لمـاذا تـكافئ الديـمقراطيـة أبـشع البـشر؟

لماذا تكافئ الديمقراطية أبشع البشر،
هانز هيرمان هوبه – ٦/١٠/٢٠١٦
ترجمة: بهـــــــــاء محمد نوري.

أحد أكثر الآراء مقبولية على نطاق واسع بين الاقتصاديين السياسيين هو: إن كل اِحْتِكَار سيء من وجهة نظر المستهلك. يُفهم الاِحْتِكَار بمعناه الكلاسيكي على أنه امتياز حصري يُمْنَح لمُنْتِج واحد لسلعة أو خدمة، أيْ، كغياب الدخول الحر إلى خط إنتاج معين. ,بعبارة أخرى، وَكَالَة واحدة فقط، أ، تنتج سلعة معينة، س. أيْ مُحْتَكِر على هذا النهج سيء للمستهلكين لأنه، محمياً من الدُخَلاء الجُدد المحتملين في مجال إنتاجه، وسيكون سعر مُنْتَج المُحْتَكِر س عالي وجودةْ س هَابِطة.

كثيراً ما تم التذرع بهذه الحقيقة الأولية كحجة لصالح الحكومة الديمقراطية بدلاً من الحكومة الكلاسيكية أو المَلَكِيَّة أو الأميرية. وذلك لأن الدخول إلى الجهاز الحكومي في ظل الديمقراطية اخْتِيَارِي — يمكن لأيْ شخص أن يصبح رئيساً للوزراء أو رئيساً للدولة — بينما في ظل النظام المَلَكِيّ يقتصر على الملك ووريثهِ.

ومع ذلك، فإن هذه الحجة لصالح الديمقراطية معيبة مُهْلِكة. فالدخول الاخْتِيَارِي ليس بالجيد دائماً. الدخول الاخْتِيَارِي والمنافسة في إنتاج السلع أمر مُستَحّسن، ولكن المنافسة الحرة في إنتاج السيئات ليست كذلك. الدخول الاخْتِيَارِي في أعمال تعذيب الأبرياء وقتلهم، أو المنافسة الحرة في التزييف أو الخِداع، على سبيل المثال، ليست جيدة؛ إنها أسوأ من السوء. إذن أيْ نوع من “الأعمال” هي الحكومة؟ الجواب: إنها ليست مُنْتَجاً اعتيادي للسلع المُباعة للمستهلكين الطوعيين. بل هي “أعمال” مُنْشَغِلة بالسَطْو والمُصَادَرَة — عن طريق الضرائب والتَزْوِير — وتسييج السلع المسروقة. وبالتالي، فإن الدخول الاخْتِيَارِي إلى الحكومة لا يُحَسّن شيئاً جيدًا. في الواقع، إنه يزيد الطين بِلَّة، أيْ أنه يُحَسّن الشر.

بما أن الإنسان إنسان فإن له طبيعة، وفي كل مجتمع هناك أشخاص يطمعون في ممتلكات الآخرين. ويعاني بعض الأشخاص من هذه الخالِجَة أكثر من غيرهم، لكن الأشخاص عادةً ما يتعلمون عدم التصرف بناءاً على هذه الخوالِج أو حتى ينتابهم خجل الاختلاف إليها. بشكل عام، لا يتمكن سوى عدد قليل من الأفراد من كَبْح طمعهم في ممتلكات الآخرين بنجاح، ويتم معاملتهم كمجرمين من قبل جِنْسهم من الرجال ويتم كَبْحهم عن طريق تهديهم بالعقاب الجسدي. في ظل الحكم الأميري، يمكن لشخص واحد فقط — الأمير — أن يتصرف قانونياً بناءاً على الرغبة في ملكية شخص آخر، وهذا ما يجعله خطراً محتملاً و”سيئاً”.

ومع ذلك، فإن الأمير مقيد في رغباته في إعادة التوزيع لأن جميع أفراد المجتمع تعلموا اعتبار أخذ وإعادة توزيع ممتلكات رجل آخر أمراً مُخْزياً ولاأخلاقياً. وبناءاً على ذلك، فإنهم يرصدون كل عمل يقوم به الأمير بريبة بالغة. في تناقض واضح، عند فتح باب الدخول إلى الحكومة، يُسمح لأيْ شخص بالتعبير بحرية عن رغبتهِ في ممتلكات الآخرين. ما كان يُنظر إليه سَلَفَاً على أنه غير أخلاقي وبالتالي يتم كَبْحَه يُعتبر الآن خالِجة مشروعة. يمكن لأيْ شخص أن يطمع علانية في ممتلكات أيْ شخص باسم الديمقراطية؛ ويمكن لأيْ شخص أن يتصرف بناءاً على هذه الخالِجة في ملكية شخص آخر، ما أن يجد دخول في حكومة. وبالتالي، في ظل الديمقراطية يصبح كل شخص تهديداً.

وبالتالي، في ظل الظروف الديمقراطية، يتم تعزيز الرغبة الشعبية، وإن كانت غير أخلاقية ومعادية للمجتمع، بالاستيلاء على ممتلكات رجل آخر بشكل منهجي. كل مطلب مشروع إذ ما تمت المطالبة به علناً تحت الحماية الخاصة لـ “حرية التعبير”. يمكن التصريح والمطالبة بكل شيء، وكل شيء مُباح الاستيلاء عليه. ولا يُعفى حتى حقوق الملكية الخاصة التي يبدو أنها الأكثر أمناً من طلبات إعادة التوزيع. والأسوأ من ذلك، رهناً بالانتخابات الجماعية، سوف يميل أولئك الأفراد من المجتمع الذين لديهم القليل أو لا موانع من الاستيلاء على ممتلكات شخص آخر، أيْ أولئك الأخلاقيون المعتادون الموهوبون في تجميع الأغلبية من العديد من المطالب الشعبية الشَهْوانِيَّة غير المتوافقة مع بعضها البعض (ديماغوجيون حاذِقون) إلى الدخول والارتقاء إلى قمة الحكومة. وبالتالي، يصبح الوضع السيئ أسوأ.

