنظر إلى الزوبعة السياسية التي أثارتها احتجاجات تشرين (التي نقترب يوما بعد يوم من ذكراها الأولى)، يلاحظ أن هناك صنما ضخما لا يتطرق إليه أحد بالنقد أو يرفع ضده شعارات التنديد. لا أعني (السيد) طبعا، فقد تكفل سنان العزاوي وقبعاته الزرق بإسكات المعترضين.. بل النظام نفسه، الديمقراطية يا صاح.

ربما يخطر ببالك — عزيزي القارئ الماكر — رأي خبيث: البعض لا يريدون تحطيم الديمقراطية لأنهم يرغبون ارتقاء سلالمها، كما فعل الكثير من الانتهازيين من قبلهم! وإن فعلت فأقول لك: برافو، بدأت دروس هذه الصفحة تؤتي أكلها في عقلك. لكني أتحدث عن القطاع الأكبر من المتحمسين وغير المستفيدين — هل هم جميعا مسلوبو العقول؟

المشكلة الرئيسة التي يمكن الإشارة إليها في موقف كهذا، هو أن الديمقراطية (كإحدى أدوات النظام الليبرالي الغربي) قد غرقت تحت أوحال الأخطاء، ولم يعد المدافعون عنها يملكون تفسيرا غير “الخطأ في التطبيق وليس في النظرية” الذي شبعنا من سماعه من كل أنصار الأنظمة “الكلك” التي طبقت براسنا. ولهذا فإنك تجد أشجع وأجرأ “الناطقين” باسم الاحتجاجات يتصاغر أمام الكاميرات، مكتفيا بالتماس “قانون انتخابات جديد” أو “تشكيل مناطق جديدة للاقتراع”، دون أن تحدوه “الغيرة العراقية” على المناداة بإسقاط النظام “شلع قلع” كما قيل ذات يوم.

أضف إلى ذلك أن العامل المذهبي (الذي لم تتنصل منه أذهان معظم الناشطين) لا يزال يؤثر سلبيا في صياغة الموقف السائد من الديمقراطية. حيث يخشى الشيعي الشاب من إفلات السلطة من بني جلدته في حال تهاوي الديمقراطية العددية وصعود رجال أفضل وأوفر كفاءة من صفوف “الآخرين” (المعروفين أيضا بلقب “إخواننا بل أنفسنا”)، لأنه يعرف بعمق أن حساب الدولة المدنية مع الفوضوية الشيعية سيكون طويلا عسيرا.

ولكن لنفترض لوهلة حياد كل النوايا، وغياب كل المخاوف، ولنقل أن السبب الوحيد للتشبث بالديمقراطية هو “الثقة في الآليات” : بدءا بفرضية صدق اختيارات الشعب في التعبير عن آرائه، وتناسب الأحزاب المسيطرة مع قطاعات تقابلها في المجتمع، ومصداقية مفوضية الانتخابات، وإذعان الطبقة السياسية للنتائج كيفما كانت.

في هذه التجربة الفكرية، يجدر بنا أن نتأكد من تطابق هذه الفرضيات مع الوقائع، التي تراكم لدينا منها (على مدى عدة دورات) ما يكفي لأن يملأ “تاريخا” للعملية الانتخابية في العراق وانتهاكاتها.

تخطر ببالي هنا نادرة سمعتها من أحد الأصدقاء النابهين عن فترة دوامه في إحدى دوائر الدولة. كان مسؤوله المباشر يحدوه الفضول لمعرفة توجهات هذا الموظف الجديد وإن كان “معنا” أو “علينا”، فسأله ذات مجلس: إلى أي حزب تنتمي، أو لأي تيار تميل؟

فرد الصديق: إن كنا سنتحدث عن السياسة فأنا أعرف أن الأحزاب تجمعات تحمل توجهات أو ترعى قطاعات بعينها من المجتمع، لكن لا أرى شيئا من ذلك في العراق. فنحن لا نعرّف الأحزاب هنا إلا بقياداتها، أما التوجهات فهي غامضة إن أحسننا الظن وارتجالية إن حكمنا على الواقع. ولهذا لا أجد دافعا نحو الانتماء أو التحيز، دون أن أعني بذلك عداوة لهذه الفئة أو تلك.

هذا الموقف المختصر يحمل في طياته تشخيصا لكل مشكلات الديمقراطية في العراق: فالشعب يصوت دون غاية اقتصادية أو سياسية واضحة، فضلا عن وعود صالحة للتنفيذ؛ والأحزاب لا تشعر بأنها مدينة أبدا لجمهورها الذي تتلاعب بأحواله وتضطهده، وهو يضحي في سبيلها ويدعو لبقاء دولتها (لمجرد تشاركها وإياه في المذهب)؛ والآليات الوسيطة بين الشعب وممثليه (أو منكليه إن شئت الصدق) مصممة ومكيفة كي تضمن بقاء أثقالهم على الصدور، بنحو يذكّرنا بمشهد أمية بن خلف مع بلال الحبشي!

الشعب العراقي – لو جئت للصدق – يحيا أمية فكرية وعاطفية مذهلة، وكأنه مراهق قد احتبس عن التحولات النفسية والعقلية منذ سن السادسة عشر. إن لم تصدقني فارجع إلى اليوتيوب وابحث عن جهاز كشف المتفجرات المزيف والأسماء الكبيرة التي وقفت وراء فرضه في نقاط التفتيش، وكم حكومة استغرق الأمر قبل أن يسحب من التعامل الأمني.

أي شعب يملك حدا أدنى من النضج ومقدرة بسيطة على صنع القرار، كان سيحتشد ويؤجج ويهيج حتى يسقط الحكومة التي عبرت “كلاو” كهذا على رؤوس الملايين، غير مبالية بالآلاف من القتلى والجرحى الذين أسفر عنهم الاعتماد على هذه الكذبة الرخيصة.

مشهد آخر يؤكد نفس النقطة، لا بأس بالتنبيه عليه مجددا: محتجو ساحة التحرير، الخارجون في “ثورة تشرين” ضد حكومة “الأيادي المتوضئة” و “تيجان الرؤوس”، يمدون أيادي الضراعة والالتماس بكل بؤس وضعف – إلى من برأيك؟ إلى حاضن “بيضة الإسلام”، أدام الله ظله على هامات الأنام، الذي تجاوز عمره التسعين عام!

في بيئة كهذه تفتقر للإحساس بالخطر السياسي وتقديم المصلحة العامة على اللازم الإيديولوجي، وتتمازج فيها الفوارق (كتداخل الألوان في كوب آيس كريم ذائب) بين الولي والعدو، لن يظل هناك ما يذهلنا في انخراط مئات الآلاف في صفوف فصائل طائفية صريحة – دفاعا عن نظام بشار الأسد، الذي كان نوري المالكي يندد بتمويله وإرساله للإرهاب في العراق ذات يوم!

أعرف ما سيخطر ببالك الآن: “كفى جلدا للشعب، ألا تود نتف صوفة الأحزاب قليلا؟” لا بأس، سأجاري نقمتك، لعلمي بأنها مشروعة تماما وعمقها التاريخي أقوى مما تظن.

تشكيلة الأحزاب المسيطرة حاليا، رغم أن أسماءها قد اختلفت كثيرا عن “باقة المخضر” التي كرفها أحمد الجلبي ذات يوم وشكل منها “لجنة المتابعة والتنسيق” (أيباه، كم تبدو اليوم بعيدة تلك العناوين)، تملك أسوأ مبررات ممكنة للتصدي للقرار السياسي عرفها الشرق الأوسط خلال القرن العشرين.

لنبدأ من أقدمها وأبرزها: حزب الدعوة. هذا “الحزب الفاطمي” (اسمه الأصلي في النجف، الذي استبدل لاحقا بداعي التقريب المذهبي مع الإخوان المسلمين) نشأ كردة فعل على محاولات “حزب التحرير” الأردني استمالة بعض العمائم الشيعة في الكرادة الشرقية ببغداد، وأعني بهم تحديدا عارف البصري وقريبه عبد الجبار البصري، على يد محمد هادي السبيتي (رجل الظل الذي لا يعرفه أكثركم). حين علم مرتضى العسكري بذلك هرع إلى النجف يشكو إلى “جماعة العلماء” الناشئة كيف يستغل أهل السنة فراغ الشيعة سياسيا (نظرا لأن الخميني لم يخترع “ولاية الفقيه” بعد)، ويحاولون تجريدهم من مذهبهم بحجة التعاون لمقاومة الشيوعية.

هل لمحت في هذه الأحداث التأسيسية التفاتا لحاجة الشعب، أو دعوة لتحفيز الاقتصاد، أو إطلاقا لحرية الرأي والإبداع؟ كلا، الأمر برمته “صراع على المنابر” وتنافس على الحق في التصدي للشيوعية باسم الإسلام.

نأتي من ثم إلى “تيار الحكمة” العريض والواسع، المعروف بالوجوه النضرة (الما لايحتها شمس) والأصوات الناعمة (التي لا تصلح للتحريض) التي تتصدره. وحدهم أصحاب الذاكرة الحديدية يتذكرون أنه فرع من أصل أقدم هو “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق”. وقصة تأسيس هذا الآخر لا تقل انفصالا عن التعريف التقليدي للحزب مقارنة بالقصة السابقة.

فقد توسط الداعية المعروف حسن شبر بين محمد باقر الحكيم (المقيم في سوريا عام 1982) والخميني، محاولا استمالة الأخير للقبول بوضع الأول على رأس تشكيل “جهادي” موحد يجمع شتات الفصائل المتفرقة. وقد وافق الخميني – متغاضيا عن خصومته القديمة مع آل الحكيم الموالين للشاه – ليأمر من ثم بانضواء حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي وغيرها من الحركات تحت هذا اللواء الجديد. حتى إن “قوات الشهيد الصدر” التي شكلها الإسلاميون الفارون مع بعض “التوابين” اتخذت عنوانا بديلا نعرفه اليوم بلا شك: منظمة بدر!

بالإضافة إلى بلائهم الحسن (على الجانب الإيراني طبعا) في الحرب الطويلة بين البلدين، فإنهم لطالما شنوا هجمات على مقرات للجيش والشرطة في العراق خلال عقد التسعينات، كانت تستخدم الصواريخ أحيانا ولا تبالي بهوية القتلى (هل يذكركم هذا بشيء؟). وحين كانت أوكارهم داخل العراق تكتشف وتفتش، كان هناك كتاب واحد لا تخلو منه: “دليل المجاهد” لكاظم الحائري، الذي برع في فتاوى الاستحلال والانتقام كما برع زميله محمد الصدر في “فقه الفضاء”.

بالنسبة “للطائفة الصدرية” -ولا اقول الحزب او التيار- فحدث ولا حرج. فهي عبارة عن مدرسة للقتلة والمختلين والمتخلفين عقلياً كما اثبت سابقاً (راجع مقالة: الطائفة الصدرية). بالتالي لا علاقة لها بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا حتى بالبشر منتصب القامة.

اما الأحزاب الكردية فهي اساساً أحزاب معادية لوجود العراق كوطن للعراقين، ولطالما استعملوا ورقة الاستقلال عن العراق لابتزاز بغداد سياسياً واقتصادياً. [في الواقع استقلال كردستان أمر مستحيل من الناحية “الجيوسياسية” فالحصول على دولة اراضيها جبلية بدون منفذ بحري ويحيط بها أربع بلدان معادية هو أمر يشبه خنق رقبتك بحبل متين في غرفة منقوصة الاوكسجين. هذا ان تجاوزنا جزئية ان المحافظات الكردية محاطة بدول ذات شأن اقليمي (تركيا-وايران) لن تسمح بحدوث ذلك حتى لو عنى ذلك ادخال جيوش والقيام ببعض المذابح.] ناهيك عن تاريخهم الطويل في العمالة لدول الجوار، فتعاونهم مع دولة معادية للعراق في زمن الشاه ومن ثم الخميني لزعزعة الاستقرار الامر الذي اضطرنا لتوقيع اتفاقية الجزائر فيما يخص حدودنا البحرية مع ايران ومن ثم الانقلاب ومن ثم…احزر ماذا؟ الحرب الايرانية- العراقية.

اما الاحزاب السنية فهي عبارة عن لفيف من الكاولية، القتلة، البعثية السابقون ممن كونوا ثروتهم في عراق ما بعد ٢٠٠٣ ليستغلوها في إدامة التحريض الطائفي. لكن ديمقراطية المحاصصة اضطرت لاستيعابهم تحت حماية امريكية اولاً، من باب حماية الاخر وقبوله سياسياً ومن ثم استوعبتهم الاحزاب الشيعية مجدداً بأوامر ايرانية مباشرة بعد نكسة ٢٠١٤ للمشاركة في عملية “الفرهود السياسي” الذي يتعرض له البلد. فعقدت المصالحة السياسية سريعاً ورجع الهاربون منهم الى بغداد (بعد ان اعلنهم القضاء العراقي مجرمون سابقاً) لتتوقف بعد ذلك سلسلة الاحد الدامي والخميس الدامي في بغداد…مصادفة أليس كذلك؟

عزيزي القارئ، من هذه التركيبة العجيبة والخليط غير المتجانس من الأحزاب التي يجمعها الفرهود السياسي وتقاسم السلطة، يتضح لنا ان العملية السياسية جريمة منظمة والمشاركون فيها مدانون. ولكنك تجادل قائلاً: “اذاً الحل يكمن في استحداث حزب وطني جديد يربح في الانتخابات” [بافتراض انك تعرضت لحادث سير بعد ان صدمت بسيارة يقودها مثقفو الجنس الثالث وكان موضع الضربة في رأسك لدرجة جعلتك تنسى ان التزوير سائد بينهم، وان المفوضية بيدهم، وان الشارع مستقطب لهم. بالتالي فرصة فوزك في الانتخابات تكافىء فرصة إيجاد غابة من الاشجار على سطح القمر].

ولكنك مخطئ مرة أخرى، كيف؟

اولاً لنعرف الحزب، الحزب السياسي: هو مجموعة اشخاص متحالفين مع بعضهم لغرض الاستيلاء على السلطة، تجمعهم افكار ومفاهيم يتعاملون من خلالها مع الواقع.

عندما يسيطر حزب سياسي بشكل كامل على البلد — كما فعلها حزب البعث في ظل نظام ديكتاتوري— فان كمية هائلة من العائدات المالية تتحول لخدمة هيكلية هذا الحزب واتباعه، ولهذا السبب ينضم عدد كبير من الناس للحزب؛ طمعاً في المال والسلطة او تجنباً لتسلط آخرين عليهم في حال فضلوا البقاء كمواطنين عاديين معرضين للقمع في اي لحظة ولأتفه الأسباب.

في حين عندما يسيطر حزب سياسي مع احزاب أخرى على البلد — يفعلها حزب الدعوة الان — فإن تدفق العائدات المالية يقسم بينهم وفق معطيات تتعلق بالثقل السياسي والشعبي. بالتالي فأن هذه العائدات المالية المهمة في استقطاب الناس وحتى تأسيس مليشيات مسلحة للابتزاز السياسي سيحرم منها الحزب الجديد وهو أمر يعني الفشل بلا ريب.

إذا لم تكن لدى الحزب امكانية مالية ولا قدرة على تسليح أتباعه، فقط لأنه يجد المتابعين العزل أكثر فائدة من المسلحين. اذن فقد اختار استراتيجيات أقل فاعلية بدافع اخلاقي، ومن البديهي ان يتفوق عليه حزب أقل اهتماماً بالمبادئ. وعليه فأن حديثك عن تكوين حزب سياسي معادي — ومعظم الناشطين ينامون خارج بيوتهم بعد إحداث تشرين خوفاً من “الصك”— هو امر يشبه وضعك أسماك الكارب الصغيرة في حوض مملوء بأسماك القرش وانتظار أنتصار الكارب على القرش!

يتبع..

دليلك للمعارض: ترياق للفوضى السياسية(١)

(هذه سلسلة من المقالات في الشأن العراقي تعود للكاتب مردوخ. أنقلها هنا بطلب منه وخوفا على المحتوى من الضياع. من هو مردوخ ؟محلل سياسي بدون تحفظات، يرفض كل القوالب الإعلامية المحنطة، ويطمح لربط كل خيوط الفوضى العراقية في نموذج مفهوم. كان التهاوي الفاضح لموجة احتجاجات تشرين دافعا لظهوره، لأنه كشف عن فقر فكري مدقع لدى الأنصار والخصوم معا)

—الجزء الأول

[انا أنتمي الى هذه الجيل، الجيل الذي -على عكس الأجيال السابقة- أتيحت رفاهية الانفتاح على العالم ورؤية ما يحدث وكيف يعيش الناس في مختلف بقاع الأرض، فالمرء لم يعد مضطرًا لمتابعة التلفزيون الحكومي الذي يفتح لساعات محددة تتخللها خطابات الرئيس المثيرة للغثيان. ذلك لان التقنية جعلت من الهاتف المحمول عالم مصغر بين يديك. وبفضل التوسع الاستهلاكي -لا الانتاجي- الذي حدث كنتيجة لرفع الحصار وارتفاع اسعار النفط لأعلى مستوياتها في التاريخ، أزداد الاستيراد واتيحت لنا إمكانية شراء كل شيء تقريبًا. من اين حصلنا على المال؟ حصلنا عليه من حاجة السياسي في المنظومة الديمقراطية الى (رشوة الناس)، من حاجته الى استرضاء الناس، والكلمة السحرية كانت هي “التوظيف الحكومي”

وظيفة في القطاع العام ورواتب لقطاع كبير من الشعب والمقابل هو الصوت الانتخابي والولاء لولي نعمتهم. بعبارة اخرى: المال الذي كان يفترض ان يصرف في اتجاه إنشاء البنى التحتية وتشجيع الاستثمار وتطوير الصناعة المحلية ليكون توسعنا الاقتصادي (انتاجي) يضمن مستقبل الأجيال اللاحقة، صرفه الديمقراطيون في الموازنات التشغيلية، ولأكون اكثر دقة: صرفوه في رشوة الشعب واستقطابه سياسيًا.

ابناء جيلي قضوا مراهقتهم في الألعاب الإلكترونية وسائر وسائل الترفيه، وحصل معظهم على تغذية جيدة مقارنة بمن سبقهم ولهذا كان نموهم الجسدي السريع ظاهرة يسهل ملاحظتها من قبل الآباء. [ اولاد بقامات فارعة، وفتيات بأجساد لم نكن نتوقع انها ممكنة الا في انميات الهنتاي اليابانية]. ولكن لا شيء يدوم اذا لم تتوفر اسباب دوامه -بأستثناء وجه الله وسلالة ال الصدر…لسنا متأكدين من الأولى بصراحة- الرفاه ايضاً زائل! وذلك لان المرء يتقدم في العمر ومسؤولياته تزداد مع هذا التقدم (علاقة طردية). فالواحد منا أدرك ان العالم أوسع من البلايستيشن ومواقع التواصل الاجتماعي، وانه مطالب بشكل او أخر بالحصول على عمل وبالتالي مسكن جديد وزوجة. هنا كانت الصدمة…لا شيء من هذا ممكن يا صاح!

فتوسع البلد الاستهلاكي وصل الى اقصى ما يمكن الى درجة ان الحكومة لا تستطيع دفع الرواتب الى موظفيها -موظفيها في الواقع هم اباء هذا الجيل- من دون ان تأخذ قروض. والوضع الاقتصادي ينهار تحت وطئة أخطاء الماضي المتراكمة وقرارات الحاضر الساذجة. ونظرًا لذلك حصلنا على جيل أكمل حياته الجامعية فَلّم يجد أمامه من شيء سوى السراب. والمحصلة النهائية كانت: قطاع واسع من الشباب الغاضب.

(يقظة)

على عكس أقراني، قضيت بضعة مئات من الساعات في القراءة، عن السياسية، التاريخ، والاقتصاد. في الواقع انا شخص ملل اكثر من مباراة في الدوري العراقي. لكنني في المقابل تعلمت ان الشعور بالغضب مهما كانت دوافعه مبررة واسبابه متوفرة لا يكفي لإحداث التغيير السياسي المطلوب. فالسياسية هي علم وفن -ولعلها أصعب العلوم واجدرها بالفهم وذلك لانها تؤثر على ما سواها من المجالات.

