اليمين المحافظ – على ماذا يحافظ؟

لم تَعُد الرواية الكلاسيكية عن جلوس طبقة النبلاء إلى يمين الملك الفرنسي إبان الثورة الفرنسية بوصفهم مؤيدين للملك والملكية إزاء أولئك الجالسين إلى اليسار بوصفهم مؤيدين للطبقات المسحوقة والحقوق الفردية كافية لوصف جذور تيار اليمين – أو تيار اليسار بطبيعة الحال – أو بيان أحوالهم ورؤاهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالتياران مرّا وما زالا يمرّان بمراحل وأطوار ما لبث البعض منها يتبدل ويتغير والبعض الآخر يترسخ أو يزداد صلابة. لذا فإن العودة إلى رواية جلوس الطرفين على جانبي الملك ليست سوى سردية مجردة وخاوية لا تقدم وصفًا جذريًا مفعمًا للوقوع على أحوال هذين التيارين المهيمنين على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية في عصرنا الحالي.

وعلى هذا الأساس تحديدًا – أي أساس الابتعاد عن التجريد – نسأل: اليمين المحافظ، على ماذا يريد الحفاظ؟ الإجابة المجردة عن هذا السؤال هي: لقد أراد جناح اليمين الحفاظ على الملكية والتراتبية الطبقية التي كانت قائمة في القرن الثامن عشر وما قبله وبعده بمُدَدٍ وجيزة. أما الإجابة العقلانية فهي: أي يمين محافظ نقصد؟ وهل عاد هناك يمين [محافظ]؟ وإذا كان هناك يمين محافظ؛ فهل يحافظ على قيم اجتماعية، مبادئ سياسية، رؤى اقتصادية، أم نواميس القبيلة وتقاليد الأرستقراط؟ لقد بات اليمين [المحافظ] فرعًا باليًا من أفرع التيارات اليمينية في مختلف الأقطار، ولم تَعُد هناك أساسًا حاجة لمرادفة [المحافظ] اللهم إلا إذا قُلنا [المتحفظ] – لأن الحفاظ على الأفكار والرؤى المتعلقة بالمجتمع والسياسة والاقتصاد لم تَعُد رهن طبقة اجتماعية عُليا تفرض رؤاها على طبقات أدنى – ولهذا صار تيار اليمين السياسي [يتحفظ] على بعض القرارات الحكومية فيما يتعلق بالسياسة أو الاقتصاد وليس من شأنه [الحفاظ] على شيء. أما القيم الاجتماعية فلم تَعُد هي الأُخرى ترتهن بمركزية الدولة أو حاشية الملك أو أتيكيت البلاط. وبالتالي فليس هناك فرد يدّعي انتمائه لتيار اليمين ويصرح بأنه يمسك بزر أو مقبض يمكنه من الحفاظ على تقاليد أو عادات أو قيم اجتماعية معينة، سواء كانت سامية أم سافلة، فهنا، في هذا المضمار، القول الفصل هو للجينات، للتسافل والتسامي الجيني، وليس لليميني عصا سحرية أو مقبض يربط به المجتمع فيوجهه أنّى شاء. تبقى ميادين السياسة والاقتصاد هي ميادين الصراع المحتدم بين اليمين وخصومه. وهنا يتوجب التذكير مرة أُخرى بأنه ليس شرطًا أن يكون يمينًا محافظ. فالتسمية المترادفة [يمين] و [محافظ] ليست تسمية دالّة على المعنى صراحة، على أن هذا الترادف لم يَعُد مُلزِمًا لذكر اليمين، فقد انبثقت وتطورت أفرع كثيرة من التيار اليميني وصار لها شأن وصوت مسموع، وآخرها هو فرع اليمين (العودي) الجديد الذي يقوده أمثال آلان دو بنوا وتوميسلاف سونيتش وآلان دوغاتكن وكرتيس يارفن وغيرهم. وهناك اليمين المعتدل الذي يحب معتنقوه أن يُنعَتوا بالليبراليين من أمثال توماس سويل وميلتون فريدمان وجوردن بيترسون. وهناك اليمين التحرري الذي يقوده هانز هيرمان هوبه ويشترك معه ميلتون فريدمان أيضًا.

على عكس المفهوم الشائع القائل أن اليمين بوصفه [محافظًا] يريد الحفاظ على قيم أو عادات اجتماعية معينة، فإن اليمين لا ينظر إلى المجتمع بصفته طبقة واحدة ينبغي الحفاظ على عاداتها وتقاليدها، أو أنه مصدر السلطة والتشريع الأساس. إذ يُعارض توماس سويل الهندسة الاجتماعية، ويعارض هانز هيرمان هوبه اتخاذ المجتمع مصدرًا أساس للتشريع والسلطات، ويشاطره سونيتش الرأي في ذلك، ويعارض آلان دو بنوا التدخل أساسًا في الشؤون الاجتماعية لفرض أنماط معينة أو رفع غيرها. بل أن اليمين ينظر إلى المجتمعات المعاصرة كما ينظر إلى المحتضر، ولا يعول عليها في شيء من الصلاح أو العَمار، لأنها باتت رهينة التسليع والتماثل الذي أنتجته أيديولوجيا العولمة. وبالتالي

وبالتالي فلا يرى اليمين أية عادات أو تقاليد أو أنماط اجتماعية ينبغي الحفاظ عليها – وليست هذه وظيفته أو مهمته على أي حال – لأنه لا يرى في المجتمع أداة لتمرير أجندته أو دعايته، ولا يتخذ من الشعبوية التي تلعب على أوتار العامّة من الأهالي نمطًا للتسويق أو التنظير أو الترويج. فمهمة اليميني – أو همَّه الشاغل – هو العيش في مجتمع ينعم فيه بأسباب الراحة وليس أن يوفر له المجتمع وسائل الراحة. لذا فهو لا يسعى إلى تغيير المجتمع أو الوثوب للدفاع عن تقاليده أو عاداته أيًا كانت. ولكي ينعم بأسباب الراحة ينبغي أن يعيش حياة طبيعية خالية من التكلف والمحاباة والمركزية الشمولية والشعبوية والأيديولوجيات والانصهار مع العولمة التماثلية. لذا يمكننا اعتبار همّ اليميني هو العودة إلى الطبيعة في عالم بات يعتبر الطبيعة أشد أعدائه – ولهذا يصف نيكولاس جوميز دافيلا نفسه بالرجعي/العودي.

تلاوات من الذكر الديمقراطي الحكيم

عندما تأسست عصبة الأُمم على أيدي الحلفاء في أعقاب انعقاد مؤتمر باريس للسلام عام 1919 كانت أهدافها واضحة: تعزيز السلام والحد من التسليح وحل الصراعات الإقليمية – وما إلى ذلك من عناوين تهدف إلى تحقيق السلام العالمي. إلا أن هذه العناوين وما تبعها من صياغات قانونية واتفاقية وتعاقدية لم تسري على الحلفاء أنفسهم، بحيث أنهم قرروا تقسيم الشرق الأوسط إلى مستعمرات توزَّع عليهم حسبما شاؤوا في ذات الوقت الذي أقرّوا فيه “تعزيز السلام” و “الحد من التسليح” و “القضاء على العبودية” و “حق الشعوب في تقرير المصير”. لذا فأن عصبة الأُمم كانت منذ التأسيس جمعية دولية تخدم مصالح الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الأولى، وتُحلل ما يحللونه وتُحرم ما يحرمونه. لكن وكما عودتنا الأديان الإبراهيمية، فإن الحرام لا يسري على الأنبياء: وهكذا فإن أنبياء عصبة الأُمم الأوائل حاولوا تطبيق استراتيجية نزع السلاح على الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى من خلال معاهدة فرساي. في حين لم يكونوا هُم أنفسهم راغبين بتطبيق تلك الاستراتيجية على أنفسهم لاعتبارات شتّى. وفي حين كُنّ فرنسا وبريطانيا هُنّ القوتان المهيمنتان عالميًا، فليس من المستغرب أن تكونا أيضًا القوتان الأكثر نفوذًا وهيمنة في العصبة، بل والمؤسِسَتان لها منذ البداية. لذا فليس من المستغرب أن تُقسم كل من فرنسا وبريطانيا دول وبُلدان الانتداب فيما بينهما وتذهبان إلى الدخل العسكري لفض نزاعاتهن باسم العصبة عوضًا عن انتهاج استراتيجية فرض العقوبات على سبيل المثال.

لذا وكما رأينا فإن عصبة الأُمم كانت منذ التأسيس روضة مقدسة يوحي بها الحلفاء ما يوحون به من آيات محكمات لا يأتيهن الباطل. وأن تلكم الآيات لن تسرين على مُنزليهن بالطبع! ولكن على أي حال فإن عصبة الأُمم لم تستمر طويلًا، وقد أدّت إخفاقاتها ونقاط ضعفها إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية التي جعلت من أوروبا حفرة من الجحيم والخراب. لكن حل عصبة الأمم في عام 1938 تبعه تأسيس جمعية الأمم المتحدة في عام 1943 بنفس المهام والآليات، وتخيل؛ على أيدي نفس الحلفاء! بل وهذه المرة بمهام أوسع وصلاحيات أرفع. ومن رحم ديانة الأُمم المتحدة ولِد فقه حقوق الإنسان ومذهب مجلس الأمن الدولي وشريعة محكمة العدل الدولية وما إلى ذلك من الهياكل المتوالدة. ولكن من الذي يحدد أُطر حقوق الإنسان؟ فقهاء الأُمم المتحدة. من الذي يشرعن العدل ويقيمه؟ فقهاء محكمة العدل الدولية. من الذي يختار امتلاك أسلحة ذرية من عدمه؟ فقهاء الوكالية الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. من الذي يمنحنا حق تناول الأدوية من عدمه؟ فقهاء منظمة الصحة العالمية التابعة للأُمم المتحدة. وبالمثل مع صندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية وعددت ما شئت. إلا أن بذرة التأسيس الأولى لم تتغير: الحلفاء هُم المؤسسون > القوانين التي يشرعها الحلفاء لا تسري عليهم بالضرورة > شنّ الحروب وتعيين الانتدابات والاستعمار من حق الحلفاء فقط.

وهكذا ليس من المستغرب أن يظهر مراسل محطة CBC ويقول على الملأ مندهشًا أن المدنيين الأوكرانيين الذين يقبعون تحت نير الحرب اليوم هُم ليسوا “عراقيين” ولا “سوريين” بل “شعب متحضر ذي عيون زرقاء”. ذلك أن الأدبيات والسرديات التي ترعرع عليها هذا المراسل لقّنته أن فقه الإنسان وحقوقه هو وحي سماوي نزل على الغرب وحده، على الحلفاء وحدهم، وكل من سواهم خارج دائرة الفقه الإنساني أو على الأقل لا يضيره القصف بالصواريخ أو الفسفور أو القنابل الذكية التي تخترق الملاجئ. وبالمثل، لم يلقي جنود شركة بلاك ووتر بالًا لسحق المدنيين العراقيين وارتكاب المجازر بحقهم، لأنه لُقِّن على أن البشر الذين يقطنون خارج حدود الغرب لا يندرجون ضمن فقه حقوق الإنسان أو شريعة المظالم الإنسانية طالما أن عيونهم ليست زرقاء ولا يعرفون شيئًا عن الموز أو الأناناس أو الإنترنت.

إن اتباع طريق البراغماتية والنفعية السياسية ومراعاة المرء لمصالح بلده ليس أمرًا مشينًا بالضرورة. إلا أن المشين هو التلون والالتفاف على القوانين والتشريعات التي يُفترض أن يلتزم بها العالم أجمع. وهذا هو بالضبط ما فعله – ولا يزال يفعله – الحلفاء، سواء الأولين منهم أو اللاحقين. فصار من حق الحلفاء وحدهم تعيين الجاني والمجني عليه بغض النظر عن الواقع. وصار من حقهم وحدهم إدارة المسرحيات الدولية والخروج منها حتّى وإن فسد العرض وتحول إلى تراجيديا قاتمة. فما الذي لحق بأمريكا حينما تدخلت عسكريًا في حرب الخليج الأولى وأفنت البنية التحتية للعراق وأرجعته إلى العصر الحجري بحسب تعبير وزير دفاعها آنذاك؟ هل خسر صدام حسين في حينها ولو ربطة عنق أحرقتها صواريخ سكود التي أمطرت بغداد؟ كلا. إن الذي تهدم وأُفني هي المؤسسات والبُنى التحتية التي يعتاش عليها شعب العراق بالكامل: المصافي والآبار النفطية؛ دوائر الاتصالات والتلفزيون؛ ملجأ العامرية ومئات الأطفال الذين أحرقتهم صواريخ ديانة الديمقراطية وهُم أحياء؛ دوائر ومحطات الكهرباء؛ دوائر ومحطات المياه؛ من ثم حصار جائر أمات الأطفال في مهودهم وأحرق أكباد الثكالى وجعل جيل كامل من البشر ينشأ ويترعرع وهو لا يعرف شكل أو طعم حبة الموز أو الأناناس.

ثم ماذا جنت أفغانستان من التدخل العسكري الأمريكي؟ ولماذا تدخلت أمريكا أصلًا في أفغانستان؟ لأنها كانت مطمع للاتحاد السوفيتي المنافس للحلفاء. كيف عالجت أمريكا هذا التنافس؟ مولت الجماعات الإسلامية بالمال والسلاح لتقاتل القوات السوفيتية؛ من ثم فرخت طالبان والقاعدة وبفية الحكاية لا تحتاج إلى سرد.

ثم ماذا عن اجتياح العراق في عام 2003؟ هل حصلت أمريكا على تفويض الأُمم المتحدة؟ كلا. رفض مجلس الأمن الدولي التصويت بالأغلبية على قرار الاجتياح. ومع هذا ضربته أمريكا بنعلٍ قديم وأخذت زمرتها وراحت تدخل العراق. ما الذي ترتب على ذلك؟ لا شيء؛ فأمريكا نبي من أنبياء الأمم المتحدة، وليس على النبي حرج. ماذا ترتب على مجازر شركة بلاك ووتر الأمريكية في العراق؟ لا شيء؛ لأنها من آل بيت النبي. ماذا ترتب على استخدام الفسفور في معارك الفلوجة التي لا زالت آثارها ظاهرة إلى اليوم؟ لا شيء؛ لأن أسلحة النبي مُسددة من الله، وما رمى إذ رمى ولكن الله رمى.

إن المشهد السياسي العالمي منذ مطلع القرن العشرين هو عبارة عن أيديولوجيا مقدسة يدّعي الحلفاء المؤسسون للأمم المتحدة أنهم أنبياؤها والحواريون هُم من انضموا إليهم فيما بعد. فما من طرف يحيد عن شريعتهم إلا وكان نصيبه الزندقة والتكفير والعقوبات الدولية والحصار. بل أنهم صاروا يطبقون هذه الشريعة حتّى على شعوبهم: فمن يتظاهر لأجل حياة السود هو خير المؤمنين وإن خرّب وهدّم وحطّم وسرق، ومن يتظاهر لأجل المطالبة بتخفيف بعض القيود أو السياسات الحكومية هو أخسر الخاسرين وأضلهم سبيلا.

