في تطوّر سلوكيَّات الإنسان

تبدي إحدى الطيور المعروفة بإسم صائدات الذباب سلوكاً دفاعياً لإبعاد الحيوانات المفترسة عن أفراد الأنواع الأخرى غير المرتبطة بها بيولوجيا ، ونجد في الخفافيش مصاصة الدماء تكرار عملية استفراغ الدم الذي قامت بامتصاصه عندما تجد اصدقاءها جائعة وفي حاجة ماسة اليه.
لا شك في الأصل التطوري لبعض الصفات التي توارثها الإنسان كالتعاون و الايثار المتبادل و الكرم بسب حاجته إلى تعزيز العلاقات الاجتماعية و يعود عليه مكسب ذلك التضامن كوسيلة ناجحة للبقاء.

تنعكس بعض الصفات التطورية في الإنسان إلى وسائل ينجو من خلالها، لذلك وصف تلك الوسائل التي ساعدت في بقائه و وفرت له نظاماً اجتماعيا رائعا “بالفضائل “.

إن هذا التتابع في تطور المجتمعات البشريَّة يفنِّد ما قدّمه ماركس (وما قدَّمه فريدريك أنجلز بشكلٍ متناغم) من وجهة نظرٍ قائمةٍ على أساس الصراع الطبقي، معتمداً على نظرية الديالكتيك لـ “هيكَل”، والتي أشار فيها إلى أن طبقة البرجوازية وطبقة البروليتاريا ليس سوى نقيضين متصارعين، سيولّدان حالة جديدة مركَّبة في نهاية هذا الصراع، وهذه الحالة ستولّد نقضياً يكون في حالة صراع معها.

تكمن في وجهتي نظر ماركس وأنجلز مشكلة رئيسة، فصحيح أن الحياة البشرية لم تخلو من الصراعات وكان بعضها سبباً في صعود أمَّة وحضارة وتلاشي أخرى ، ولكنها لم تكن أساساً في العلاقات الاجتماعية في المجتمعات البشريّة وبالتالي ليست سبباً رئيساً في تطور الحياة الاجتماعية والتحضّر!، إذ لو كان الأمر كذلك -كما يراه ماركس وأنجلز- فليس هنالك من سببٍ منطقي من أن يكون هذا الصراع بين فرد وآخر، وعندها يستحيل نشوء أي طبقة.

فبعد ظهور الثورة الزراعية ونشوء العائلة النووية وانتقال الإنسان من المجتمع البدائي إلى تأسيس الحضارة التي من خلالها أصبح قادراً على ترويض غرائزه للاستمرار والتكيف ضمن نظام وقوانين و مُثل عليا، صار يُعرّف تلك الفضائل على إنها سمة الإنسان النبيل الذي يفعل الفضيلة ولا يعول على ثوابها( مفهوم الفضيلة النيتشوي)* بل يحقق خلالها تكامله الذاتي ( مفهوم الفضيلة الكانطي)*.

عبّرتْ المثيولوجيا عن الفضائل كعنصر أساسي تدور حوله شخصيات الحكاية، بل تصل الفضيلة على إنها جوهر الأسطورة و مرادها الحقيقي، على سبيل المثال تبدأ الملحمة الشهيرة عندما تسقط النبتة في فم الثعبان و تنتهي يرتفع جلجامش في خلود أعماله.

أن الشعور بالتوفق يأتي من إحساس الرجل النبيل كونه مؤثراً في مجتمعه فهو لا يقيم أهمية لما ينفق بل يهتم كيف سيعيش بعد رحيله الاخير ، ويتجلى ذلك في عدة فضائل منها الكرم.

أُشتقت لفظة الكرم التي تعني بالإنجليزية generosity من الكلمة اللاتينية Genereux ، ومعناها “ولادة نبيلة” ( of Noble brith) وهو تعبير يرمز إلى صفة الرجل الأرستقراطي من السلالة العالية أو الولادة النبيلة، وبقى هذا التعبير دارجاً حتى نهاية القرن السادس عشر، ثم انتقلت خصوصية هذه الصفة خلال القرن السابع عشر من كونها إرثاً عائلياً للطبقة الراقية إلى إعتبارها صفة نبيلة يتسم بها من يملكها.

لا يمكن القول أن الفضائل قد أشرفت على الزوال، لكن تحول الانسان من كائن اجتماعي إلى متمرد على طبيعته البشرية أفضى إلى تعريف جديد للفضيلة يوائم تطلعاته الفردانية .

وكَتَبَ: أحمد حمندي ومحمد المشاري.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s