تلاوات من الذكر الديمقراطي الحكيم

عندما تأسست عصبة الأُمم على أيدي الحلفاء في أعقاب انعقاد مؤتمر باريس للسلام عام 1919 كانت أهدافها واضحة: تعزيز السلام والحد من التسليح وحل الصراعات الإقليمية – وما إلى ذلك من عناوين تهدف إلى تحقيق السلام العالمي. إلا أن هذه العناوين وما تبعها من صياغات قانونية واتفاقية وتعاقدية لم تسري على الحلفاء أنفسهم، بحيث أنهم قرروا تقسيم الشرق الأوسط إلى مستعمرات توزَّع عليهم حسبما شاؤوا في ذات الوقت الذي أقرّوا فيه “تعزيز السلام” و “الحد من التسليح” و “القضاء على العبودية” و “حق الشعوب في تقرير المصير”. لذا فأن عصبة الأُمم كانت منذ التأسيس جمعية دولية تخدم مصالح الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الأولى، وتُحلل ما يحللونه وتُحرم ما يحرمونه. لكن وكما عودتنا الأديان الإبراهيمية، فإن الحرام لا يسري على الأنبياء: وهكذا فإن أنبياء عصبة الأُمم الأوائل حاولوا تطبيق استراتيجية نزع السلاح على الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى من خلال معاهدة فرساي. في حين لم يكونوا هُم أنفسهم راغبين بتطبيق تلك الاستراتيجية على أنفسهم لاعتبارات شتّى. وفي حين كُنّ فرنسا وبريطانيا هُنّ القوتان المهيمنتان عالميًا، فليس من المستغرب أن تكونا أيضًا القوتان الأكثر نفوذًا وهيمنة في العصبة، بل والمؤسِسَتان لها منذ البداية. لذا فليس من المستغرب أن تُقسم كل من فرنسا وبريطانيا دول وبُلدان الانتداب فيما بينهما وتذهبان إلى الدخل العسكري لفض نزاعاتهن باسم العصبة عوضًا عن انتهاج استراتيجية فرض العقوبات على سبيل المثال.

لذا وكما رأينا فإن عصبة الأُمم كانت منذ التأسيس روضة مقدسة يوحي بها الحلفاء ما يوحون به من آيات محكمات لا يأتيهن الباطل. وأن تلكم الآيات لن تسرين على مُنزليهن بالطبع! ولكن على أي حال فإن عصبة الأُمم لم تستمر طويلًا، وقد أدّت إخفاقاتها ونقاط ضعفها إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية التي جعلت من أوروبا حفرة من الجحيم والخراب. لكن حل عصبة الأمم في عام 1938 تبعه تأسيس جمعية الأمم المتحدة في عام 1943 بنفس المهام والآليات، وتخيل؛ على أيدي نفس الحلفاء! بل وهذه المرة بمهام أوسع وصلاحيات أرفع. ومن رحم ديانة الأُمم المتحدة ولِد فقه حقوق الإنسان ومذهب مجلس الأمن الدولي وشريعة محكمة العدل الدولية وما إلى ذلك من الهياكل المتوالدة. ولكن من الذي يحدد أُطر حقوق الإنسان؟ فقهاء الأُمم المتحدة. من الذي يشرعن العدل ويقيمه؟ فقهاء محكمة العدل الدولية. من الذي يختار امتلاك أسلحة ذرية من عدمه؟ فقهاء الوكالية الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. من الذي يمنحنا حق تناول الأدوية من عدمه؟ فقهاء منظمة الصحة العالمية التابعة للأُمم المتحدة. وبالمثل مع صندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية وعددت ما شئت. إلا أن بذرة التأسيس الأولى لم تتغير: الحلفاء هُم المؤسسون > القوانين التي يشرعها الحلفاء لا تسري عليهم بالضرورة > شنّ الحروب وتعيين الانتدابات والاستعمار من حق الحلفاء فقط.

وهكذا ليس من المستغرب أن يظهر مراسل محطة CBC ويقول على الملأ مندهشًا أن المدنيين الأوكرانيين الذين يقبعون تحت نير الحرب اليوم هُم ليسوا “عراقيين” ولا “سوريين” بل “شعب متحضر ذي عيون زرقاء”. ذلك أن الأدبيات والسرديات التي ترعرع عليها هذا المراسل لقّنته أن فقه الإنسان وحقوقه هو وحي سماوي نزل على الغرب وحده، على الحلفاء وحدهم، وكل من سواهم خارج دائرة الفقه الإنساني أو على الأقل لا يضيره القصف بالصواريخ أو الفسفور أو القنابل الذكية التي تخترق الملاجئ. وبالمثل، لم يلقي جنود شركة بلاك ووتر بالًا لسحق المدنيين العراقيين وارتكاب المجازر بحقهم، لأنه لُقِّن على أن البشر الذين يقطنون خارج حدود الغرب لا يندرجون ضمن فقه حقوق الإنسان أو شريعة المظالم الإنسانية طالما أن عيونهم ليست زرقاء ولا يعرفون شيئًا عن الموز أو الأناناس أو الإنترنت.