توماس سويل – حذاقته وحكمته

هذه جولة قصيرة بين بعض من السطور التي خطتها أنامل واحد من أعظم اقتصاديي عصرنا

فليس هناك سوى القلة من علماء الاجتماع القادرين على صياغة أفكارهم في مثل هذه التعبيرات اللاذعة التي يطلقها سويل، والذي يُعد واحد من الاقتصاديين العظماء، والذي احتُفي بأفكاره مؤخرًا في كتاب السيرة الذاتية المعنون (المنشق). ومن بين عديد الاقتباسات البارزة التي صدرت عن سويل، اخترنا لكم ما يلي:

  • لقد حرصت على تجنب الاشتباك مع الكليات على مدى الخمسة وثلاثين سنة الماضية، إذ إن الحرم الجامعي يُعد المكان الأكثر تعصبًا في أيامنا هذه.
  • إن أي برنامج تعليمي سيُعد “نجاحًا” على الدوام إذا ما حُكِم عليه بواسطة أولئك المشرفين عليه.
  • كانت هناك مشكلة معرفية متأصلة في ذلك النظام [السوفيتي]. حيث، وباختصار، لم يكن أولئك الذين على رأس السلطة يحوزون على المعرفة، ولم يكن أصحاب المعرفة يحوزن على السلطة.
  • إن الكثير مما يُسمى “بالمشاكل الاجتماعية” ينطوي على حقيقة أن المثقفين لديهم نظريات لا تتناسب مع العالم الواقعي. وانطلاقًا من هذا فإنهم يخلصون إلى أن العالم الواقعي هو المنحرف الذي بحاجة إلى تغيير.
  • هناك الكثير من التوكيدات والاستنتاجات التي رُدِدت مرارًا وتكرارًا، ولكن التكرار لا يُعد بديلًا للحقائق!
  • لقد بدأت يساريًا بالطبع وآمنت كثيرًا بتلك الأشياء. غير أن الشيء الوحيد الذي انتشلني كان اهتمامي بأهمية الحقائق على الدوام.
  • لقد صنعت ما يكفي من الأعداء ليسببون لي المشاكل وما يكفي من الأصدقاء لتخليصي منها.
  • هنالك نصيب مفزع لتحسين صورة السود، ولكنك بحاجة إلى تحسين الواقع وليس الصورة.
  • لم أفكر مطلقًا بأن كوني أسود البشرة يجعل مني سليطًا في المسائل العرقية.. من ثم شرعت بقراءة ما يقوله [المتخصصون] حيث تبين أن أغلبه هراء، من ثم فكرت: “يا إلهي، لقد حان الوقت لنتدخل نحن الهواة لتقويم هذا الأمر”.
  • في جامعة هارفارد، “غالبًا ما تحل الافتراضات المتجعرفة محل الأدلة أو المنطق […] وقد أغاظتني محاولات جماعة هارفارد الجُهال لهضمي، بناء على افتراض أن الشرف الأسمى الذي يمكن أن يمنحوه لي هو السماح لي بأن أصبح مثلهم”.
  • حتّى “وأنا في ذروة اعتناقي الماركسية، كنت قد قرأت ويليام باكلي وإدموند بيرك، لأنني هضمت في المدرسة، ولا سيما في فصل العلوم بالصف التاسع، فكرة الدليل، وأهمية الدليل والحاجة إلى اختباره”.
  • لقد قام المثقفون بإضفاء الطابع الرومانسي على الثقافات التي تركت شعوبها غارقة في الفقر، الجهل، العنف، والوباء والفوضى، في حين وصموا الثقافات التي تصدرت العالم في الرفاهية، التعليم، التطور الطبي، والقانون والنظام. إذ يمنح المثقفون الأشخاص الذين يعانون إعاقة الفقر مزيدًا من الإعاقة للشعور بدور الضحية.
  • لقد رأيت أن العقبات التي تحول دون تقدم السود تنطوي على أكثر من مجرد تمييزهم من قِبل البيض.
  • يزعجني أننا نبدو وكأننا نسعى باستمرار إلى نيل مصادقة ومقبولية البيض – أي شخص أبيض في المجمل، وفي أي مكان.
  • إن الدعوات الجارية لمعاملة [السود] معاملة خاصة هي أحد علامات السلوك الذي يحتاج إلى التغيير وأن مثل هذه المعاملة ستكون عقبة كبيرة أمام التغيير الضروري.
  • ينبغي على الأشخاص الذين كانوا يحاولون لسنوات أن يخبروا الآخرين بأن الزنوج لا يختلفون في الأساس عن أي أحد آخر ألا يغفلوا عن حقيقة أن الزنوج مثل أي شخص آخر يريدون شيئًا مقابل لا شيء.
  • أتساءل أحيانًا عما إذا كان يجب على الأشخاص السود منا ألّا يفكروا في إعلان نوع من العفو الأخلاقي عن البيض المذنبين، فقط حتى لا يستمروا في قول وفعل حماقات لعينة تخلق مزيدًا من المشاكل.
  • إن التشديد على التعليم يروق لي، ولكن في كثير من الأحيان فإن “التعليم” يعني علاقات الطلاب العامة، وهذا محكوم بمدى الإبقاء عليهم سعداء عوضًا عن مقدار ما يتعلمونه.
  • إنه لأمر محزن أن نسمع أفكارًا يروج لها بوصفها “جديدة”! في حين أن استنتاجاتها الأساسية كانت شائعة في الـ 1840 ـنات أو الـ 1790 ـنات – وقد تم تفنيدها بحلول الـ 1920 ـنات.
  • إن الخطاب المتشدد الحالي، والصلاح الذاتي وأسلوب هي أمور قديمة بالنسبة لي على نحو مؤلم. فلقد رأيت نفس الترنيمات، ونفس الإيقاعات، ونفس تقنيات التلاعب بالجماهير.. ورأيت ذات المسيح/ات اللاهثين يقودون سيارات الكاديلاك خاصتهم وتُنشر صورهم في الصحف.
  • يمكنني أن أتذكر أحد زملائي في السكن الجامعي وهو يقول لي إن شيئًا ما فعلته في جامعة هارفارد أغاظ الناس على نحو خاطئ. فقلت له: “لا يمكن إرضاء كل الناس طوال الوقت”. فقال لي: “أنت لا تُرضي أيًا من من الناس في كل الأوقات”.
  • إن ازدواج المعايير في المراتب والدرجات هو سر مفضوح في عديد الجامعات، وهي مسألة وقت فقط قبل أن يصبح سرًا مفضوحًا بين الموظفين أيضًا. يمكن أن يكون السوق قاسيًا في خفض قيمة الدرجات التي لا تعني ما تشير إليه. وينبغي أن يكون جليًا لأي شخص لا يعميه نبله أن ذلك يقلل أيضًا من قيمة الطالب في عين نفسه.
  • مثل عديد الأشياء الأُخرى، يمكن أن تكون دراسات السود نافعة بوصفها مصدر وكارثية بوصفها صنم. إذ لا يمكنها أن تحل محل المهارات الفكرية الأساسية أو أن تبرر الانسحاب من المنافسة مع الطلاب البيض.
  • لقد كنت أقرأ جيمس بالدوين مؤخرًا، وبصراحة لا يمكنني رؤية ما الذي يدور حوله كل هذا الصراخ؟ وهذا يذكرني بطفل كنت أعرفه في المدرسة قال بعض الأشياء الحذقة وكان أسود، وبالتالي فقد كان عبقريًا.
  • يستطيع بالدوين أن يكتب بمهارة ومَلَكة شعرية، سوى أن مواهبه لا تتضمن التفكير التحليلي. باختصار، إنه يتمتع بموهبة جيدة في تلك المناطق التي يوجد فيها إسهاب بالفعل، ويفتقر بشدة إلى الأدوات اللازمة لإحداث تغيير في مشكلة العِرق. إذ يعطي بالدوين محتوى عاطفيًا لأولئك الذين يشعرون كما يشعر هو، ولكن يصعب تخيل أنه بإمكانه تغيير رأي أي شخص.
  • إن إحدى الحقائق الغريبة عن الاقتصاديين الكلاسيكيين هي أن معظمهم كانوا أعضاء ضمن مجموعات الأقليات […] ومهما كانت ثرواتهم الشخصية متفاوتة، فإن هؤلاء الرجال لم يكونوا أبدًا أعضاء كاملي العضوية في التكوين.
  • بوصفي مؤلف لكتب دراسية عن الاقتصاد التمهيدي – أحدهم مليء بالمخططات والرسوم البيانية والآخر بدون أي منهما – فإني أعرف من التجربة أن الطريقة الثاني هي أصعب بكثير في الكتابة.
  • إن السؤال الأكثر أهمية ليس ما هو الأفض، ولكن [من] الذي يقرر ما هو أفضل؟
  • لا يُكافأ المثقف على سعيه نحو الحقيقة بقدر ما يُكافأ على استعراض قدرته العقلية.
  • المزيد من العدالة للجميع هو تناقض فثي المصطلحات.. “المزيد” من العدالة في مثل هذا العالم تعني المزيد من الفرض القسري لنوع معين من العدالة – مما يعني حرية أقل. لذا فالعدالة المُثلى في مثل هذا السياق تعني الاستبدادية المُثلى.
  • لقد استمر انتشار السلطة السياسية القومية في كل ركن وزاوية عبر حملات من أجل “عدالة اجتماعية” أكبر.
  • إن الأمر لا يعود لميكافيللي أو أفلاطون أو أي شخص بينهما ليتمكنوا من فرض حكمتهم الفائقة على الآخرين. ذلك لأن الإجراءات المنهجية في الساحة التجارية تجعل تدخلاتهم في كثير من الحالات غير ضرورية، وفي حالات أُخرى ضارة على نحو سلبي.
  • لدي ثقة في ما يمكن أن يفعله السود إذا أُتيحت لهم الفرصة تفوق ثقة الأشخاص الآخرين، والذين يعتقدون أن السود يجب أن يُقادون باليد أو أن تعطيهم الحكومة شيء ما على نحو مباشر.
  • إن أعظم ما أنجزته منظمات الحقوق المدنية هو إبعاد الحكومة عن إسناد السود […] فعندما حاولوا جعل الحكومة تلعب دورًا إيجابيًا، كما يُسمى، كان هذا هو المكان الذي لم يفشلوا فيه وحسب بل خرجوا بنتائج عكسية.
  • إن ما يفعله نظام الرعاية الاجتماعية وما شاكل من البرامج الحكومية هو دفع الناس للفشل. وبقدر ما يفشلون فإنهم يتلقون المال. وبقدر نجاحهم، حتى إلى حد معتدل، تؤخذ منهم الأموال.
  • لم أتمكن من العثور على دولة واحدة في العالم أدت فيها السياسات التي تدافع عن السود كما في الولايات المتحدة إلى انتشال أي شخص من براثن الفقر.
  • عندما تريد أن تساعد الناس فأنت تخبرهم بالحقيقة، وعندما تريد مساعدة نفسك فأنت تخبرهم ما يودون سماعه.
  • قد يُنظَر إلى مداخيل اليهود التي تأتي أعلى بكثير من ذوي الأصول الأسبانية في الولايات المتحدة بوصفها دليل على أن معاداة اللاتينيين أقوى من معاداة السامية إذا ما اتبع المرء منطق رؤية الحقوق المدنية. سوى أن هذا التفسير أُضعِف إلى حد كبير بسبب الرخاء الأكبر لليهود مقارنة باللاتينيين في البلدان اللاتينية.
  • إن “الأهمية التاريخية لحقبة الحقوق المدنية تتمثل في كونها أكملت الثورية الأمريكية بجعلها تنطبق على جميع الناس”.
  • بالنسبة للكثيرين، فإن “التمييز” و “العنصرية” ليستا حقائق جزئية بل حقائق كاملة، ليست مجرد أشياء لتُعارَض بل تفسيرات للتشبث بها، مثل غطاء أمني.
  • يدعو التمييز الإيجابي إلى التشكيك في كفاءة جميع السود من خلال محتاولة مساعدة بعض السود!
  • بعد أن أُجبِرت بالولادة أن أكون على الطرف المتعرض للتمييز لسنوات عديدة، فليس باستطاعتي أن أجد البراعة اللازمة لتبرير التمييز الآن […] وإذا اختزلت هذه القضية الآن إلى سؤال عملي حول من الذي يُنطَح ثوره، فما هو الحق الذي أمتلكه لأكون ساخطًا من قبل؟
  • عندما كان بيل ألين رئيسًا لمجلس إدارة جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس رفض بعنف تعيين أي شخص على أساس المحاصصة العرقية – وبالتالي فقد مكنّني من القدوم إلى هناك بعد عام ورأسي مرفوعًا.
  • قد يكون التجدد الأخلاقي للبيض مشروعًا مثيرًا للاهتمام، لكنني لست متأكدًا من امتلاكنا الكثير من الوقت لتجنبه.
  • أتذكر أنني كنت أفكر بأنني آمل أنه في غضون 20 عامًا لن أضطر إلى أن أكون أحد الأشخاص الذين يقولون كل هذه الأشياء، وأتقبل الصيحات والصرخات وما إلى ذلك، لأنه سيكون هناك مجموعة من الناس الجدد، وأملت بأن يكونوا أكثر شيوعًا. غير إن هذا لم يحدث.
  • إن احترام الذات هو الشيء الأكثر أهمية. فمن دونه يكون تزلف العالم أجوفًا. ومعه، فحتى الهجمات السامة تشبه مرور الماء من على ظهر البط.

ترجمة: غسان مازن.

حقوق المقال الأصلي محفوظة لموقع ناشيونال ريفيو: https://www.nationalreview.com/

إعادة الضبط الكُبرى، الجزء الثاني: الاشتراكية المتحدة

هذا المقال هو الجزء الثاني من هذه السلسلة، إذا لم تقرأ الجزء الأول بعد يمكنك قراءته من هنا

كما سبق وأن أشرت في المقالة السابقة، فإن إعادة الضبط الكُبرى، فيما لو نجح مهندسوها، فسوف تنطوي على تحولات في جميع مفاصل الحياة تقريبًا. وسوف أكتفي هنا بمناقشة الشؤون الاقتصادية لإعادة الضبط الكُبرى كما روج لها المنتدى الاقتصادي العالمي إضافة للتدابير التي اتُخذت مؤخرًا لتمرير هذه الخطط.

إن الاشتراكية يمكن أن تنقسم إلى جانبين كما سبق وإن اقترح فريدريك هايك في مقالته التمهيدية للتخطيط الاقتصادي الجماعي: الغايات والوسائل.1 والوسائل الاشتراكية هي التخطيط الجماعي، في حين أن الغايات، على الأقل في ظل الاشتراكية البروليتارية، هي الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والتوزيع “العادل” أو “المتساوي” للمنتجات النهائية. وقد اقترح هايك في سياق التمييز بين هذين الجانبين من أجل تنحية مسألة الغايات جانبًا والتركيز على الوسائل، أن التخطيط الجماعي يمكن أن يُكرّس لخدمة غايات أُخرى غير تلك المرتبطة بالاشتراكية البروليتارية: “دكتاتورية أرستقراطية، على سبيل المثال، قد تستخدم نفس الأساليب لتعزيز مصلحة بعض النخب العرقية أو أي نخب أُخرى، أو قد توظَف لخدمة بعض الأغراض الأُخرى المناهضة للمساواة”2. وقد يواجه التخطيط الجماعي مشكلة الحساب أو قد لا يحدث ذلك، فالأمر يعتمد على ما إذا كان سيتم الاحتفاظ بسوق عوامل الإنتاج من عدمه. وإذا ما تم الحفاظ على سوق لعوامل الإنتاج فلن يتم تطبيق مشكلة الحساب بصرامة.

وفي حين لا يهدف المخططون الجماعيون لإعادة الضبط الكُبرى إلى القضاء على الأسواق من أجل عوامل الإنتاج، فإنهم يقصدون بدلًا من ذلك دفع الملكية والسيطرة على أهم عوامل الإنتاج إلى أولئك المدرجين ضمن “رأسمالية المستفيدين”3. وفي الوقت نفسه سوف يتم إرشاد الأنشطة الإنتاجية للمستفيدين المذكورين عبر توجيهات تحالف من الحكومات في إطار مهمة موحدة ومجموعة من السياسات التي من ضمنها على وجه الخصوص تلك التي شرحها المنتدى الاقتصادي العالمي نفسه.