التطلع الى التغيير هو شيء خطير للغاية، فالقول ان هناك خطأ في هيكلية النظام يتطلب منك اولاً وصف هذا الخطأ بدقة، استحداث الوسائل لاصلاحه ومن ثم تقديم البديل المناسب. ولكن ما حدث هو العكس: شاب مسلح بمزيج من الغرور، الإسراف، والتهور، يقدم على مغامرة هائلة لإصلاح السياسية، الاقتصاد، المجتمع. شاب مسلح بافتراضات لا اساس لها من الصحة، افتراضات أطلقتها المؤسسة الدعائية للنظام ورددها “مثقفو الجنس الثالثة” حتى أصبحت مسلمات لا تحتمل النقاش.

عزيزي القارئ، ان قدراً من التحلي بالموضوعية وشيئاً من الحس السليم يشيران الى ضرورة الوقوف على نتائج احتجاجات تشرين الكارثية وتحليلها. فالماضي هو الحاضر الذي يفرق من أجل الفهم. ولكن قبل ذلك ان كنت من المشاركين في الاحتجاج أدعوك الى ترك التفكير بطريقة ثنائية [معي ام ضدي؟]. أننا في هذا الظرف الحساس في احوج ما يكون الى الفهم ذلك لان “العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعدا”

في رأيي المتواضع، الخطوة الأساسية لفهم السياسة العراقية هي بفهم طبيعة النظام. النظام (من نظم ينظم نظما ونظاما) هو: الترتيب والاتساق. لنعرفه ب “طريقة لعمل عدة اشياء او أجزاء في وحدة واحدة.” تعريف بسيط لكن يفي بالغرض الان.

من هذا التعريف يتبين ان وظيفة النظام هي ١) تقليل الإنتروبيا (العشوائية) الناتجة عن التقاء الناس وتضارب مصالحهم الخاصة في التجمعات السكانية ليصبح التعاون ممكناً ومن ثم ٢) رفع الإنتاجية البشرية لأقصى حد ممكن، فالدولة في الاساس نشأت كنتيجة مباشرة لتراكم الفائض من الانتاج الزراعي الذي اضطر المستوطنات الزراعية قديماً في وادي الرافدين لتكوين مراكز ادارية.

ولكن النظر الى النظام العراقي الديمقراطي -تخيله كسيارة- يجعلك تدرك انهُ مصمم بطريقة عكسية. [حيث تزداد العشوائية ومعها التفسخ الاجتماعي الناتج عن كثرة الانتماءات السياسية وبالتالي يصبح الإنتاج (اي نوع من الإنتاج: غير ممكن)] لماذا؟ سأشرح لك هذا بالتفصيل فيما بعد. المهم الان هو انك اطلعت على نصيحة الميكانيكي، بعد ان اخبرك ان المشكلة هي السيارة – النظام نفسه- لا الوقود ولا العجلات ولا حتى الركاب! . [على فرض انك تعيش في منطقة جبلية ومضطر لقطع طريق وعر بشكل يومي للذهاب الى العمل في الوقت المحدد، ولكن بدلاً من ان تقلل سيارتك الصغيرة الزمن المستغرق للوصول العمل تعيقها الصخور الصغيرة عن الحركة وتتعطل فتقضي المزيد من الوقت في محاولة إخراجها واصلاحها]. يا صاح انت بحاجة لسيارة دفع رباعي — نظام جديد.

معرفتك ان العيب في نوعية السيارة، غير المخصصة لهذا النوع من الطرق، يعني على الاقل انك غير مضطر لمحاولة إصلاحها في كل مرة، ولا صرف الجهد، الوقت، والمزيد من المال عليها. اذا فهمت ان العيب هو “النظام الديمقراطي” ذاته لا في الانتخابات ولا اي شيء أخر فقد فهمت نصف “الاشكال السياسي” فالعدو هو النظام كله، والخطأ هو وجوده. هذا الفهم يعني الكثير سياسياً لو ادركه من يدفعون الناس للتظاهر والاحتجاج. “فمحاولتهم تغيير النظام عبر آلياته سواء كان الامر عن طريق الانتخابات او التظاهر تذكرنا بالرجل الذي يحاول حل مشكلة زواجه العاثر ببيع الأريكة التي حدث عليها الزنا”]

الدولة مقابل مجتمع القانون الخاص في مواجهة ازمة كورونا: مقابلة مع هانز هيرمان هوبه

ترجمة: نور الدين كمونة.

توماس جايكوب: استاذ هوبه, انت معروف بنقدك للدولة والمركزية السياسية. ألم يثبت فايروس الكورونا المستجد أن الدول والحكومات المركزية ضرورية للتنظيم والتعامل مع ازمات كهذه؟

هوبه: على العكس تماماً.

ما حدث حقيقةً هو ان العديد من الحكومات المركزية والمنظمات العالمية ( مثل الاتحاد الاوربي ومنظمة الصحة العالمية), حاولوا ان يستغلوا مسألة الوباء الفايروسي لمصلحتهم الخاصة, أي بمعنى لتوسيع نطاق سلطتهم على رعاياهم. اجراءات التعامل مع الوباء كانت مجرد تجربة حول الى أي مدى يمكن تذهب الحكومات في فرض سلطتها. وما حدث في الواقع كان نجاحاً باهراً, الى حد الاعتقال في المنازل, وهذا حقيقةً أمرٌ مرعب.

لكن ما اثبته لنا مجرى الامور, هو ان السلطات المركزية وقراراتهم اقل كفائة مما يتصور الكثيرون, واننا على العكس, بحاجة الى صناع قرار وقرارات أقل مركزية.

الخطر الصادر من الوباء لا يمكن ان يصيب كل مكان وكل شخص بنفس مستوى الخطورة. فالوضع في فرنسا مختلف عن ما هو عليه في المانيا او الكونجو, والظروف في الصين ليست نفسها تلك التي في اليابان. وكذلك في البلدان الاكثر تنوعاً, مستوى الخطر يختلف من منطقة الى اخرى ومن مدينة الى اخرى, اعتماداً على التوزيع الديموغرافي والتنوع الثقافي وطبيعة السكان.

علاوة على ذلك, هنالك طيف واسع من من التقييمات والمقترحات بخصوص ما يجب ومالا يجب يجب فعله وتجنبه في وجه هذا الوباء, وكلٌ من هذه المقترحات مقدم من قبل مختصين وخبراء. ولذلك فان اي اجراء مركزي وعلى مستوى دولة كاملة (دعك من على مستوى العالم) لابعاد الخطر, من خلال منهج وطريقة واحدة يتم تطبيقها في كل مكان, هو اجراء اعتباطي وغير مناسب ابداً.

في ضوء هذا الوضع, كان من الطبيعي ان نرى العديد من القادة والحكام المحليين يسارعون ليكونوا مساهمين في اجراءات مكافحة الوباء. فالخطر المحدق منحهم فرصة للتميز عن ممثلي الحكومة المركزية وتوسيع نطاق سلطتهم وقوتهم. فهم كثيراً ما تجاهلوا وتلاعبوا بالقرارات الصادرة من حكومات المركز بما يتناسب مع مناطقهم الخاصة. وخلال كل هذا ابقوا اعينهم على شاشات التلفاز والرأي العام, على أمل ان يكونوا مؤهلين ليصبحوا دكتاتوريين بسلطة مركزية, مبتدأين مشوارهم بكونهم دكتاتوريين بسلطة محلية.

عدم قابلية صناع قرار الدولة المركزية للاعتراف بان بعض القرارات غير المركزية ساهمت في تحسين الاوضاع, واهمالهم حقيقة ان التعامل بشكل مختلف مع مناطق مختلفة يسمح لنا بالتعلم من الاخطاء؛ خطآن ساهما في ان تكون النتيجة النهائية مروعة. فاجراءات الدولة فاشلة على كل الاصعدة وليس على مستوى الصحة العامة فقط. ففي الحقيقة ان الاحداث الحالية برهنت لنا, ان الدولة قتلت المواطنين او جعلتهم في حال صحي اسوأ من خلال اجراءاتهم الوقائية اكثر مما عالجت.

توماس جيكوب: هل السياسيون ببساطة هم اغبياء؟

هوبه: بالطبع, فالسياسيون كمجموعة لا يملكون المع العقول. و”عمل الخير” الذي يوحد هؤلاء السياسيين, أي بمعنى, ادعائهم بانهم يريدون مصلحة الناس او الانسانية اجمع وتحقيق السعادة والرفاهية من خلال افعالهم, يجب النظر اليه على انه ادعاء مشبوه ابتداءً. لكن السبب الحقيقي في فشل السياسة والسياسيين بشكل عام, وبتعالمهم مع الامراض المعدية بشكل خاص, يقع على مستوى اعمق وهو ذو طبيعية هيكلية.

فالسبب الهيكلي هذا, هو ان صناع القرارات والسياسات, سواء كانوا مركزيين او محليين, لا يملكون ما يخاطرون به عند صناعة قراراتهم وكتابة سياساتهم. فهم متحررون من عواقب القرارات الخاطئة وثمن الخسائر. فهم ليس عليهم ان يفكروا مطولاً بشأن عواقب وتبعات افعالهم, وبدلاً من ذلك يتخذون القرارات بشكل عشوائي وتلقائي, ذلك انهم غير معرضين لتلك التبعات. هذا هو السبب الحقيقي في كون الغباء وادعاء عمل الخير (وبالاخص عندما يكونان مع بعضهما) يمكن ان يشكلا خطراً ويروجان بشكل منهجي لانعدام المسؤولية والتخلي عنها, وللتصرفات الاعتباطية, وجنون العظمة.

لنعد الى الاجراءات بخصوص فايروس الكورونا كمثال.

مالذي يمنع احداً ما, وبوجه مرض معدٍ, من اتخاذ اجراءات صارمة كحظر التواصل والخروج من المنازل, والاعتقالات, واغلاق الشركات واماكن الانتاج والعمل و الخ… اذا لم يكن صاحب هذا القرار لا يملك ما يخسره (على الاقل بشكل مباشر) كنتيجة لقراراته؟

والجواب حقيقة هو ان صناع القرار او موظفي الخدمة المدنية او الحكومية, لا يتقاضون اجوراً نتيجة عمل منتج وحقيقي, وانما اجورهم تستقطع من الضرائب, ولذلك فهم محميون من الخسائر قصيرة ومتوسطة الامد.

لماذا يجب على اي احد ان يقلق بشأن تاثيرات افعاله وعلى مدى بعيد اذا لم يكن ممكناً محاسبته عليها بشكل مباشر؟

فكل ما على احدهم فعله لتبرير قراراته الجريئة والصارمة هو بأن يشير الى عدد قليل من الناس يفترض انهم تجنبوا اصابةً شديدة (او حتى الموت), رغم ان باقي افراد وشرائح المجتمع, صاروا ضحية ازمة اقتصادية وليدة تلك الاجراءات, وهؤلاء بالتالي يمكن ان يموتوا  او يمرضوا بدورهم, ولو بشكل غير مباشر, نتيجة الازمة الاقتصادية.

في الحقيقة , في بادئ الامر يبدو على السياسيين بانهم لا يعلمون اطلاقاً (او لا يريدون ان يعلمون), بأن حسن النية وحده غير كافٍ وان اي عملية انقاذ, لا يمكن ان تكون بلا ثمن. عمليات الانقاذ هذه يتم تقديمها على انه لا بديل لها, فقط لانها يطلق عليها بـ ” عملية انقاذ”. ولكن حينما بدات الاعراض الجانبية لقراراتهم بالظهور, أكدوا للجميع بأنهم كان عليهم الاختيار مابين “الصحة” أو “الاقتصاد”, وعلى اعتبار انم فاعلوا الخير, فصحة وحياة الانسان اسبق واولى بالنسبة لهم من اي اعتبار اقتصادي.

بينما في الواقع لا شرخ او فاصل مابين الاقتصاد وصحة الانسان كما يدعون, فالاقتصاد المزدهر هو الاساس في الحفاظ على صحة الانسان. ولذلك, فالمناطق والناس الاكثر فقراً, هم الاكثر تأثراً باجراءات الحظر (بما في ذلك اعتباراتهم الصحية).

وفي الاخير عندما ظهرت اعراض الاجراءات الدراكونية, حتى الحجة الساذجة “ان كل هذا لانقاذ حياة الناس” لم تعد ذات معنى او اعتبار, والسياسيون بدوا بمظهر المنافقين بعدما كانوا يحاولون ان يكونوا ابطالاً؛ لكنهم اصروا ان كل تلك الخسائر سيتم تعويضها وان تعويضها مسألة وقت, وما هذه التاكيدات الا محاولة يائسة منهم ليكونوا منقذين مرة اخرى. فتمثلت جهودهم بشأن التعويضات من خلال زيادة العرض النقدي, أي انهم صنعوا اوراقاً نقدية من لا شيء, وبنفقة صفرية. اجراء مثل هذا لا يكلف السياسيين شيئاً بالتاكيد, لكنه في الحقيقة  قد زاد من ثمن العرض النقدي, أي أن القوة الشرائية للعملة قد ضعفت؛ اما الديون المستقبلية فازدادت قيمتها وتم التستر عليها وتسديدها يُفرض على غيرهم (socialized).

هذا الاجراء كله يمكن تشبيهه بمن يفتعل حريقاً, ثم يعود مرتدياً زي رجل الاطفاء ليتم الاحتفاء به كمنقذ, الا انه في حالة الاجراءات الحكومية, فثمن البيت الذي تم حرقه يتم توزيعه على الناس بطريقة اشتراكية (socialized).

لكن الامر الاكثر رعباً بخصوص مسألة الكورونا, هو ان الحكومات امكنها ان تفلت بفعلتها الشنيعة هذه. بالطبع كان هناك بعض المقاومة لاجراءات الحظر, وكلما زادت فترة الحظر زادت المقاومة اتجاهه. لكن مع ذلك, فأغلب صناع القرار يتم النظر اليهم على انهم منقذين بدلاً من احتقارهم لكونهم مفتعلي حرائق.

والحكومة وممثليها, استغلوا مخاوف الناس من الاصابة, وساهموا بتهويل هذا الخوف, كل ذلك في سعي منهم لتوسيع نطاق سلطتهم الى حد غير مسبوق, على الاقل في وقت السلم (اي باستثناء اوقات الحروب). أي انهم عطلوا حقوق الملكية, وقوضوا الحريات الشخصية وقيدوا حركة الافراد حتى في داخل منازلهم؛ وكل هذا كان في سبيل الصحة العامة والسيطرة على الوباء.

وبرأيي, فان درجة الخضوع نحو السياسة التي أعرب عنها, لهو أمر مقلق للغاية.

توماس جيكوب: في مجتمع القانون الخاص, كيف يمكن حل مشكلة الوباء من دون تنظيم حكومي؟

هوبه: في مجتمع القانون الخاص, كل الارض, حتى اخر متر مربع منها, هي مملوكة بشكل شخصي. فكل الشقق والمنازل, والطرق, والموانئ, والمطارات, والمصانع, والمدارس, والمستشفيات, الخ… لكل منها مالك خاص. وهذا المالك الخاص, يكون اما فرداً او مجموعة افراد, او جمعية خاصة, ولكل من هؤلاء قواعد وهيكلية تنظيمية وديناميكية صناعة قرار خاصة به.

وهذا يحقق, مقارنة بأي نظام سياسي مركزي, اقصى درجة من اللامركزية في عملية صناعة القرار, وبالتالي اقصى حس ممكن بالمسؤولية اتجاه تلك القرارات. فكل قرار هو خاص بفرد او مجموعة فيما يتعلق بملكيتهم (فقط ملكيتهم الخاصة)؛ وأي خسائر يمكن ان يتعرض لها صاحب القرار نتيجة قرار خاطيء يتحمل تكلفتها هو وحده.

وهذا يعني, فيما يتعلق بمشكلة الوباء, ان السؤال الذي يطرحه على نفسه صاحب الملكية الخاصة: “لمن سأسمح بالدخول؟ ولمن سأمنع؟” بمعىً اكثر دقةً: ان على صاحب الملكية الخاصة (سواء كان فرداً أم مؤسسة) أن يقرر, وبناءً على تقييمه الشخصي لمستوى الخطر بالنسبة الى نفسه والى ملكيته, لمن سيسمح بالوصول او الدخول الى ملكيته, ومتى, وتحت أي ظروف, ومتى ومن سيمنع. وبالأخص في حال كون الملكية الخاصة تجارية, سيكون القرار متضمناً على اجراءات وقائية تسهل وصول الزبائن وفي نفس الوقت تقلل وتقلص من خطر الاصابة المحتمل لأي من الطرفين. والعكس بالعكس, الزبائن سيكون على عاتقهم مسؤولية اتخاذ الاجراءات الاحتياطية لحفظ سلامتهم وتجنب الوصول للأماكن التي يمكن ان تعرضهم لخطر الاصابة. المحصلة النهائية ستكون شبكة معقدة من القرارات الفردية فيما يخص قواعد التواصل والزيارة والتعامل (من دون أي حاجة لتدخل حكومي).

كل مقابلة ولقاء سيحدث بشكل طوعي ونتيجة قرار واعٍ. أي أن أي لقاء سيحدث, يكون اطرافه اخذين بنظر الاعتبار أن الفائدة المستحصلة من هذا اللقاء أعلى درجة من أي خطر محتمل بالاصابة نتيجة اللقاء (benefit / risk ratio).

لذلك, لا يملك أي من الزائر أو المضيف أي حق بدعاوي المسؤولية, ذلك أنهما كلاهما وافقا على احتمال حدوث اصابة نتيجة لقائهما. وخطر وتكاليف الاصابة يتحمله كل طرف وحده. فدعاوى المسؤولية ممكنة فقط في حال ارتكب احد الاطراف الخداع, أي أن يكذب المضيف بشأن اجراءاته الوقائية, أو أن يخالف الزائر القواعد والاجراءات الخاصة بالمكان الذي يزوره.

لكن حتى في حال عدم حدوث اي خداع, لن تكون قرارات كل من الزائر والمضيف خالية من أي ثمن؛ أي يمكن أن تكون الاجراءات الوقائية عديمة النفع (أو أسوأ, تزيد من احتمالية الاصابة), لكن بشرط أن يكون هذا الامر مبرراً.

ففي كل الأحوال, سيكون على الطرفان الاخذ بنظر الاعتبار كل الاحتماليات الممكنة, أي بمعنى: يمكن أن تكون نتيجة لقائهما معاكسة تماماً لما يريدان تحقيقه من لقائهما, وعليهم وحدهم تحمل نتيجة قرارهما الخاطئ. فكل هذه الامور هي ثمن باهض, وهي مسؤولية صاحب القرار, فكيانه الاقتصادي وبيئته الاجتماعية على المحك. وفي هذا الضوء, سيتخذ الفرد قراره بعناية فائقة, وبالأخص فيما يتعلق بملكيته وعلاقاته التي يريد ان يحافظ عليها. سيكون مجبراً على التعلم من اخطائه بشكل سريع وفائق, لتفادي أي تبعات اقتصادية واجتماعية اخرى.

وبهذا نرى, أن لا مركزية القرارات, هي أكثر الطرق كفاءةً لمواجهة الوباء, أو أي مشكلة مشابهة. هذا لأن, وكما أشرنا من قبل, أي خطر يمكن أن يشكله الوباء, يختلف باختلاف المناطق والوقت. وبشكل عام, ليس هناك أي جواب محدد وعلمي وغير مبهم لتقييم مستوى خطورة مرض معدٍ. بدلاً من ذلك, فمسألة تقييم مستوى الخطورة هي مسألة تجريبية, والاجوبة على المسائل التجريبية هي دائماً فرضية وغير مؤكدة؛ وبالتالي فان الجواب يختلف من رأي عالمٍ الى اخر, ومن رأي مجموعة خبراء (علماء دراسة الفايروسات مثلاً) الى اخرى (الاقتصاديون مثلاً), وكذلك تتغير بمرور الوقت وزيادة سعة الملاحظة والتجربة.

وفي هذا الضوء, سيبدو من البديهي أن مسألة صناعة القرار بشأن الاجراءات الوقائية المناسبة, يجب ان تكون بيد صناع قرار محليين, وعلى اطلاع بالظروف المحلية المتعلقة. ومن البديهي أيضاً أن يكون صناع القرار المحليين هؤلاء هم من اصحاب الملكيات الخاصة او تجمعات للمالكين (associations of private owners), لأنهم سيكونون مسؤولين عن قراراتهم وعن مجاميع الخبراء الذين سيصغون اليهم. وهم كذلك سيكون لديهم حافز مباشر للتعلم من اخطائهم او اخطاء الاخرين, أو محاكاة التجارب الناجحة في المناطق الاخرى المشابهة.