إن اتباع طريق البراغماتية والنفعية السياسية ومراعاة المرء لمصالح بلده ليس أمرًا مشينًا بالضرورة. إلا أن المشين هو التلون والالتفاف على القوانين والتشريعات التي يُفترض أن يلتزم بها العالم أجمع. وهذا هو بالضبط ما فعله – ولا يزال يفعله – الحلفاء، سواء الأولين منهم أو اللاحقين. فصار من حق الحلفاء وحدهم تعيين الجاني والمجني عليه بغض النظر عن الواقع. وصار من حقهم وحدهم إدارة المسرحيات الدولية والخروج منها حتّى وإن فسد العرض وتحول إلى تراجيديا قاتمة. فما الذي لحق بأمريكا حينما تدخلت عسكريًا في حرب الخليج الأولى وأفنت البنية التحتية للعراق وأرجعته إلى العصر الحجري بحسب تعبير وزير دفاعها آنذاك؟ هل خسر صدام حسين في حينها ولو ربطة عنق أحرقتها صواريخ سكود التي أمطرت بغداد؟ كلا. إن الذي تهدم وأُفني هي المؤسسات والبُنى التحتية التي يعتاش عليها شعب العراق بالكامل: المصافي والآبار النفطية؛ دوائر الاتصالات والتلفزيون؛ ملجأ العامرية ومئات الأطفال الذين أحرقتهم صواريخ ديانة الديمقراطية وهُم أحياء؛ دوائر ومحطات الكهرباء؛ دوائر ومحطات المياه؛ من ثم حصار جائر أمات الأطفال في مهودهم وأحرق أكباد الثكالى وجعل جيل كامل من البشر ينشأ ويترعرع وهو لا يعرف شكل أو طعم حبة الموز أو الأناناس.

ثم ماذا جنت أفغانستان من التدخل العسكري الأمريكي؟ ولماذا تدخلت أمريكا أصلًا في أفغانستان؟ لأنها كانت مطمع للاتحاد السوفيتي المنافس للحلفاء. كيف عالجت أمريكا هذا التنافس؟ مولت الجماعات الإسلامية بالمال والسلاح لتقاتل القوات السوفيتية؛ من ثم فرخت طالبان والقاعدة وبفية الحكاية لا تحتاج إلى سرد.

ثم ماذا عن اجتياح العراق في عام 2003؟ هل حصلت أمريكا على تفويض الأُمم المتحدة؟ كلا. رفض مجلس الأمن الدولي التصويت بالأغلبية على قرار الاجتياح. ومع هذا ضربته أمريكا بنعلٍ قديم وأخذت زمرتها وراحت تدخل العراق. ما الذي ترتب على ذلك؟ لا شيء؛ فأمريكا نبي من أنبياء الأمم المتحدة، وليس على النبي حرج. ماذا ترتب على مجازر شركة بلاك ووتر الأمريكية في العراق؟ لا شيء؛ لأنها من آل بيت النبي. ماذا ترتب على استخدام الفسفور في معارك الفلوجة التي لا زالت آثارها ظاهرة إلى اليوم؟ لا شيء؛ لأن أسلحة النبي مُسددة من الله، وما رمى إذ رمى ولكن الله رمى.

إن المشهد السياسي العالمي منذ مطلع القرن العشرين هو عبارة عن أيديولوجيا مقدسة يدّعي الحلفاء المؤسسون للأمم المتحدة أنهم أنبياؤها والحواريون هُم من انضموا إليهم فيما بعد. فما من طرف يحيد عن شريعتهم إلا وكان نصيبه الزندقة والتكفير والعقوبات الدولية والحصار. بل أنهم صاروا يطبقون هذه الشريعة حتّى على شعوبهم: فمن يتظاهر لأجل حياة السود هو خير المؤمنين وإن خرّب وهدّم وحطّم وسرق، ومن يتظاهر لأجل المطالبة بتخفيف بعض القيود أو السياسات الحكومية هو أخسر الخاسرين وأضلهم سبيلا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s