وفي حين أن أصحاب المصلحة المشتركة لن يكونوا بالضرورة احتكارات بحد ذاتها، فإن هدف المنتدى الاقتصادي العالمي هو ضخ أكبر قدر ممكن من السيطرة على الإنتاج والتوزيع لاتحاد أصحاب المصلحة المشتركة، وذلك بهدف القضاء على المنتجين الذين تُعتبر منتجاتهم أو عملياتهم إما معادية أو غير ضرورية لرغبات العولميين التي تسعى نحو “مستقبل أكثر عدالة وأوسع اخضرار”. وبطبيعة الحال فإن ذلك قد يتضمن قيودًا على الإنتاج والاستهلاك وكذلك منح دور موسع للحكومات من أجل فرض مثل هذه القيود – أو “عودة الحكومة الكبيرة”4 كما ذكر كلاوس شواب في سياق أزمة الكوفيد – كما لو أن الحكومة لم تكن كبيرة ومتنامية طوال الوقت!

يروج كل من شواب والمنتدى الاقتصادي العالمي لرأسمالية أصحاب المصلحة ضد “النيوليبرالية” التي يفترضون استشراءها، والنيوليبرالية هي كلمة مراوغة تشير إلى كل ما يعتبره اليساريون خاطئًا في النظام الاجتما-اقتصادي. إنها تُعَد العدو المشترك لليسار، ولا داعي للقول أن النيوليبرالية التي يعرفها شواب على نحو غير محكم على أنها “بُنية من السياسات والأفكار التي يمكن تعريفها بشكل فضفاض بوصفها تفضيل المنافسة على التضامن، ووتفضيل التدمير الخلاق على التدخل الحكومي وكذا النمو الاقتصادي على الرفاهية الاجتماعية”5 هي مغالطة رجل قش. إن شواب ورفاقه يجعلون من النيوليبرالية مصدرًا لمشاكلنا الاقتصادية، ولكن بقدر ما كانت “مناهضة النيوليبرالية” تلعب دورًا، فإن التفضيل الحكومي للصناعات واللاعبين داخل الصناعات (أو الكوربوقراطية) هو مصدر ما يشجبه شواب وأمثاله وليست التنافسية. ولسوف تُضخِم إعادة الضبط الكُبرى من الكوربوقراطية.

وبالرغم من كل ذلك فإن أهداف المنتدى الاقتصادي العالمي لا ترنو إلى التخطيط لكل مفاصل الإنتاج وبالتالي توجيه جميع الأنشطة الفردية، بل أن الهدف عوضًا عن ذلك هو الحد من إمكانات النشاط الفردي بما في ذلك نشاط المستهلكين – وذلك من خلال تشديد القبضة على الصناعات والمنتجين ضمن الصناعات من الناحية الاقتصادية. إذ “ينبغي على كل بلد، من الولايات المتحدة إلى الصين، أن يتشاطروا هذه المهمة، ويجب أن تتحول كافة الصناعات؛ من النفط والغاز وصولًا للتكنولوجيا”6.

وكما لاحظ هايك: “عندما كان نظام النقابات يبلغ ذروته في العصور الوسطى، وعندما كانت القيود المفروضة على التجارة أكثر مشاعية، لم يتم استخدامها كوسيلة لتوجيه النشاط الفردي”7. وبالمثل، لا تهدف إعادة الضبط الكُبرى إلى تخطيط مشاعي صارم للاقتصاد بقدر ما توصي وتطالب بقيود نيو-إقطاعية من شأنها أن تذهب إلى أبعد من أي شيء منذ عهد العصور الوسطى – أي بخلاف عهد اشتراكية الدولة نفسها. وقد لاحظ هايك في عام 1935 بالفعل إلى أي مدى أدت القيود الاقتصادية لتشويه السوق على النحو الآتي:

من خلال محاولاتنا استخدام الأدوات التقييدية كأداة للتكيف اليومي تقريبًا من أجل التغيير، فربما نكون قد ذهبنا إلى حد متقدم في اتجاه التخطيط المركزي للنشاط الحالي أكثر من أي وقت مضى […] إنه لمن الضروري أن ندرك في أي تحقيق لإمكانيات التخطيط أنه من المغالطة افتراض الرأسمالية على صورتها اليوم بوصفها بديل. ومن الجلي إننا بعيدون عن الرأسمالية في شكلها النقي بقدر ما نبتعد عن أي نظام للتخطيط المركزي، فعالم اليوم هو مجرد فوضى تدخلية.8

فإلى أي مدى إذن سوف تأخذنا إعادة الضبط الكُبرى نحو أنواع من القيود المفروضة في ظل الإقطاع، بما في ذلك الركود الاقتصادي الذي خلفه الإقطاع!

إنني أدعو هذه الإقطاعية الجديدة بـ “الاشتراكية المتحدة” – ذلك ليس فقط لأن الخطاب الذي يكتسب أتباعًا يُستمد من الأيديولوجية الاشتراكية (“الإنصاف” – “المساواة الاقتصادية” – “الصالح الجماعي” – “المصير المشترك” – إلخ…) بل أيضًا لأن الواقع المنشود من ورائها يتمثل بسيطرة احتكارية نافذة على الإنتاج من خلال القضاء على المنتجين غير الملتزمين – أي الميل نحو احتكار الإنتاج الذي يتسم بالاشتراكية. ولن تُضاف هذه التدخلات إلى “الفوضى التدخلية” الواقعة وحسب، بل سوف تفاقم من تشويه الأسواق إلى حد غير مسبوق خارج التخطيط الاشتراكي المركزي في حد ذاته. يمكن للنخب محاولة تحديد متطلبات واحتياجات المستهلكين بشكل مسبق من خلال قصر الإنتاج على السلع والخدمات المقبولة. كما أنهم سوف يحددون الإنتاج ليقتصر على الأنواع التي يمكن يمكن تطويعها بيد الحكومات والمنتجين الذين يشترونها عبر هذا البرنامج. وسوف تدفع اللوائح المضافة المنتجين المتوسطين والصغار إلى ترك الأعمال أو الاتجاه للسوق السوداء، إلى الحد الذي يمكن أن توجد فيه الأسواق السوداء في ظل عملة رقمية ومركزية مصرفية على نطاق أوسع. على هذا النحو، فإن القيود واللوائح سوف تميل إلى نظام طبقي جامد تتصدره الأوليغارشية المتحدة، و “الاشتراكية النافذة بالفعل”9 لمعظم الغالبية السفلى. إلى جانب زيادة ثروة الأقلية، و “المساواة الاقتصادية”، في ظل ظروف متدنية، بما في ذلك الدخل الأساسي الشامل، فيما يخص البقية.



إغلاقات فيروس كورونا، أعمال الشغب، والاشتراكية المتحدة..

لقد دفعتنا كل من عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا، وبدرجة أقل أعمال الشغب اليسارية، إلى الإشتراكية المتحدة. وقد صادف أن إجراءات الإغلاق الصارمة التي أقرها المحافظون ورؤساء البلديات والدمار الذي ارتكبه المشاغبون يقومان بالعمل الذي يريد الإشتراكيون في الشركات الكُبرى مثل المنتدى الاقتصادي العالمي القيام به. وبالإضافة إلى زعزعة استقرار الدولة القومية فإن هذه السياسات والإجراءات تساعد أيضًا على تدمير المشاريع الصغيرة، وبالتالي القضاء على المنافسين.

وكما تشير مؤسسة التعليم الاقتصادي (FEE) فقد تلاقت عمليات الإغلاق وأعمال الشغب إلى درجة أنها مثلت لكمتين متتاليتين أردت الملايين من المشاريع الصغيرة – التي تمثل “العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي”- في جميع أنحاء العالم. كما أشارت (FEE) إلى أن هناك:

7.5 مليون شركة صغيرة في أمريكا تواجه خطر إغلاق أبوابها إلى الأبد. كما أظهر استطلاع جديد أن ما يقرب من نصف أصحاب المشاريع الصغيرة يقولون إنهم سيضطرون لإغلاق مشاريعهم نهائيًا على الرغم من إطلاق القروض الفيدرالية. لقد كانت حصيلة الضحايا شديدة بالفعل، إذ أدت أوامر ’البقاء في المنازل’ في نيويورك وحدها إلى إغلاق تام لأكثر من 100,000 شركة صغيرة.10

وفي الوقت نفسه، وكما لاحظت (FEE) وآخرون، فلا يوجد دليل على أن عمليات الإغلاق قد حققت أي شيء للحد من انتشار الفيروس. وبالمثل، فلا يوجد دليل على أن حركة “حياة السود مهمة” قد حققت أي شيء لمساعدة السود. وإذا كانت حملات (black lives matter) و (Antifa) المشاغبة والمهلكة قد أثبتت أي شيء فليس سوى عدم أهمية حياة السود لأصحاب شعار “حياة السود مهمة”. فبالإضافة إلى قتل السود، تسببت أعمال الشغب التي قام بها أصحاب شعار “حياة السود مهمة” و جماعة “Antifa” بأضرار جسيمة لأعمال السود التجارية و أحيائهم السكنية، وبالتالي حيواتهم.11

وبينما سُحِقت الشركات الصغيرة بواسطة عمليات الإغلاق الصارمة وأعمال الشغب المسعورة، فقد ازدهرت الشركات العملاقة مثل أمازون بشكل لم يسبق له مثيل. فقد لاحظت BBC أن ثلاثة على الأقل من عمالقة التكنولوجيا – أمازون، فيسبوك، و آبل – تمتعوا بمكاسب هائلة خلال فترة الإغلاق12، وهي مكاسب تم تحفيزها إلى حد أقل من خلال أعمال الشغب التي سببت أضرار بالملكيات بلغت تكلفتها ما بين مليار إلى ملياري دولار.13 فخلال الأشهر الثلاثة المنصرمة حتّى شهر يونيو/حزيران “حققت شركة أمازون أرباحًا فصلية بلغت 5.2 مليار دولار (4 مليار باوند) لتكون هي الأكبر منذ تأسيس الشركة في عام 1994، وجاءت تلك الأرباح على الرغم من الإنفاق الضخم على معدات الحماية والإجراءات الأخرى بسبب الفيروس”. كما ارتفعت مبيعات أمازون بنسبة 40% في الأشهر الثلاثة المنصرمة حتّى شهر يونيو.

وحسبما أورد موقع TechCrunch فقد شهد موقع فيسبوك والمنصات التابعة له مثل واتساب و انستغرام زيادة في عدد المستخدمين بنسبة 15% مما أدى إلى زيادة الإيرادات إلى إجمالي 17.74 مليار دولار في الربع الأول من العام.14 وقد ارتفع إجمالي مستخدمي الفيسبوك إلى 3 مليارات في شهر مارس، وهو ما يعادل ثلثي مستخدمي الإنترنت حول العالم، وهو رقم قياسي بالطبع. كما ارتفعت عائدات آبل في نفس الفترة بنسبة فصلية بلغت 11% على أساس سنوي لتصل إلى 59.7 مليار دولار. “وقال متجر وول مارت الذي يُعد أكبر متجر للبيع بالتجزئة في الولايات المتحدة أن أرباحه ارتفعت بنسبة 4% لتصل إلى 3.99 مليار دولار” خلال الربع الأول من عام 2020 كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست.15

لقد تقلص عدد الشركات الصغيرة إلى النصف تقريبًا بسبب عمليات الإغلاق المتعلقة بفيروس كورونا وأعمال الشغب التي قامت بها حركتي Black Lives Matter/Antifa بينما عززت الشركات العملاقة قبضتها على الاقتصاد، فضلًا عن سلطتها على التعبير الفردي على الإنترنت وما وراءه. وبالتالي يبدو أن عمليات الإغلاق والحظر والإغلاق الجزئي المتعلقة بفيروس كورونا وكذلك أعمال الشغب تمثل بالضبط ما خطط له أصحاب إعادة الضبط، على الرغم من أنني لا أدعي هنا أنهم هُم من أمر بافتعالها. ولكنهم على الأرجح انتهزوا الفرصة لاستئصال الأعمال الصغيرة والمتوسطة من الاقتصاد من أجل جعل الإذعان أبسط وأوسع انتشارًا.

في النهاية، فإن عملية إعادة الضبط الكُبرى لا تُمثل سوى حملة دعائية وليس زرًا ما يمكن للأوليغارشية العالمية أن تكبسه متى شاءت – على الرغم من أن المنتدى الاقتصادي العالمي قدّمها على هذا النحو.16 لذا ينبغي مواجهة خططهم بأفكار اقتصادية وإجراءات فردية متضافرة، فالاستجابة المنطقية الوحيدة لإعادة الضبط الكُبرى هي مجابهتها وإدخال وتعزيز المزيد من المنافسة والمطالبة بإعادة فتح الاقتصاد بالكامل تحت أي ثمن. وإذا عنى هذا وجوب اتحاد المنتجين والموزعين الصغار لتحدي مراسيم الدولة فليكن كذلك. كما ينبغي تشكيل جمعيات تجارية جديدة بهدف إحباط عملية إعادة الضبط الكُبرى قبل فوات الأوان.


مايكل ريكتنوولد
ترجمة: غسان مازن

المصادر:

1)F.A. Hayek, “The Nature and History of the Problem,” in N.G. Pierson and F.A. Hayek, Collectivist Economic Planning (London: Routledge and Kegan Paul, 1963), p. 14.

2) المصدر السابق ص 15

3)Klaus Schwab, “What Kind of Capitalism Do We Want?,” Time, Dec. 2, 2019, https://time.com/5742066/klaus-schwab-stakeholder-capitalism-davos/.

4)Klaus Schwab and Thierry Malleret, COVID-19: The Great Reset (n.p.: Forum Publishing, 2020), p. 89.

5) المصدر السابق ص 89

6)Klaus Schwab, “Now Is the Time for a ‘Great Reset,’” World Economic Forum, June 3, 2020, https://www.weforum.org/agenda/2020/06/now-is-the-time-for-a-great-reset/.

7)Hayek, “The Nature and History of the Problem,” p. 23.

8)المصدر السابق ص 23-24

9) ان مصطلح “الاشتراكيةالنافذة بالفعل” هو مصطلح يستخدم لوصف الاشتراكية كما هي مطبقة في الاتحاد السوفيتي أو في أي مكان آخر. وقد أصبح مصطلحًا ازدرائيًا يستخدمه المنشقون في البلدان الاشتراكية على نحو ساخر للإشارة إلى الوضع الذي كانت عليه الحياة حقًا في ظل الاشتراكية وليس في الكتب الشائنة لماركس وأقواله.

10)Jon Miltmore and Dan Sanchez, “America’s Small Business Owners Have Been Horribly Abused during These Riots and Lockdowns. That Will Have Consequences,” Foundation for Economic Education (FEE), June 5, 2020, https://fee.org/articles/america-s-small-business-owners-have-been-horribly-abused-during-these-riots-and-lockdowns-that-will-have-consequences/.

11)Brad Polumbo, “The Lockdowns Crushed Minority-Owned Businesses the Most,” FEE, June 19, 2020, https://fee.org/articles/the-lockdowns-crushed-minority-owned-businesses-the-most/.

12)“Amazon, Facebook and Apple Thriving in Lockdown,” BBC, July 13, 2020, https://www.bbc.com/news/business-53602596.

13)Morgan Phillips, “Damage from Riots across US Will Cost at Least $1B in Claims: Report,” Fox Business, Sept. 16, 2020, https://www.foxbusiness.com/economy/damage-riots-1b-most-expensive.

14)Lucas Matney, “The Lockdown Is Driving People to Facebook,” TechCrunch, Apr. 29, 2020, https://techcrunch.com/2020/04/29/the-quarantine-is-driving-record-usage-growth-at-facebook/?guccounter=1&guce_referrer=aHR0cHM6Ly93d3cuZ29vZ2xlLmNvLnVrLw&guce_referrer_sig=AQAAALTNp94WFsoLLluf02QO6TpUmN8z9bnKOyNIvSvHkDJnDmT0tTyRHwOpH_zK007xQ74ru4.

15)Abha Bhattarai, “Sales Soar at Walmart and Home Depot during the Pandemic, Washington Post, May 19, 2020, https://www.washingtonpost.com/business/2020/05/19/walmart-earnings-economy-coronavirus/.