ومن الجدير بالذكر أن بيئة صناعة القرار المحلية, تحتوي على عدد معتبر من الاشخاص الكفوئين أكثر مما في غرف البرلمانات وخلف ابواب السياسة, أفضل وأكفأ على كافة الاصعدة: وفرة الخبرة, ومعدلات الذكاء, والنجاح الريادي والمهني, والمؤهلات العلمية, والرزانة والارتكاز في الاداء واتخاذ القرار.

فحينما نتوقع ان حلاً سهلاً وخال من التكاليف والتبعات لمشكلة الوباء, يمكن أن يصدر, دوناً من باقي الناس, من السياسيين وحاشيتهم, اشخاص سيتخذون قرارات بشأن استخدامات الملكية الخاصة, والتحكم بحركة عدد غفير من الأشخاص هم ليسوا على معرفة بهم ولا بظروف بيئتهم المحلية, وهم (أي السياسيون) غير مسؤولين عن نتائج قراراتهم ولا يمكن محاسبتهم, وعلاوة على ذلك فهم ليسوا ذوي ذكاء حاد, حينها نحتاج الى معجزة ليتحقق توقعنا وتاملاتنا هذه.

توماس جيكوب: هل يمكنك ان تعطي لنا مثالاً عن ماذا كان يمكن ان يكون مختلفاً في مجتمع القانون الخاص مقارنة بالمعالجة السياسية الحالية لمسالة الوباء؟ وكيف؟

هوبه: في مجتمع القانون الخاص لم يكن ليحدث الوباء اساساً.

انا هنا لا أدعي بأن الفايروس غير حقيقي أو أنه ليس معدٍ أو خطير. أنا أعني ببساطة, أن خطر الاصبة بفايروس الكورونا منخفض للغاية, وأن اغلب الناس كانوا سينظرون اليه بهذه الطريقة (الاذكياء على وجه الخصوص), وبالتالي ما كان ليحدث اي تغيير جذري في سلوكهم وتصرفاتهم. وفي حال حدوث زيادة في عدد الاصابات او الوفيات (في المستشفيات ودور المسنين وغيرها), فان هذه الزيادة سينظر اليها على انها متغير طبيعي, متعلق بالموسم, أو الطقس, أو المنطقة (اي التي تحدث فيها زيادة في الاصابات/الوفيات), أو انها ظاهرة متقلبة متغيرة بذاتها, كما في حالات تفشي الانفلونزا (حالات الزكام المعهودة) والتي يتعامل معها الفرد باحتياط واجراءات احترازية طبيعية. بعبارة أخرى, أن كل المشاكل والتغيرات المتعلقة بالصحة كان سيتم اعتبارها ضمن المعدل الطبيعي للتغيرات. لم يكن هنالك أي حالة طوارئ, وليس هنالك حتى الان؛ كانت ستستمر الحياة طبيعية كما عهدناها, ولم يكن هنالك أي سبب للذعر او اعلان حالة طوارئ عالمية.

ففي الحقيقة, فان معدلات الوفيات في المانيا, النمسا, أو سويسرا لم ترتفع بشكل ملفت للنظر, أي ان احدنا يتوقع نتيجة الاجراءات الحكومية الصارمة ان هناك ارتفاعاً حادً ومرعباً في عدد الوفيات, لكن ذلك لم يحدث, فاعداد الوفيات لا زالت ضمن معدلات السنين السابقة. وحتى لو افترضنا جدلاً ان معدلات الوفيات هذه السنة فاقت ما سبقها, فليس من الواضح حقاً أن الوباء هو السبب الرئيسي من هذه الزيادة, على سبيل المثال يمكن أن تكون اجراءات الحظر ذاتها هي السبب.

هنا يمكننا ان نستنتج, انه ليس فايروس الكورونا من غيّر العالم, لكن السياسيين استغلوا الفايروس كذريعة لتغيير العالم بما يصب في مصلحتهم.

ان الانفصال التام من مجرى الاحداث الاعتيادي, الذي يحدث حالياً, لا يمكن عزوه الى اي اسباب حقيقية علمية. فلا الحقائق ولا العلم يوفران اساساً لتبرير ما يسوقه السياسيون من “مستوى جديد من الطبيعي” (the new normal) أو “البداية الجديدة” (the great reset). فهذه هي مكائد من قبل السياسيين لزيادة نفوذهم وتوسيع سطوتهم من خلال الاكاذيب والخداع والمعلومات المضللة والدعاية الكاذبة الغير متناهية, كل هذا وعلى نحو غير مسبوق مطلقاً.

اسميها مكائد لأنهم ضخموا من اعداد الوفيات بشكل منهجي, وذلك من خلال اعتبار أية حالة وفاة, هي وفاة نتيجة للاصابة بالفايروس, مادام المتوفى مصاباً وتم تاكيد الاصابة مختبرياً (أي بمعنى, حالة وفاة نتيجة حادث سير, والفحص المختبري أثبت أن المتوفى بسبب حادث السير هو ايضاً مصاب بالفايروس, سيتم تسجيل الوفاة نتيجة للاصابة بالفايروس!), من دون البحث فيما اذا كانت الاصابة هي السبب حقاً.

فالمستشفيات والمدن, استلمت تعويضات مالية لحالات الوفاة نتيجة الاصابة, وبالمقابل لا شيء لقاء الوفيات الأخرى (ولك أن تستنتج ما يمكن ان يحدث نتيجة اجراء كهذا).

كما وأن جميع الاحصائيات الرسمية, تجنبت وضع معدلات الوفيات نتيجة الاصابة بمقارنة مع معدلات الوفيات بشكل عام, لأن ذلك كان سيظهر أن الأرقام باهتة ولا شيء يدعو للتهويل أوالترويع حقاً.

والسلطات كذلك تجنبت بشكل متعمد الابلاغ عن الاضرار المميتة نتيجة اجراءات الحظر, فلا احد يعرف ارقام: من ماتوا لأن المستشفيات قد تم اخلائها تماماً لتستوعب المصابين فقط؛ أو من ارتكبوا الانتحار نتيجة خساراتهم المالية الفادحة؛ أو المسنين الذين ماتوا نتيجة للعزلة والوحدة من بعد فرض منع التواصل.

لكن الخديعة الاكبر كانت في اعادة تعريف مفهوم “الخطر”. بشكل عام, فان الخطر الناتج من الاصابة باي مرض, يكمن في مجموعة الاعراض التي تظهر على الشخص المصاب, أي اذا كان الشخص المصاب لا يُظهر أي اعراض خاصة بالمرض, فلا يوجد حينها ما يمكن تسميته بالخطر.

لكن عوضاً عن ذلك, فالسياسيون قد اعادوا صياغة المفهوم ليكون مبنياً فقط على نتيجة الفحص بدلاً من ظهور الاعراض. فيصبح مقياس الخطر هو عدد المصابين, وكلما اجروا فحوصاً أكثر, كلما وجدوا مصابين أكثر, وهذه الزيادة في اعداد المصابين يتم تهويلها ودقها في الاذهان يوماً بعد يوم وبشكل مستمر.

ان الفحص بحد ذاته لا يمكن الاعتماد عليه بشكل تام, فقد تم تسجيل الكثير من الحالات الموجبة-الكاذبة والسلبية-الكاذبة وبشكل متكرر. لكن الأهم من ذلك هو ان الفحص لا يمتلك أي قيمة تنبؤية فيما يتعلق بتقدم المرض. فأغلبية الناس, ما يقدر ب80% منهم, الذين تظهر نتائج الفحص بانهم مصابين, لا يبدون أي اعراض تذكر, وبحسب معرفتنا الحالية, فان خطر الاصابة منهم يقترب من الصفر, ان لم يكن كذلك. فهوؤلاء الأغلبية, من دون اختبار الفحص, ماكانوا ليعرفوا بأنهم مصابين.

فيما يقدر بـ15% من الاصابات, يتطور المرض الى شكل أكثر خطورة, الى حد ان يكون المصاب طريح الفراش. وفي الـ5% المتبقية من الحالات, يظهر لديهم التهاب تنفسي حاد وخطر, ويحتاجون الى عناية طبية فائقة.

في حال اعتبرنا ارقام واحصائيات مركز مكافحة الامراض (CDC) الامريكي ـــ وهو ممول حكومياً ولا يمكن اعتباره على جانب المشككين ـــ صحيحة وحقيقية, فان هذه الارقام تظهر لنا ان معدلات النجاة من الاصابة بالفايروس تختلف باختلاف عمر المصاب, لكن بشكل عام فان معدل النجاة لكل الاعمار هو معدل عال جداً, والأرقام هي كالتالي:

معدل النجاة للمجموعة العمري 0-19 هو 99.997%

معدل النجاة للمجموعة العمرية 20-49 هو 99.98%

معدل النجاة للمجموعة العمرية 50-69 هو 99.5%

معدل النجاة لمن هم فوق الـ70 هو 94.6%

هذا يعود بنا الى بداية حديثنا؛ أي من الأفراد او الجمعيات في مجتمع القانون الخاص, يمكن ان يرى في هذه الارقام والاحصائيات سبباً سبباً كافياً ووجيهاً لتغيير نمط حياتهم؟ من قد يوقف ويغلق أعماله؟ من قد يمكنه ان يتوقف عن العمل والانتاج او السفر؟ من قد يفرض على نفسه حظراً شاملاً او يمنع نفسه من التواصل او الوصول اليه او الى ملكيته بشكل تام؟

انا اعتقد ان الاجابة على هذه الاسئلة واضحة تماماً.

بناءً على خبرة حقيقية وواقعية, بدلاً من خبرة مبنية على الفحوص المختبرية والتي لا تتوافق مع التجربة الحقيقية للمرض, لأخذنا (كأفراد وجمعيات في مجتمع القانون الخاص) اجراءات اضافية ووقائية بالتأكيد, كما فعلنا سابقاً حينما مررنا بأوبئة الانفلونزا. وبالتأكيد كنا سنولي اهتماماً وحذراً أكبر في التعامل مع المسنين. ومن المحتمل أن مدراء المستشفيات كانوا سيزيدون عدد الأسرة المتاحة؛ وربما تقود ملاحظة أعراض جديدة لا تتطابق مع أي مرض معهود, علماء الفايروسات للتوصل الى فحص خاص. وربما حتى للتوصل الى لقاح, على الرغم من ان هذا احتمال ضعيف, لأن تكلفة انشاء لقاح هي أضعاف الحاجة الفعلية اليه (بناءً على تقييمات مستويات الخطورة).

حقيقة أن ما حدث قد اتخذ منعطفاً غريباً ومختلفاً عن ما شرحنا, ليس سببه الّا طبقة من السياسيين او النخب السياسية, الذين لا يتحملون مسؤولية تبعات وعواقب افعالهم وقراراتهم, وبالتالي يزيدون من محاولتهم في “فعل الخير”, الى حد الرهاب والجنون.

ان رهاب وجنون السياسيين هذا, والذي هو وليد انعدام المسؤولية, قد اظهر نفسه من قبل بشكل آخر. وبناءً على ارقام حكومية رسمية, فقد ابتدع السياسيون “تبريراتٍ علمية” لتدخلاتهم المتزايدة في الشأن الاجتماعي. على سبيل المثال احصائياتهم في المجال الاقتصادي فيما يخص مستوى الدخل, الثروة وتوزيعها, النمو الاقتصادي, الصادرات, والبضائع المستوردة, العرض النقدي, التجارة, التضخم, الأجور, ومستويات العمل والبطالة الخ… كل من هذه الاحصائيات وفرت سبباً للسياسيين للتدخل, فالأرقام أما كانت عالية أكثر مما يجب أو أقل مما يجب, أو كان يجب تسويتها وفق الاجراءات الحكومية المناسبة. دائماً ما كان هنالك شيئ يجب ان يتم تصحيحه. ولا حاجة لنا هنا لتفصيل وشرح الخسائر الناتجة من كل من هذه التدخلات.

ومع ذلك, فان السياسات في ازمة الكورونا تحركت باتجاه جديد. فالسياسيون اكتشفوا ان الاحصائيات والارقام المتعلقة بالمجال الصحي, توفر ذريعةً أقوى للتدخل والاستبداد الحكومي, أفضل بكثير من الاحصائيات الاقتصادية والمالية. وعلى اساس فحص مختبري, نجح السياسيون في دفع حياتنا الاجتماعية نحو الركود التام, والزج بالملايين من الناس في مآزق وصعوبات اقتصادية ومالية واجتماعية؛ وفوق ذلك نجحوا في أن يقدموا أنفسهم كأبطال ومنقذين.

من مقدمة حيدر راشد لكتاب “ضد الديمقراطية والمساواة” لتوميسلاف سونيتش

يزداد الأمر تعقيدا حين نركز على الملكات العقلية للشعوب العربية، التي عاشت في سبات مزمن منذ هزيمة المعتزلة وأهل التأويل وحتى القرن العشرين، الذي اضطرها فجأة لتأسيس دول عصرية (ولو شكليا) والتصدي للأزمات الراهنة بكل ما فيها من تشابك.

ولكن أنى للتفكير المجرد والمادي أن يعمل بعد قرون من السبات المفروض دينيا؟ من البديهي جدا أن تتحرك هذه الشعوب بمنطق رد الفعل دون سواه، وتتعامل مع الأجنبي الدخيل لا بوصفه شريكا محتملا بل عدوا لا شك فيه. وقد نشط ذلك الشعور في السياسة العربية لدرجة أدت بالكثير من الشعوب العربية للارتماء في أحضان الاتحاد السوفيتي (الشيوعي الملحد) لأنه كان يعدها بهزيمة ‹الاستعمار› الغربي المسيحي، الذي فتح عيونها لأول مرة على إمكانات لا تحصى للرفاه في الحياة والحضارة، وما يزال الكثير من أبنائها ينفقون الغالي والنفيس للوصول إلى شواطئه أو مطاراته، متجاهلين عواصم الصمود والممانعة مثل كوبا أو فنزويلا.

من بعد استنفاد الحركة الشيوعية لهزيمها وزخمها، وتهاوي نفوذها وانطفاء جذوتها، لم يكن من العجيب أن نرى الكثير من المثقفين ‹الطليعيين› في بلداننا يتقافزون نحو الجهة الأخرى من الخط السياسي ويصبحون أنصارا مستميتين للنيوليبرالية دون أدنى نقاش، لأن غرائزهم الحساسة للمكاسب الاجتماعية والسياسية أدركت أن الأمر يحتاج لتغيير الجلدة لا أكثر، أما الجوهر فسيظل كما هو. يقول ريشارد ليغوتكو، الفيلسوف والبرلماني البولندي، في وصف هذه الظاهرة:

«لقد رحبت النخبة السياسية البولندية المتشكلة حديثا بالشيوعيين في لفتة من الضيافة اللافتة لأسباب تكتيكية جزئيا (لئلا يتركوا جمعا كبيرا من الناس خارج النظام)، ولأسباب إيديولوجية غير يسيرة أيضا: فقد توقعوا أنهم عقب بعض الرتوش الخفيفة ووجودهم في ظروف جديدة، فسيصبح الشيوعيون لاعبين أوفياء ومتحمسين في اللعبة الليبرا-ديمقراطية. وسرعان ما تأكدت من أن هذا الافتراض الإيديولوجي حقيقة. وبالفعل، فعقب بعض الرتوش الخفيفة ووجودهم في ظروف جديدة، فقد تكيف الأعضاء السابقون في الحزب الشيوعي بشكل كامل مع الديمقراطية الليبرالية وآلياتها، ومع تمام التفسير الإيديولوجي الذي رافق هذه الآليات. وسرعان ما انضموا حتى لصفوف حراس العقيدة الجديدة. فنفس الصحف التي أهابت لعقود على صفحاتها الأولى بعمال العالم أن يتحدوا، بدأت بحماس مماثل بالنداء لكل القوى المستنيرة كي تدافع عن الديمقراطية الليبرالية ضد قوى الظلام، بما فيها أعداء الشيوعية.

هذا الدفاع الشرس عن الشيوعيين الذين امتصهم النظام الجديد، والهجمات العنيفة ضد من انطووا على رأي غير متحمس تجاه انضمامهم، قاد العديد للاعتقاد بأن ذلك كان فعلا ضرورة أخلاقية للعصر الجديد. فالشيوعيون الذين استحالوا إلى ديمقراطيين ليبراليين باتوا يعتبرون شركاء أوفياء في مهمة خلق نظام جديد، والحلف معهم بات يسمى عقدا صانعا لعصره، يشابه في تاريخ بولندا تأسيس الجمهورية في تاريخ الولايات المتحدة. ومن هنا جاء الرد الغاضب غير المفهوم ضد ضعفاء الإيمان أمثالي، الذين شككوا في المصداقية الأخلاقية والسياسية لأولئك الشركاء المنضمين حديثا. ولا يزال مستمرا. من الأعراض اللافتة في تاريخ المجتمعات البعد-شيوعية، أن أعظم الهجمات الحاقدة صحفيا وسياسيا وجهت ضد من أضمروا شكوكا حول منح الشيوعيين حصانة أولاً، وامتيازات ثانياً.»

ولم يعد يستغرب أيضا أن نجد بين الشباب العربي من يدافع عن ‹المساواة› و ‹حقوق الأقليات› وغيرها من اللافتات الليبرالية، بنفس الحماسة التي كان يندد بها آباؤهم أو أجدادهم اليساريون ‹بالعدوان الأميركي على كوبا› و ‹الحرب الظالمة في فيتنام›! ولكن بعد ثلاثة عقود على استتباب الساحة للمعسكر الليبرالي، ورؤية المآزق الاقتصادية والاجتماعية التي أفضت إليها سيطرته المطلقة (كأزمات السكان وموجات الهجرة في العالم الغربي، وتصاعد الشقاق بين الجنسين وتهاوي معدل الأجور في العالم العربي)، لا بد من طرح سؤال مهم: هل نحن مقيدون بهذين الخيارين لا غير؟

الرجل الذي تكهن بأحداث 2020

 

كتبها: آريس روسينوس، مراسلُ حرب و طالب دكتوراة في العلاقات الدولية

ترجمها للعربية: أحمد سعدون
مراجعة: محمد المشاري

هل لاحظَ أحدُكم كتابَ غيوم فاي على رف مكتبة مايكل غوف؟

بماذا يتشارك كلٌ من مايكل غوف Michael Gove و حركة آزوف الأوكرانية Azov ؟ يتبادر إلى أذهاننا أنه القليل ليس إلّا . بالتأكيد هناك تشابه بسيط جداً بين الأعمال المنشورة لرجل الدولة المحافظ الليبرالي غوف و بين فِكر مجموعة مسلحة -أقرب ما تكون إلى اليمين من أيّ تيارٍ يميني شعبوي و التي تحاول إن تمد جذورها في مؤسسات الدولة الأوكرانية- من ضمن هذا التشابه ، إلمامُهم بأعمال المفكر اليميني المغمور غيوم فاي Guillaume Faye.

 

إن الهستيريا التي اندلعت مؤخراً على منصة تويتر و التي أثارتها سارة فاين Sarah Vine زوجة مايكل غوف بمشاركَتِها صوراً لمكتبة العائلة، ممكن أن تكون مجرد مناوشات عبثية في الحرب الثقافية، لكنها أظهرت بوضوحٍ شديد أن من نَصَّبوا أنفسهم رقيبين على شبكة الإنترنت لا يمتلكون أدنى إلمام بالفكر السياسي الذي يتوقون إلى محوِه من هذا العالم .

 

بِصَبِّ جامِّ غضبهم على غوف لإمتلاكه كتاباً لـ ديفيد إيرفنج David Irving، فإن أوين جونز Owen Jones و غيره من مفكري تقدميّة تويتر الالمعيين قد غَضّوا الطَرْفَ عن كتبٍ مثيرةٍ للإهتمام امتلكها غوف من بينها أعمال غيوم فاي و شريكه في تيار اليمين الفرنسي الجديد آلان دي بنوا Alain de Benoist. قد يعتقد المرء إن الإحتكاك مع الفكر السياسي لأقرب جيراننا الأوروبيين سيكون على الأقل مدعاة لإهتمامهم إن لم يكن قبولهم، لكن هناك القليل مِن الحركات السياسية مَن تُشابِهُ الليبرالية البريطانية المتأخرة في إنعزالها و جمودها الثقافي .

