ما الذي يُتوقع من اليمين فعله؟

مايكل أنيسيموف | ترجمة: أنور مكي

بينما يعمل ناشطو اليسار وينفذون عملية تخريب العالم، هل يُفترض أن يمتنع عن اتخاذ أي رد فعل، وأن يراقبهم ويشجعهم بل ويساعدهم على هذا؟ من الناحية التاريخية، كان هناك غياب لـ “رد الفعل الرجعي” للأسف، أو كان موجود ولكن غير كافي أو ضعيف، ينقصه الناس والموارد المناسبة، وهذا في وقت كان المرض مازال في مراحله الأولى، وبالتالي قابل للإزالة عبر التطهير الفوري للبقع المريضة، لو جرى هذا بالشكل الذي كان يجب أن يجري به، فإن الدول الأوروبية مثلا كانت ستنجو من مصائب لا توصف.

إن ما نحتاجه هو طليعة يمينية جديدة ترسم حدودًا واضحة بين الأصدقاء والأعداء. إن مصطلح “الرجعية أو رد الفعل الرجعي أو العودية” له دلالة سلبية طفيفة بطبيعته، فمن يقومون برد فعل لا يمتلكون مبادرة القيام بفعل ما من البداية، والفرد يستجيب أو يتخذ رد فعل بطريقة انفعالية أو دفاعية، وعند مواجهة شيء تأكد أو تم بالفعل. من ثمّ، من الضروري أن نوضح أن رد الفعل ليس مجرد تجنب لحركات الخصم بدون تقديم أي شيء إيجابي لمواجهته به. يمكن تجنب سوء الفهم هذا من خلال ربط صيغة “رد الفعل الرجعي” مع صيغة “الثورة المحافِظة”، وهي صيغة يبرُز فيها عنصر ديناميكي حركي واضح. إن “الثورة” في هذا السياق لم تعُد ترمز للإطاحة العنيفة بنظام شرعي قائم، ولكنها ترمز إلى فِعل يهدُف إلى التخلص من الفوضى الناشئة حديثًا، وإعادة تأسيس الحالة الطبيعية. أشار جوزيف دو مايستر (Joseph De Maistre) إلى أن ما نحتاجه أكثر من “الثورة المضادة” بمعناها الانفعالي الصارم، هو “مضاد الثورة”، أي الفِعل الإيجابي المستلهم من الأصول الماضية. إن طريقة تطور الكلمات عجيبة، فبعد كل شيء، تعني الثورة بمعناها اللاتيني الأصلية “الدوران”، أي الحركة التي تؤدي إلى نقطة البدء مرة أخرى..أي إلى الأصول. من ثم، فإن قوى التجديد “الثورية” التي يجب استخدامها ضد الموقف الحالي يجب أن تكون مشتقة من الأصول.

“الرجعية أو رد الفعل الرجعي أو العودية” في جوهره لا يدور فعليًا حول الاستجابة لأي شيء، ولكنه يهدف ببساطة إلى استعادة النظام الطبيعي، أو كما يقول إيفولا: “حركة تؤدي مرة أخرى إلى نقطة البدء وإلى الأصول”. قال أيضًا: “إن مبادئي هي أن مَن وُلِدوا لأسرة نبيلة – قبل الثورة الفرنسية – هم فقط من اعتُبِروا عاقلين وطبيعيين”. كانت هذه المبادئ مقبولة قبل الثورة الفرنسية، ولكنها لم تكون مقبولة قبلها وحسب، بل ظلت مقبولة بعدها لأكثر من مائة عام في أجزاء واسعة من وسط أوروبا، وخاصة النمسا وهنغاريا وألمانيا، وخلال 47 عامًا من بدء توزيع جائزة نوبل (1871-1918)، حصلت الإمبراطورية الألمانية على جوائز نوبل في العلوم أكثر من “بريطانيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة مجتمعين. بالتالي فإن هيمنة ونجاح الدولة التقليدية إلى حد كبير، والقائمة على التسلسل الهرمي والنظام، ظهر بوضوح على مدار فترة قريبة لم يمر عليها 95 عامًا. هذا دون ذِكر إنجازات النمسا وألمانيا في الثقافة والعمارة والموسيقى والفنون خلال قرون تاريخهم المَلَكي الطويل.

سُميت “الرجعية أو العودية” بهذا الاسم بسبب حدث تاريخي وهو نهاية الحرب العالمية الأولى بتدمير الملكيات الأوروبية الثلاثة العظيمة الباقية، وهي الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النسمـ-هنغارية، وروسيا الإمبراطورية. لو اختلفت نتيجة معركة مارن، وهو احتمال كان قائمًا حينها، فربما ظلت هذه الدول باقية حتى يومنا هذا، وكانت “الرجعية أو العودية ” سيُطلق عليها ببساطة “نمساوية” حينها.

يحاول مؤيدو الديموقراطية إعادة كتابة التاريخ والإشارة ضمنًا إلى أن مبادئ التنوير غير متوافقة بشكل جذري مع المَلَكية، ولكن هذا غير صحيح تمامًا. كان لفولتير علاقة وثيقة بعدد من أفراد العائلات الملكية، بما فيها الملك فريديك العظيم وكان يقدم له المشورة بانتظام، بالرغم من أن فولتير يُعَد واحد من أعظم مفكري التنوير. إن الازدهار الاقتصادي والثقافي الذي حققته الملكية البائدة في فرنسا هو الذي خلق الظروف التي ساعدت على ظهور التنوير والثورة العلمية. بدأ كل هذا قبل فترة طويلة من الثورة الفرنسية. كان هناك مجموعة كبيرة من أفراد العائلات الملكية الذين أُطلق عليه “ملكيو التنوير” بسبب درجات التزامهم المتفاوتة بمبادئ التنوير.

إن “الرجعية أو العودية” لا تعني في جوهرها معارضة أي شيء، ولكنها تعني تقديم مبادئ إيجابية للاستقرار والنجاح الحضاري – حكومات قائمة على القيم وليس المال فقط، ومبادئ تقليدية تتسم بالتسلسل الهرمي والسلطة الذين يعززون النظام، والنظرة المستقبلية طويلة المدى القائمة على النبالة المتوارثة بين الأجيال وليس دورة انتخابات كل أربع سنوات، وغيرها الكثير. تعني قادة يقودون حقًا ولا يتبعون الرأي الشعبي ببساطة. إن الفكرة كلها بسيطة للغاية، وظلت قائمة بذاتها لآلاف السنوات بدون أي تعارض مع أي شيء إلا الفوضى وحكم العصابات. إن “الرجعية أو العودية” تقف وحدها لأنها قائمة على ما هو طبيعي وفطري.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s