16)Schwab, “Now Is the Time for a ‘Great Reset.’”



ما هي ’إعادة الضبط الكُبرى’؟ الجزء الأول: انحسار التوقعات والإقطاع البيو-تقني

إن “إعادة الضبط الكُبرى” موجودة في أذهان الجميع سواء كان الجميع يعرف ذلك أم لا، إذ بشّرت بها التدابير التي اتخذتها الدول في جميع أنحاء العالم استجابة لأزمة فيروس covid-19. (وأنا لا أعني هنا ما يسمى بـ ’الوباء’ نفسه حينما أقول أزمة، بل أعني الاستجابات لفيروس جديد يُدعى SARS-2 وتأثير تلك الاستجابات على الظروف الاجتماعية والاقتصادية).


كتب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) ورئيس مجلس إدارته “كلاوس شواب” في كتابه الموسوم بعنوان (COVID-19: The Great Reset) أن أزمة كوفيد-19 يجب أن تُعتبر “فرصة [يمكن اغتنامها] لإجراء نوع من التغييرات المؤسسية والخيارات السياسية التي من شأنها أن تضع الاقتصادات على الطريق نحو مستقبل أكثر عدلًا وأوسع اخضرارًا”1. وعلى الرغم من أن شواب كان يروج لإعادة الضبط الكُبرى على مدى سنوات إلا أنه لم يجد ذريعة لتفعيلها سوى أزمة الفيروس التي جاءت أخيرًا. وفقًا لشواب فلا ينبغي لنا أن نتوقع عودة النظام العالمي لما قبل الكوفيد كما كان عليه، بل يقترح شواب بدلًا من ذلك متأرجحًا بين التفسير والحتمية أن التغييرات سوف تتم، أو يجب أن تتم، عبر مجالات متشابكة ومترابطة لخلق وضع طبيعي جديد.


فما هي إعادة الضبط الكُبرى وما هو النظام الطبيعي الجديد الذي سوف ينتج عنها؟


إن إعادة الضبط الكُبرى تعني خفض الإيرادات واستخدام الكاربون، لكن شواب و المنتدى الاقتصادي يعرفّان أيضًا إعادة الضبط الكبرى من حيث التقارب بين الأنظمة الاقتصادية، النقدية، التكنولوجية، الطبية، الجينومية، البيئية، والعسكرية والحكوماتية. إذ سوف تنطوي عملية إعادة الضبط على تحولات واسعة في كل مجال من هذه المجالات، وهي تغييرات لن تغير عالمنا فحسب كما يقول شواب، بل سوف تقودنا أيضًا إلى “التساؤل عما يعنيه كونك إنسان”2.


فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية والمالية، فإن إعادة الضبط الكُبرى سوف تنطوي على توحيد الثروة من ناحية، وعلى إصدار دخل عالمي شامل (UBI) من ناحية أُخرى3. كما قد تشمل التحول إلى عملة رقمية موحدة4، بما في ذلك تأسيس مركزية موحدة للحسابات المصرفية والبنكية، وفرض ضرائب فورية في الوقت الحالي وأسعار فائدة سلبية، وفرض رقابة مركزية وسيطرة على الإنفاق والديون.


وبما أن كل جانب من جوانب إعادة الضبط الكُبرى يتضمن التكنولوجيا فإن إعادة الضبط الكُبرى سوف تستلزم على وجه التحديد “الثورة الصناعية الرابعة”5 – أو ما بعد الإنسانية التي تشمل التوسع في علم الجينومات والروبوتات والنانو تكنولوجي واختراقها لأجسام وعقول بني البشر. وبالطبع فإن الثورة الصناعية الرابعة تنطوي على فائض من العمالة البشرية في قطاعات متزايدة سوف تحل محلها الأتمتة. علاوة على ذلك، يشيد شواب باستخدام تقنية النانو ومسح الدماغ للتنبؤ بالسلوك البشري واستباقه.


كما أن إعادة الضبط الكُبرى تقضي بإصدار جوازات السفر الطبية التي ستتم رقمنتها عما قريب، بالإضافة إلى كشف شفافية السجلات الطبية الذي سيتضمن التاريخ الطبي والتركيب الجيني والحالات الوبائية/المرضية. بل قد يشمل ذلك زرع رقاقات ميكروية من شأنها أن تقرأ التركيب الجيني وحالات الدماغ وتقدم تقريرًا عنها حيث “حتّى عبور الحدود الدولية قد يتضمن يومًا ما فحصًا تفصيليًا للدماغ لتقييم المخاطر الأمنية للفرد!”6.

وعلى صعيد علم الجينوم فإن إعادة الضبط الكُبرى سوف تتضمن إحراز تقدم في الهندسة الوراثية ودمج علم الوراثة الجينية مع النانو تكنولوجي والروبوتات.

أما على الصعيد العسكري فأن إعادة الضبط الكُبرى تشتمل على إنشاء ساحات قتال جديدة بما فيها الفضاءات الإلكترونية والدماغ البشري بوصفهما ساحة معركة7.

وفيما يتعلق بالحوكمة، فإن إعادة الضبط الكُبرى تنطوي على حكومة و”حوكميات” مركزية منسقة وموسعة بشكل متزايد، ودمج الشركات والدول بما في ذلك الخوارزميات التنبؤية والتتبع الواقعي ومراقبة الأجسام في الفضاء [باستخدام تقنية G5] أو “الحكم استباقيًا” على سلوكيات الإنسان والأنظمة8.


والخلاصة أن “إعادة الضبط الكُبرى” ليست سوى حملة بروباغاندا منسقة تحت عباءة الحتمية وليست مجرد نظرية مؤامرة كما ادعّت صحيفة نيويورك تايمز9، بل أن إعادة الضبط الكُبرى هي محاولة مؤامراتية أو “رؤية تواقة”10 للمخططين الاجتما-اقتصاديين ليصبح لديهم “أصحاب مصالح”11 مشتركين وحكومات تتبنى رغبات المنتدى الاقتصادي العالمي.


ومن أجل تسويق هذه الحزمة بكاملها قام المنتدى الاقتصادي العالمي بتحشيد خطابه الناعم المتمثل في “المساواة الاقتصادية” و “العدالة” و “الدمج” و “المصير المشترك” من بين عبارات منمقة أُخرى12. وإن هذه العبارات مجتمعة تمثل المكون الجماعي والاشتراكي السياسي والأيديولوجي للاشتراكية المتصورة للشركات13 (بما أن الاشتراكية الاقتصادية مستحيلة التطبيق، فإنها دائمًا مسألة سياسية وأيديولوجية).


وسوف أقوم بتحليل آفاق إعادة الضبط الكُبرى في سلسلة من المقالات القادمة، ولكن يكفي أن نقول في الوقت الحالي إن المنتدى الاقتصادي العالمي يتصور نظامًا عالميًا إقطا-بيو-تقني بقيادة مخططيه الاجتما-اقتصاديين و “أصحاب مصالح” مدمجين يتولون قيادة الدفة، حيث يجعلون بذلك الجزء الأكبر من البشرية تحت عبوديتهم. وكما يريد المخططون، فإن السواد الأعظم من البشرية سوف يعيش في ظل ركود اقتصادي من انخفاض التوقعات، مع تقليص استقلالية الفرد إلى حدٍ كبير حتّى يتم القضاء عليها تمامًا. وكما اقترح ميزس، فإن هؤلاء المخططين هُم سلطويون يهدفون إلى استبدال خطط الفاعلين الفرديين بخططهم المركزية الخاصة. وسوف تفشل هذه الخطط في حال تم إطلاقها، ولكن اعتمادها مع ذلك يتطلب ثمنًا.

مايكل ريكتنوود.

ترجمة: غسان مازن.

المصادر:



1’)  Klaus Schwab and Thierry Malleret, COVID-19: The Great Reset (n.p.: Forum Publishing, 2020), p. 57.

2’)  Schwab, Klaus. The Fourth Industrial Revolution (New York: Crown Business, 2017), p. vii.

3’)  Kanni Wignaraja and Balazs Horvath, “Universal Basic Income Is the Answer to the Inequalities Exposed by COVID-19,” World Economic Forum, Apr. 17, 2020, https://www.weforum.org/agenda/2020/04/covid-19-universal-basic-income-social-inequality/.

4’)  “The Fed Explores Possibility of Issuing Digital Currency,” BitIRA, Jan. 9, 2020, https://www.bitira.com/fed-explores-digital-currency/.

5’)  Klaus Schwab, “The Fourth Industrial Revolution: What It Means, How to Respond,” World Economic Forum, Jan. 14, 2016, https://www.weforum.org/agenda/2016/01/the-fourth-industrial-revolution-what-it-means-and-how-to-respond/.

6’)  Klaus Schwab and Nicholas Davis, Shaping the Future of the Fourth Industrial Revolution: A Guide to Building a Better World (New York: Currency, 2018), p. 173.

7’)  Tim Requarth, “This Is Your Brain. This Is Your Brain as a Weapon.,” Foreign Policy, Sept. 9, 2015, https://foreignpolicy.com/2015/09/14/this-is-your-brain-this-is-your-brain-as-a-weapon-darpa-dual-use-neuroscience/.

8’)  Wikipedia, s.v. “Anticipatory Governance,” last modified Apr. 14, 2020, 01:57, https://en.wikipedia.org/wiki/Anticipatory_governance.

9’)  Davey Alba, “The Baseless ‘Great Reset’ Conspiracy Theory Rises Again,” New York Times, Nov. 17, 2020, https://www.nytimes.com/live/2020/11/17/world/covid-19-coronavirus#the-baseless-great-reset-conspiracy-theory-rises-again.

10’)  Alberto Mingardi, “The Great Reset: Between Conspiracy and Wishful Thinking,” Library of Economics and Liberty (Econlib), Dec. 1, 2020, https://www.econlib.org/the-great-reset-between-conspiracy-and-wishful-thinking/.

11’)  “Stakeholder Capitalism: A Manifesto for a Cohesive and Sustainable World,” World Economic Forum Blog, Jan. 14, 2020, https://www.weforum.org/press/2020/01/stakeholder-capitalism-a-manifesto-for-a-cohesive-and-sustainable-world/.

12’)  Nicholas Davis, “What Is the Fourth Industrial Revolution?,” World Economic Forum, Jan. 19, 2016,https://www.weforum.org/agenda/2016/01/what-is-the-fourth-industrial-revolution/.

13’)  Michael Rectenwald, “Who Funds the Riotous American Left and Why? The Globalist Billionaire Class, Which Uses It to Build Corporate Socialism,” Michael Rectenwald (website), Oct. 12, 2020, https://www.michaelrectenwald.com/essays/why-capitalists-fund-socialism.

مزاجية الحقيقة – توماس سويل

لكم هو مدهش عدد الناس الذين اكتشفوا يوم الأربعاء الماضي أن القيام بأعمال الشغب يُعد أمرًا خاطئًا – بينما لم يلاحظ معظم أولئك الناس أنفسهم هذا الأمر عندما استمرت أعمال الشغب لأسابيع، أو حتى شهور، في مختلف مدن البلاد العام الماضي!
بالنسبة للكثير من الناس، وخاصة في وسائل الإعلام، فإن تصوير الخطأ والصواب، أو الحقيقة والزيف، يعتمدون على هوية الذي سوف يساعدونه أو يؤذونه سياسيًا. إن الكثير من الإعلاميين الذين يُفترض أن يكونوا مراسلين ميدانيين، يتصرفون وكأنهم مقاتلون في حروب سياسية.
قيل ذات مرة أن “الحقيقة هي أول ضحايا الحرب” – وقد كان هذا جليًا في وسائل الإعلام، وفي كثير من الأوساط الأكاديمية أيضًا.
تظهر واحدة من أكثر التشوهات غرابة، والتي نمت من خلال إهمال الحقائق هذا، في إزالة اسم أبراهام لنكولن وتماثيله من أماكن مختلفة بحجة أنه كان يرى السود فقط بوصفهم ممتلكات. إلا أن مثل هذه الانتقادات تفضح جهلًا لا يُصدّق بالتاريخ – أو تجاهلًا تامًا للحقيقة.
بوصفه محام، فقد عرف أبراهام لنكولن أنه لا يوجد شيء في الدستور يخوله هو أو أي رئيس آخر بتحرير العبيد. ولكنه كان يعلم أيضًا أنه يمكن لأي قائد عسكري أن يستولي بشكل قانوني على ممتلكات أي دولة معادية في فترة الحرب. وهكذا أعطى تعريف العبيد “كممتلكات” للرئيس لينكولن السلطة القانونية الوحيدة التي مكنته من الاستيلاء عليهم خلال الحرب الأهلية، وبمجرد الاستيلاء عليهم كممتلكات، سيكون بإمكانه تحريرهم كبشر!
ولكن إذا كان إعلان العتق قد اعتمد على تعريف العبيد كبشر مع حقهم في أن يكونوا أحرارًا، لكانت المحكمة العليا في تلك الفترة قد أعلنت بلا شك عدم دستورية ذلك.
كان الملايين من البشر سيظلون عبيدًا، فهل تستحق الخطابات الرنانة هذا الثمن؟
أما بالنسبة للادعاء القائل بأن لنكولن لم يكن يعتبر السود بشرًا، ألم يقم بدعوة فريدريك دوغلاس إلى البيت الأبيض؟!
من أجل إزالة اسم أبراهام لينكولن من المدارس، تخبرنا التحريفات الجسيمة للتاريخ بالكثير عن مشكلة النظام التعليمي الأمريكي اليوم.

إن العديد من المدارس مغلقة اليوم بسبب فيروس كورونا ونقابات المعلمين، والعديد من المدارس الواقعة في أحياء الأقليات فشلت في تعليم الأطفال ما يكفي من الرياضيات واللغة الإنجليزية عندما كانت لا تزال مفتوحة. لذا فإنه من المدهش أن يكون لدى السلطات المدرسية الوقت الكافي لإنفاقه على الحروب والحملات الأيديولوجية لإزالة الأسماء والتماثيل من المدارس!
لسوء الحظ، فقد أصبحت معظم مؤسسات التعليم الأمريكية – من المدارس الإبتدائية إلى الى الجامعات – عبارة عن مراكز للتلقين. وأعمال الشغب التي اجتاحت البلاد العام الماضي هي ثمار ذلك التلقين والتجاهل التام لحقوق الآخرين الذين صاحب أعمال الشغب تلك. وفي جوهر هذا التلقين يكمن الشعور بالظلم ودور الضحية عندما يحصد الآخرين نتائج أفضل – والتي تُسمّى تلقائيًا “امتيازات” ولا تُسمّى “انجازات” أبدًا، بغض النظر عن الحقائق الفعلية. فالحقائق لا تهُم في مثل تلك القضايا، بقدر ما لم تهُم عند تشويه سمعة لينكولن.
إن “مراعاة تمثيل” أي مجموعة في أي مسعى يمكن اعتباره كشهادة أو برهان على التحيز التمييزي. ولا يمكن لأولئك الذين يجادلون بهذه الطريقة أن يظهروا لنا أي مجتمع – في أي مكان في العالم أو في أي وقت عبر آلاف السنين من التاريخ المعروف – يحتوي على تمثيل متساوي لكل جماعاته بشكل متناسب في جميع المساعي!
على سبيل المثال: هناك لاعبون كنديون في دوري الهوكي الوطني الأمريكي أكثر من عدد لاعبي الولايات المتحدة. ويوجد أيضًا لاعبون سويديون أكثر من عدد اللاعبين الذين يأتون من كاليفورنيا، على الرغم من أن عدد سكان كالفيرونيا يقترب من أربعة أضعاف عدد سكان السويد. حتى أن سكان كالفيرونيا “أقل تمثيلًا” في دوري الهوكي بنسبة تفوق تمثيل النساء في وادي السليكون! لكن لا أحد يستطيع أن يدّعي أن هذا يرجع إلى التحيز التمييزي من قِبل دوري الهوكي، فمن الواضح أن سبب ذلك يرجع إلى أن الأشخاص الذين نشأوا في المناخات الباردة هُم أكثر عرضة لتجربة التزلج على الجليد.