إن اليمين الفرنسي الجديد [بالفرنسية  Nouvelle Droite] بدأ في أواخر الستينات من القرن الماضي كحركة لصياغة مسار جديد للفكر الاوروبي المحافظ، رافضة الهيمنة الثقافية لكلّ من الماركسية حينها و الأطلنطية Atlanticism المتبعة من قبل التيّار اليميني السائِد.

 

كانت مجموعة GRECE [اختصار مجموعة البحث و الدراسة في الحضارة الأوروبية بالعربية] بوصفها مجمع التفكير لليمين الفرنسي الجديد قد وضعت لنفسها، و لو لفترة من الزمن، موطئ قدم مؤثر على المسرح السياسي الفرنسي متأثرةً بكل من الثورة المحافِظة في ألمانيا ما قبل الحرب، بالأخص فلسفة التشاؤمية الحضارية  لـ أوزوالد سبينجلر Oswald Spengler، أعمال كارل شميت

Carl Schmit المتضَمِنة نقداً بلا هوادة للديمقراطية الليبرالية و بكتابات إيرنست يونجر Ernst Junger المعقدة و صعبة الوضع في قالب معين.

 

لكن في سنة ١٩٧٩ تم إلغاء مجموعة GRECE بتأثير حملة شعواء من النقد اللاذع في صحيفة Le Monde الليبرالية الفرنسية التي إتهمت المجموعة بكونها مجموعة دخيلة تهدف إلى التغلغل في أوساط المؤسسات المحافِظة بالأخص صحيفة Le Figaro، بغية حرفها عن مسارها إلّا أنها بالرغم من هامشيتها في السياسات الانتخابية، فقد استحوذت مجموعة GRECE على نفوذ في وسط الميتا-سياسة Meta-Politics بما يسمى اليمين الغرامشي Gramscian Right [نسبةً الى الفيلسوف الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي Antonio Gramsci]، منطلِقةً من فِهمِها للسياسة بكونها تجري مَجرى الثقافة، فإن حركة اليمين الفرنسي الجديد سعت للتأثير على جيل جديد من مفكري اليمين لرفض الفكرة الشائعة عن الفكر المحافِظ و الفكر الليبرالي من وجهة نظر بعيدة تماماً عن تقسيمات اليمين-اليسار المعتادة .

ان حركة اليمين الفرنسي الجديد قد رفضت هيمنةَ بما وصفته بالإمبريالية الأمريكية على القارة الأوروبية؛ التي نشرت الرأسمالية و الليبرالية عبر أرجاء العالم من خلال الجمع المبتذل و البلطجي بين القوة الصلبة و القوة الناعمة، مدمِرةً المجتمعاتِ الفردانية و مُحوِّلةً العالمَ إلى مزيج هلامي/ غامض من الأفراد المستهلكين المنقطعين عن ثقافاتهم .

بتحمّسهم المبكِّر لأعمال كريستوفر لاش Christopher Lasch، و نقدهم لطبقةِ النُخب العولميّة الناشئة، فإن اليمين الفرنسي الجديد و بطريقة ما قد تنبأ بالنزعة الحالية نحو أفكار ما بعد ليبرالية في كلٍ من الولايات المتحدة و أوروبا، على الرغم من أنهم إتبعوا خطاً فكرياً في إتجاه آخر تماماً .

 بدعم فعّال لحركات التحرير الوطنية في دول العالم الثالث و استنكارٍ للعولمة لما فيها من تأثيرات التجانس الثقافي [التجانس الثقافي هو أحد جوانب العولمة و يعني إلغاء الحواجز الثقافية] و إطلاق التحذيرات العاجلة من الإنهيار البيئي الوشيك؛ تنبّأ دي بنوا و فاي بهذه الحركة المضادة للعولمة التي انتشرت في هذه الألفية، قبل أن تتحول لاحتجاج سلعي- مزيّف .

 

و بصورة مماثلة فقد تكهنوا أيضاً بقِسم كبير من خِطاب اليمين الشعبوي هذه الأيام، محذِّرين من أن الهجرة الكبيرة إلى أوروبا ستؤدي حتماً إلى صراع عرقي و هجماتٍ إرهابية مخلفة ضحايا كثر و كذلك من خلال شجبهم للأفلاس الأخلاقي و الروحاني للعولمة و الكونية cosmopolitanism، إلّا أنهم كانوا يدْعون بإتجاه توحيد أوروبا و روسيا في قوة حضارية عظمى واحدة رافضين علناً لما كانوا يرونه: فكراً قومياً ضيّق الأفق .

ولسوء حظ مراقبي الانترنت، هنالك القليل من الأدلة على تأثّر أفكار غوف السياسية الشخصية باليمين الفرنسي الجديد لكونه معادياً في العلن للأميركا، للرأسمالية و للعولمة، و مسانداً لتوحيد قارة أوروبا، في الحقيقة يمكن تتبع العديد من آثار الفكرية لليمين الفرنسي الجديد بصورة أكثر تجلياً في سياسيين أوروبيين مثل ماكرون و أوربان أكثرَ من أي شخصية بريطانية .

من الممكن تتبع مخاوف اليمين الفرنسي الجديد بخصوص الارهاب الاسلامي الناتج من الهجرة إلى اوروبا في كتاب غوف سيليسيوس ٧/٧ إلّا أن هنالك اختلافاً كبيراً بكون هذا الكتاب يقارِن بين الجهاديّة العالمية و التقاليد الليبرالية الغربية التي يحثنا غوڤ على الدفاع عنها، بينما يرى مفكروا اليمين الفرنسي الجديد أن الليبرالية هي أصل المشكلة، و الجهاديّة -كطبيعة- هي استجابة و رد فعل هؤلاء الدخلاء ثقافياً للقيم الليبرالية .

 

و على العكس من غوف و كتابه القائم على بشكل راسخ على التقاليد الليبرالية الغربية، فإن غيوم فاي يحاكي الايدلوجيّات الإسلامية  في إعتقادها المؤكِّد على أن صعودَ تيارِ الاسلام المتطرِّف هو رد فعلٍ عنيف لما يُراد فرضُه من كونية حداثيّة على بقية بقاع العالم من قَبِيل: الفردانية الإلحادية و ثقافة الماديّة و ضياع القيم الروحانية و طغيان العروض و المناظر .

 

من بين كتابي غيوم فاي المتواجدان على مكتبة غوف و كلاهما تم نشره من قبل دار اركتوسArktos للنشر في لندن و التي تعد من أهم ناشري الفكر اليميني المتطرف في اوروبا، يبرُزُ جلياً كتاب المستقبَليّة-العتيقة Archaeofuturism و هي مجموعة مقالات نشرت في أواخر التسعينات من القرن الماضي وتم إعادة نشرها ككتاب، حيث تَبنَّى فاي نظرةً متشائمةً عن عصرنا الحالي [و هو ما تحقق الآن] في حين كانت الايدلوجيا الليبرالية تعلنُ خاتمة التأريخ و يُطمئِن السياسيون ناخبِيهم بأن العولمة ستؤدي إلى فترة لامتناهية من الوئام و الإزدهار العالمي .

 

فاي توقع أنه بحلول عام ٢٠٢٠ و نتيجةً للهشاشة المتأصلة في النظام السياسي و المالي العولمي، ستصاب الحضارة بمجموعة متسلسِلة من الأزمات المترابطة  فيما بينها على شكل موجات من الجوائح المَرَضية و الاضطرابات السياسية و سقوط الدول في الشرق الأوسط و أفريقيا و انهيارات اقتصادية و بيئية، مؤديةً بمجموعها إلى زيادة الضغوط على النظام العالمي المُشَكَّل في أواخر القرن العشرين إلى الحد الذي تستحيل إدامته.

 

و يقول فاي في كتابه : “سلاسل من الأحداث الدرامية تجري الآن بإتجاهٍ متقارب كالروافِد التي تصبُّ في نهر واحد و ستجتمع بإنتظام تام نهاية المطاف في نقطة الانهيار بين عامي ٢٠١٠ و ٢٠٢٠ حيث ينغمس العالم في فوضىً ذاتِ تأثير مريعٍ على العالَمِ بأجمعه و منها سينبثقُ نظامٌ جديد ( المستقبلية-القدمية Achaeofuturism) كفكرةٍ عن العالم في عصر ما بعد الكارثة.”

 

إن مخاوفَ فاي هذه بخصوص “تجمع الكوارث” كما سمّاها، تبدو في وقت كتابتها غريبة و بعيدة عن الشائع -مقارنةً بوضعنا الحالي حيث اثبتت صحتها- لأن كتابه هذا صَدرَ قبل أحداث ١١ من أيلول و قبل الضائقة المالية العالمية الأخيرة و الحروب الدموية التي رافقت الربيع العربي و جائحة كوفيد-١٩ لكن الوعي باحتمالية الكوارث العالمية قد ازداد منذ مطلع القرن الحالي و بدأ يتسلل إلى الفكر الاستراتيجي المنتشر، غالِباً بوجود التغيُّر المناخي في الواجهة بينما مخاوف فاي الأخرى رُكِنت خلفها كعواقب ثانوية.

وفي ورقة بحثية بعنوان عصر العواقب Age of Consequenses  نُشِرت في عام ٢٠٠٧ بجهود مشتركة بين مركز الدراسات الاستراتيجية و الدولية و المركز الأمريكي لمجمع التفكير في الامن الأمريكي الجديد، أُعيد ذكرُ تحذيرات فاي- بحذافيرها- والتي تَحمِل طابعَ نهاية العالم محذرين من ان التغير المناخي الشديد سيقود قسرياً مئات الملايين إن لم يكن المليارات من البشر للانتقال من المناطق الأكثر تضرراً و بالتالي انهيار الديمقراطية الليبرالية في بقيةِ أرجاء العالم، كذلك الانتشارُ الجامِح للجوائح و الإرهاب الجهاديّ و اندلاع الحروبِ داخل الدول و ما بينها في وقت إنهيار النظام العالمي .

 

هذا التقرير يحذر “ان في خِضَم هذا السيناريو سيجتاح الأممَ قدرٌ هائل من التغييرات و التحدّيات المضرة مثل جوائح الأمراض بينما التماسك المجتمعي الداخلي للأمم -من ضمنها الولايات المتحدة- سيكون تحت وطأة ضغط شديد نتيجة الزيادة المضطردة للهجرة و التغيُّرات في أنماط الزراعة ووفرة المياه إضافةً إلى غمر المجتمعات الساحلية بالتحديد في هولندا ، الولايات المتحدة، جنوب آسيا و الصين سيكون من شأنه ضعضعة الهويات المناطقية و الوطنية.و الصراع الأمَمي المسلح على الموارد مثل نهر النيل و روافده محتملٌ و الحروب النووية أيضًا واردة الحدوث ، أضف إلى ذلك التبعات الاجتماعية التي تتراوح ما بين الإحتِدام الديني و الفوضى العارمة. في ظل هذا السيناريو فإن التغيُّر المناخي سيُنتج تغيُّراً مستديمًا في علاقة الجنس البشري بالطبيعة.”

 

يكرر التقرير تحذيرات فاي “إن في هيكل النظام العالمي المُستَجِدّ، سيكون التنبوء و التفكير مستحيلاً بكل جوانب الحياة الوطنية و العالمية التي ستتأثر به لا محالة، كما أشار أحد المشاركين بقوله “ان التغيُّر المناخي الجامِح سيجعل من العالم مشابهاً لما صَوَّرَه ماكس المجنون Mad Max : أشدَّ حرارةً و من دون شواطئ بل حتى أكثرُ اضطراباً” .

 

قد يبدو هذا الوصف متطرِّفاً لكن التمحيص المتأني و الدقيق في كل العواقب المحتملة المرافقة لتغير المناخ العالمي سيكون مثيراً للهلع بشكل كبير . هذا الانهيار و الفوضى المصاحبة لتغيُّر مناخي شديد سيضعضع كلَ جانبٍ من جوانب الحياة المعاصرة من الناحية النظرية و التجربة الوحيدة التي يُمكِن المقارنةُ بها للعديد من أعضاء هذه المجموعة هي ما تمَّ التفكير به كأعقابٍ للحرب النووية بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي فيما لو حدثت إبانَ توتُّراتِ الحرب الباردة” .

 

و في السنة الماضية ليس إلّا، حيث حذر متنبِّئ استرالي معروف من انه إلى حد هذه اللحظة، فإن نهاية العالم في المستقبل القريب شبه حتمية، واصفاً بَحثَه بكونه “لمحة عن عالم الفوضى العارمة على طريقٍ ينتهي بهَلاك الحضارة البشرية و المجتمع الحديث كما عهدناه، حيث ستكون التحديات من أجل أمنٍ عالمي -ببساطة- ساحقةً و يصبح الإضطرابُ و الذعر السياسي هو السائد” .

 

هذا و قد كُتِبت تكهناتٌ من قبل متنبئي الاستراتيجيات التابعين لوزارة الدفاع و البنتاغون، تشترك مع تكهنات فاي بكونها فظيعةً متشائمة مكتوبَةً بلغةِ قاتمة بلا رتوش و باستنتاجات تحذيرية ستُفْضي بقارئها إلى القلق .

 

وعلى صَعيد متصِل فإن الاتحاد الاوروبي قد رَبَط أيضاً بين التغيُّر المناخي و مجموعة متسلسلة من التحديات بخصوص الأمن العالمي التي ستهدِد بشِدّة كُلاً من النظامين العالمي و الاوروبي. ففي ورقة “الاستراتيجية العالمية لسياسة الأمن و السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي” لعام ٢٠١٦ و هي ورقة شاملة تتضمن مقارَبَة الإتحادِ القارّي للمستقبل القريب، حيث يؤكِّد استراتيجيو الاتحاد الاوروبي : ” نحن نعيش في وقت الأزمات الوجودية داخل الاتحاد و خارجه. إتحادُنا أصبَحَ تحتَ وطأة التهديد و مشروعنا الاوروبي ،الذي أفضى إلى سلام و ازدهار و ديمقراطية غير مسبوقين ، تتم مساءلته و التشكيك به. ففي الشرق ، انتُهِك نظام الأمن الاوروبي بينما ينتشر الارهاب و العنف في أرجاءَ شمال افريقيا و الشرق الأوسط و حتى في أوروبا نفسِها. النمو الاقتصادي لم يجاري تِعداد السكان في إفريقيا الى حد الآن و تتصاعد التوتراتُ الأمنية في آسيا بينما يسبب التغيُّر المناخي إضطراباً متزايداً” .

وفي الأسبوع المنصرم كتب رئيس وزراء بولندا و بروفيسور علم الإجتماع بيوتر غلينسكيPiotr Glinski في صحيفة وول ستريت جورنال مقالا من صفحتين حذَّرَ فيه من أن أزمة جائحة كوفيد هي لمحة عن مستقبلِ الانهيار الحضاري، مُشَبِّهاً بصراحةٍ عالمَ الغَربِ الحديث بالامبراطورية الرومانية في أواخر عصورها .

 

بينما كان التاريخ الذي حدده فاي بخصوص نهاية العالم هو بعقدٍ او عقدين من الزمن أبْكَرَ من التحذيرات العقلانية هذه إلا انه -ولسوء حظنا- يَتم التفكير برؤيته المتشائمة للمستقبل من قبل أعلى إستراتيجيي اميركا و اوروبا مرتبة .

 

ولعل الأكثر إثارةً للاهتمام هو حل فاي المقترح [المستقبلية- القِدَميّة] في كتابه الذي يحمل ذات العنوان ، و ليس تواجد الكتاب في مكتبة وزيرٍ محنكٍ في الحكومة البريطانية،حيث يقترح فاي بشكلٍ غير مُقنِعٍ -متأثرًا بالمُنَظِّر السياسي الأمريكي صامويل ب. هنتغتونSamuel P. Huntington – أن نظام العالم الحالي سيندمج في عدة تكتلات حضارية واضحة المعالِم: تكتل تسيطر عليه الصين، تكتل أمريكا الشمالية، تكتل أفريقيا جنوب الصحراء، وحدةاورو-سيبيرية، عالَم إسلامي كبير، أما بقية العالم فستتجمع في تكتل للمحيط الهادئ غير معلومة حدوده .

 

و ما إن يتحقق ذلك، سيكون العالم مهيأً لإعادة تنظيم شاملة للحضارات وفقاً  لـ “نموذج ثوري مبنيٍّ على اقتصادي اناني غير مساواتي Inegalitarian، سيُفرَض علينا بناءً على أسس تاريخية، لكن يمكن التنبؤ به و التخطيط له سَلَفاً .

 

يبدي فاي رأيه الذي يشاركه فيه الآن عددٌ كبير من الناس :” ان يوتوبيا التنمية و التطور بوجود عشرة مليارات من البشر هي غير مستدامة بيئيًا ” مقترِحاً نظامًا رهيباً لإعادة ترتيب العالم من الجدير ذكره هنا رغم طوله: “في البداية ستعود معظم البشرية الى إقتصاد العيش ما قبل التقنية معتمدين على الزراعة و الحِرَف و بتصميم

ديموغرافي يعود لنا من العصور الوسطى حيث ستسيطر حياة القَبَليّة و الجماعاتية Communitarian حتى في البلدان الصناعية مثل الهند و روسيا و البرازيل و اندونيسيا و الأرجنتين … الخ بالتالي عودة جزء كبير من السكان الى العيش في ظل هذا النظام الاقتصادي و الاجتماعي العتيق.”

و يؤكد فاي: ” هناك أقليةٌ من البشرية ستستمر بالعيش طِبقاً لنظامٍ اقتصادي علمي متطور مدعوم بالابتكار و مبنيٍّ على اساس ‘شبكة تبادل عالمية’ متكونةً من مليار نسمةٍ تقريبا.”

“وفي النهاية فأن هذه التكتلات الاقتصادية العتيقة-المجددة الهائلة ستكون ممتدةً على مستوى قارة واحدة او عدة قارات و من دون تبادل مشترك بينما سيكون القسم العلمي المتطور من البشرية هو الوحيد الذي لديه إمكانية الوصول للتبادل العالمي ، مُنتِجاً لنا عالماً ذا مُستوَين إثنين يجمع بين القِدَميّةArchaism و المستقبليّةFuturism . هذا القسم العلمي المتطور من البشرية لن يكون له الحق في التدخل بشؤون المجتمعات العتيقة-المُجَدّدَة التي ستشكِّل غالبية البشرية و الأهم من ذلك أنه لن يكون مُلزَماً بمساعَدَتِهم بأي شكل من الأشكال.”

يرسم فاي، في قصة قصيرة يذكرها في نهاية كتابه، صورةً حيةً -ان لم تكن غريبة- عن هذا المستقبل المقترَح حيث مجموعة صغيرة من نخبة العالَم التكنوقراطية تسعى جاهدةً وراء اكتشافات تكنلوجيّة و علمية بينما بقية سكان العالم تعيش في مجتمعات زراعية بمستوى تقنيات يمكن القول أنها مساوية لتقنيات العصور المظلمة .

 

و في سلسلة من قصص الخيال العلمي القصيرة واسعة الخيال التي يمكن عدّها جزءاً ثانياً لكتابه بعنوان المستقبليّة-القدمية ٢  Archaeofuturism 2.0 ، يُوسِّع فاي أفكاره بما يُضْفي إسوِداداً اكثر  على رؤيته للمستقبل حيث ستنجو بعض المجتمعات لمدة معينة من خلال التصدي للفوضى المنتشرة، محافظةً على التكنلوجيا البدائية من مطلع القرن العشرين لكن الظلام سينتشر بمرور الزمن و يُقضى على البشرية بأجمعها .

 

تكتبُ ستيفاني فرنسوا Stephane Francois مقدمةً أكاديمية رائعة عن حياة فاي و كتاباته في كتابها الصادر مؤخراً بعنوان أهمُّ مُفكِّري اليمين الراديكالي Key Thinkers of the Radical Right ، حيث تَذْكُر بأن كتاب المستقبليّة-القدمية يتضمن : “نبذ الحداثة الناشئة من التنوير و نبذ الفكر المحافظ، لأن الحداثة تنطوي على علامات واضحة من الانكسار بينما لا يؤدي الفكر المحافظ إلى شيء يذكر” . وتلخص فرنسوا فكرة فاي بقولها: “لتَجنُّب الانهيار الحضاري و البيئي فإنه -أي فاي-يقترِح نظاماً مستبداً يرعاه “قائد فِطري” ، دكتاتور صالِح يعرِف كيف يوجِّه شعبَه و يحمي هويتهم و جذور أسلافهم ” .