تاريخياً، كان اختيار الأمير يكون رهن مُصَادَفَة ولادته النبيلة، وكانت مؤهلاته الشخصية الوحيدة عادةً نشأته كأمير مستقبلي وحافظ للسُلالة ومكانتها وممتلكاتها. هذا لم يؤكد أن الأمير لن يكون سيئاً وخطيراً بالطبع. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن أيْ أمير فشل في واجبه الأساسي في الحفاظ على الأسرة الحاكمة — الذي دمر البلاد، أو تسبب في اضطرابات مدنية، واضطراب وصراع، أو عَرَّضَ مكانة الأسرة للخطر — واجه خطراً مباشراً إما بعزله أو اغتياله من قِبَل فرد آخر من عائلتهِ. على أيْ حال، حتى لو لم تَسْتَبْعِد مُصَادَفَة الولادة وتربيته أن الأمير قد يكون سيئاً وخطيراً، وفي الوقت نفسه فإن مُصَادَفَة الولادة النبيلة والتعليم الأميري لم يمنع أيضاً من أن يكون هاوِ غير مؤذي أو حتى شخص أخلاقي حسن.

في المقابل، فإن اختيار حكام الحكومة عن طريق الانتخابات الشعبية يجعل من المستحيل تقريباً أن يرتقي شخص حسن أو غير ضار إلى القمة. حيث يتم اختيار رؤساء الوزراء والرؤساء الدول لكفاءتهم المؤكدة باعتبارهم ديماغوجيين شَهْوانِيَّين غير أخلاقيين. وهكذا، فإن الديمقراطية تؤكد عملياً أن الرجال السيئين والخطرين فقط هم من سيرتقون إلى قمة الحكومة. وفي الواقع، نتيجة للمنافسة السياسية والاختيار الحر، سيصبح أولئك الذين يرتقون أفراداً سيئين وخطرين بشكل متزايد، ومع ذلك بوصفهم أَوصَياء مؤقتون وقابلون للتبديل، نادراً ما يتم اغتيالهم.

لا يسعني هنا إلا أن أقتبس هنري لويس منكن في هذا الصدد. يلاحظ بذكائه المميز أن “السياسيين نادراً ما يدخلون [في مناصب عامة] بالاستحقاق وحده، على الأقل في الدول الديمقراطية. في بعض الأحيان، يحدث ذلك بالتأكيد، ولكن بمعجزة فقط. فهم يُخْتارون بشكل طبيعي لأسباب مختلفة كُلْيَّاً، وأهمها قدرتهم على اسْتَهْوَاء المحرومين فكرياً وإبهارهم… هل يغامر أيْ منهم بقول الحقيقة الحقة والحقيقة الكاملة ولا شيء سوى الحقيقة حول وضع البلد، خارجياً أو محلياً؟ هل سيمتنع أيْ منهم عن صب الوعود التي يعرف أنه لا يستطيع الوفاء بها — التي لا يمكن لأيْ إنسان الوفاء بها؟ هل سيقول أيْ منهم كلمة، مهما كانت جَلِيَّة، من شأنها أن تنذر أو تنفر أيْ من شِرْذِمَة البُلَداء الجَسْيمة من الذين يتجمعون في الساحات العامة، ويَمَرَّغ في التفاهة التي تزداد نحافة ونحافة، آملاً بما لا أمل فيه؟ الجواب: ربما في الأسابيع القليلة في البداية… ولكن ليس بعد أن يكون لهم موضع قدم، والصراع مستمر بجدية… سوف يوعدون كل رجل وامرأة وطفل في البلد في كل ما يريده/ا. سيجوبون جميعاً الأرض بحثاً عن فرص لجعل الأغنياء فقراء، ومعالجة ما لا يُعالج، وإغَاثة ما لا يُغاث، وإصلاح ما لا يَصلُح، واطابة ما لا يُطَيَّب. سيعالجون الثآليل بصب الكلمات عليها، وسيُسَددون الدين القومي بالمال الذي لن يضطر أحد إلى كسبه. عندما يثبت أحدهم أن ٢ + ٢ هي خمسة، سيثبت آخر أنها ستة، ستة ونصف، عشرة، عشرون، إلى ما لا نهاية. بالمجمل، سوف يتملصون من شخصيتهم كرجال عاقلين، صريحين، صادقين، ويصبحون ببساطة مرشحين للمنصب، لاهثين خلف الأصوات فقط. سيعرفون جميعاً بحلول ذلك الوقت، حتى لو اُفْتُرِضَ أن بعضهم لا يعرفون ذلك حتى الآن، أن الأصوات تُجْمَع في ظل الديمقراطية، لا عن طريق الخطاب الحصيف، بل الخطاب السخيف، وسوف يتقنون دورهم بإتقان متعالي. معظمهم، قبل أن ينتهي الهرج والمرج، سيقنعون أنفسهم. وسيكون المنتصر هو من يَعْد بأكبر قدر ممكن ويفي بأقل قدر ممكن”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s