إن هذا هو أحد العوامل العديدة التي تنتج إحصاءات مشوهة في العديد من المساعي، التحيز التمييزي هو واحد من بين تلك العوامل، لكنه ليس العامل الأكبر.
لكن من الذي يهتم بالحقائق بعد الآن في عصر التلقين العقائدي هذا؟

توماس سويل: زميل أقدم في معهد هوفر، جامعة ستانفورد، كاليفورنيا.
– ترجمة: غسان مازن
– رابط المقال الأصلي: https://www.creators.com/read/thomas-sowell

تحذير للغرب – كيف أطالت الديمقراطيات عمر الشيوعية؟ ج1

قبل مدة طويلة، كنت قد قرأت كتاب (أرخبيل غولاغ) للكاتب الروسي ألكسندر سولجينيتسين، إذ ينقل لنا سولجينيتسين في هذا الكتاب بشاعة الشيوعية التي تجلت في أكمل صورة لها في مخيمات الاعتقال التي أُعتقل سولجينيتسين في أحدها. وقبل أيام قليلة، قرأت اقتباسًا للكاتب جعلني أبحث أكثر في مؤلفاته التي وجدت أنها لم يُترجم منها سوى (أرخبيل غولاغ) وروايتين أخريين. ومن بين أبرز مؤلفات سولجينيستين التي لم تُترجم، وجدت كتابًا بعنوان (warning to the west – تحذير للغرب) الذي يسلط فيه الضوء على صيانة الديمقراطيات الغربية للشيوعية في أعنف حقباتها – الاتحاد السوفيتي – ومساعدتها على البقاء والتمدد. وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه عبارة عن خطابات أرسلها سولجينيستسن وألقاها أمام كل من البرلمان الأمريكي والبريطاني بين عامي 76-1975 بإسلوب واضح ومباشر وصريح، حتى أنه ألقى حججًا وذكر أرقامًا وتواريخ لا يمكن لأحد أن ينكرها. وقد اخترت أن أترجم فصولًا من الكتاب لقصره وسلاسته، وسوف أنشرها تباعًا في سلسلة واحدة.

الخطاب الأول إلى الأمريكان – يونيو 1975

السيدات والسادة، من منا لم يسمع بشعار “يا عمال العالم اتحدوا!” الذي بقي يصدح في أرجاء العالم طوال 125 عام؟ والذي بإمكانكم قراءته اليوم في أي كراس سوفيتي، أو في أي عدد من صحيفة (البرافدا). إلا أن قادة الاتحاد السوفيتي لم يستخدموا هذه الكلمات أبدًا بمعناها الحقيقي أو بإخلاص نقي. إلا أن تراكم الكثير من الأكاذيب على مدى عقود من الزمن يجعلنا ننسى الكذبة الأساسية والجذرية، تلك الكذبة التي تمتد إلى أعماق جذور الشجرة ولا تظهر على أوراقها.
على سبيل المثال، لا يمكن لأحد أن يتذكر أو حتى يصدق التالي: لقد قمت مؤخرًا بإعادة طبع كتيب من عام 1918 يُعد بمثابة إحاطة مفصلة لاجتماع جميع ممثلي المصانع في “بتروغراد” – وهي المدينة المعروفة في بلدنا باسم “مهد الثورة”. ودعوني أكرر: لقد كان ذلك في شهر مارس من عام 1918 – أي بعد أربعة أشهر فقط من اندلاع ثورة أكتوبر، وقد كان جميع ممثلي مصانع بتروغراد ينكرون على الشيوعيين مخالفة جميع وعودهم التي قطعوها لهم. علاوة على ذلك، لم يكتف الشيوعيون بترك بتروغراد تعاني من البرد والجوع، بل فروا بأنفسهم من بتروغراد إلى موسكو، سوى إنهم أصدروا الأوامر بفتح نيران الرشاشات على حشود العمال الذين تجمهروا في ساحات المصانع مطالبين بانتخابات لتشكيل لجان مصانع مستقلة.
اسمحوا لي بتذكيركم مرة أخرى: كان ذلك في شهر مارس من عام 1918. وبالكاد أن يتذكر أي أحد الآن أفعال أخرى مشابهة: سحق إضرابات بتروغراد في عام 1921، وإطلاق النار على العمال في كولبينو في نفس العام…
في بداية الثورة، كان كل من هم في قيادة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي هم من المثقفين المهاجرين، والذين عادوا بعد الاضطرابات التي اندلعت بالفعل في روسيا للقيام بالثورة الشيوعية. لكن أحدهم كان عاملًا حقيقيًا، وهو مشغل مخرطة ماهر للغاية حتى آخر يوم في حياته، إنه “ألكسندر شليبنكوف” – من يعرف هذا الاسم اليوم؟ إلا أنه هو الذي كان يعبر عن المصالح الحقيقية للعمال داخل القيادة الشيوعية. وفي السنوات التي سبقت الثورة، كان شليبنكوف هو الذي يدير الحزب الشيوعي بأكمله في روسيا وليس لينين الذي كان مهاجرا. وفي عام 1921، ترأس المعارضة العمالية التي اتهمت القيادة الشيوعية بخيانة مصالح العمال وسحق واضطهاد البروليتاريا وتحولها إلى بيروقراطية. لقد اختفى شليبنكوف عن الأنظار، حيث تم القبض عليه فيما بعد، ولأنه كان صامدًا ومؤثرًا على الأرض فقد تم إطلاق النار عليه في السجن؛ ربما لا يعرف معظم الناس هنا اسمه اليوم. لكنني أذكركم: قبل الثورة، شليبنكوف هو من كان رئيسًا للحزب الشيوعي الروسي، وليس لينين.
ومنذ ذلك الوقت، لم تتمكن الطبقة العاملة مطلقًا من المطالبة بحقوقها، وعلى العكس من جميع الدول الغربية، فإن طبقتنا العاملة لا تتلقى سوى الصدقات، ولا يمكنها الدفاع عن أبسط مصالحها اليومية، ويُنظر لدينا إلى أبسط إضراب بشأن الأجور أو تحسين الظروف المعيشية على أنه ثورة معادية. وبفضل طبيعة النظام السوفيتي المغلقة، ربما لم تسمعوا أبدًا عن إضرابات عمال النسيج في عام 1930 في إيفانوفو، أو عن الإضطرابات العمالية في عام 1961 في موروم وألكسندروفو، أو عن انتفاضة العمال الكبرى في نوفوتشركاسك عام 1961 – في زمن خروتشوف، بعد فترة الذوبان المزعوم. وسوف أسرد قصة هذه الانتفاضة بالتفصيل في كتابي “أرخبيل غولاغ” – إنها قصة تتحدث عن ذهاب العمال في مظاهرة سلمية إلى مقر الحزب في نوفوتشركاسك، حاملين صور لينين، للمطالبة بتغيير الأوضاع الاقتصادية. حيث تم إطلاق النار عليهم بالرشاشات وتفريقهم بالدبابات، ولم تتمكن أي عائلة حتى من انتشال جرحاها أو موتاها: إذ تم أخذهم جميعًا سرًا من قبل السلطات.
ولست بحاجة لأن أشرح للحاضرين هنا اليوم كيف أن بلدنا لم تحظى بنقابة عمالية حرة مطلقًا منذ أن اندلعت الثورة.
إن قادة النقابات العمالية البريطانية غير مقيدين في ممارسة اللعبة التافهة المتمثلة في القيام بزيارات لنقابات عمالية سوفيتية وهمية، وتلقي زيارات بغيضة في المقابل. بينما لم يستسلم اتحاد العمل الأمريكي أبدًا لمثل هذه الأوهام. كما لم تسمح الحركة العمالية الأمريكية لنفسها أبدًا بأن تكون عمياء وأن تخلط بين الحرية والعبودية. واليوم، نيابة عن جميع أبناء شعبنا المضطهد، أشكركم على هذا!
في عام 1947، عندما كان المفكرون الليبراليون والحكماء في الغرب من الذين نسوا معنى كلمة “حرية”، يقسمون أنه لا توجد معسكرات اعتقال في الاتحاد السوفيتي على الإطلاق، نشر اتحاد العمال الأمريكي خريطة معسكرات الاعتقال لدينا، وبالنيابة عن جميع سجناء تلك الفترات، أود أن أشكر الحركة العمالية الأمريكية على ذلك.
ولكن كما نعد أنفسنا بأننا حلفائكم هنا، يوجد أيضًا تحالف آخر سوف يبدو للوهلة الأولى بأنه تحالف غريب ومدهش، ولكن إذا فكرتم في الأمر، ستجدون أنه تحالف وثيق ويسهل فهمه: إنه التحالف القائم بين قادتنا الشيوعيون وقادتكم الرأسماليون.
إن هذا التحالف ليس بجديد، حيث أن “أرماند هامر” الشهير للغاية، والذي يحتفى به هنا اليوم، هو من وضع الأساس لهذا التحالف عندما قام بأول رحلة استكشافية إلى روسيا السوفيتية في عهد لينين في فترة السنوات الأولى من الثورة. وقد كان ناجحًا للغاية في مهمة الاستطلاع هذه، ومنذ ذلك الحين، ونحن نرى دعمًا مستمرًا وثابتًا يقدمه رجال الأعمال في الغرب للقادة الشيوعيين السوفيت طوال هذه الخمسيت عامًا. إن الاقتصاد السوفيتي الممزق والمتعثر، والذي لم يستطع استدراك صعوباته بمفرده، يتلقى باستمرار المساعدة المادية والتكنولوجية. حيث تم تشييد مشاريع البناء الكبرى في الخطة الخمسية الأولية حصريًا باستخدام المواد والتكنولوجيا الأمريكية. حتى أن ستالين اعترف بأن ثلثي ما كان مطلوبًا تم الحصول عليه من الغرب. وإذا كان الاتحاد السوفيتي اليوم يحظى بقوات عسكرية وبوليسية قوية – في بلد يتضور جوعًا بالمعايير المعاصرة – قوات تُستخدم لسحق حركتنا من أجل الحرية في الاتحاد السوفيتي – فليس أمامنا سوى الرأسمالية الغربية لنشكرها على ذلك أيضًا!
دعوني أذكركم بحادثة وقعت مؤخرًا ربما يكون بعضكم قد قرأ عنها في الصحف، وقد يكون البعض الآخر لم يسمع بها: إن بعضًا من رجال أعمالكم أقاموا بمبادرة منهم معرضًا لتكنولوجيا علم الجريمة في موسكو. وقد عُرضت فيه أحدث التقنيات وأكثرها تفصيلًا، تلك التقنيات التي تُستخدم هنا في بلدكم للإيقاع بالمجرمين، وملاحقتهم، والتجسس عليهم، وتصويرهم، وتتبعهم وتحديد هويتهم. تم عرض كل ذلك في موسكو ليتمكن عملاء المخابرات السوفيتية من دراسته، كما لو أن رجال الأعمال لم يفهموا أي نوع من المجرمين ستطاردهم المخابرات السوفيتية.
لقد سال لعاب الحكومة السوفيتية على هذه التكنولوجيا وقررت شراءها، وقد رغب رجال أعمالكم ببيعها أشد الرغبة. ولولا أن بعض الأصوات الرصينة القليلة هنا تثير بعض الضجة حول تلك الصفقة ويتم الغاؤها، لكانت مرت مرور الكرام. لكنكم يجب أن تدركون مدى ذكاء المخابرات السوفيتية، إذ إن هذه التكنولوجيا لم تكن مضطرة للبقاء أسبوعين أو ثلاثة أسابيع في مبنى سوفيتي تحت الحراسة المشددة، كانت ليلتان أو ثلاث ليال كافية للمخابرات لتقوم باستكشافها ونسخها. وإذ يتم اليوم اصطياد الأشخاص بأفضل وأكثر أنواع التكنولوجيا تقدمًا، فإنني أشكر الرأسماليين الغربيين على ذلك أيضًا!
إن هذا شيء يكاد لا يعقله العقل البشري: إنه جشع شديد للربح يتجاوز كافة الأسباب، وكل ضبط للنفس، وكل ضمير، فقط لجني الأموال!
يجدر بي القول أن لينين كان قد تنبأ بهذه العملية برمتها. لينين، الذي قضى معظم حياته في الغرب وليس في روسيا، والذي كان يعرف الغرب أفضل بكثير من معرفته بروسيا، كتب دائمًا وقال إن الرأسماليين الغربيين سيفعلون أي شيء لتقوية اقتصاد الاتحاد السوفيتي، وسوف يتنافسون مع بعضهم البعض لبيعنا سلعًا أرخص أسرع من بعضهم البعض جتى يشتري السوفيت من بعضهم بدلًا من الآخر. وقد قال: سوف يأتون إلينا بكل شيء دون أن يفكروا في مستقبلهم. وفي لحظة حرجة خلال اجتماع حزبي في موسكو، قال: “أيها الرفاق، لا داعي للذعر، عندما تشتد علينا الأمور للغاية، سوف نمنح البرجوازية حبلًا، وستشنق البرجوازية نفسها”.

ترجمة: غسان مازن

وجـوب فـشـل الاشـتـراكـيـة

وجوب فشـــــــــــل الاشْتِراكِيَّة
هانز هيرمان هوبه – ٢٠١٩/٧/٨
ترجمة: بهـــــــــاء محمد نوري

تقدم الاشْتِراكِيَّة والرأسمالية حلولاً مختلفة جذرياً لمشكلة النُدْرَة: لا يمكن لأيْ شخص الحصول على كل ما يشتهي أنى اشتها، فكيف إذن يمكننا أن نقرر بشكل فَعّال من الذي سيملك الموارد التي لدينا ويتصرف بها؟ الحل المختار له آثار بَلِيغة. يمكن أن يعني الفرق بين الازدهار والإفْقار، التبادل الطوعي والإكراه السياسي، وحتى بين الشمولية والحرية.

يحل النظام الرأسمالي مشكلة النُدْرَة من خلال الاعتراف بحق المِلْكِيَّة الخاصة. أول من يستخدم السلعة هو صاحبها. يمكن للآخرين الحصول عليها فقط من خلال العقود التجارية والطوعية. ولكن حتى يقرر مالك المِلْكِيَّة إبرام عقد للمتاجرة في ممتلكاته، يمكنه أن يفعل ما يشاء بها، طالما أنه لا يتدخل في الممتلكات المملوكة للآخرين أو يتعدى عليها بالضرر.

بينما يحاول النظام الاشْتِراكِي حل مشكلة المِلْكِيَّة بطريقة مختلفة تماماً. كما هو الحال في الرأسمالية، يمكن للناس امتلاك منتجات استهلاكية. ولكن في الاشْتِراكِيَّة، المِلْكِيَّة التي تستخدم كوسيلة للإنتاج هي المِلْكِيَّة جماعية. لا يمكن لأيْ شخص امتلاك الآلات والموارد الأخرى التي تتضمن في إنتاج السِلَع الاستهلاكية. البشر، إذا جاز التعبير، يمتلكونها. إذا استخدم الناس وسائل الإنتاج، فلا يمكنهم القيام بذلك إلا كأمناء على المجتمع بأكملِهِ.

يضمن القانون الاقتصادي أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية الضارة ستتبع دائماً تأميم وسائل الإنتاج. وستتوسم التجربة الاشْتِراكِيَّة بالفشل أبدا.

أولاً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى استثمار أقل، وادخار أقل، ومستوى معيشي متدني. عندما تُفْرَض الاشْتِراكِيَّة في البدء، يجب إعادة توزيع المِلْكِيَّة. يتم أخذ وسائل الإنتاج من المستخدمين والمنتجين الحاليين وتعطى للأمناء على المجتمع. على الرغم من أن مالكي ومستخدمي وسائل الإنتاج حصلوا عليها من خلال الموافقة المتبادلة من المستخدمين السابقين، إلا أنها تُنْقَل إلى أشخاص أصبحوا، في أفضل الأحوال، مستخدمين ومنتجين لأشياء لم يمتلكوها سَلَفَاً.