 

ربما يكون هذا هو سبباً من أسباب شعبيّة أعمال فاي بين صفوف حركة آزوف اليمينية المتطرفة في أوكرانيا بوصفها لواءً مسلحاً مناهضاً لروسيا في المناطق المتنازع عليها من شرق أوكرانيا و منضويةً تحت مظلة وزارة الداخلية الاوكرانية، كذلك توفر حفظ الأمن رسمياً بمباركة الحكومة و بصورة غير رسمية كمنافِسةٍ للدولة في مدن غرب البلاد .

 

في العام الماضي، بعد بفترة وجيزة من وفاة فاي، قمتُ بمقابلةٍ مع السكرتيرة الدولية لحركة آزوف أولينا سومينياكاOlenya Somenyaka في مقر قيادة الحركة القريب من الساحة الشهيرة في كييف ساحة الميدان الرئيسي. حيث أكَّدت سومينياكا على الدور الرئيسي لأعمال فاي في تطوير رؤيتها للعالم و هي محاطة برفوفٍ مملوءة بأعمال كُتّابٍ يمينيّين متطرفين من Ultra-Right لاقت رواجاً جديداً بين صفوف المحافِظين الاوروبييين المستائين . وفقاً للعالم الذي تراه سومينياكا و حركة آزوف، فإن أوكرانيا ستلعب دوراً مهماً كمنصة إنطلاق لإستعادة أوروبا مما تراه هي نظاماً تحررياً متهالكاً حيث ستقود أوكرانيا القارةَ نحو فجر وثني مستقبليّ-قدمي جديد Neo-pagan Archaeofuturist .

 

ربما يكون سببُ وجودِ كُتُبِ فاي على رف كتب مايكل غوف هو إكتسابها شهرةً غير مسبوقة بين صفوف مجموعة مسلحة قوية تتحدى الديمقراطية الليبرالية في أوكرانيا و وجود هذه الكتب جنباً إلى جنب مع الكتب الاكاديمية عن أوكرانيا المعاصرة .. يبدو أنّه يشير إلى إهتمام هذا السياسيّ بالتطورات الاجتماعية و السياسية في أوكرانيا، نظراً لنشر قواتٍ بريطانيةٍ هناك .

 

إن أكثر تحذيرات فاي سوداويةً لاقت بالفعل صدىً في السياسات البرلمانية البريطانية و لكن فقط من قبل حزب الخُضْر و بالتحديد من أكثر أعضاءه حنكةً، بروفيسور الفلسفة في جامعة إنجليا الشرقية و المتحدث بإسم حركة تمرد ضد الانقراض Extinction Rebellion  روبرت ريد Rupert Read الذي حذرَ بقوله: “نحتاج إلى التفكير بما سيحدث بعد الانهيار المتوقَع لهذه الحضارة و التخطيط تبعاً لذلك . بالتأكيد هناك احتمالات متفرعة في خضم هذا المستقبل الوارد حدوثه ، بعضها مروعٌ للغاية. فمن الممكن على سبيل المثال أن تكون الحضارة اللاحقة محكومةً إلى حد كبير من قبل أمراء حربٍ شديديّ العنف . يجب علينا ان نحاول قدر ما نستطيع تحضير أحفادنا للنجاة و ترجيح كفةِ أحدِ الإحتمالات الأفضل لهم” .

لكن من غير الواضح سبب وجود أعمال فاي على فهرس المعرفة المحظورة لكُتّاب أعمدة صحيفة الغارديان The Guardian حتى لو تقبلنا ان لهم حَقاً في تحديد ما يمكن و ما لا يمكن قراءتُه من الكتب، فعلى النقيض من ذلك، نَجِدُ أن قراءة سياسيينا المحنكين كتبًا سياسية مغمورة غير مألوفة أمراً مشجعاً بالنظر للزمن الذي نعيش فيه.

 

سواءً للأفضل أم للأسوأ، فإننا نعيش في عصر ربيع الأيديولوجيات (عصر المسوخ كما يصفه الفيلسوف الايطالي غرامشي) حيث تتكاثر المعتقدات السياسية الغريبة المفاجِئة على منصة تويتر كتكاثر الهويات الجنسية على منصة تمبلر . ومهما كانت إحتمالية سَير مجتمعاتنا على خطى رؤية فاي المستقبليّة-القدمية ( يُفترَضُ أنها بعيدة الاحتمال) ففي الحالتين، من المستبعَد أن نعود الى عالَم الماضي القريب .

 

نظام العالم الذي أنشأته السيطرة الأمريكية ما بعد الحرب قد ولّى إلى غير رجعة و كُتُب السيرة الذاتية للسياسيين الوسطيين الأمريكيين التي تهيمن على رفوف مكتبة غوف، تُمثِّل عالَمًا بنفس درجة الضياع و عدم القابلية للإسترجاع الموجودة في سِيَر سُلالات المَلَكيّة المطلقة لأوروبا كما يمكن ان تبدو قبل قرن من الزمن .

 

إذا قَبِلْنا أن ايديولوجيا الليبرالية قد استنفذت قواها، مُهَشَّمَةً بإستجابتها الضعيفة لأحداث الواقع -كما قبل بذلك مفكروا ما بعد-الليبرالية و مفكرون من أقصى اليسار و أقصى اليمين أيضاً- إذن يجب علينا القبول بظهور أيديولوجية لاحِقَة معيَّنة ستحِلُّ محل الليبرالية في آخر الأمر . أياً كانت هذه الأيديولوجية -من المرجح أنها موجودة بالفعل- ستكون مشابِهَةً للشيوعية قبل قرن من الزمن بكونها فكرةً مغمورةً هامِشيّة تنتظر حلول الأزمة حتى تُرسي قواعد وجودها فيها.

 

في الولايات المتحدة، حيث تنتشر النقاشات بخصوص محاسن فكر التكاملية الكاثوليكية Catholic Integralism إذ تحتدم بين التيار المحافظ، رغمَ الامكانية الضئيلة لإعادة ترتيب الدولة الأمريكية على هذا النحو . كذلك في بريطانيا و القارة الأوروبية أيضا حيث الناس يُذبَحون من قبل معتنقي السلفية الجهادية و هذا تحدٍ راديكالي آخر للأيدلوجيا الليبرالية التي تطرح نفسها كأيديولوجيا ناجحة .

 

إن عِماد الفكر السياسي هي المحاسِن و التحديات التي تطرحها أيديولوجيات هامشية كالمذكورة سلفاً، و ليست المخاوف البائسة الناتجة من المنافسة الحزبية، بل إنها مؤشرٌ يدعو للإطمئنان و ليس مثاراً للقلق كما يلاحظها نوابنا المنتخَبون .

 

الذين حلّلوا بصوتهم العالي صورةَ رفوف مكتبة غوف على تويتر، بعضهم قد أفنى سنوات من حياته يُطَبِّلُ للنجاح السياسي الذي حققه أتباعُ أيديولوجية دموية هامشية في القرن العشرين، نفس الأيديولوجية التي تم نبذها إلى حطام التأريخ . دار نشر فيرسو Verso ذات التوجه اليساري المتطرف -أقرب ما تكون لليسار منه الى الفكر الوَسَطي كقُرْب فاي لليمين، لكن أكثر قبولاً إجتماعياً- قامت في السنوات الأخيرة بنشر كل أنواع المنشورات و البيانات الغريبة و غير المحببة في السنوات السابقة، من مطالبتهم بهدم مؤسسة الأسرة إلى كتابٍ يؤكدون فيه إمكانية العيش في عالم لانهائيِّ النموِ و الاستهلاك من خلال التنقيب في الكويكبات .

 

إن كِلا الفكرتين عبثية لكن بينما نحن ممتنون للإنتخابات الأخيرة التي شهدت إقصاء دعاتها بشكل تام عن السلطة السياسية، بيد أن الكتابين ينبغي ألّا يُمنَعَا من النشر و إنما التمحيص في جودةِ كلٍ منهما و من ثم السخرية منه. مع ذلك، فإن وجود أعمال غريبة الأطوار كهذه ، يُعدُّ بشكلٍ عام أمرًا إيجابي لكونه يُظهِر الناس يعطون اعتباراً جدياً فيما يمكن أن يحلَّ محل الإطار الفكري و السياسي المتهالك حولنا .

ينبغي لنا أن نكون راضين عن إطلاع ممثلينا السياسيين على أفكارٍ غير عادية، ليس بالضرورة لأنهم يُصَدِّقون بها و إنما لأنها تمثل الإهتياجَ الثقافي و السياسي في مطلع القرن الواحد و العشرين حيث أن الفكرة القائلة بعدم وجود بديل للإجماع النيوليبرالي Neoliberal قد إندثرت منذ وقت بعيد، بينما العديد من البدائل ( إن وُجِدَت) تُمثِّل مستقبَلاً على نفس الدرجة من الخطورة و الإثارة .

 

فبالإضافة للإطلاع على كتابات فاي، ينبغي ل غوف و بقية السياسيين البريطانيين ان يتَحَرَّوا عن طيف واسع من المفكرين الراديكاليين من اليسار و اليمين، من الكتب ما بعد الفوضوية لموراي بوكتشين Murray Bookchin إلى النقد الثقافي الماركسي المتفرد لمارك فيشر Mark Fisher، النقد الكاثوليكي للديمقراطية الليبرالية للكاتبين باتريك دينيين و ريشارد ليغوتكو Patrick Deneen and Ryszard Legutko، رفض الحداثة المكتوب كخيال من قبل مايكل هوليبيك وباول كينغسوورثMichel Houellebecq and Paul Kingsnorth و غيرها من أيّ إستجابةٍ منتشرةٍ حالياً -لما نسميه أزمة القرن الواحد و العشرين- في السوق الحر للأفكار .

ففي النهاية وكما دَوَّن فاي بكياسَةٍ في كتابه المستقبليّة-القدمية Archaeofuturism: ” إن الحداثة تنتمي إلى ماضٍ قد إنتهى بالفعل” .

مراجعتي للفصل الأول من كتاب “Understanding Islam” للراحل غيوم فاي.

من هو فاي؟

غيوم فاي، صحفي فرنسي وكاتب معروف في أوساط اليمين الجديد.

فيما يلي مراجعتي للفصل الأول -ركزت فيها على الأفكار المهمة فقط- من كتابه “فهم الإسلام” او “Understanding Islam”

•تناقضات القرآن – دين مقفل

وفقاً للسرديات الإسلامية فإنّ نبي الإسلام “محمد” قد توفي في عام 632 م ولم يكن القرآن قد أخذ شكله المتداول حالياً، بل يختلف اختلافاً كبيراً . وبحسب هذه السرديات أيضاً فإنّ النبي كان أمياً، والقرآن يتألّف فقط من مجموعة من النصوص التي تمّ جمعها بشكل عشوائي من قبل أتباعه .. نصوص تم جمعها بطريقة غير منظمة إلى حد ما؛ نظراً لطريقة النقل الشفوية، لكن ذلك لم يكن ذا أهمية، لأن القرآن هو كلمة الله وفقاً للعقيدة الإسلامية .

في الواقع، تتناقض السور مع بعضها البعض، فبعضها سلميّ وروحي، ومنها حربي وغير متسامح. يعود الأول إلى الفترة التي كان فيها محمد في مكة، و يعود الثاني إلى الفترة التي كان فيها محمد في المدينة. باختصار هناك تضارب يمكن ملاحظته بين السور .. وتفسير ذلك هو أنّ محمداً ألقى خطبه وفقاً لمتغيّرات الوضع السياسي. تدعو بعض السور إلى القتل و التعصب، و يدعو الآخر للسلام. بشكل عام يتميز المحتوى القرآني بعدم التناسق العقلاني .

و مع ذلك، تبقى الحقيقة بشكل عام: أن القرآن الذي يستهدف السكان الأميّين و أشباه المتعلمين [ربما حتى بعض المثقفين المفتونين]، فإنه يتمتع بجاذبية كبيرة بالنسبة لهم، و يوفر حلولاً لكل شيء ويمنع الناس من التفكير بأنفسهم. إن قوة القرآن تكمن في طابعه الشعري المقنع بلا منازع، وهو مكتوب بشكل جميل باللغة العربية الفصحى، ممّا يجعله واحد من المعالم الأدبية البشرية إلى جانب أعمال هوميروس، الكتاب المقدس العبري والأناجيل المسيحية. في حين يكمن ضعفه هو أنه مجرد قوانين لعقيدة تسحق أي حرية فكرية فردية …كتاب ثيوقراطي و أيديولوجي يدعو للشمولية .

• عقول مغلقة:

إذا زرت مناطقاً في الشرق الأوسط أو شبه القارة الهندية فأنّ ما يمكن ملاحظته هو أنّ السكان الذين نشأوا في ثقافة مختلفة عن الإسلام ليسوا أكثر كفاءة من المسلمين فحسب بل أقل عدوانية وأكثر انفتاحاً في سلوكهم اليومي أيضاً. يرجع تفسير ذلك إلى الطبيعة العقائدية للتعليم الإسلامي، فالتعاليم الإسلامية تؤدي في النهاية إلى استبدال نمط التفكير الشخصي الحر بالعقيدة، و هذا ما يرادف انحسار الذكاء والإبداع .

بشكل عام، لا يصعب على المرء ملاحظة أن الإسلام موجّه للعقول البسيطة، و لهذا تجد أنّ الإسلام يشجع تكاثر الطبقات الدنيا؛ أولئك الذين لا يستطيعون تقييم النفع من الضرر و الأشخاص الذين يفتقرون للانضباط الذاتي ولذلك يحتاجون إلى منظومة بسيطة تصنف الأشياء في الحياة إلى حلال و حرام. هذا النوع من التبسيط لا يشجع على التفكير.

• شكل عدواني من الجماعية:

كل البشر مستهدفون إما بالتحول للإسلام أو بالخضوع للعنف، ممّا يجعل الدين الإسلامي مشابهاً للشيوعية الماركسية. بسبب النظرة الخيالية في توحيد الإنسانية في ظل قانون و نظام واحد، يتبع كل من الإسلام و الماركسية نفس المنطق الجماعي. و لكن في حين أن الماركسية وبدائلها الاشتراكية أيديولوجيات مساواتية، و لأسباب تتعلق بالغباء الأيديولوجي، تؤدي إلى امتيازات طبقية متفاوتة – فمثلاً حال ستالين لم يكن مثل حال معظم مواطني الاتحاد السوفييتي- فإن الإسلام يتجاوز هذه المرحلة وفقاً لشريعته ويكرس عدم المساواة و يجعل الأفضلية بالتقوى .

يدرك المرء و بشكل بدهي أن هذه اللامساواة ليست قائمة على الاعتراف بالتباين بالقدرات المختلفة للناس. اذ يصبح التمييز بواسطة القهْر و الإقصاء على شكلِ : مسلمون-كفار .. أحرار – عبيد .

إن هذا النوع من من اللا مساواة في الإسلام يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً حتى بالنسبة للمسلمين أنفسهم. لأنها غير انتقائية للصفات المرغوبة بل تمييزية، و بالتالي تقلل من قيمة الرعايا و تؤدي الى حرمان الإسلام لنفسه من النخب. هذه الظلامية تعوّق توسع الإسلام لأنّها تجلب نفور الناس.

• الإسلام و الشمولية:

كلمة الشمولية صاغها الفاشيون الإيطاليون لوصف نظام ٍ -بشمل إيجابي- تشكل فيه الدولة والمجتمع جسد واحد.

نظام خالي من الأحزاب و صراعاتها و مخصّص لخدمة إرادة مشتركة. الشعب و الدولة في كيان واحد، يسعيان نحو نفس الهدف و تغذيهما نفس العقيدة.

حنة آرندت، التي اختارت على غرار العديد من الفلاسفة، تجاهل التاريخ و الاعتماد على تجريد أفكارها و أخذ الحاضر بلا أي اعتبارات مسبقة، ارتكبت خطأً فادحاً باعتقادها أن الشمولية كانت مفهوماً حديثاً ينطبق فقط على الفاشية والأنظمة و الاشتراكية الوطنية والشيوعية. افترضت على نحو غريب أن الشمولية ظاهرة تقتصر على الأنظمة السياسية في القرن العشرين فقط، بالتالي خلطت بين الكلمة وما تعنيه . فالشمولية تمثل سمة بارزة في الإسلام منذ ولادته حتى لو لم يكن هنالك مصطلح “الشمولية” قد وُجد لوصفه.

ما لم تذكره آرندت هو أن الإسلام يقدم نموذجاً مثالياً للتفكير الشمولي في تعاليمه و ممارساته السياسية، و هو أكثر خطورة من أي نوع أخر من التفكير الشمولي لأنه من عند “الله” لا من العقل التاريخي الهيجلي -غير المتسق- الذي ألهم ماركس و الشيوعية و فشل على المدى الطويل.

يستطيع المرء أن يلاحظ بوضوح أن الإسلام :

1. دين إلزامي يفرض على منطقة معينة [ كما فعلت الشيوعية، النازية والفاشية، مقروناً بحظر العقائد والآراء المختلفة ].

2. دمج الإيمان بالقانون في الشريعة الإسلامية وهو ما يعادل تسييس القوانين لصالح الأيديولوجية الرسمية و تجريم و حظر أي سلوك يخالفها .

3. نية تحويل و/أو السيطرة على البشرية جمعاء من خلال الجهاد، أي فرض رؤية كونية [مثل الشيوعية، وخاصة التروتسكية منها، التي تهدف إلى فرض نظامها على العالم كله، بينما تطمح الاشتراكية الوطنية -النازية- إلى السيطرة الجرمانية على العالم] .

4. إنّ حظر جميع الملاحظات والخطابات المكتوبة والبحوث التي تتعارض مع الحقيقة القرآنية تجعل ذهنك يتذكر على الفور “الليسينكووية” ..

5. وجود رئيس أو خليفة يحتكر كلّاً من السلطة السياسية و الدينية متبعاً النبي “محمد” في ذلك [في حين يمثل الولي الفقيه -في النسخة الشيعية- رئيس الدولة والذي يتولّى فعلياً كل مقاليد السلطة] .

6. وجود كتاب مقدس، يستخدم كمرجع مطلق [مثل رأس المال لماركس، إلى جانب أعمال كل من أنجلز و لينين و ماو] .

و لكن الفرق بين الشمولية الإسلامية و الأنظمة الثلاثة الأخرى -الشيوعية، الفاشية، النازية- هو أنّ الشريعة تمثل قانون الله، و هو قانون مكرّس في القرآن و الأحاديث . في حين أن الشيوعية سواء كانت ستالينية أو صينية أو غيرها، لا تحترم الدستور الخاص، لأن الحزب الحاكم و زعيمه يتصرفون وفقاً لمصالحهم الخاصة، منتهكين قوانين مختلفة أو يفسرونها حسب الرغبة. وفي الفاشية والنازية، يحكم الديكتاتور من خلال المراسيم، دون أي مخاوف دستورية أو تشريعية؛ لا يتم حتى إلغاء القانون الدستوري، و لكن ببساطة يتم تجاهله فحسب .

في الواقع الشمولية الإسلامية أقوى و أكثر تعصباً بكثير من الشمولية السياسية التي ظهرت خلال القرن العشرين، لأنها تستند إلى رؤية دينية.

• الشيوعية و الإسلام:

إنّ التشابه بين الإسلام و الماركسية / الشيوعية أمر لافت، لأن كلهما ينبع من نفس العقلية، إذ يشتركان في اليقين المطلق في اعتقاداتهم، و كونهم على حق على جميع المستويات و لديهم الحلول الصحيحة و الوحيدة في كل مجال يتحدثون عنه.

فهم لا يتسامحون أبداً مع أي معارضة أو انشقاق، ولا يمارسون أي إقناع في اللحظة التي تميل فيها موازين السلطة لصالحهم، لأنّ فهمهم للسلطة يقتصر على شكله غير المقسم، دون أي انفصال أو معارضة مضادة . [يتضح هذا في ثورة خميني حيث قام بإعدام الشيوعيين اليساريين فور وصوله للسلطة مع أنّهم كانوا حلفاءً قبل ذلك] .

