نظرة من اليمين

في البدء أود أن أجيب على هذا السؤال المتكرر في أوساط المتابعين، (لماذا اليمين؟ هل البيئة السياسية مناسبة هنا لخلق هذا النوع من الاتجاهات الفكرية؟)

عزيزي القارئ، لا يخفى عليك ان اي “حراك” ينشد التغيير، والتغيير يحتاج مسببات لأحداثه، -أعني لماذا تود تغيير الأمور اذا كانت تسيير على خير ما يرام؟- بلا شك، المسببات هي الواقع البائس الذي نعيشه. في الحقيقة يشير ظهور تسميات مثل اليمين واليسار الى وجود مجتمع يعاني بالفعل من ازمة سياسية. في النظم التقليدية – قبل حدوث الثورة الفرنسية- لم تكن هذه التسميات موجودة، على الاقل كما نفهمها في الوقت الحاضر. قد تكون هناك معارضة في الانظمة التقليدية ولكن ليست من النوع الثوري الناقم على النظام بأكمله، ولطالما كانت المعارضة، أكثر ولاءً للبلاط الملكي من الحاشية، نظراً لتخليها عن امتيازات متوقعة عند سلوك طريق الاعتراض. وإنجلترا المحافظة مثال واضح على ذلك.

ان الهدف من رسم ملامح هكذا اتجاهات فكرية، هو رفع مستوى النقاش السياسي الذي يدور في بلداننا حول توفير الخدمات العامة والسياسة السطحية، الى مستوى اعلى، نناقش فيه شكل النظام، مدى فاعليته،…الخ. بأختصار، نبحث عن الحلول الجذرية لا التداعيات الجانبية، نتعرف على سياق وأسباب الموقف الذي نجد فيه أنفسنا، ثم نحللها، ثم نتصرف – سياسيا وثقافيا – وفقا للاستنتاجات التي نصل إليها.

في الواقع، لا يحظى اليمين الجديد [حيث تستقر أفكاري] بتمثيل سياسي في أي مكان في العالم. فاليمين الجديد يعتبر نفسه مدرسة فكرية لا حزب سياسي، ويعتقد بقوة بأن: اي نزاع برلماني يجب أن يسبقه، يشرّعه، ويدعمه نزاع ميتاسياسي.

ما هي «الميتاسياسة-Metapolitics»؟

الانتشار الاجتماعي للأفكار والقيم الثقافية من أجل إثارة تحول سياسي عميق وطويل الأجل.

الميتاسياسة هي جهد دعاية -ليس بالضرورة حزب معين- ينشر مجموعة أيديولوجية من الأفكار التي تمثل مشروعًا سياسياً عالمياً.

من “مجتمعات الفكر” (و”الأندية”) التي أعدت للثورة الفرنسية إلى مجموعات ورابطات الضغط الحالية، تشكل الميتاسياسة شرطاً أساسياً ليس فقط لكل عمل سياسي أو ثوري، ولكن للحفاظ على الصلاحيات. بما يتجاوز السياسة الحزبية،

لنلخص الأمر بعبارة بسيطة: ولد عصر التنوير قبل الثورة الفرنسية، وما كانت الثورة الفرنسية ممكنة بدون التنوير. وقبل ظهور اي لينين، لا بد من وجود ماركس يسبقه. وهذا ما فهمه انطونيو غرامشي جيدا حين خاطب المثقفين “العضويين”. حيث أكد على ان تحويل البنى السياسية والاجتما – تاريخية في اي عهد بعينه يستوجب ان يبتدئ هذا العهد بتحول قيمي ضخم من الداخل. فالميتاسياسة هي احتلال بطيء للثقافة والسياسة واحتلال للأرض.

ما الذي يُتوقع من اليمين الجديد فعله؟

“قدم حل، والقيادة سوف تظهر. إذا ظهرت القيادة فستتوافق الآراء. إذا ظهر التوافق، فستتخذ الإجراءات. إذا ظهر العمل، فسننتصر.”

ما نحتاجه -بعد تقديم الحلول-، هو طليعة يمينية جديدة (١) ترسم حدوداً واضحة بين الأصدقاء والأعداء. (٢) وتشكل أيديولوجية نخبة نشطة، مستعدة لملء الفراغ الذي سيحدث عاجلاً ام آجلاً. فالثورة بالنسبة لليمين الجديد هي انقلاب عنيف على الوضع السياسي، -بعد ظهور الأزمة- وتدخل أقلية نشطة من الطليعة لانقاذ الوضع، واستلام زمام السلطة.

ان النقاش الذي يخوضه كل من: [هوبه، مولدباغ، بنوا، دوليتيل]، وآخرون -ان جاز لنا تصنيفهم على نفس الخط- لا يُعنى ببلدانهم او الحضارات التي ينتمون اليها فحسب، بل بتقديم مبادئ عالمية إيجابية، للاستقرار والنجاح الحضاري. كما ان جدال الذي يفتعلونه يتعلق بما اطلق عليه نيتشه “السياسة الكبرى”، لا السياسية السطحية. السياسية الكبرى هي [بأختصار تسجيل شعب في التاريخ والحفاظ عليه]. فبالنسبة لليمين الجديد لا يقتصر جوهر السياسة على الاقتصاد، التوازن الاجتماعي، السلام، والأمن، بل يتعدى ليشمل: الهندسة المعمارية، الفنون الجميلة، الديموغرافيا، الثقافة العامة، شكل نظام الحكم..الخ. إن الفكرة كلها بسيطة للغاية، والمبادئ ظلت قائمة بذاتها لآلاف السنوات ونجحت في اليونان وروما مثلما نجحت في بابل ومصر، لأنها قائمة على ما هو طبيعي وفطري.

ما يهمنا الآن في وسط هذا التخبط هو تكوين جبهة موحدة من العقول الحرة، تضم مجموعة من الشباب الاذكياء. ان فكرة اليمين دائماً وابداً هي خلق قادة لا صناعة شعوب جديدة ولهذا أين ما كنت نحن هنا نتطلع الى انضمامك إلينا لا كمتلقي للأفكار فحسب، بل كفرد مؤثر ضمن محيطه الاجتماعي، كحلقة ضمن تيار بيولوجي عاش فيه الأسلاف وسيعيش فيه الأحفاد.

مراجع:

*عودة اليمين الحقيقي، دانيال فرايبرغ.

*لماذا نقاتل؟، غيوم فايي

*الميتاسياسة واليمين، جون بروس ليونارد

*كيرت دوليتيل، معهد التملكية

* الان دو بنوا، “اليمين الجديد بعد أربعين عاما”، اهم مقدمات كتاب “ضد الديمقراطية والمساواة.”

رأي واحد حول “نظرة من اليمين

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s