بموجب هذا النظام، يعاقب المالكون السابقون لصالح المالكين الجدد. يتم تفضيل غير المستخدمين وغير المنتجين وغير المتعاقدين لوسائل الإنتاج من خلال ترقيتهم إلى رتبة أمين على مِلْكِيَّة لم يسبق لهم استخدامها أو إنتاجها أو التعاقد على استخدامها. وبالتالي يرتفع دخل غير المستخدمين وغير المنتجين وغير المتعاقدين. والأمر يتماثل بالنسبة لغير المدخرين الذين ينتفعون على حساب المدخرين الذين تتم مصادرة الممتلكات المحفوظة منهم.

من الواضح، إذن، أنه إذا كانت الاشْتِراكِيَّة تفضل غير المستخدمين وغير المنتجين وغير المتعاقدين وغير المدخرين، فإنها ترفع التكاليف التي يجب أن يتحملها المستخدمون والمنتجون والمتقاعدون والمدخرون. من السهل معرفة سبب انخفاض عدد الأشخاص في هذه الأدوار الأخيرة. سيكون هناك تخصيص أولي أقل للموارد الطبيعية، وإنتاج أقل لعوامل الإنتاج الجديدة، وتعاقد أقل. وسيكون هناك استعداد أقل للمستقبل لأن منابيع الاستثمار لدى الجميع تجف. سيكون هناك ادخار أقل واستهلاك أكثر، وعمل أقل وراحَة أكثر.

وهذا يعني عدداً أقل من السلع الاستهلاكية المتاحة للتبادل، مما يُقَلَّل من مستوى معيشة الجميع. إذا كان الناس على استعداد للمخاطرة، فسيتعين عليهم تَجَوَّل باطن الأرض للتعويض عن هذه الخسائر.

ثانياً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى انعدام الكفاءة ونقص وتبذير هائل. هذه هي نظرة لودفيغ فون ميزس الذي اكتشف أن الحساب الاقتصادي العقلاني مستحيل في ظل الاشْتِراكِيَّة. وأوضح أن السلع الرأسمالية في ظل الاشْتِراكِيَّة تُستخدم في أحسن الأحوال في إنتاج احتياجات من الدرجة الثانية، وفي أسوأ الأحوال، في إنتاج لا يلبي أيْ احتياجات على الإطلاق.

إن نظرة ميزس بسيطة ولكنها مهمة للغاية: لأنه لا يمكن بيع وسائل الإنتاج في ظل الاشْتِراكِيَّة، فلا توجد أسعار سوقية لها. لا يمكن للراعي الاشْتِراكِي تحديد التكاليف المالية المترتبة على استخدام الموارد أو في إجراء تعديلات على مسار عمليات الإنتاج. ولا يمكنه مقارنة هذه التكاليف بالدخل النقدي من المبيعات. لا يُسمح له بأخذ عروض من الآخرين الذين يرغبون في استخدام وسائل إنتاجه، لذلك لا يمكنه كُنْه فرصه الضائعة. فمن دون معرفة الفرص الضائعة، لا يمكنه معرفة تكاليفه. ولا يمكنه حتى معرفة ما إذا كانت الطريقة التي ينتج بِها فَعّالة أم لا، مرغوبة أم لا، عقلانية أم لا. ولا يمكنه معرفة ما إذا كان يلبي احتياجات أقل أم أكثر إلحاحاً للمستهلكين.

في الرأسمالية، توفر أسعار النقود والأسواق الحرة هذه المعلومات للمُنْتِج. لكن في الاشْتِراكِيَّة، لا توجد أسعار للسلع الرأسمالية ولا فرص للتبادل. الراعي متروك في العتمة. ولأنه لا يسعه معرفة حالة استراتيجيته الحالية للإنتاج، لا يمكنه معرفة كيف يُحَسّنها. وكلما قل عدد المنتجين القادرين على الحساب والانخراط في التحسن، زاد احتمال حدوث مخلفات ونقص. في اقتصاد حيث السوق الاستهلاكية لمنتجاته كبيرة جداً، تكون معضلة المُنْتِج أسوأ. ولا حاجة للإشارة إلى أنه: عندما لا يكون هناك حساب اقتصادي عقلاني، سيغرق المجتمع في حالة فقر متفاقم تدريجياً.

ثالثاً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى الإفراط في استخدام عوامل الإنتاج حتى تتدهور وتصبح مُخَرّبة. يحق للمالك الخاص في ظل الرأسمالية أن يبيع عامل إنتاجه في أيْ وقت والحفاظ على الإيرادات المتأتية من البيع. ولذا فمن مصلحته تجنب تخفيض قيمته الرأسمالية. ولأنه يمتلكها، فإن هدفه هو تعظيم قيمة العامل المسؤول عن إنتاج السلع والخدمات التي يبيعها.

بينما حال الوصي الاشْتِراكِي مختلف تماماً. لا يمكنه بيع عامل إنتاجه الخاص، لذا ليس لديه حافز كبير أو لا يملك أيْ باعِث لضمان احتفاظه بقيمته. وبدلاً من ذلك، سيكون حافزه هو زيادة ناتج عامل إنتاجه بغض النظر عن قيمته المتضائلة. وهناك أيضاً احتمال أنه إذا أدرك الوصي فرصاً لاستخدام وسائل الإنتاج لأغراض خاصة – كصنع سلع للسوق السوداء – فسَيتشجع على زيادة الانتاج على حساب القيم الرأسمالية. بغض النظر عن الطريقة التي تنظر بها إليها، في ظل الاشْتِراكِيَّة دون مِلْكِيَّة خاصة وأسواق حرة، يميل المنتجون إلى استهلاك قيم رأس المال من خلال الإفراط في استخدامها. واستهلاك رأس المال يقود إلى الفقر.

رابعاً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى انخفاض جودة السلع والخدمات المتاحة للمستهلك. في ظل الرأسمالية، لا يمكن لرجل أعمال فردي الحفاظ على شركته وتوسيعها إلا إذا استرد تكاليف إنتاجه. وبما أن الطلب على منتجات الشركة يعتمد على تقييمات المستهلكين للسعر والجودة (السعر هو أحد معايير الجودة)، يجب أن تكون جودة المنتج مبعث قلق دائم للمنتجين. هذا ممكن فقط بوجود مِلْكِيَّة خاصة وتبادل سوقي.

الأمور تختلف كُليَّاً في ظل الاشْتِراكِيَّة. ليست وسائل الإنتاج مملوكة بشكل جماعي فحسب، بل أيضاً الدخل المستمد من بيع الناتج. وهذه طريقة أخرى للقول إن دخل المُنْتِج لا صلة له بتقييم المستهلك لعمل المُنْتِج. وهذه الحقيقة، بالطبع، معروفة لكل مُنْتِج.

ليس للمُنْتِج باعث كي يبذل جهد خاص لتحسين جودة منتجه. وبدلاً من ذلك سيكرس وقتاً وجهداً أقل نسبياً لإنتاج ما يريده المستهلكون ويقضي وقتاً أطول في فعل ما يريد. الاشْتِراكِيَّة نظام يُحَرِض المُنْتِج على الكسل.

خامساً، تؤدي الاشْتِراكِيَّة إلى تَسْيِيس المجتمع. وهو اسوأ نازلة بإنتاج الثروة. تقول الاشْتِراكِيَّة، على الأقل بنسختها الماركسية، أن هدفها هو المساواة الكاملة. يلاحظ الماركسيون أنه بمجرد السماح بالمِلْكِيَّة الخاصة في وسائل الإنتاج، فإنك تسمح بالتَفَاوَت. إذا كنت أملك المورد أ، فأنت لا تملكه وتصبح علاقتنا تجاه المورد أ مختلفة وغير متساوية. يقول الماركسيون من خلال إلغاء المِلْكِيَّة الخاصة في وسائل الإنتاج بضربة واحدة، يصبح الجميع مشاركين في مِلْكِيَّة كل شيء. هذا يعكس مكانة الجميع المتساوية كبشر.

الواقع يختلف كثيراً. إن إعلان كل شخص مالكاً مشتركاً لكل شيء يحل اختلافات المِلْكِيَّة بشكل رمزي فقط. لا يحل المشكلة الأساسية الحقيقية: لا تزال هناك اختلافات في القدرة على التحكم فيّما يتم عمله بالموارد.

في ظل الرأسمالية، يمكن للشخص الذي يملك مورداً ان يتحكم فيّما يتم استخدامه أيضاً. في الاقتصاد المؤمم، لا يوجد هذا الشيء لأنه لم يعد هناك مالك. مع ذلك تبقى مشكلة السيطرة. من سيقرر ما يجب فعله بماذا؟ في ظل الاشْتِراكِيَّة، هناك طريقة واحدة فقط: يقوم الناس بتسوية خلافاتهم حول السيطرة على المِلْكِيَّة من خلال فرض إرادة على أخرى. وطالما كانت هناك خلافات، فسوف يقوم الناس بتسويتها بالوسائل السياسية.

إذا كان يريد الأشخاص تحسين دخلهم في ظل الاشْتِراكِيَّة، فعليهم أن يرتقوا مرتقى ذي قيمة عالية في التسلسل الهرمي للأمناء. وهذا يتطلب مواهب سياسية. في ظل نظام كهذا، سيضطر الناس إلى قضاء وقت وجهد أقل لتطوير مهاراتهم الإنتاجية ووقت وجهد أكثر لتحسين مواهبهم السياسية.

مع تحويل الناس لأدوارهم كمنتجين ومستخدمين للموارد، نجد أن شخصياتهم تتغير. لم يعودوا يهَذّبون قدرتهم على توقع حالات النُدْرَة، اغتنام الفرص الإنتاجية، الوعي بالإمكانيات التكنولوجية، توقع التغيرات في طلب المستهلكين، وتطوير استراتيجيات التسويق. لم يعد عليهم أن يكونوا قادرين على الاستهلال والعمل والاستجابة لاحتياجات الآخرين.

وبدلاً من ذلك، يطور الناس القدرة على حَشَد الدعم العام لموقفهم ورأيهم الخاص من خلال وسائل الإقناع، والديماغوجية، والمؤامرات، ومن خلال الوعود والرشاوى والتهديدات. يرتقي أُناس مُتَفَاوِتين إلى القمة في ظل الاشْتِراكِيَّة من الرأسمالية. كلما ارتفع مستوى التسلسل الهرمي الاشْتِراكِي الذي تنظر إليه، كلما وجدت أشخاصاً غير أكفاء بالمرة للقيام بالمهمة التي يُفْتَرَض أن يؤدوها. لا عائق في مهنة الوصي السياسي أن كان غبياً، بطيئاً، غير كفؤ، وغير مكترث. كل ما يحتاجه هو مهارات سياسية متفوقة فقط. وهذا يقود إلى إفْقار المجتمع.
إن الولايات المتحدة ليست مُأممة بالكامل، لكننا نرى بالفعل الآثار الكارثية لمجتمع مسيّس حيث يواصل سياسيونا التعدي على حقوق أصحاب المِلْكِيَّة الخاصة. جميع آثار الاشْتِراكِيَّة المُفْقِرة معنا في الولايات المتحدة: انخفاض مستويات الاستثمار والادخار، سوء تخصيص الموارد، الاستخدام المفرط وتخريب عوامل الإنتاج، والجودة الرديئة للمنتجات والخدمات. وهذه ليست سوى مقبلات لحياة في ظل الاشْتِراكِيَّة الكاملة.

*مُقْتَطَف من كتاب مُطالِع السوق الحرة (The Free Market Reader).

لمـاذا تـكافئ الديـمقراطيـة أبـشع البـشر؟

لماذا تكافئ الديمقراطية أبشع البشر،
هانز هيرمان هوبه – ٦/١٠/٢٠١٦
ترجمة: بهـــــــــاء محمد نوري.

أحد أكثر الآراء مقبولية على نطاق واسع بين الاقتصاديين السياسيين هو: إن كل اِحْتِكَار سيء من وجهة نظر المستهلك. يُفهم الاِحْتِكَار بمعناه الكلاسيكي على أنه امتياز حصري يُمْنَح لمُنْتِج واحد لسلعة أو خدمة، أيْ، كغياب الدخول الحر إلى خط إنتاج معين. ,بعبارة أخرى، وَكَالَة واحدة فقط، أ، تنتج سلعة معينة، س. أيْ مُحْتَكِر على هذا النهج سيء للمستهلكين لأنه، محمياً من الدُخَلاء الجُدد المحتملين في مجال إنتاجه، وسيكون سعر مُنْتَج المُحْتَكِر س عالي وجودةْ س هَابِطة.

كثيراً ما تم التذرع بهذه الحقيقة الأولية كحجة لصالح الحكومة الديمقراطية بدلاً من الحكومة الكلاسيكية أو المَلَكِيَّة أو الأميرية. وذلك لأن الدخول إلى الجهاز الحكومي في ظل الديمقراطية اخْتِيَارِي — يمكن لأيْ شخص أن يصبح رئيساً للوزراء أو رئيساً للدولة — بينما في ظل النظام المَلَكِيّ يقتصر على الملك ووريثهِ.

ومع ذلك، فإن هذه الحجة لصالح الديمقراطية معيبة مُهْلِكة. فالدخول الاخْتِيَارِي ليس بالجيد دائماً. الدخول الاخْتِيَارِي والمنافسة في إنتاج السلع أمر مُستَحّسن، ولكن المنافسة الحرة في إنتاج السيئات ليست كذلك. الدخول الاخْتِيَارِي في أعمال تعذيب الأبرياء وقتلهم، أو المنافسة الحرة في التزييف أو الخِداع، على سبيل المثال، ليست جيدة؛ إنها أسوأ من السوء. إذن أيْ نوع من “الأعمال” هي الحكومة؟ الجواب: إنها ليست مُنْتَجاً اعتيادي للسلع المُباعة للمستهلكين الطوعيين. بل هي “أعمال” مُنْشَغِلة بالسَطْو والمُصَادَرَة — عن طريق الضرائب والتَزْوِير — وتسييج السلع المسروقة. وبالتالي، فإن الدخول الاخْتِيَارِي إلى الحكومة لا يُحَسّن شيئاً جيدًا. في الواقع، إنه يزيد الطين بِلَّة، أيْ أنه يُحَسّن الشر.

بما أن الإنسان إنسان فإن له طبيعة، وفي كل مجتمع هناك أشخاص يطمعون في ممتلكات الآخرين. ويعاني بعض الأشخاص من هذه الخالِجَة أكثر من غيرهم، لكن الأشخاص عادةً ما يتعلمون عدم التصرف بناءاً على هذه الخوالِج أو حتى ينتابهم خجل الاختلاف إليها. بشكل عام، لا يتمكن سوى عدد قليل من الأفراد من كَبْح طمعهم في ممتلكات الآخرين بنجاح، ويتم معاملتهم كمجرمين من قبل جِنْسهم من الرجال ويتم كَبْحهم عن طريق تهديهم بالعقاب الجسدي. في ظل الحكم الأميري، يمكن لشخص واحد فقط — الأمير — أن يتصرف قانونياً بناءاً على الرغبة في ملكية شخص آخر، وهذا ما يجعله خطراً محتملاً و”سيئاً”.