في حين المادية الجدلية يمكن دحضها بسهولة بإستخدام الحقائق -الأدلة و الأحداث- .. حيث ظهرت للناس و بشكلٍ واضح مدى حماقة التنبؤات الشيوعية الاجتماعية والاقتصادية مع مرور الزمن.

و حيث أنّ القرآن يعرض نفسه كـ [كلمة الله النهائية] ، فبالتالي يستحيل على أحد دحضه، ليس لأنّه متماسكاً منطقياً بالطبع ولكن لأنّه غير قابل للجدل [مثل أي عقيدة دينية أخرى] ومعفي من تقديم أدلة تدعّم إدعاءاته.

ومع ذلك، كِلا النظامين يخنقان كل دافع إبداعي محتمل وأي مبادرة، نقاش أو فكر نقدي، و تحلّ الجماعية في محل التفكير الشخصي/ الفردي كما أن كثرة المحظورات والقيود تعوق المجتمعات التي تخضع للإسلام أو الشيوعية وهذا ما يسبب الاضطرابات الاجتماعية.

كانت فكرة الشيوعية هي حكم “الجماهير” بمعزل عن الهوية الوطنية أو القومية أو حتى الفردية . والحال ذاته في الخلافة الإسلامية، فهي لا تعترف بالهوية وتلغي -بشكل مزدوج- للهوية الفردية و الوطنية .

• الإسلام عبر العصور – ارتباط جذري بالماضي:

أحد الاختلافات الرئيسية بين الإسلاموية من جهة، و الشيوعية و النازية و الفاشية و جميع الديانات و الأيديولوجيات الأخرى من جهة أخرى هي علاقتها بالزمن، على عكس الحضارة الغربية التي تأثرت باليهودية و المسيحية، فالإسلام ليس لديه رؤية خطية و تقدمية للوقت ولا حتى تصور دوري لها. على سبيل المثال سعت الشيوعية و الفاشية والنازية و الثورة الفرنسية -خلال عهد الإرهاب- إلى خلق “إنسان جديد” من خلال المساعي الثورية التي اعتنقوها و رؤاهم التقدمية الزائفة. كانت أفعالهم تركّز على المستقبل وتحاول شطب كلٍ من الحاضر و الماضي.

في حين أن ما يسعى إليه الإسلام هو العودة إلى الجهود المحمدية في القرنين السابع والثامن، والتي تهدف إلى إنشاء مجتمع عالمي من المؤمنين تحكمه منظومة أخلاقية ثابتة وخالدة .

هذا ما أثار إعجاب منذ فترة طويلة العديد من التقليديين [traditionalists] أو المتحمسين الإيڤوليّين [الذين قرأوا إيڤولا و لكنّهم أساءوا فهم كلماته] فنظراً لحالة الارتباك الفكري الشديد، يُنظر إلى الإسلام بين بعض المجموعات على أنه بطل التقليد ضد الإنحطاط . لا يخجل الإسلاميون [و غيرهم أيضاً] من المقارنة بين المنظومة الإسلامية والانحطاط الغربي، الذي تكون رموزه غالباً أنشطة المثليين و الحركة النسوية و ما شابه .

قد يكون هذا الخطاب مؤثراً في بعض الدوائر التقليدية و لكنه يظل بالغ السذاجة ..

أعني أن “التقليد” الذي يروج له الإسلام هو العودة الى الإسلام الأساسي [الأولي] ولا علاقة له بأيّ نوع من التقليدية المعروفة.

«طبيعة العالِم الليبرالي»

ترجمة : أحمد رضا

لطالما حيّرني السبب الذي يجعل العلماء، من بين كل الناس، الفئة الأشد تحمساً في تأييد المساواة وإنكار فروق الأعراق.

تنتشر هذه الظاهرة بين متخصصي العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل أكبر، رغم أن كثيراً منا قد يكون لديه رأي آخر في إدراج تلك التخصصات تحت مصطلح «علوم». إلا أن ذلك صحيح حتى في العلوم البحتة، حيث نجد الإنكار المذهل للأسس البيولوجية والوراثية للفروق العرقية والجنسية في الذكاء والسلوك. ورغم كل شيء، فإن المرء إذا تقبّل مبادئ البيولوجيا التطورية ووراثيات الشعوب، وإذا أخذ في اعتباره أن الدماغ مجرد عضو آخر يخضع لقوانين البيولوجيا، فلا يجب أن يكون صعباً أن يستنتج أن كون الشعوب المختلفة تقيم ببيئات مختلفة، وبالتالي تخضع لضغوط تطورية مختلفة لعشرات الآلاف من السنين، يستوجب أن تتطور أدمغتهم بشكلٍ مختلفٍ أيضاً، الأمر الذي يقود إلى اختلافات جينية محددة في الذكاء والسمات السلوكية بما يناسب التكيف الأمثل مع بيئات أسلافهم.

إن التخريب اليهودي للأكاديميا بكل تأكيد مشكلة بارزة لعبت دوراً حاسماً في إنكار فروق الأعراق، وحتى فروق الجنس مؤخراً. ورغم ذلك، فإن اليهود ليسوا منتشرين بكثرة في كليات العلوم البيولوجية كما هم في العلوم الإنسانية. ولو كانت هناك إرادة كافية لدى علماء البيولوجيا غير اليهود، لكان من السهل مجابهة وتحطيم السفسطة الواهية المناهضة لفروق الأعراق التي يتبناها أمثال ستيفين جاي غولد وريتشارد ليوونتن. وبالتالي فإن ذلك يدل على أن هنالك رغبة في القبول بالفلسفة المساواتية من قِبل أغلب علماء البيولوجيا والوراثة البيض، هذا على الرغم من كل ما بين أيديهم من بيانات مخالفة لذلك.

لكي يتسنى لنا أن نفهم ظاهرة إنكار فروق الأعراق والجنس المحيرة هذه، فإنه يتوجب علينا أن نبحث عن حلول في نطاق اللاوعي، أي أن نعرف السبب الذي يجعل أغلبهم يميلون غريزياً إلى إنكار هذه الحقائق الغير سارة.

رغم كل ما تدّعيه فلسفة التنوير، فإن اتخاذ القرارات والتمسك بنظرة كونية محددة يتضمن في المقام الأول دوافع لاواعية بدلاً من إجراء تقييم موضوعي للأدلة. ولذلك فإن البشر لا يختلفون في هذه النقطة الأساسية عن الحيوانات. ففي معظم الحالات، تخدم معرفتنا وجدالاتنا العقلانية بشكل أساسي معتقداتنا الموجودة مسبقاً، والتي بدورها تتشكل من خلال دوافعنا ونزعاتنا اللاواعية، بدلاً من تغييرها أو استبدالها بمعتقدات أخرى جديدة.

لذلك، فمن أجل أن نفهم طبيعة إنكار فروق الأعراق بين العلماء، ينبغي أن نفهم أي نوع من الدوافع اللاوعية تلك التي ترتبط بالرغبة في دراسة العلوم و/أو تولي مهنة أكاديمية ما.

بإمكان نيتشه أن يقدم لنا لمحة عن جذور هذه المشكلة، حيث يذكر أن أولئك الذين يميلون إلى تنظيم ومحاولة فهم ظاهرة طبيعية يجدون صعوبات في أن يكونوا جزءا منها، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالطبيعة البشرية. ويدّعي نيتشه أن اندفاع أولئك الذين يحاولون فهم الظواهر بشكل منهجي يعزى إلى افتقارهم لتلك الفحولة الطبيعية الغريزية في المقام الأول. ينتج عن ذلك إذاً، على الأقل في العصر الحديث، أن أولئك الذين يميلون إلى اختيار التخصصات العلمية يميلون بشكل غريزي أيضاً إلى رفض الهرمية الطبيعية واللامساواة، ورغم تواجد أدلة مهولة وأسباب عقلانية، من المفترض بهم أن يتمسكوا بها، فإنها لا تكون كافية للتأثير عليهم.

يفترض ذلك أن نسبة التستوستيرون منخفضة بين العلماء، وبالأخذ في الاعتبار أن العقلية الليبرالية ترتبط مع دماغٍ أكثر أنوثة، فبإمكان ذلك أن يفسر السبب الذي يجعل معظم العلماء يتمسكون بالليبرالية رغم كل الأدلة المضادة لها، والتي ينبغي لها أن تكون كافية لفضح زيف رؤيتهم الكونية تلك. ومع ذلك، فمازلنا نحتاج المزيد لتفسير هذه الظاهرة. فرغم كل شيء، حتى وقت قريب وفي وقتنا الحالي أيضاً هنالك علماء يستكشفون ويؤيدون بشكل منهجي فروق الأعراق والجنس الفطرية من حيث الذكاء وسمات السلوك أيضاً. فحتى إذا افترضنا انخفاض مستويات التستوستيرون بين الأكاديميين، فإنها لاتزال كافية لكي تسمح بالإثبات الموضوعي للنظام الطبيعي والنظرة الكونية الوراثية.

حتى وقت قريب، كان من الصعب أن يصبح المرء عالماً، وتضمّن قرار مزاولة مهنة علمية ما الاستعداد للتخلي عن العديد من الرفاهيات الدنيوية من أجل التنقيب عن الحقيقة وتفسير أحاجي الكون، بما فيها ما يخص الدماغ البشري. ولذلك كان الأشخاص الذين يختارون مهنة أكاديمية أفراداً متفانين للغاية لا تثنيهم خشونة العيش والصعوبات، وكان محركهم الأساسي إيجاد الحقيقة المجردة. ومثل هذه السمات الشخصية تستلزم كمية لائقة من التستوستيرون في الجسد ودماغ ذكوري بما يكفي.

لقد تغيرت الأمور منذ أصبح التعليم متاحاً للجميع أكثر فأكثر، ومنذ بدأ اعتباره «حقاً» للجميع وعلامة على منزلة عالية. فأصبح المزيد والمزيد من الأشخاص يختارون التخصصات العلمية، ليس بشكل رئيسي لأنهم مهتمون حقاً بفهم الطبيعة البشرية، بل لأن ذلك يعطيهم حساً بالتفوق على أقرانهم الأقل تعليماً ولكي يتباهوا بدرجاتهم الأكاديمية. وسريعاً، في الأكاديميا، طغت أعداد الذين يرون الأمر فرصة للتأكيد على قيمتهم الذاتية على الذين يبحثون عن المعرفة بصدق. أصبح التعليم سهل التحصل، وبوجود كميات وفيرة من التمويل والمنح الدراسية المتاحة، لم يعد يتضمن أن يصبح المرء عالماً أي مشاق.

أدى ذلك، بما لا يمكن تجنبه، إلى تأنيث متوسط دماغ العلماء، وذلك بمصاحبة الغزو الليبرالي للبيئة الأكاديمية. وبتفاقم هذا الاتجاه، تزايدت مشاركة الإناث في كليات العلوم من خلال كوتا التمييز الإيجابي.

إن تفسير نيتشه لعقلية العالِم ملائم في يومنا هذا أكثر مما كان في عصره، رغم أن الاتجاه ذاته كان موجوداً وقتها. فالعالم العادي اليوم كائنٌ حقود، ممتلئ بالحقد تجاه عوام شعبه ، تجاه من يشعر أنه مخول لكي يشعر بالتفوق عليهم لأنه يملك شهادات معينة ولأنه «متعلم». يجلب ذلك معه الرغبة في إنكار المعتقدات والعادات طويلة الأمد لأنها غير عقلانية وغير مدعومة بالحقائق كما يزعمون.

إذاً فانخفاض مستوى التستوستيرون وعقدة النقص والحقد الناجم عنها يؤديان إلى نمو الرغبة في تفكيك المعتقدات، الرؤية الكونية، والعادات لدى عامة الشعب. وحتى وقت قريب، لم يكن هنالك ما يعارض تلك الرغبة، حيث لم تكن هنالك بيانات تؤيد صحة الاعتقادات المشتركة وأهميتها التطورية، والتي تنتقل من ذرية إلى ذرية بشكل غريزي، دون أن يتم التشكيك في صحتها.

في جوهرها، لم تكن محاولة حركة التنوير لرفض التقاليد طويلة الأمد مدفوعة بالوعي المجرد بأنها ليست متفقة مع التفكير العقلاني، بل كانت مدفوعة برغبة غريزية لاواعية لإنكار وتفكيك ما كان عزيزاً على عامة الشعب، وذلك لأن أولئك الذين يحاولون تفكيكها فشلوا هم أنفسهم في أن يشاركوا فيها. إن ادعاء العقلانية والتمسك بالحقائق المجرد هما في واقع الأمر عباءة تستر خلفها محاولة تبرير لاواعية، تنشأ بدورها من كراهية عميقة للتقاليد وللرجل العادي الذي يتمسك بها.

وكما ذكرنا، فحتى وقت قريب، لم تكن هذه الرغبة تؤدي إلى أي تنافر أو نفاق، نظراً للافتقار إلى البيانات التي تؤكد فائدة التمسك بالعادات والانحيازات طويلة الأمد. ورغم ذلك، فخلال العقود الأخيرة، بدأت البيولوجيا في التفسير، وبشكل مرعب للأكاديميات اليسارية، أكدت بشكل عقلاني ما تم اعتباره غير عقلاني من قبل. فعلى سبيل المثال، في يومنا هذا، نعلم أن التقاليد لها فائدة تطورية كبيرة تحمي الفرد والجماعة من اتخاذ قرارات طائشة قد تضر باستمراريتهم. نعلم أن الزواج، العائلة، وتقسيم الأدوار التقليدي ليست أنظمة اعتباطية يتم فرضها على المجتمع لكي تقمع الضعفاء، بل لأن لها فائدة عظيمة مبررة بيولوجياً، وهي أيضاً مناسبة بشكل مثالي لكي تضمن الاستقرار المجتمعي وتضمن أيضاً استمرار المجتمع. نعلم أيضاً أن الأسباب التي تؤدي إلى تباين النجاح بين مختلف الأعراق والإثنيات ليس لأن بعضاً منها يتعرض للقمع التعسفي من قبل الآخرين، بل بسبب التباين في متوسطات مستويات الصفات المعرفية والسلوكية من مجموعة لأخرى، والتي يمكن قياسها بصرامة.

وبطبيعة الحال، لم يظن من شنوا الهجوم على عامة الشعب وحاولوا تفكيك طرق معيشتهم أن مثلهم العليا المعلنة، بعبارة أخرى «العقلانية والدلائل المجردة»، قد ينتهي بها الحال مؤيدة لانحيازات وتقاليد «البؤساء». وهنا تكمن جذور نفاق العالم الليبرالي. فمن يعلنون أن العقلانية هي المثل الأعلى، من يطلقون «مسيرات من أجل العلم» ومن «يحبون العلوم بقوة»، ليسوا في الواقع يبحثون عن الحقيقة، بل يستخدمون العلم من أجل التأنق الأخلاقي، تلك الحاجة النابعة من عقدة النقص لديهم. وهم أكثر من مستعدين للتخلي عن الحقائق المجردة بمجرد أن يُصادف أنها تؤيد التقاليد والانحيازات طويلة الأمد لدى المجتمع.

رغم كل ذلك، ليس العالِم الحقيقي من يحتقر جذوره وعامة شعبه، بل هو من يرعاهم ويؤيدهم بفهمه العميق للطبيعة البشرية. وكل التطورات الأخيرة في العلوم البيولوجية تنذر بالفعل بظهور هذا النوع من العلماء في المستقبل.

لقد اقتربنا من حالة التشبع، حيث لم يعد بالإمكان أن يتواجد التظاهر بالعقلانية والتمسك بالأدلة جنباً إلى جنب مع الرؤية الليبرالية المساواتية. وخلال هذه العملية، سنشهد بالتدريج رحيل هذه الأنواع الحقودة، قليلة التستوستيرون تلك من حقول العلوم، حيث لن تستمر العلوم في عناق غرورهم وأمانيهم في الشعور بالتفوق بعد الآن.

وسيقف اليمين البديل عند تقاطع هذا التحول، ومع بزوغ فجره وانتصاره الأخير في الغرب يبزغ فجر فهمٍ جديدٍ للطبيعة البشرية لم يشبهه مثيل في التاريخ.

في البداية، كانت العادات تُتبع غريزياً دون استجواب. وبظهور التنوير، ظهر التحليل العقلاني، وبما أن البيانات لم تكن كافية في ذلك الوقت لكي تؤكد صحة التمسك بتلك العادات، تم رفضها. والآن وقد وصلنا إلى مستوى جديد تماماً من الوجود، حيث عدنا إلى الاعتزاز بتلك العادات والانحيازات، لكن هذه المرة عدنا بالمعرفة والفهم العقلاني لفائدتها. وخلال هذه العملية، فإن كل الأكاديميات الليبرالية المذكورة أعلاه، والذين يرفضون الاعتراف بهذه الحقائق وتغيير رؤيتهم وفقاً لها، سينتهي بهم المطاف إلى مزبلة التاريخ.

حبوب صعبة البلع…ما الذي يكشفه كورونا لنا؟

خالد ابو نصر

طوال السنة الأخيرة، أكثر نقطة حاولت ايصالها بخصوص مشكلتنا الرئيسية : تتمثل في نقص الفاعلية ( agency ) عند مجموعة بشرية يمكن اعتبارها أنها مصابة بالتلف، والأحداث الأخيرة أظهرت أن ما دعوت اليه أقرب للواقع مقارنة بما يروج له المثقفين ويخدرونك به.

الكارثة الحالية عرت عن الكثير من الأوهام. هناك أبحاث أكاديمية يمكن اعتبارها من التابوهات المحرمة في العصر الحديث تخص الاختلافات بين المجموعات البشرية على مستوى السلوك، وهي أبحاث ما وراء منحى الجرس (beyond the bell curve) هناك مقياس يدعى بالشخصية السيكوباثية نتعرف عليها بعدد من المواصفات، ربما أهمها عدم اهتمام الفرد بعواقب أفعاله بالرغم من إدراكه تمام اليقين بعواقبها وأضرارها، نرى كيف أن هناك شريحة كبيرة من البشر غير قادرة حتى على تتبع تعاليم بسيطة للوقاية من الفيروس، والسلوك منتشر بين الفقراء أكثر كون السلوكيات اللامسؤولة متأصلة في عقولهم، لكن هذا لا يعني عدم انتشارها بين الأغنياء كذلك، الوافدين من المناطق الموبوءة وسلوكهم المستهتر دليل على ذلك بالرغم من جودة الحياة التي يتسمون بها والتي هي ناتجة عن النظام الحالي الذي يعطي فرصة لأمثالهم أكثر من كونها ناتجة عن الاستحقاق، وهذا موضوع آخر طويل..

هناك مشاكل أكبر من الفيروس وأحدها التسافل الجيني التي تعاني منه جميع المناطق بسبب الأوهام التي خلقها العالم الحديث، أحدها : الجميع له الحق في الانجاب، وهي نظرة مساواتية تفترض أننا نولد صفحة فارغة وعن طريق التعليم والرعاية المناسبة (boom) ستصبح لديك حضارة وابتكار في كافة القطاعات والمناحي الانسانية، هكذا ببساطة، ويا له من وهم، والخطير في ذلك أن الغالبية الساحقة تؤمن به، الليبيرتاري لا يهتم بهذا السياق طالما أن الدولة بعيدة عن الحاق الضرر بحرية السوق وأن للأفراد الحق الكامل في تصرفاتهم ما لم يسببوا الضرر للآخرين، بغض النظر عن أن هذا تصور هش، لكن الكارثة الحالية عرت عنه ويبدو أن الافراد أبعد ما يكونوا قادرين عن التصرف بمسؤولية، لكن هذه المرة الضرر يمكن معاينته لأنه قد يؤدي للموت مباشرة على عكس التصرفات التي تلحق الضرر بالمجتمع – أكثر مما هو متضرر – على المدى البعيد. والاسلاميين ليس لديهم مشكلة في نوعية التكاثر العشوائي التي تنهجه مجتمعاتنا، لأن الكم دائما مفيد في نظرهم ويقارن ذلك بالولايات المتحدة واليابان وروسيا ( العقيدة المساواتية تعود من جديد )..

ليكن في علمك أن الأزمة الحالية ستمر، قد لا نعرف عواقبها لكنها عرت على الكثير من أوهام العالم الحديث، الـ agency عبارة عن مشكلة حقيقية وتهدد بانهيار الحضارة الغربية ونحن معها بسبب العلاقات الجيوسياسية والنظام الحالي المرتبط ببعضه، ما قد نستطيع فعله بعد كل ما رأينا من هؤلاء وكل الاوهام التي تحطمت، سيكون عن طريق اتباع سياسات صارمة تجعل من تكاثر أمثالهم أمراً صعباً أو مستحيلاً . أقصى ما يمكننا فعله هو تخفيف الضررعن الأجيال اللاحقة، ليس علينا اتباع نفس ما أتبعه العالم الغربي من تسامح جهة الطفيليات، العملية ستحتاج مدة طويلة للغاية، لكنها ليست المعركة الخطأ، قريبا سينهار العالم الغربي بسبب الهجرة الغير مضبوطة والاستهتار الذي جعلهم أقل مسؤولية واقل ذكاء جيلا بعد جيل، وقريبا سيكون علينا الاعتماد على أنفسنا .

نتأكد من مدى فاعلية (agency) الأفراد بناء على طريقة حياتهم اليومية وانعكاساتها على جودة المشاعات التي يتشاركون فيها، الشخص العاجز عن تتبع تعاليم بسيطة في حياته اليومية للواقية من الفيروس ( مثل تجنب الأماكن المكتظة ) لن تنهض به حتى لو كنت تملك المؤسسات الأكثر مثالية، الخلل متأصل في عقولهم، ولا يوجد حل سوى تطبيق سياسات ترسل جيناتهم into oblivion..

من بين الأسباب التي رفعت من متوسط الذكاء والفاعلية في الغرب ما قبل الثورة الصناعية هو الموت الأسود، لأنه كان يصيب في الغالب نفس نوعية البشر الغير القادرين على تتبع تعاليم بسيطة للوقاية منه، وبما أن الذكاء يورث بنسبة كبيرة فهذا يعني أن جيناتهم محيت من الوجود لصالح الأكثر كفاءة، عندما تكون هناك عوامل قاسية للانتخاب الطبيعي يعني أنه لن تكون هناك طبقة طفيلية لا تجيد سوى التكاثر والاستنزاف..

قلت ان هناك شريحة كبيرة من البشر لا ينفع معهم التوعية أو مجابهة الفكرة بالفكرة وأن التدخل الحكومي هو الحل الوحيد لضبطهم، اعتبر أصحاب “وعي الشعب” رؤيتي راديكالية، ذلك لأن نظرتهم محصورة داخل المصفوفة بسبب الأوهام التي خلقتها المدينة واستقرارها السياسي والاقتصادي.

الإنجاب ليس من حق الجميع لسببين مهمين :تقدم المجتمع متعلق بمدى فاعلية أفراده ، مهما بلغت درجة فاعليتك وذكائك كفرد لن تقوم بالتغيير لوحدك لأنك تعتمد على الذي بجانبك ( bell curve )، والفترة الحالية هي مثال بسيط على أهمية هذا النوع من التبادلية بالرغم من أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، السبب الثاني يمكننا اعتباره في سياق المعاناة البشرية، الوعي عبارة عن مأزق بسبب تجربة المعاناة، القدوم بأطفال بدون جودة جينية أو عدم القدرة على الاعتناء بهم لكي نلبي نزوات البعض الغريزية في الانجاب ونحترم مشاعرهم هو تصرف ساذج، المعاناة، نعم، دفعت بنوعنا البشري، لكن المعاناة أنواع، بعضها بدون أي فائدة اطلاقا كون صاحبها عاجز عن تغيير ما يجري، والاعاقات والتشوهات الخلقية مثال بسيط على ذلك.

الطبقات الدنيا عبارة عن (abomination) والأزمة الحالية أثبتت ذلك، نرى كيف أن هناك فئة لا تبالي بأتباع أي تعليمات بالرغم من أن الخطر يمكن معاينته مباشرة، عجز شبه تام عن اتباع أبسط التعليمات، كيف يمكن ائتمان هؤلاء في أمور أكبر حجماً إذن ؟ ، خاصة تلك التي تخص مستقبل البلد، تقدمه، وجودة مشاعاته. حرية السوق والاصلاحات المؤسساتية تأثيرها ضعيف على هذا المستوى، الطبقات الدنيا فئة لا ينفع معها سوى التنظيم الفاشي والقمع لاخراسهم والحد من تسافلهم الجيني، الحضارات فعلت ذلك طوال التاريخ البشري، ونحن لسنا استتناء، التقدم التكنولوجي الذي نملك لا تعني بأي شكل من الأشكال أننا تتجاوزنا الضغوط التي تفرضها علينا الطبيعة، دعونا لاننسى أن مجتمعنا هو مستورد للحضارة الحالية من الغرب لا أكثر، بمعنى أننا نوعا ما (useless) وسننهار مع انهيارهم، أنظر فقط للأزمة الحالية ويمكنك حساب درجة ذلك الاعتماد..

النقاشات عن طبيعة الايديولوجيا المناسبة لدولنا وما الى ذلك نقاشات مهمة بالطبع، لكن عدم أخذ العامل البشري بعين الاعتبار سيجعلك تتخبط في حلقة مفرغة، وستجد نفسك تقاتل نفس المعركة وفي كل مرة تقترح حلولاً جديدة لكن الوضع بالكاد يتغير للأفضل وفي أحيان أخرى الى الأسوأ. لأن المعركة الحقيقية تدور بين الانتاج والتقدم والاستهلاك والتدوير، اليمين واليسار مجرد معارك ظاهرية..

اقتبس من ريتشارد لين:

بعض الصفات البشرية ذات قيمة كبيرة. وأهمها هي الصحة، والذكاء، وما يطلق عليه علماء تحسين النسل “بالشخصية الأخلاقية”، والتي تتكون من حس أخلاقي متطور، وانضباط ذاتي، ودافع قوي للعمل، واهتمام بالمجتمع.

هذه الصفات البشرية ذات قيمة لأنها توفر الأساس لإنجازات الأمة الفكرية والثقافية ؛ نوعية الحياة؛ بالاضافة الى قوتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية.

الصحة والذكاء والشخصية الأخلاقية أشياء إلى حد كبير وراثية؛ وبالتالي سيكون من الممكن تحسين هذه الصفات وراثيا. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تحسين ما يمكن وصفه ب “رأس المال البشري الوراثي” للسكان. هذا هو هدف تحسين النسل. يدرك علماء تحسين النسل أن هذه الصفات مصممة أيضًا بيئيًا ويدعمون مثل ما يمكنه تحسين هذه الصفات. مع ذلك، فإن التدابير البيئية لتحسين هذه الصفات يتم دعمها عالميًا تقريبًا لكنها ليست جزءًا متميزًا من تحسين النسل.

خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين ، تدهور سكان الديمقراطيات الغربية ومعظم أنحاء العالم وراثياً على مستوى الصفات الثلاث التي تشمل الصحة والذكاء والشخصية الأخلاقية. تُعرف هذه العملية بالتسافل الجيني وتشكل تهديدًا لجودة الحضارة والثقافة والقوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية للدول القومية. الهدف الأول من تحسين النسل هو إيقاف هذه العملية وعكس اتجاهها.

سيكون من الممكن تحسين الجودة الوراثية للسكان فيما يتعلق بصحتها وذكائها وطابعها الأخلاقي. هناك نوعان من البرامج التي يمكن من خلالهما تحقيق ذلك. يمكن تسمية الأولى ب”تحسين النسل الكلاسيكي” والأخرى “تحسين النسل الجديد”. يتم تطبيق تحسين النسل الكلاسيكي على البشر عن طريق الأساليب التي استخدمت لعدة قرون من قبل مربي النباتات والحيوانات لإنتاج النباتات والماشية ذات الجودة الأفضل من العينات الأفضل. سيتطلب تطبيق مثل هذا البرنامج الانتقائي للتكاثر على البشر سياسات “تحسين النسل الإيجابي”، المصممة لزيادة أعداد أطفال الأصحاء والأذكياء وذوي الشخصية الأخلاقية القوية؛ و “تحسين النسل السلبي”، سيكون مصمما لتقليل أعداد الأطفال غير الأصحاء وذوي الذكاء والشخصية الأخلاقية المنخفضة.

يتكون علم تحسين النسل الجديد عن طريق استخدام التكنولوجيا الحيوية البشرية لتحقيق أهداف تحسين النسل. تشمل تقنيات التقانة الحيوية البشرية على التلقيح الصناعي بواسطة المتبرع (AID)، وتشخيص ما قبل الولادة للكشف عن الأمراض والاضطرابات الوراثية، وفي الإخصاب المختبري، والاستنساخ، والهندسة الوراثية عن طريق زرع جينات جديدة.

تحسين النسل يخدم احتياجات الأفراد والدول القومية. إنه يخدم احتياجات الأفراد لأن الناس يفضلون أن يكون لديهم أطفال يتمتعون بصحة جيدة وذكاء مرتفع مع حس أخلاقي جيد. إنه يخدم احتياجات الدولة القومية لأن الدولة القومية التي يتمتع سكانها بصحة جيدة وذكاء عالٍ وذات طابع أخلاقي جيد أقوى ومرجحة أكثر أن تنجح في المنافسة مع الدول الأخرى.

نظرة من اليمين

في البدء أود أن أجيب على هذا السؤال المتكرر في أوساط المتابعين، (لماذا اليمين؟ هل البيئة السياسية مناسبة هنا لخلق هذا النوع من الاتجاهات الفكرية؟)

عزيزي القارئ، لا يخفى عليك ان اي “حراك” ينشد التغيير، والتغيير يحتاج مسببات لأحداثه، -أعني لماذا تود تغيير الأمور اذا كانت تسيير على خير ما يرام؟- بلا شك، المسببات هي الواقع البائس الذي نعيشه. في الحقيقة يشير ظهور تسميات مثل اليمين واليسار الى وجود مجتمع يعاني بالفعل من ازمة سياسية. في النظم التقليدية – قبل حدوث الثورة الفرنسية- لم تكن هذه التسميات موجودة، على الاقل كما نفهمها في الوقت الحاضر. قد تكون هناك معارضة في الانظمة التقليدية ولكن ليست من النوع الثوري الناقم على النظام بأكمله، ولطالما كانت المعارضة، أكثر ولاءً للبلاط الملكي من الحاشية، نظراً لتخليها عن امتيازات متوقعة عند سلوك طريق الاعتراض. وإنجلترا المحافظة مثال واضح على ذلك.

ان الهدف من رسم ملامح هكذا اتجاهات فكرية، هو رفع مستوى النقاش السياسي الذي يدور في بلداننا حول توفير الخدمات العامة والسياسة السطحية، الى مستوى اعلى، نناقش فيه شكل النظام، مدى فاعليته،…الخ. بأختصار، نبحث عن الحلول الجذرية لا التداعيات الجانبية، نتعرف على سياق وأسباب الموقف الذي نجد فيه أنفسنا، ثم نحللها، ثم نتصرف – سياسيا وثقافيا – وفقا للاستنتاجات التي نصل إليها.

في الواقع، لا يحظى اليمين الجديد [حيث تستقر أفكاري] بتمثيل سياسي في أي مكان في العالم. فاليمين الجديد يعتبر نفسه مدرسة فكرية لا حزب سياسي، ويعتقد بقوة بأن: اي نزاع برلماني يجب أن يسبقه، يشرّعه، ويدعمه نزاع ميتاسياسي.

ما هي «الميتاسياسة-Metapolitics»؟

الانتشار الاجتماعي للأفكار والقيم الثقافية من أجل إثارة تحول سياسي عميق وطويل الأجل.

الميتاسياسة هي جهد دعاية -ليس بالضرورة حزب معين- ينشر مجموعة أيديولوجية من الأفكار التي تمثل مشروعًا سياسياً عالمياً.

من “مجتمعات الفكر” (و”الأندية”) التي أعدت للثورة الفرنسية إلى مجموعات ورابطات الضغط الحالية، تشكل الميتاسياسة شرطاً أساسياً ليس فقط لكل عمل سياسي أو ثوري، ولكن للحفاظ على الصلاحيات. بما يتجاوز السياسة الحزبية،

لنلخص الأمر بعبارة بسيطة: ولد عصر التنوير قبل الثورة الفرنسية، وما كانت الثورة الفرنسية ممكنة بدون التنوير. وقبل ظهور اي لينين، لا بد من وجود ماركس يسبقه. وهذا ما فهمه انطونيو غرامشي جيدا حين خاطب المثقفين “العضويين”. حيث أكد على ان تحويل البنى السياسية والاجتما – تاريخية في اي عهد بعينه يستوجب ان يبتدئ هذا العهد بتحول قيمي ضخم من الداخل. فالميتاسياسة هي احتلال بطيء للثقافة والسياسة واحتلال للأرض.

ما الذي يُتوقع من اليمين الجديد فعله؟

“قدم حل، والقيادة سوف تظهر. إذا ظهرت القيادة فستتوافق الآراء. إذا ظهر التوافق، فستتخذ الإجراءات. إذا ظهر العمل، فسننتصر.”

ما نحتاجه -بعد تقديم الحلول-، هو طليعة يمينية جديدة (١) ترسم حدوداً واضحة بين الأصدقاء والأعداء. (٢) وتشكل أيديولوجية نخبة نشطة، مستعدة لملء الفراغ الذي سيحدث عاجلاً ام آجلاً. فالثورة بالنسبة لليمين الجديد هي انقلاب عنيف على الوضع السياسي، -بعد ظهور الأزمة- وتدخل أقلية نشطة من الطليعة لانقاذ الوضع، واستلام زمام السلطة.

ان النقاش الذي يخوضه كل من: [هوبه، مولدباغ، بنوا، دوليتيل]، وآخرون -ان جاز لنا تصنيفهم على نفس الخط- لا يُعنى ببلدانهم او الحضارات التي ينتمون اليها فحسب، بل بتقديم مبادئ عالمية إيجابية، للاستقرار والنجاح الحضاري. كما ان جدال الذي يفتعلونه يتعلق بما اطلق عليه نيتشه “السياسة الكبرى”، لا السياسية السطحية. السياسية الكبرى هي [بأختصار تسجيل شعب في التاريخ والحفاظ عليه]. فبالنسبة لليمين الجديد لا يقتصر جوهر السياسة على الاقتصاد، التوازن الاجتماعي، السلام، والأمن، بل يتعدى ليشمل: الهندسة المعمارية، الفنون الجميلة، الديموغرافيا، الثقافة العامة، شكل نظام الحكم..الخ. إن الفكرة كلها بسيطة للغاية، والمبادئ ظلت قائمة بذاتها لآلاف السنوات ونجحت في اليونان وروما مثلما نجحت في بابل ومصر، لأنها قائمة على ما هو طبيعي وفطري.

ما يهمنا الآن في وسط هذا التخبط هو تكوين جبهة موحدة من العقول الحرة، تضم مجموعة من الشباب الاذكياء. ان فكرة اليمين دائماً وابداً هي خلق قادة لا صناعة شعوب جديدة ولهذا أين ما كنت نحن هنا نتطلع الى انضمامك إلينا لا كمتلقي للأفكار فحسب، بل كفرد مؤثر ضمن محيطه الاجتماعي، كحلقة ضمن تيار بيولوجي عاش فيه الأسلاف وسيعيش فيه الأحفاد.

مراجع:

*عودة اليمين الحقيقي، دانيال فرايبرغ.

*لماذا نقاتل؟، غيوم فايي

*الميتاسياسة واليمين، جون بروس ليونارد

*كيرت دوليتيل، معهد التملكية

* الان دو بنوا، “اليمين الجديد بعد أربعين عاما”، اهم مقدمات كتاب “ضد الديمقراطية والمساواة.”

فيما يخص العلاقات…عشرة نصائح نقدمها لك.

أود ان افتتح المقال بنصيحتين لدانييل فريبورغ مؤلف كتاب “عودة اليمين الحقيقي”، ربما تساعدانك في العثور على انثى مناسبة:

  • _ لا تجعل العثور على امرأة هدفك الأساسي، مستهلكًا كل وقتك واهتمامك. الوصول إلى رفقة الأنثى الجديرة بالأحرى هو مكافأة وتأثير ثانوي للنجاح في مجالات أخرى من الحياة. باختصار: ركز على أن تصبح رجلاً أفضل. فيما يتعلق بكيفية تقدمك في العليم والحياة بشكل عام، وستظهر النساء في حياتك بمحض إرادتهن. عندما تجد المرأة المناسبة، تأكد من إنشاء أسرة، ويفضل أن تكون مبكرة في الحياة قدر الإمكان.

  • _فكر في دائرة الأصدقاء الذكور الخاصة بك باعتبارها رابطة ذكورية، حيث تتعلق ببعض مبادئ الشرف. أحد أهم هذه المبادئ هو تجنب التنافس على نفس النساء، وليس أقله الابتعاد عن بنات الأصدقاء وصديقاتهم السابقات. مثل هذه القضايا هي مصادر الصراع المستمرة في الأوساط الذكورية، وعلى المدى الطويل الأمرلا يستحق ذلك أبداً.

    _ تزوج عندما تكون جاهزاً لذلك: اذا كنت تنوي الزواج حقاً، فاحرص على ان تكون قادراً على كفالة عائلتك من الناحية المادية وان تحظى باستقلال مادي كامل. كلمة “husband” بالانكليزية تعني حرفياً (مالك المنزل) في اشارة على المقدرة المادية لمن يود الزواج.

    _اختر الشريك على أسس ثابتة: تذكر ان الزواج هو وسيلة لخلق مؤسسة ندعوها بالاسرة. والمؤسسات لا تنشأ على القواعد المزاجية كالحب. من الجيد ان يكون بينكم نوع من الكيمياء المتبادلة، لكن تذكر دائماً ان “الحب” هو عاطفة متغيرة وتخضع لظروفنا اليومية المختلفة، ولهذا من الضروي ان يكون بينكم حد ادنى من التوافق، الثقة المتبادلة، الالتزام بالعلاقة، الانجذاب الجنسي، الشعور بالتملك [المرأة والطفل] كملكية لك. وما يترتب على هذا الشعور من احترام وتقدير متبادل.

    _الانجذاب الجنسي أمر أساسي: تكون الرغبة الجنسية عند الرجل ثابتة طوال الشهر بينما تنخفض وترتفع عند النساء خلال الشهر الواحدة متأثرة بالتغيرات الهرمونية ولكن وجودها بشكل عام ملازم لحياة الرجل او المرأة. وبالتالي وجود الانجذاب الجنسي بينكما سيكون دافعاً نحو علاقة طويلة الأمد. انا اعلم ان الانجذاب غالباً يتعلق بامور نفسية خارجة عن إرادتنا ولكن النظافة الشخصية، المظهر الخارجي الجيد، اللياقة البدنية والمحافظة على الصحة العامة، الكاريزما، هي بالتأكيد من الاشياء التي قد تجعلك شخص مرغوب بهِ.

    _ الخلاف أمر وارد الحصول: ولهذا كن هادئ وتذكر ان حل الامر يقع على عاتقك في المقام الاول كرجل في البيت يملك زمام المبادرة. على أي حال الخلاف امر صحي في كل علاقة. انه يعني انك تتواصل مع زوجتك، وحدوث التواصل يعني وقوع الخلاف. فمهما كانت درجة توافقكما من المحتمل ان تقعا في اختلاف وجهات النظر ولو كان بسيطاً.

    ولكن من المهم والضروي ان يثق احدكما في الاخر لتجاوز الامر. بعبارة جوردان بيترسون ” انت مشكلتي وانا مشكلتك ولن يترك اي منا الآخر مهما حصل؛ ولهذا عقد الزواج مقدس ويحضر فيه شهود.”

    _ انجاب الاطفال هو استثمار جيني: تذكر دائماً ان النوعية اهم من الكمية. احرص على ان تنجب طفل واحد او طفلان على اقصى تقدير، فكلما قل عدد اطفالك كلما زادت الموارد المالية الموجهة لصقلهم وبالتالي ارتفعت جودة التعليم الذي يتلقوه، والاهتمام الذي يحصلون عليه من طرف الأبوين. والعكس الصحيح اذ ما انجبت عدد كثير من الاطفال.