ومع ذلك، فإن الأمير مقيد في رغباته في إعادة التوزيع لأن جميع أفراد المجتمع تعلموا اعتبار أخذ وإعادة توزيع ممتلكات رجل آخر أمراً مُخْزياً ولاأخلاقياً. وبناءاً على ذلك، فإنهم يرصدون كل عمل يقوم به الأمير بريبة بالغة. في تناقض واضح، عند فتح باب الدخول إلى الحكومة، يُسمح لأيْ شخص بالتعبير بحرية عن رغبتهِ في ممتلكات الآخرين. ما كان يُنظر إليه سَلَفَاً على أنه غير أخلاقي وبالتالي يتم كَبْحَه يُعتبر الآن خالِجة مشروعة. يمكن لأيْ شخص أن يطمع علانية في ممتلكات أيْ شخص باسم الديمقراطية؛ ويمكن لأيْ شخص أن يتصرف بناءاً على هذه الخالِجة في ملكية شخص آخر، ما أن يجد دخول في حكومة. وبالتالي، في ظل الديمقراطية يصبح كل شخص تهديداً.

وبالتالي، في ظل الظروف الديمقراطية، يتم تعزيز الرغبة الشعبية، وإن كانت غير أخلاقية ومعادية للمجتمع، بالاستيلاء على ممتلكات رجل آخر بشكل منهجي. كل مطلب مشروع إذ ما تمت المطالبة به علناً تحت الحماية الخاصة لـ “حرية التعبير”. يمكن التصريح والمطالبة بكل شيء، وكل شيء مُباح الاستيلاء عليه. ولا يُعفى حتى حقوق الملكية الخاصة التي يبدو أنها الأكثر أمناً من طلبات إعادة التوزيع. والأسوأ من ذلك، رهناً بالانتخابات الجماعية، سوف يميل أولئك الأفراد من المجتمع الذين لديهم القليل أو لا موانع من الاستيلاء على ممتلكات شخص آخر، أيْ أولئك الأخلاقيون المعتادون الموهوبون في تجميع الأغلبية من العديد من المطالب الشعبية الشَهْوانِيَّة غير المتوافقة مع بعضها البعض (ديماغوجيون حاذِقون) إلى الدخول والارتقاء إلى قمة الحكومة. وبالتالي، يصبح الوضع السيئ أسوأ.

تاريخياً، كان اختيار الأمير يكون رهن مُصَادَفَة ولادته النبيلة، وكانت مؤهلاته الشخصية الوحيدة عادةً نشأته كأمير مستقبلي وحافظ للسُلالة ومكانتها وممتلكاتها. هذا لم يؤكد أن الأمير لن يكون سيئاً وخطيراً بالطبع. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن أيْ أمير فشل في واجبه الأساسي في الحفاظ على الأسرة الحاكمة — الذي دمر البلاد، أو تسبب في اضطرابات مدنية، واضطراب وصراع، أو عَرَّضَ مكانة الأسرة للخطر — واجه خطراً مباشراً إما بعزله أو اغتياله من قِبَل فرد آخر من عائلتهِ. على أيْ حال، حتى لو لم تَسْتَبْعِد مُصَادَفَة الولادة وتربيته أن الأمير قد يكون سيئاً وخطيراً، وفي الوقت نفسه فإن مُصَادَفَة الولادة النبيلة والتعليم الأميري لم يمنع أيضاً من أن يكون هاوِ غير مؤذي أو حتى شخص أخلاقي حسن.

في المقابل، فإن اختيار حكام الحكومة عن طريق الانتخابات الشعبية يجعل من المستحيل تقريباً أن يرتقي شخص حسن أو غير ضار إلى القمة. حيث يتم اختيار رؤساء الوزراء والرؤساء الدول لكفاءتهم المؤكدة باعتبارهم ديماغوجيين شَهْوانِيَّين غير أخلاقيين. وهكذا، فإن الديمقراطية تؤكد عملياً أن الرجال السيئين والخطرين فقط هم من سيرتقون إلى قمة الحكومة. وفي الواقع، نتيجة للمنافسة السياسية والاختيار الحر، سيصبح أولئك الذين يرتقون أفراداً سيئين وخطرين بشكل متزايد، ومع ذلك بوصفهم أَوصَياء مؤقتون وقابلون للتبديل، نادراً ما يتم اغتيالهم.

لا يسعني هنا إلا أن أقتبس هنري لويس منكن في هذا الصدد. يلاحظ بذكائه المميز أن “السياسيين نادراً ما يدخلون [في مناصب عامة] بالاستحقاق وحده، على الأقل في الدول الديمقراطية. في بعض الأحيان، يحدث ذلك بالتأكيد، ولكن بمعجزة فقط. فهم يُخْتارون بشكل طبيعي لأسباب مختلفة كُلْيَّاً، وأهمها قدرتهم على اسْتَهْوَاء المحرومين فكرياً وإبهارهم… هل يغامر أيْ منهم بقول الحقيقة الحقة والحقيقة الكاملة ولا شيء سوى الحقيقة حول وضع البلد، خارجياً أو محلياً؟ هل سيمتنع أيْ منهم عن صب الوعود التي يعرف أنه لا يستطيع الوفاء بها — التي لا يمكن لأيْ إنسان الوفاء بها؟ هل سيقول أيْ منهم كلمة، مهما كانت جَلِيَّة، من شأنها أن تنذر أو تنفر أيْ من شِرْذِمَة البُلَداء الجَسْيمة من الذين يتجمعون في الساحات العامة، ويَمَرَّغ في التفاهة التي تزداد نحافة ونحافة، آملاً بما لا أمل فيه؟ الجواب: ربما في الأسابيع القليلة في البداية… ولكن ليس بعد أن يكون لهم موضع قدم، والصراع مستمر بجدية… سوف يوعدون كل رجل وامرأة وطفل في البلد في كل ما يريده/ا. سيجوبون جميعاً الأرض بحثاً عن فرص لجعل الأغنياء فقراء، ومعالجة ما لا يُعالج، وإغَاثة ما لا يُغاث، وإصلاح ما لا يَصلُح، واطابة ما لا يُطَيَّب. سيعالجون الثآليل بصب الكلمات عليها، وسيُسَددون الدين القومي بالمال الذي لن يضطر أحد إلى كسبه. عندما يثبت أحدهم أن ٢ + ٢ هي خمسة، سيثبت آخر أنها ستة، ستة ونصف، عشرة، عشرون، إلى ما لا نهاية. بالمجمل، سوف يتملصون من شخصيتهم كرجال عاقلين، صريحين، صادقين، ويصبحون ببساطة مرشحين للمنصب، لاهثين خلف الأصوات فقط. سيعرفون جميعاً بحلول ذلك الوقت، حتى لو اُفْتُرِضَ أن بعضهم لا يعرفون ذلك حتى الآن، أن الأصوات تُجْمَع في ظل الديمقراطية، لا عن طريق الخطاب الحصيف، بل الخطاب السخيف، وسوف يتقنون دورهم بإتقان متعالي. معظمهم، قبل أن ينتهي الهرج والمرج، سيقنعون أنفسهم. وسيكون المنتصر هو من يَعْد بأكبر قدر ممكن ويفي بأقل قدر ممكن”.

يوليوس: أسد واحد أم عصبة ضباع؟ حكاية عن السلطة والتفرد.


ربما لم يعرف التاريخ قائدًا عسكريًا وحاكمًا فذًا مثل يوليوس قيصر. إمبراطور روما الأول، فاتح بلاد الغال، والقائد العسكري والسياسي الذي لم يذكر التاريخ مثله ولم تحمل الأرحام سواه. يكفي يوليوس عظيم الشأن أن سُمي شهر “يوليو” باسمه وهو أيضًا الشهر الذي ولد فيه، ولاحقًا سوف يُسمى شهر “أغسطس” على اسم أغسطس الإمبراطور، ابنه بالتبني والذي كان ابنًا في الأصل لأحد أشقائه. فأي رفعة شأن وعظيم مجدٍ نالهم كل من يوليوس وعائلته!
أفترض أنك سمعت باسم يوليوس قيصر عديد المرات في حياتك، أو قد قرأت اسمه في منهاج دراسي أو كتاب كنت تطالعه أو رواية على غرار رواية شكسبير التي حملت اسم يوليوس قيصر. لكن ما لم يخبرك أحدٌ به [ودعني أخمن أنه لن يفعل أحدٌ ذلك]، هو أن يوليوس كان ديكتاتورًا. على الأرجح سوف يصدمك هذا الخبر لأنك لم تسمع به من قبل ولم تتخيله من الأساس. فأي ديكتاتور هذا الذي يُسمى شهرًا في التقويم العالمي على اسمه؟ وأي ديكتاتور هذا الذي يُعد مثالًا يُحتذى به في شتى المجالات التي منها ما ذكرناه وما لم نذكره أكثر؟ بل أن قيصر لم يجعل نفسه ديكتاتورًا من خلال أفعال أو سياسات معينة على غرار الأنماط الديكتاتورية المعاصرة والتي نعرفها، وذهب بدلًا من ذلك إلى إعلان نفسه ديكتاتور (حاكم مطلق) في بيان قرأه أمام أنظار مجلس الشيوخ الروماني. لكن قيصر اختار مدةً محدودة لديكتاتوريته وكان أمدها عشر سنوات، وعلى أي حال فلم يكمل قيصر تلك السنوات العشر لأنه أُغتيل في مجلس الشيوخ على يد مجموعة من السيناتورات الرومان الذين كانوا يرون فيه تهديدًا للديمقراطية وللجمهورية الرومانية التي سوف تتحول بعد فترة وجيزة من اغتيال قيصر إلى إمبراطورية تُسقى بدماء قيصر ومجده.

تمثال رخامي ليوليوس قيصر. إيطاليا.

ربما الآن سوف تقول أن المصير الذي لاقاه قيصر لم يصدمك، فهو إمبراطور أو حاكم ديكتاتوري تم اغتياله حاله حال أقرانه من الديكتاتورات الذين سمعنا عنهم أو شاهدناهم يُقتلون أو يلقون حتفهم بطرق بشعة جزاء لما ارتكبوه من فظائع. لكن الأمر ليس كذلك، فقيصر ليس أي ديكتاتور، وهذا هو بالتحديد سبب عدم علمك بأنه كذلك. لأنك لو علمت بأن قيصر كذلك، من خلال المناهج الدراسية مثلًا، أو من خلال الكتب المطبوعة تحت رقابة الحكومات الحديثة، فسوف تتلاشى الفكرة النمطية المعاصرة عن “الديكتاتور”، وسوف تهبط أسهم الديمقراطية بالنتيجة وربما تعلن إفلاسها. الديمقراطية نفسها التي اغتالت قيصر! نعم، ودعني أكررها.. الديمقراطية هي التي اغتالت قيصر رغم صلاحه واستقامته كحاكم لجمهورية روما.
بعد المعارك العسكرية التي وقعت بين قيصر وجيشه من جهة، وبين “بومبي” وجيوشه متحالفًا مع مجلس الشيوخ والنبلاء من جهة أخرى (حيث أن بومبي كان قنصل روما الرسمي)، خرج قيصر منتصرًا على بومبي الذي كان جيشه يفوق جيش قيصر بثلاثة أضعاف، وذلك في معركة شهيرة وقعت بينهم في اليونان تُعرف باسم (معركة فرسالوس). عندما عاد قيصر إلى روما وشرع بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية وتشييد الصروح والبنى التحتية، عاد معه السيناتورات أيضًا ليمارسوا أعمالهم وواجباتهم في مجلس الشيوخ، كان قيصر قد عفى عنهم لوقوفهم مع بومبي ضده في الحرب، لكن ذلك لم يكن بالمجان. بإزاء ذلك، سوف يوافق مجلس الشيوخ على إعلان قيصر نفسه (حاكمًا مطلقًا) لروما لمدة عشر سنوات، ذلك ليتمكن من القيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية وتشريع القوانين خلال تلك المدة. فالمدة التي كانت متاحة للقنصل (أعلى منصب في الجمهورية الرومانية) هي سنة واحدة، يتم انتخاب قنصل، يصادق عليه مجلس الشيوخ، ويُستبدل بعد سنة واحدة، وهكذا..
لكن هذا لم يكن يكفي قيصر للقيام بإصلاحاته وخططه لتطوير الجمهورية. وبلغة معاصرة، فقد طلب قيصر أن يتم تمديد فترة حكمه لعشر دورات انتخابية بحسب النظام الروماني آنذاك. وافق المجلس على طلب قيصر [لينقذوا رقابهم بلا شك]، لكن السؤال هنا: أما كان يمكن لقيصر أن يقتلع رؤوسهم أو ينفيهم ويفعل ما يحلو له؟ بالطبع يمكنه ذلك. لكنه لم يكن ديكتاتورًا عبثيًا، ولم يكن طاغية مثل نيرون أو كاليغولا. كل ما في الأمر أنه طلب حكمًا مطلقًا لمدة عشر سنوات وبخلاف النظام السائد ذي السنة الواحدة آنذاك، ليتسنى له القيام بما كان يراه مناسبًا لتقوية نفوذ الجمهورية وتطويرها داخليًا. لم يُنقل عن قيصر إنه كان سفاحًا أو طاغية، وذلك ما يعزز نبالة مقصده في طلب الحكم المطلق. لكن خيوط المؤامرة بدأت تُحاك على قيصر منذ إعلانه حكمه المطلق، ومن داخل مجلس الشيوخ تم إعداد الطبخة، وتم اغتيال قيصر في قاعة المجلس نفسه. فهل كان أعضاء المجلس الذين تكالبوا على قيصر يحملون هم الجمهورية ويقصدون إصلاحها؟ أم أن مصالحهم كانت على المحك؟ الجواب هو الأخير بالطبع، فبعد أن كان أعضاء المجلس يعينون من يريدون قنصلا، ويتحكمون به وبالإعانات العسكرية، ويصادقون على شراء شحنات الحبوب وما إلى ذلك من الشؤون الإدارية، فقد رفع قيصر أيديهم عن كل ذلك. فلا غنائم حرب يحصلون عليها ولا نصيب من الصفقات ولا نفوذ يفوق القنصل. وهكذا فليس من المدهش أن يستشري الفساد اليوم في الديمقراطيات التي تحكم شتى بلدان العالم، طالما أن النفوذ بيد مجموعة نخبوية تراعي مصالحها ولا تأبه بالبلد.
في نهاية المطاف، تم اغتيال يوليوس قيصر في قاعة مجلس الشيوخ، نفسهم الشيوخ الذين عفى عنهم قيصر، تآمروا عليه واغتالوه بدافع نصرة الديمقراطية وإسقاط الديكتاتور. فها هو بروتوس (أحد أعضاء المجلس المتآمرين وأقربهم إلى قيصر)، يقول: “لقد قتلت قيصر ليس لقلَة حبي له، بل لأني أحب روما أكثر”. (روما) كانت تعني لبروتوس المصالح، النفوذ، الأموال، الجاه والترف والبذخ. وقيصر كان نقيض كل ذلك وسبب تضائله، فلا عجب إذن أن يقول بروتوس ذلك، لكن السر يكمن في معرفة مرجعية بروتوس التي ينطلق منها لحب روما الذي يجعله يقتل قيصر الذي يحبه أيضًا. وهكذا فعل المجلس فعلته، وأعقب ذلك أعمال شغب واستياء شعبي غضبًا من اغتيال قيصر، ثم تفاقمت الفوضى ليتمخض عنها حربًا أهلية دارت رحاها لما يقرب من عامين. إذن فقد كان بروتوس محقًا في مقولته، لكن من وجهة نظره هو ومن معه بالتأكيد، فالنظام الديمقراطي الذي كان قائمًا قبل قيصر كان يمدهم بالثروة والنفوذ غير المنقطعين، وبمجيئ قيصر انقطع عنهم ذلك وتم تقويض سلطاتهم.
يقول نيكولاس غوميز دافيلا: “كلما ازدادت جدية مشاكلها، ازداد عدد الرجال غير الأكفاء الذين تناديهم الديمقراطية لإصلاحها”. وهذه الشذرة هي تجسيد صارخ لما ارتكبه أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. فبدل أن يفسحوا المجال ليوليوس قيصر ويتركوه ليهتم بشؤون الجمهورية، فقد ارتكبت أيديهم جريمة سوف تحول الجمهورية الرومانية إلى إمبراطورية سبقتها حربًا أهلية طاحنة بسبب اغتيال قيصر. كان الإمبراطور الأول بعد قيصر هو أغسطس، وهو أبن شقيق قيصر وابنه بالتبني، وقد استتب له الحكم بعد أن اقتص ممن اغتالوا قيصر. والعبرة من هذه القصة هي أنه إذا كان هناك ديكتاتور واحد، فيوجد في المقابل شياطين ديمقراطيين. وليس بالضرورة أن يكون الديكتاتور طاغية، فهذه الصورة النمطية العصرية التي تصور كل ديكتاتور بأنه فاحش وسفاح وطاغية هي من تصوير الديمقراطية والمستفيدين من قيامها. ينبغي التذكير بأنني لا أقول أن كل ديكتاتور هو قيصر، ولا العكس أيضًا، ولكن ألا تلاحظ بأن الديكتاتور يصبح شريرًا فقط حين تتضارب مصالحه مع مصالح الديمقراطيين؟ ألم تلاحظ مثلًا أن كيم جونغ إيل، رئيس كوريا الشمالية، كان يشكل تهديدًا على الأمن القومي للولايات المتحدة أكثر من صدام حسين في عام 2003؟ ألم تقارن يومًا بين عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وحسني مبارك لتعرف أيهما كان طاغية وسفاحا؟
في عهد يوليوس، كان النظام السائد هو أن يحكم القنصل لمدة عام واحد، أما الآن فالنظام السائد هو أن يحكم الرئيس أربعة أعوام. في عهد يوليوس، كانت مطالبته بالاستمرار لعشر أعوام في الحكم تضعه في خانة الديكتاتورية، أما اليوم فيحق لأي رئيس أن يتم العشرة أعوام بقضائه دورتين انتخابيتين على سدة الحكم. وهكذا نعرف أن المعايير التي تصنف الديكتاتور مختلفة باختلاف الدهور، وأن الطاغية شيء والديكتاتور شيء آخر. ولكن كما قلنا فإن هذا لم ولن يمر عليك لأنه يتعارض مع المصالح الديمقراطية. ألا تلاحظ تكرار وصف “الطاغية”؟ أعتقد بأن المفاهيم وضحت لديك الآن، وأنك بتَّ تعلم بأن الطاغية هو نقيض الديمقراطية الأكبر، وليس الديكتاتور، وأن الديكتاتور هو مجرد حاكم لن يقوم بتسليم السلطة إلى حين وفاته، ولكن ما الضير أن يبقى الديكتاتور حاكما إذا كان صالحًا ببساطة؟ ديكتاتورًا صالحًا؟ ما هذا الهراء؟ [ربما يمكنني تخيل سماعك وأن تقولها]. لكن سواء أعجبك هذا أم لم يعجبك، فهناك ديكتاتورات صالحين. تبحث عن أمثلة؟ يبدو أنك نسيت يوليوس قيصر! يارجل.. دعنا نتكلم في الحاضر، حكام الخليج أمامك كلهم يعدون ديكتاتورات حسب المفاهيم المعاصرة، هل ثارت عليهم شعوبهم؟ أم هل سمعت أحدًا ينادي بإسقاطهم، أو هل لا تتمنى أنت بأن تصبح أو لو كنت ولدت خليجيًا لتنعم تحت حكمهم؟