    _عامل زوجتك واطفالك كأصدقاء لك: لا تنسى انك رأس الهرم في المنزل. ولكن من المهم ان تكون العلاقة بينكما ودية واشبه بالصداقة بما يضمن نمو الاطفال نفسياً في بيئة صحية مناسبة.

    _انت الحامي للأسرة: يجب ان يخلق وجودك شعوراً بالأمان لدى الزوجة. كن حريصاً على اخفاء ضعفك عن اطفالك وزوجتك واحتفظ بهِ لنفسك فقط.[صدقني لا احد يود رؤيتك تبكي مثل الاطفال حتى اقرب الناس اليك]. تحب المرأة الرجل القوي ومن يعتمد عليه وشعورها بالامان يجعل أنوثتها تزداد بشكل كبير. فحاول ان لا تنسى ذلك.

    _ تجنب ترك الاطفال الذكور مع أمهاتهم فترة طويلة: لتجنب ظاهرة “Man-Child”: من المهم ان تدرك ان ترك الطفل الذكر مع والدته يعني الحصول على ذكر بالغ لا يزال يحمل سمات طفولية. ولهذا من الضروري ان يكون الطفل بقربك لبعض الوقت، وبشكل منتظم. فالقيم التي تحملها كذكر يجب ان تمرر الى ولدك من خلالك فقط.

    الدليل الموجز لأصول علاقة الرجل بالمرأة

    كوينتوس كورتيوس | ترجمة: بهاء محمد
    عندما يدخل المراهقون معترك الحياة ويبدؤون في لعبة العواطف، سيرتكبون اخطاء كثيرة حتماً. وقد كنت واحداً منهم، ولا زلت أرتكب الاخطاء بشكل مستمر. ولكن بحكم الخبرة التي اكتسبتها بمرور السنوات، فقد استفدت من بعضها في التعرف على الأخطاء التي ارتكبتها. معرفة الأخطاء هي اول خطوة نحو التصحيح. كنت اقرأ مؤخراً في باب “اللعبة The Game” على الموقع، الذي ذكّرني ببعض الحقائق الأساسية عن تفاعل الذكر-الأنثى، التي أرى أنها مهمة جداً وتستحق التأكيد، لأنها لن تتغير أبدا. لن تشعر بالملل من تكرارها، بل ستثبت في عقلك مع التجربة والخبرة الحياتية، ذلك أن النظرية غير كافية بلا تطبيق.

    إليك بعض الحقائق الأساسية حول الرجل والمرأة التي كنت اتمنى لو كنت أعرفها منذ عمر مُبكر:

    ١ـ طاقة الذكور تختلف عن طاقة الاناث

    طاقة الذكور تعمل على إزالة الحواجز والتغلب على العقبات وتحقيق الأهداف، هكذا شكّلنا التطور. بالطبع فإن الرجال منطقيون، يواجهون المشاكل بنهج مبني على افتراضات منطقية غرضها التغلب على الصعاب؛ ولكن النساء لا يشبهن الرجال.

    يخطئ الرجال لو توقعوا من النساء إن يستخدمن أنماط تفكيرهم. فطاقة النساء تتمثل بالعمل على الترابط وإقامة صلات عاطفية والانفتاح لتلقي الحب. فالنساء غير مقيدات بمنطق معين كما هو حال الرجال، ذلك أنهن يعملن على أسس عاطفية وبديهية. فالرعاية والعطف لا تعني كسر الحواجز والتغلب على الصعاب.

    حسناً، قد تقول في داخلك “ماذا يعني ذلك؟! إنا أعرف هذا من قبل.” ربما تعرفه أنت، ولكن الكثير من الاشخاص لا يعرفون تداعيات هذا الاختلاف في الطاقة بين الذكر والانثى. والفشل في تقدير هذا الفرق الجوهري يقود إلى مشاكل لا حصر لها.

    ٢ـ لن تعلمك النساء كيف تصبح رجلاً

    تتوقع منك النساء إن تعرف كيف تكون رجلاً. لا تحب النساء ان تُعلمْ الرجل كيف يصبح رجلا. (بالطبع فإن النساء هذه الايام ينسين هذا، فمعظم الرجال لم يتعلموا كيف يكونون رجالا، والمجتمع يحبط الذكورة بإصرار. يحق لهن أن يشكرن أخواتهن النسويات على ذلك طبعاً).

    عندما تخرج البنت مع رجل، لا تريد ان تأخذ قرارات كبيرة. كل ما تريده هو أن تخرج وتظهر بأفضل صورة، وتدعك تقود الطريق. تتوقع منك ان تبادر، وهذا ما يجب إن تفعله دائماً.

    ٣ـ أعرض عن إزعاج البنت بسلوك اليائس والمحتاج.

    عندما يلتقي رجل بامرأة لأول مرة فإنه يبدأ يرسم في ذهنه كل أنواع السيناريوهات حول ماذا سيفعل لها في المستقبل. الرجال بطبيعتهم مخططين منهجيين. وللمرة الثانية، التطور جعلنا هكذا. ولكن المشكلة مع هذه العقلية هي أنها يمكن أن تقود إلى سلوك مشبع بالعطش أو الحاجة أو اليأس.

    ينبغي أن تكون طريقة تفكيرك مركزة على نيل المتعة والجنس. هذا كل ما في الامر، وسأقولها مجددا: المتعة والجنس فقط. توقف عن التفكير في الاشارات واللفتات والمعاني السرية وراء الاشياء، لإن الرجال يشغلون تفكيرهم بها دائماً: حيث يفرطون في تحليل كل شيء.

    انس كل هذا! لا يجب عليك أن تبحث عن خطط محكمة ومحبوكة للأمور، وتحدد طبيعة العلاقة أو تدفعها إلى نوع من الالتزام. إذا كنت تبحث عن علاقة، تذكر إن المرأة بحاجة لوقت كي تسمح لمشاعرها نحو الرجل بالنمو، فمحاولتك لتسريع الامور ستؤدي إلى نتائج عكسية دائماً.

    عندما يتعلق الأمر بالمكالمات والرسائل، يجب عليك أن تضع الجزء الأكبر منها على المرأة. أعلم إنه شيء بديهي، ولكنه الخطأ الاكثر شيوعاً. فالرجال المتلهفون سيفجرون هاتف الفتاة بالمكالمات والرسائل. حباً بالله، توقف عن ذلك. مرة واحدة في الأسبوع قد تكفي وتزيد في البداية. وإذا كانت معجبة بك بالمستوى المطلوب، فإنها هي من ستتصل بك وتراسلك طوال الوقت.

    ٤ـ تكره النساء سلوك المحتاج واليأس

    بديهي؟ نعم: ولكن النساء فعلاً تكره هذا الشيء، سلوك المحتاج يخرب أي انجذاب.

    ولكن مرة أخرى، فهذا المبدأ يُنسى دائماً. الانجذاب ليس خياراً، ولو كان هناك انجذاب فيمكنك إن تشعر به إذا كنت تفهم إشارات الإناث، أما ما تفعله مع هذا الانجذاب فهو عائد لك.

    هل ستخرب الامر على نفسك؟ أم إنك ستتعامل مع هذا الانجذاب بثقة، وتعمل على استمراره بطريقة تقود إلى ممارسة الجنس؟ والأمر الأهم من هذا: تجنب سلوك المحتاج.

    الكثير من الرجال يخربون على أنفسهم، عبر الركون إلى أنماط سلوكية غير مسؤولة أو سلوكيات محتاجة. حيث يتصلون كثيراً ويستخدمون لغة جسد تظهر انعدام الثقة أو غير ذلك. أعتقد أن الكثير من هذه السلوكيات المحتاجة يصعب جداً نسيانها، لأنها بقايا صدمات في الطفولة. وأصعب شيء في العالم هو نبذ عادة سيئة مثل هذه. قلة من الرجال واثقون بطبيعتهم من أنفسهم؛ ولكن يجب عليك أن تتعلم كيف تفعل ذلك.

    ٥ـ لا تقبل أن تضعك البنت في ركن الصديق

    انت لست المثلي الذي تتخذه البنت كحبيبة. وعندما تحاول بنت إن تضعك في ركن الصديق، فامض بحياتك واتركها. لا تبق حولها أو ترض بوضعك الحالي كمثلي رفيق للفتاة. عليك أن تردها بقولك “لست مهتما بذلك الآن” أو شيء من هذا القبيل. لا أريد أن أكون صديقك، وأعلميني إذا غيرتي رأيك. وامض بحياتك.

    عليك إن تمضي في حياتك بجدية، ولا تندم على ما فعلت. فالفتاة بحاجة لمعرفة إنك تمتلك إطارا صارما لا تتعداه. تريد إن تعرف أنها إذا دفعتك إلى مكان غير مكانك اللائق، فإنك ستقاومها وتقول “أسف، هذا خارج حدودي”. وأكبر خطأ يقع فيه الرجال هذه الايام هو عدم رسم إطار صارم لتصرفات النساء.

    على البنت أن تعرف أنها إذا دفعتك كثيراً فستلاقي العواقب. فوقتك ثمين جداً. أما تصرفك كصديق مثليّ فلن يمنحك سوى مخدر، وسيخسرك وقتا ثمينا يمكنك تمضيته في البحث عن فتاة أفضل منها تستحق اهتمامك.

    ٦ـ لا تفصح عن كل مشاعرك

    النساء دائماً أكثر انجذاباً إلى الرجال الغامضين. ولذا فعليك أن تجعلها تعمل لإثارة اهتمامك. لا تفصح عن كل شيء. فحين تفصح عن كل مشاعرك، فإنك في الحقيقة تحرم البنت من رغبتها في الفوز بحبك. لا أحد يقدر الاشياء التي يحصل عليها بسهولة.

    ٧ـ افهم الغرض من الاختبارات المزعجة

    ستغرقك البنت بالاختبارات المزعجة باستمرار. هذه هي الحياة يا صاح. هذه هي طريقتهن في سبر غور الرجل، ومعرفة إذا كان الرجل المنشود حقاً، أو الرجل الذي سينهار ويستسلم. فهن يردن معرفة إذا كنت ستبقى ثابتا لا تتزحزح. وهذه الاختبارات تأتي بمختلف الاشكال والأساليب والنكهات، لكن القصد والهدف الرئيس منها هو الحفاظ على مكانتك ومركزك كرجل. لا تسمح لأي فتاة أن ترميك خارج إطارك الخاص. اجعل ردك ذكيا واثقا رافضا، مع شيء من روح الدعابة، ولكن لا تنس أبدا أن هدفها دائماً هو رؤية ردة فعلك.

    ٨ـ لا تدخل في نقاش مع فتاة حول اللعبة أو المواعدة

    أنت تهدر وقتك، فالنساء لا يتكلمن بصراحة في هذه الأمور أبداً، أو سيحاولن إرباكها أو تعطيلها. لا تقبل نصيحة بنت حول المواعدة أو العلاقة أبداً. فالنساء يرين الاشياء من منظورهن، وليس من منظور الرجل.

    ٩ـ اترك الهاتف جانبا

    الغرض من الهاتف هو تحديد المواعيد فقط. وليس الهدف منه خوض محادثات تطول لساعة، أو دردشة تطول لأكثر من ساعة، مع فتاة تحاول إن تخرج معها في موعد غرام. فالإكثار من المحادثات يقلل الانجذاب. كل الاشياء التي تريد قولها، يمكنك قولها لها وجهاً لوجه. أما الإكثار من الرسائل والمحادثات فسيقود البنت إلى جعلك كالصديق لها. أو ستفهم من هذا أنك تريد إن تنام معها فقط. تذكر: إن سلوك المحتاج والمتلهف هو الوقود لتغذية الفتاة بفكرة كونها غير شريفة.

    ١٠ـ اظهر بأفضل صورة

    لا يأتي المظهر الحَسَن لمن يفضل الراحة. كن دائماً على أهبة الاستعداد، في المقدمة، فالجميع ينظر إليك، ولن تحصل على فرصة ثانية. اجعل لباسك ولياقتك وأناقتك وطريقة تعاملك دائماً في القمة. الحياة قصيرة جداً، فلا تفسد فرصتك، وحين تراها لا تقف عاجزاً ولا تتردد. يُنتظر منك دائماً إن تبدو بحالة وزي ولباس جميل.

    كن متكلما لبقا واثق الخطوة. فالثقة مفتاح كل شيء. وأنت تعرف هذا، لكنك بحاجة إلى معرفته مرة أخرى، لِتعرف إذا كنت بحاجة لبرمجة عقليتك لتساعدك في الحفاظ على إطارك. اعتمد على فلسفة مفيدة مثل الرواقية أو البوذية.

    ١١ـ لا تتوقف أبداً

    ستستمر في اللعبة طوال عمرك، سواء أكنت متزوجا أم لا. فاللعبة لا تنتهي أبدا. فالنساء سيختبرنك ويتعرفن على خطوطك الحمراء. هذه هي طبيعة النساء، فاقبلها ولا تفكر ولو للحظة بأن بوسعك نسيان كل هذا، والجلوس فتي طريق ريفي في يوم مشمس وحيداً وأنت تستمتع بحريتك. فالحياة ليست للقلب الضعيف. واليوم الذي ستتوقف فيه عن اللعب، هو اليوم الذي ستتوقف فيه عن التنفس.

    ١٢ـ فكرة أخيرة

    بعد قراءتك لكل هذه الأساسيات، ستقول في داخلك: “أنا أعرف كل هذا.” ربما تكون على حق فيما تقول، لكن التحدي هنا هو وضع هذه الأساسيات موضع التنفيذ. فكل شخص يدعي معرفتها، لكنك في الممارسة سترى الأخطاء مراراً وتكراراً. لإن تنفيذ هذه المبادئ يقيدك بالانضباط والادانة.

    والأهم من ذلك كله: أنك ستعرف أن الحياة ليست سهلة، وستناضل حتى تكتشف أنه لا توجد طرق مختصرة ولا عصا سحرية.

    ما الذي يُتوقع من اليمين فعله؟

    مايكل أنيسيموف | ترجمة: أنور مكي

    بينما يعمل ناشطو اليسار وينفذون عملية تخريب العالم، هل يُفترض أن يمتنع عن اتخاذ أي رد فعل، وأن يراقبهم ويشجعهم بل ويساعدهم على هذا؟ من الناحية التاريخية، كان هناك غياب لـ “رد الفعل الرجعي” للأسف، أو كان موجود ولكن غير كافي أو ضعيف، ينقصه الناس والموارد المناسبة، وهذا في وقت كان المرض مازال في مراحله الأولى، وبالتالي قابل للإزالة عبر التطهير الفوري للبقع المريضة، لو جرى هذا بالشكل الذي كان يجب أن يجري به، فإن الدول الأوروبية مثلا كانت ستنجو من مصائب لا توصف.

    إن ما نحتاجه هو طليعة يمينية جديدة ترسم حدودًا واضحة بين الأصدقاء والأعداء. إن مصطلح “الرجعية أو رد الفعل الرجعي أو العودية” له دلالة سلبية طفيفة بطبيعته، فمن يقومون برد فعل لا يمتلكون مبادرة القيام بفعل ما من البداية، والفرد يستجيب أو يتخذ رد فعل بطريقة انفعالية أو دفاعية، وعند مواجهة شيء تأكد أو تم بالفعل. من ثمّ، من الضروري أن نوضح أن رد الفعل ليس مجرد تجنب لحركات الخصم بدون تقديم أي شيء إيجابي لمواجهته به. يمكن تجنب سوء الفهم هذا من خلال ربط صيغة “رد الفعل الرجعي” مع صيغة “الثورة المحافِظة”، وهي صيغة يبرُز فيها عنصر ديناميكي حركي واضح. إن “الثورة” في هذا السياق لم تعُد ترمز للإطاحة العنيفة بنظام شرعي قائم، ولكنها ترمز إلى فِعل يهدُف إلى التخلص من الفوضى الناشئة حديثًا، وإعادة تأسيس الحالة الطبيعية. أشار جوزيف دو مايستر (Joseph De Maistre) إلى أن ما نحتاجه أكثر من “الثورة المضادة” بمعناها الانفعالي الصارم، هو “مضاد الثورة”، أي الفِعل الإيجابي المستلهم من الأصول الماضية. إن طريقة تطور الكلمات عجيبة، فبعد كل شيء، تعني الثورة بمعناها اللاتيني الأصلية “الدوران”، أي الحركة التي تؤدي إلى نقطة البدء مرة أخرى..أي إلى الأصول. من ثم، فإن قوى التجديد “الثورية” التي يجب استخدامها ضد الموقف الحالي يجب أن تكون مشتقة من الأصول.

    “الرجعية أو رد الفعل الرجعي أو العودية” في جوهره لا يدور فعليًا حول الاستجابة لأي شيء، ولكنه يهدف ببساطة إلى استعادة النظام الطبيعي، أو كما يقول إيفولا: “حركة تؤدي مرة أخرى إلى نقطة البدء وإلى الأصول”. قال أيضًا: “إن مبادئي هي أن مَن وُلِدوا لأسرة نبيلة – قبل الثورة الفرنسية – هم فقط من اعتُبِروا عاقلين وطبيعيين”. كانت هذه المبادئ مقبولة قبل الثورة الفرنسية، ولكنها لم تكون مقبولة قبلها وحسب، بل ظلت مقبولة بعدها لأكثر من مائة عام في أجزاء واسعة من وسط أوروبا، وخاصة النمسا وهنغاريا وألمانيا، وخلال 47 عامًا من بدء توزيع جائزة نوبل (1871-1918)، حصلت الإمبراطورية الألمانية على جوائز نوبل في العلوم أكثر من “بريطانيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة مجتمعين. بالتالي فإن هيمنة ونجاح الدولة التقليدية إلى حد كبير، والقائمة على التسلسل الهرمي والنظام، ظهر بوضوح على مدار فترة قريبة لم يمر عليها 95 عامًا. هذا دون ذِكر إنجازات النمسا وألمانيا في الثقافة والعمارة والموسيقى والفنون خلال قرون تاريخهم المَلَكي الطويل.

    سُميت “الرجعية أو العودية” بهذا الاسم بسبب حدث تاريخي وهو نهاية الحرب العالمية الأولى بتدمير الملكيات الأوروبية الثلاثة العظيمة الباقية، وهي الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النسمـ-هنغارية، وروسيا الإمبراطورية. لو اختلفت نتيجة معركة مارن، وهو احتمال كان قائمًا حينها، فربما ظلت هذه الدول باقية حتى يومنا هذا، وكانت “الرجعية أو العودية ” سيُطلق عليها ببساطة “نمساوية” حينها.

    يحاول مؤيدو الديموقراطية إعادة كتابة التاريخ والإشارة ضمنًا إلى أن مبادئ التنوير غير متوافقة بشكل جذري مع المَلَكية، ولكن هذا غير صحيح تمامًا. كان لفولتير علاقة وثيقة بعدد من أفراد العائلات الملكية، بما فيها الملك فريديك العظيم وكان يقدم له المشورة بانتظام، بالرغم من أن فولتير يُعَد واحد من أعظم مفكري التنوير. إن الازدهار الاقتصادي والثقافي الذي حققته الملكية البائدة في فرنسا هو الذي خلق الظروف التي ساعدت على ظهور التنوير والثورة العلمية. بدأ كل هذا قبل فترة طويلة من الثورة الفرنسية. كان هناك مجموعة كبيرة من أفراد العائلات الملكية الذين أُطلق عليه “ملكيو التنوير” بسبب درجات التزامهم المتفاوتة بمبادئ التنوير.

    إن “الرجعية أو العودية” لا تعني في جوهرها معارضة أي شيء، ولكنها تعني تقديم مبادئ إيجابية للاستقرار والنجاح الحضاري – حكومات قائمة على القيم وليس المال فقط، ومبادئ تقليدية تتسم بالتسلسل الهرمي والسلطة الذين يعززون النظام، والنظرة المستقبلية طويلة المدى القائمة على النبالة المتوارثة بين الأجيال وليس دورة انتخابات كل أربع سنوات، وغيرها الكثير. تعني قادة يقودون حقًا ولا يتبعون الرأي الشعبي ببساطة. إن الفكرة كلها بسيطة للغاية، وظلت قائمة بذاتها لآلاف السنوات بدون أي تعارض مع أي شيء إلا الفوضى وحكم العصابات. إن “الرجعية أو العودية” تقف وحدها لأنها قائمة على ما هو طبيعي وفطري.