في النهاية أود أن أنصح بقراءة كتاب “الديمقراطية، الإله الذي فشل” للمؤلف هانز هيرمان هوبه. والكتاب مترجم ومتوفر بصيغتيه الورقية والإلكترونية، وقد بذل المؤلف جهدًا حثيثًا عليه ليثبت أن الديمقراطية هي أسوأ نظام يمكن أن يحكمك، لأن شياطينها كثيرين، وطواغيتها الذين يختبئون خلف الستائر هم أخطر أنواع الطواغيت. وإذا كان الديكتاتور أو السفاح الفاسد يمكن استبداله بقطرة سم أو طعنة خنجر أو رصاصة صغيرة، فإن في الديمقراطية حلقات من هؤلاء لا يمكن إسقاطها ولا الإحاطة بها لتقويضها أو القضاء عليها.\

لا تنسَ: الدكتاتور واحد، وفي الديمقراطية شياطين.

خرافة الإرادة الشعبية .. وماذا جنينا منها؟

في البدء دعنا نطرح السؤال التالي: ما هو مقدار الصلاح الذي جنته بلدان الربيع العربي جراء تفتح أزهار الإرادة الشعبية في مقابل نسبة الخراب والدمار والإنهيار؟ هذا إذا سلمنا بوجود نسبة صلاح على الأرض أساسًا. من ثم ينبغي تقييم مستوى صواب الإرادة الشعبية انطلاقًا من هذا المعيار.

فلنأخذ مثالًا صارخًا على ضحالة الإرادة الشعبية وهو المثال المصري المتجسد في ثورة 25 ينايرالتي طالبت الإرادة الشعبية من خلالها بتغيير النظام، وقد حصل. فما هو البديل الذي قدمته الإرادة الشعبية؟ وكم لبث في الحكم؟
لم يكن غريبًا على إرادة المسحوقين – كما يخبرنا التاريخ وهو خير مخبر – أن تختار بين اثنين: إما شيوعي/اشتراكي أو إسلامي. وفي مصر كان الخيار واضحًا، فبعد أن قام الضباط الأحرار بالإطاحة بوثن الشيوعية قبل أن يكتمل تشييده في مصر، برز قطبي الإخوان المسلمين والعسكر ليتصدروا المشهد السياسي المصري. بيد أن حماقات الإخوان وجرائمهم التي ارتكبوها لم تترك مجالًا أمام خصومهم لتمكينهم من مصر، بدءًا من عمليات الاغتيال التي طالت أحمد ماهر باشا، وأحمد الخازندار، والنقراشي، وليس انتهاءً بفرج فودة وآخرون. ولن نمر على التفجيرات والعمليات الإرهابية لأنها أكثر من أن تُحصى وتُذكر في معرض حديثنا هذا.
كانت القنوات الإعلامية الإخوانية قد دأبت إبان الثورة على تصوير المؤسسة العسكرية بوصفها “مؤسسة مبارك” التي لا تنتمي إلى الشعب أكثر منها إلى الحاكم – وهكذا تم أدلجة الإرادة الشعبية على صراع بين الخير والشر، بين الدكتاتور والعادل، وبين الظالم والمظلوم. لكن أقلام وعدسات الإعلام الإخواني ظلت مركزة طوال فترة قيام الثورة على إبراز جانب الشر المتمثل في نظام مبارك عمومًا، ولم تفصح عن الطرف الآخر إلا بعد تنحي مبارك. وقد كانت هذه لعبة رابحة أجاد إعلام الإخوان تأديتها. فبعد تنحي مبارك وخلو الساحة من الخصوم السياسيين، تم طرح الإخوان بوصفهم ترياقًا لضعف المسحوقين، إلى جانب سردية سحق الإخوان نفسهم في وقت سابق، والتي مكنتهم من اللعب على وتر المظلومية واستغلال عاطفة الإرادة الشعبية – التي ليس بحوزتها ما يمكن استغلاله غير ذلك – وضف على ذلك بهارات دينية لتخرج بفطيرة إخوانية تُسيل لعاب الإرادة الشعبية. هناك عامل إعلامي آخر مهم، وهو الإلحاح على تغطية كل شاردة وواردة عن الثورة بواسطة إعلام الإخوان، وهو ما جعلهم – في نظر العامة – ترياقًا لضعفهم.
بيد أن هذا البديل، أي خيار الإرادة الشعبية، لم يلبث أن تمكن من الحكم حتى عاود عزف لحنه المعهود: سحق الفن، تطويع الصحافة والإعلام، تصدير نفسه نموذجًا للخلافة. إلى جانب التظاهرات التي خرجت ضد حكم الإخوان بعد ما ضاقت مصر بهم ذرعا بعد أقل من عام على توليهم للسلطة – والتي وصفها إعلام الإخوان وقياداته بأنها “خروج على الحاكم”، بينما كان يصف مظاهرات الخروج على مبارك بأنها “جهاد واجب” – فربما كانت قضايا ترهيب الفنانين هي النقطة الأبرز التي ساهمت بالاطاحة بنظام الإخوان، إذ يعلم الجميع بأن بوابة مصر العربية هي فنها بكافة صنوفه، وبينما قام الإخوان بشن حملة هوجاء لتدمير هذه البوابة – من منطلق إسلامي- والشروع بغرز أيديولوجية إسلامية لإحياء جناح الإخوان السياسي بوصفه قوة لا تُقهر،وبداية حقبة من تقويض الدين لصالح السياسة إيذانًا لبداية حكم الخلافة، نتج عن ذلك استحواذًا عسكريًا على السلطة جنّب مصر كابوسًا ما كانت لتستيقظ منه. إذ يمكننا تخيل تشكيل ميليشيات إخوانية لتنفيذ الاغتيالات والاعتقالات والترهيب – بما أن المؤسسة العسكرية لم تكن مخترقة بما فيه الكفاية على غرار المؤسسة الإعلامية لتطويعها بيدهم. ويمكننا تخيل سيناريو تخوض فيه مصر حربًا بالنيابة لتثبيت أرجل كرسي الخلافة. ويمكننا – بحسب التجارب التاريخية – تخيل نشوب حربٍ أهلية تسحق مصر ومن فيها، وفتاوى تكفيرية وجهادية وتحريضية تتخطى إطار الدولة متحصنة بالمقدس الديني.
وهكذا فأنت ترى نتائج الخضوع للإرادة الشعبية، فلا صلاحٌ تحقق، ولا حكمٌ دام، ولا وخارطة طريق واضحة وضعت ليسير عليها البلد. ربما يمكننا القول بأن ألطاف القدر قد وهبت مصر رجالًا استطاعوا تجنيبها هذا الكابوس الناتج عن التنويم المغناطيسي للإرادة الشعبية، فمصر المستقرة والناهضة حاليًا ليست من صنع الإرادة الشعبية، بل من صنع هؤلاء الرجال الذين وهبتهم لها ألطاف القدر. ورغم ذلك فإن الإرادة الشعبية لم تُعجب بهذا وراحت تطلق العبرات على حكم الإخوان الزائل. وهكذا فقد تعلمنا درسًا في عدم التعويل على تلك الإرادة التي تتحكم بها العاطفة والإيديولوجيات التي تبث عبر الإعلام، والتي لا تتحلى بأي بعد نظر سياسي أو حنكة قيادية لإدارة الأزمات، بل هي التي تخلق الأزمات وتذهب ببلدها إلى الهاوية.

إن الأزمات الناتجة عن قصور الإرادة الشعبية كثيرة عبر التاريخ، لكن لنبقى في دائرة الربيع العربي وننتقل هذه المرة إلى سوريا، حيث أن سياق الأحداث فيها كان مشابهًا لأحداث مصر، لكن الطبخة قد اكتملت هذه المرة. احتجاجات شعبية – بقيادة الإرادة الشعبية – من ثم استغلال إسلامي/إخواني، ومن ثم خرابًا مأساويا. وربما يدور سؤالاً في خلد القارئ عن سبب ضلوع الإخوان المفرط في دوامة الصراعات والأزمات السياسية الناتجة عن حماقة الإرادة الشعبية: ذلك أن الإخوان يريدون بلدًا ليقيموا فيه دولة للخلافة، ولا يهم أيما كانت هذه البلد، وهناك بغلة جاهزة ليركبوها في سبيل غايتهم، ألا وهي الإرادة الشعبية. وهذا ما يفسر ظاهرة ركوب الإخوان لأمواج الثوَران الشعبي مسخرين كافة إمكاناتهم في خدمة ذلك.
دعني أخمن بأنك قارئ معاصر وشاهد على الأزمة السورية منذ بدياتها، وتحسبًا لذلك فأنني لن أسهب كثيرًا في هذا الشأن. لكن دعنا نلقي نظرة فاحصة على أطلال الإرادة الشعبية:
– ثورة شعبية = أزمة أمنية وخرق تام للقانون= استغلال إرهابي للأزمة بسبب الواضع المواتي لبروز الحواضن الإرهابية= دعم إخواني وغربي/يساري لهؤلاء الإرهابيين بحجة مقاومتهم لقوات النظام -لاحظ أن دعم الإرهاب أصبح مشروعًا ورسميًا- = انشقاق بين هؤلاء الإرهابيين نتج عنه إقامة دولة الخلافة في العراق والشام متسلحًا بهبات الإخوان والغرب= أزمة إنسانية وعرقية وإثنية راح ضحيتها الآلاف من البشر، والمئات من الثروات والمواقع الأثرية والصروح الحضارية. من ثم:
– بحسب البنك الدولي في عام 2018؛ فقد بلغت خسائر سوريا 226 مليار دولار خلال سبع سنوات فقط.
– تدمير وضرر 27% من الوحدات السكنية في سوريا.
– 6 من بين كل 10 سوريين يعانون من الفقر – كم كانت هذه النسبة قبل الأزمة؟
– تعرض قطاع الصناعة السوري لنسبة تدمير بلغت 67%.
– أضرار القطاع الزراعي بلغت 25 مليار دولار.
– أضرار القطاع السياحي بلغت 14 مليار دولار.
– إلى جانب استنزاف 70% من الأطباء الذين تعرضوا للتهجير أو القتل أو الاختطاف، فقد بلغت أضرار القطاع الصحي 12 مليار دولار إلى جانب تدمير 38 مستشفى و 450 مركزًا صحيًا.
-بحسب الجهات المختصة ومن ضمنها رقابة حقوق الإنسان، فقد بلغ عدد الضحايا 400.000 قتيل، إلى جانب 5.000.000 مليون لاجئ و 6.000.000 نازح و 540.000 محاصر في ساحة الحرب.
– 2.8 مليون طفل أصبحوا بلا دراسة. 6.000 مدرسة خارج الخدمة. 400 مليون دولار خسائر قطاع التعليم.

إن أضرار الإرادة الشعبية في سوريا لم تكن محلية فقط، وإنما إقليمية ودولية أيضًا، وإذا صح تخميني بأنك شاهدٌ معاصر، فينبغي أنك شاهدٌ على انبثاق الفصائل الإرهابية المسلحة من صلب الثورة السورية، والتي انتقلت بدورها للعراق وأدخلته في صراع بالنيابة عن العالم ضد أعتى تنظيم إرهابي مسلح شهده العصر الحديث، وذلك ما أعطى الشرعية لانبثاق فصائل وميليشيات دينية مضادة سوف تصبح عما قريب أذرعًا إقليمية لتنفيذ تعليمات ومخططات ولاية الفقيه، ونخر الدولة العراقية وترهيب المدنيين وإرساء شريعة الغاب رسميًا.

فكيف بربك بلدًا ضارب عمق التاريخ بحضاراته يصبح رهنًا بعمامة جيرانه؟
وكيف تتحول سوريا من حاضنة للترفيه والترويح إلى بلد يقترن اسمه بالموت والتشرد والترهيب والترويع؟
وكيف يتحول اليمن السعيد تعيسًا؟
وكيف تتحول تونس الخضراء يباسا؟
وكيف يتمكن سرطان الخلافة مرةً واحدة من هذه البلدان مجتمعة ليحولها إلى ساحات قتال تغص بجند الخلافة؟
أوليس وقوع هذا هو إدانة للإرادة الشعبية التي يدغدغها وقع كلمة “ثورة”؟ فشكرًا أيتها الإرادة الشعبية!

إن الإرادة الشعبية هي مجموعة المطالب والغايات التي تبتغيها العامة بدافع حسدها لمنازل الخاصة، وأن قوام إرادتها وصواب بغيتها هو محض خرافة، ومهما بذلت لها الأجندة الإعلامية من دعم ونصرة، وإجلال وحفاوة، فذلك ابتذال لا يعول عليه في صنع خارطة طريق مستقبلية ليسير عليها بلدًا يمني النفس بدولة ذات مؤسسات ورخاء واستقرار.